|
الأربعاء :
04/03/2009
المثقف
وإشكالية النهضة
د. عامر عبد زيد(*)
(خاص للمعهد)

مدخل:
كانت انطلاقة الفكر العربي المعاصر الأولى مع "صدمة الحداثة" (دخول
نابليون الى مصر بترسانته العسكرية) ومن ثم حملات الاستيطان والاستعمار
في أواسط القرن التاسع عشر وصولا إلى سقوط الخلافة العثمانية 1924،
لتوقد شعلة هذا الفكر مجددا إبان هزيمة حزيران 1967 وصولا إلى المرحلة
الراهنة([1]).
لقد جاء هذه الخطاب الفكري ضمن
إشكالات تنوعت بتنوع الخطاب وتحدياته التي يفترض أن تدفع هذا الخطاب
لأن يستجيب إلى تحدياتها تفكيكا وتدبرا وتداولا لأن من أهم وظائف الفكر
بما هو خطاب نظري وفعل نقدي هو الاستفادة من منجز المعرفة في العلوم
النظرية والعلوم الإنسانية : التاريخ والاجتماع وعلم النفس
والأنتروبولوجيا ومن الفلسفة ومن الخبرات الجماعية التي راكمتها الأمّة
عبر تاريخها الثقافي والحضاري والروحي. انه يستفيد من كل هذه التجارب
المتراكمة في أن يركز عمله بوصفه نشاط فكري (بما هو وعي نقدي أو نظر
عقلي أو تحليل معرفي على دراسة المسائل الحضارية والثقافية والدينية
والعقلية المتعلّقة بإشكالات التنمية والتقدّم والتحرّر والثقافة
وتطوير قطاعاتها) ([2])
الإشكالية المحورية الأولى([3])
تمركزت حول سؤال النهضة والتمدّن وهو المشغل الأساسي للفكر العربي
المعاصر بما هو فكر إصلاحي، أو بما هو خطاب في الإصلاح، وقد استمر طرح
هذا الإشكال داخل دوائر الفكر العربي المعاصر بموجب امتداد تأثير فكر
عصر النهضة الذي نشأ وتبلور بصفة رئيسية إبّان حملة بونابرت على مصر،
1798م وانفتاح العالم العربي والإسلامي على نظيره الغربي المتقدم
واكتشافه لتأخره وركوده وجمود العقل فيه، ومن هنا ظهر ذاك السؤال
المثير للجدل لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟، وهو سؤال دفع إلى
التفكير في الدّين من جهة علاقته بالعلم والسياسة من ناحية وبالحرية
والتقدم من ناحية أخرى على السواء، كما دفع ذلك إلى دراسة أسباب نكوص
الحضارة العربية وخفوت عبقرية العرب بعد ان بلغوا أوج التقدم العلمي
والحضاري.([4])
إن مشروع النهضة كان يمثل ثقافة
الأطراف مقابل ثقافة المركز (إن الواقع لا يرجع إلى "خصوصيات "الإسلام
ولا يرجع إلى نواقص في مجال السياسة ... بل أُنسِب هذه الظواهر جميعا
إلى أسباب (نجد جذورها في الطابع المبتور لرأسمالية الأطراف بالمقارنة
مع انجازات رأسمالية المركز،الناتج بدوره عن آليات التوسع الرأسمالي
على صعيد عالمي الذي أنتج بالضرورة "استقطابا"عالميا)([5])
لهذا نجد ان المثقفين في عصر
النهضة كانوا أمام أمرين:
الأول منهما مشروع التنوير الفرنسي
والثاني الدولة التي أقامها محمد علي؛ لهذا جاءت تلك التصورات في ضوء
تلك الظروف إلا أن الفكر الغربي شهد تحولا كبيرا من فكر الأنوار إلى
فكر الاستعمار ( إن أوروبا قد صادرت منجزات القرن الثامن عشر (انواره)
لكي تخدم أهدافا مصلحية واستندت إلى الجدلية للعصور الوسطى لكي تحقر
الذين أخضعتهم.)([6])
هذا الأمر قاد الى تغيير سياسي
كبير عبر جدلية التنوير والاحتلال ؛ فلقد جاءت النهضة عبر فعالية
خارجية شكلها التهديد الخارجي الغربي ( الفرنسي – البريطاني) إذ عمل
هذا العامل على كشف الواقع العربي يومها ولم يكن أمام مثقفي الأزهر سوى
التصدي للاحتلال مسلحين بتراثهم على الرغم من بعد التجربة تاريخيا عنهم
في تصديهم الأخير للغرب ( وذلك لأن المقدس كان احد أبعاد الحقل السياسي
يحضر بقوة في فترات تاريخية وقد يكون جيشا وصناعا وحضوره محكوم بعوامل
معينة )([7]) . وهكذا خرج
الغربيون مخلفين وعيا وليدا توج ببقاء مصر تحت سلطة ( محمد علي ) وهنا
كان المثقفون بين ضغطين:
الأول : خارجي تمثل بتلك القفزتين
اللتين حققهما الغرب السياسية والثقافية خلال أربعة قرون وكيف يتم ردم
تلك الفجوة . لهذا تفاعل المثقفون العرب مع الحداثة في التجربة الغربية
ثم نقلوها عبر الترجمة وبشروا بها في مجتمعاتنا أفكارا مجردة ، غير
ناظرين إلى أنها صيرورة اجتماعية ارتبطت بتحولات عملية ليس لها نظير في
مجتمعاتنا . إن الحداثة الأوربية ليست بضاعة للتصدير وقد يتم الالتفاف
عليها وتوظيفها لمقاصد ضد أهدافها الحقيقية .
اما الضاغط الثاني : فهو داخلي
وقد تمثل بتلك السياسة التي أقرتها سلطة ( محمد علي ) التي كانت قد
اتخذت نوعا معينا من النهضة يقوم على اقتباس التجربة العثمانية في
إصلاح أجهزة الحكومة والجيش وإهمال الشعب ومؤسساته .والعمل من ثم على
عسكر معد لخدمة الأقلية الحاكمة من الأتراك والعمل على المحافظة على
السلطة
1 - النهضة الحديثة:- الإشكالية
المحورية الأولى تمركزت حول سؤال النهضة إذ هنا يمكن أن نلمس ملامح
عامه للنهضة-:
الأول:-
تجربة محمد علي-(ملامح النهضة):- إن من المهم التمييز بين
العقود الأربعة الأولى من القرن التاسع عشر وما تلاها .لقد شهدت هذه
العقود محاولات رائعة لتحقيق نهضة عربية مستقلة ،تعتمد على الطاقات
الاقتصادية والفكرية .إذا كانت تجربة محمد علي في تحقيق نهضة اقتصادية
مستقلة في مصر ،عن طريق إقامة الصناعات الحديثة ، وإصلاح وتوسيع نظام
الري ، وإصلاح النظام الضريبي ، وفرض احترام القانون ونشر التعليم ،هي
أكثر هذه المحاولات ،فإنها ليست الوحيدة في المنطقة فقد امتدت تجربة
محمد علي إلى البلاد العربية فشهدت سوريا في عهد الحكم المصري
1831الغاء نظام البشالق العتيق،ووضع كل الإقليم السوري تحت إدارة حاكم
مدني مقيم في دمشق ، وادخل نظام التسجيل لتنظيم الوثائق الحكومية ،
وأصلح نظام القضاء ، والغيت الامتيازات المقصورة على الأثرياء وأصبح
الجميع متساوين إمام القانون والغى إبراهيم نظام الالتزام وقضي على
نفوذ واحتكار الأعيان المحليين ،وفرضت ضريبة شخصية جديدة ، وأصبح نظام
التجنيد إجباريا .([8])
اما البعثات الدراسية التي ارسلها
محمد علي الى اوروبا فقد خضعت لاشراف صارم ، حتى انه لما التمس بعض
افرادها ان يسمح لهم بالتجول في انحاء فرنسا للتعرف على نمط الحياة
الفرنسية رفض محمد علي طلبهم .([9])
وفي السودان 1821 قام الولاة الذين
حكموه باسم محمد علي بشق قنوات الري واجروا التجارب لادخال محاصيل
وصناعات جديدة ، وادخلوا الى السودان زراعة انواع مختلفة من الفاكهة
وزراعة قصب السكر ، واقاموا السواقي لسقي الماشية ، والمنشآت لتخزين
المحاصيل ،وكافحوا الآفات الزراعية ،ونقبوا عن المعادن ، وشملوا الطرق
التجارية بحمايتهم ..الخ .
وفي لبنان ، دام حكم الامير بشير
الثاني نحو خمسين عاما من 1788 حتى سقط مع محمد علي في 1840، في عهده
جرى توسيع الطرق الضيقة ، واقيمت طرق جديدة ، وأصلحت الجسور القديمة
وشيدت جسور حديثة ...واذ ادرك الامير حاجة بلده إلى الخدمات الطبية ،
ارسل خمسة من الطلاب الى اعرق المدارس الطبية في المنطقة ،مدرسة الطب
في القاهرة ، التي اسسها حليفه محمد علي . ان محمد علي وابنه "بالتبني"
وقائد قواته ابراهيم باشا"1789-1848"اعتمدا تشجيع القومية العربية لشحذ
الهمة لهذه الامة وتوظيفها في بناء مشروعهم الشخصي، الذي يعد لدى
الآخرين خروجا عن الشرعة التي تمثلها الدولة العثمانية لهذا عملوا على
اسباغ الشرعية على ذاتهم عبر مداعبة المشاعر المحلية لاهل مصر، والضغط
على الدولة العثمانية من جهة ثانية من اجل الحصول على مكاسب اكثر إلا
أن هذا عاد بالخير على العالم العربي وكان لهذا الحدث آثار عميقة في
ظهور كيانات سياسية وادبية ومؤسسات ثقافية في المنطقة سوف يكون لها
الأثر الأكبر في النهضة العربية الإسلامية ومن النتائج :
1-( الاضطلاع بتدريس اللغة العربية
وادابها في المدارس ، سواء تلك التي انشأها المبشرون أم التي قاموا هم
بتأسيسها مثل "المدرسة الوطنية" التي اسسها بطرس البستاني ؛ في
المساواة بين ابناء مختلف الطوائف الدينية والمدنية.
2-الكتب التي الفوها باللغة
العربية في مختلف مجالات المعرفة لتستعمل في تلك المدارس من خلال
الجمعيات التي شكلوها.
3-من الصحف التي اصدرها مثل صحيفة
"نفير سوريا" ومجلة "الجنان" التي أصدرها بطرس البستاني ."والبيان
والضياء" التين اصدرهما ابراهيم اليازجي).([10])
الثاني:-العوامل
الفكرية الخارجية:
1-الاصلاح العثماني:- ظهرت البوادر
الاولى للتحديث في الولايات العثمانية بعدما اخذت ولاياتها حتى
اسلامبول بالانحطاط من فساد الادارة، وتخلف الوسائل والاساليب ،وتدهور
النظم الاقتصادية ، وبعد 1839 إعلان البيان خط شريف كولخانه اتجهت
الحكومة العثمانية للبحث عن علاج شاف يوقف هذا التدهور بالآتي:
الأول – اتباع النظم الاسلامية
والتقاليد العثمانية .
الثاني – اتباع النظم الاوربية
الحديثة ، فكانت بوادر الاختيار للاتجاه الثاني تعود الى اسباب هي ان
الحكومة العثمانية كانت تحاول ان تصلح الامور العسكرية بسبب الصراع
الفارسي العثماني ومن اجل فرض السيطرة على ولايات الحكومة العثمانية
.بالاضافة الى التدخل الاوربي العميق في الحكومة العثمانية ، وما عكسه
في دخول افكار ومفاهيم اوربية حديثة .وجاء ذلك عبر البعثات العسكرية
الفرنسية ،وخاصة ان الضباط العثمانين بعد تعلمهم اللغة الفرنسية
والمفاهيم العسكرية الاوربية ،اخذوا يطالعون الكتب السياسية الفرنسية.
عبر البعثات الدبلوماسية العثمانية الى دول اوربا وخاصة فرنسا.([11)
اما بغداد، فقد شهدت المرحلة نفسها
خمسة عشر عاما من حكم داود باشا 1817-1832 الذي عني باصلاح التعليم
واسس مدارس جديدة ، وادخل اول مطبعة عرفها العراق ، وزاد في عصره
التصانيف والتآليف المختلفة ،واصبح العلماء يتسابقون على التقرب اليه
بتأليف الكتب له .وكون جيشا كبيرا ،واصلح نظامه ، واسس مصانع المنسوجات
لتفي بحاجته. وفرض نظاما جديدا للحماية في مواجهة البضائع
البريطانية،واخضع تقييم بضائع شركة الهند الشرقية التي تمر بالعراق
لنظام دقيق، الامر الذي جلب عليه سخطا من الشركة كان كافيا لعزله .
وبعد سنة من سقوطه ، كتب القائم باعمال شركة الهند الشرقية في بغداد
"1833"يقول : (ان اهل بغداد ، وهم فيما هم فيه من بؤس ،تتعلق ابصارهم
بابراهيم.... وتجار بغداد ... يأسفون لتدخل بالمرستون"
وزارالخارجيةالبريطاني " لمنع الحاق اقليمهم بالإقليم "أي سوريا" الذي
يخضع لذلك الحاكم الذي بداوا بالفعل يسمونه " الخليفه المصري" .)([12])
قد انتهجت الدولة العثمانية منهجاً
إصلاحياً ظهر في التنظيمات الإصلاحية لعام 1837 لكي تمحي قيود الاقطاع
الظالمة وتمهيد الطريق لسياسات غير متعصبة وفتحت الطريق لتطور الملكية
الفردية إلا أنها لم تنجح امام التدخل الاوربي إذ (يعود إلى المعاهدات
والامتيازات الاجنبية ونتائجها الاقتصادية حيث كانت تلك المعاهدات
تجارية حيث كان السلطات العثمانية تمنح الدول الاجنبية " الاوربية"
والتجار امتيازات خاصة تشمل وضع حد للضرائب الجمركية من قبل العثمانيين
على البضائع الاوربية المستوردة)([13])
2 - الثورة الدستورية
الايرانية-
تمثل هذه الثورة أثرا مهماً في
ظهور تصور حديث للحكم، إذ نجد السلطة الدينية ذات موقف ثوري كان له اثر
بعيد في افكار المصلحين على اختلاف طوائفهم في وقت كانت السلطة
العسكرية الى جانب الشاه. وفي عام 1896 اغتيل ناصر الدين شاه من قبل
احد أتباع الافغاني وجلس على العرش ابنه مظفر الدين شاه خلفا له وقد
اتخذ الاخير سياسة معتدلة ازاء الافكار التحررية التي كانت تشتد يوما
بعد آخر .وكان رئيس وزرائه يعارض هذه السياسة ،ويؤكِّد على مواصلة
سياسة الشاه السابق .
وفي عام 1905 بادر علماء النجف الى
ارسال رسالة الى الشاه يناشدونه فيها اصلاح الحالة السياسية في البلاد
،وانشاء مجلس تمثيلي ، مما أثار حفيظة رئيس الوزراء ، وفي تفجير الموقف
الداخلي اثر حادثة ارتفاع اسعار السكر ارتفاعا فاحشا، وعندها وقعت
الواقعة اي الالتجاء إلى مرقد شاه عبد العظيم . وانظم إليهم كل من
السيد محمد الطباطبائي ،السيد عبد الله البهبهاني والشيخ فضل الله
النوري ،واعلان مطالب الاصلاح السياسي من هناك.
وعندما وقعت الواقعة نفذ رئيس
الوزراء عدة محاولات عسكرية لضرب المعتصمين، ثم اضطر الشاه اخيرا الى
النزول عند مطاليبهم المتمثلة بشكل اساس في عزل عين الدولة وتاسيس ما
اطلق عليه اسم "دار العدالة"،اي مجلس شورى للبلاد.([14])
3-الانقلاب العثماني1908-1909: حمل
هذا الانقلاب منذ انطلاقه شعارات براقة ( الحرية ،الاخاء ، المساواة)
الاسس الثلاثة التي أراد تحقيقها دون تمييز ديني او قومي ،ويعطي المصلح
محمد رضا الشيبي تقييما للانقلاب حينما اضفى واجبه الاجتماعي الاصلاحي
قبل غيره ان يقود ثوره عامة على سائر نظم البلاد غايتها قلب النظم
الاجتماعية قبل السياسية.
جاء الاتحاديون إلى الحكم
بشعارات تثلج صدور الأحرار خاصة ما يتعلق بتطبيق الدستور .
لا ينكر ان الانقلاب العثماني
فتح ميادين ساعدت على نمو الافكار الاصلاحية ،فقد انتشرت المطبوعات ،
وتنبهت الافكار ([15])
الثالث: -
المثقفون التنويريون والأوضاع الاقتصادية :-
أ- ان الاوضاع الاقتصادية: في
العهد العثماني تكشف الواقع الذي عاشه العرب في ظل الاحتلال العثماني
في نهاية القرن الثامن عشر.
اذ بدأ الحكام الاقليميون،
المحليون ، والقبليون يفرضون انفسهم في السلطة . كان لهذا الوضع رد فعل
جذري على البناء الاجتماعي والاقتصادي ،فمثلا في سوريا نجد بقايا
التجارة الحضرية قد حلت بها الفوضى بصورة خطيرة بسبب الهجمات البدوية
..ان حياة الاستقرار في بعض الاماكن قد اختفت ،، مثلا في منطقة دجلة
شمالي بغداد وعلى نهر الفرات شمالي الحلة .ان حياة الفلاحين حافظت على
وجودها ضد البدو في المرتفعات وقرب المدن المحصنة العظيمة فقط.([16])
1- تعرض الفلاحون إلى الطرد من
الدولة العثمانية عن طريق الاستغلال الفاحش من الإقطاعيين من الأتراك
بجباية الضرائب ، ثم ان ملاك الاراضي في المناطق الحضرية حاولوا التغلب
على ضياع التجارة بسبب غزوات البدو بالضغط على الفلاحين المحليين
لاستخراج فائض اكثر. في هذه العملية تحولت البرجوازية التجارية الى
سمات الاقطاعية "feudalization" .المجاعة ،الاعمال الشاقة ، نظام
السخرة ، والضرائب ،والالتزامات المتعددة المرتبطة بالارض فانعدام
الحقوق، الاحتقار من الملاك وحاشيتهم ،هذا كله كان من نصيب الفلاح
العربي .
مع بداية القرن التاسع عشر كان
هناك القليل من تقسيم العمل والتخصص ما بين الحرف والصناعات
والزراعة.وقد انتج وصدر المهنيون العرب في المنطقة الحضرية في جميع
المدن بما فيها المدن التي في الشرق ،الملابس ،والادوات النحاسية
والسجاد والاسلحة ،ولكن بوصول القرن التاسع عشر ازالت المنتجات الرخيصة
المصنعة في اوروبا جزءا كبيرا من الانتاج الحرفي المحلي .وتدهورت حالة
طبقة الحرفيين ، والتجار المحليون دفعوا خارج السوق المحلي ، وأصبحوا
ذيلا للبيوت التجارية الاوربية .وهذا يعود الى المعاهدات والامتيازات
الاجنبية ونتائجها الاقتصادية .([17])
أما مصر ففي معاهدة لندن عام 1840،
التي فرضتها أوروبا بقيادة بريطانيا على محمد علي بقوة السلاح ، فإنها
التزمت بمقتضاها بفتح أسواقها وإلغاء احتكارات الدولة التجارية ، لتعلن
بداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر، مرحلة تصفية الدولة المركزية وإنهاء
دورها في مشروع النهضة.حتى اصبح كل ما تبقى من ذلك البناء الصناعي الذي
تكلف بناؤه الملايين مجرد آلات علاها الصدأ في مبان متداعية مهجورة.
وكانت تلك هي نقطة البداية في عملية ادماج مصر في السوق الرأسمالية
العالمية كوحدة تابعة يهيمن عليها الغرب .ومن الفلاحين الذين انتزعت
اراضيهم ، ومن هؤلاء التجار والحرفيين الذين ضربت تجارتهم وحرفهم خرجت
جماهير ثورة عرابي(1881-1882).([18])
رابعا-
الظروف التي رافقت النهضة الثقافية : إعطاء الدولة الدور
المركزي انطلاقا من تجربة "محمد على" ، . في الإصلاح والتحديث لدى
مثقفي النهضة وكان هذا يظهر في أعمالهم ومواقفهم من أمثال:-رفاعة
الطهطاوي-بدأت محاولات الاصلاح الديني والمدني والاجتماعي بأفق جديد في
العصر الحديث في مصر مع جهود رفاعة رافع الطهطاوي (1801ــ 1873) الذي
درس على يد الشيخ حسن العطار في الأزهر،.وكان الطهطاوي (1801-1873) بعد
تخرجه من الأزهر قد أرسل إلى فرنسا إماما مرافقا لفرقة عسكرية ابتعثها
محمد علي إلى هناك للتعلم والتدريب، فأحسن استغلال وجوده بالإقبال على
تعلم العلوم الغربية بحماسة منقطعة النظير، فأتقن اللغة الفرنسية ودرس
الفلسفة اليونانية والجغرافيا والمنطق، وقرأ مؤلفات رواد الفكر الفرنسي
مثل فولتير وروسو. وما أن عاد إلى القاهرة حتى ألف في عام 1834 كتاباً
بعنوان "تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز" دوّن فيه مشاهداته حول عادات
ومسالك أهل فرنسا، وكال المديح للنظام الديمقراطي الذي نشأ فيها ووصف
مشاعره تجاه انتفاض الأمة الفرنسية للدفاع عن الديمقراطية من خلال ثورة
1830 ضد الملك تشارل العاشر. وحرص الطهطاوي على إثبات أن النظام
الديمقراطي الذي كان قد شهده في فرنسا ينسجم انسجاما تاما مع تعاليم
الإسلام ومبادئه. (عمل مترجما ورئيسا لمدرسة اللغات الجديدة ورئيسا
لتحرير الجريدة الرسمية((الوقائع المصرية)). غير ان عمله الأهم كان في
حقل الترجمة، فضلا عن مؤلفاته العديدة)([19])
، وجعل جهوده تنحصر في أفق ضيق وهو ما تريده السلطة الحاكمة المالكة
لإدارة الإنتاج ، لقد كان الطهطاوي رجلا مستنيرا وبصفته موظفا في دولة
( محمد علي) كان مضطرا إلى أن يصوغ ما تلقاه من أفكار حديثة في قوالب
المشروع الخديوي ممجدا لعهده في إطار نظرة أبوية للدولة . كان الطهطاوي
قد كتب في عام 1869 في اوج ازدهار تجربة اسماعيل باشا في محاولته احياء
دولة " محمد علي" فالطهطاوي يستخلص العبر من تجربة محمد علي وعينه على
الحاضر ، على تجربة اسماعيل فيقول : ( إن خصب مصر ويمنها متسبب عن
النيل ، ويمن غيرها متسبب عن اختلاف الفصول والإمطار فبهذا كانت مصر
مستعدة لكسب السعادة اكثر من غيرها بشرط انتظام حكومتها واجتهاد أهلها
لأن اختلال حكومتها يخل بمزارعها) وينتهي إلى ضرورة وجود حكومة مركزية
قوية وإلا أصابها الخراب أمور الوطن([20])
فكان المشروع الحد اثوي رهين الدولة لهذا نجده يرى التمدن :في اصلين :
أولهما : على حد تعبير الطهطاوي
"معنوي "،ويشمل الاخلاق والعوائد، والاداب.
وثانيهما : "مادي"،يشمل المنافع
العمومية ، كالزراعة ،والتجارة ،والصناعة .
حدد رفاعة الطهطاوي الوسائل التي
تضمن تحصيل " التمدن "في: التمسك بالشرع وممارسة العلوم والمعارف ،ونشر
التعليم وتقديم الفلاحة والتجارة والصناعة ، واختراع الالات وأدوات ،
وإيجاد الوسائل كالطباعة والجرائد والوقائع وضمان حرية الرأي والتعبير([21])
، فقد آمن الطهطاوي دائما بآن الإسلام رغم كونه " متخلفا " قادر على
اللحاق باوربا المعاصرة . وقد نادى باستعارة العناصر الصحيحة من أوربا
لأن ذلك كفيل بحل المعضلات التي تواجه الاسلام . وكان يذكر دائما
بالحديث الشريف :" الحكمة ضالة المؤمن ، يطلبها وان في اصل الشرك "
وكان الطهطاوي يرى أيضا أن العلوم الحديثة لا تصبح ظاهرة اجتماعية في
مجتمع ما الا باعانة صاحب الدولة للعلماء، وقدم دور الدولة على كل
الوسائل المعتمدة لتقدم العلوم ؛ لأن ذلك يبث روح التنافس والتعاون ،
مما يؤدي الى سعادة المملكة بوجود الرجال في محط الرجال كما ينشأ عن
ذلك إصلاح أحوال الأهالي . نجد هذه الافكار ذاتها عند المثقفين العرب
الا ان بطرس البستاني اضاف إليها( إلا أن كل هذه الوسائط لن تكون فاعلة
ما لم تستند الى جملة من الشروط من اهمها سيادة الالفة المدنية بين
ابناء الوطن وتفضيلهم صالح الوطن على الصوالح الذاتية، سواء كانت شخصية
ام طائفية.)([22]) ،
وبالمقابل ظهر تيار اصلاحي تجديدي:-قام به مجموعة من كبار المصلحين
والمفكرين الدينيين ، وكان على راسهم جمال الدين الافغاني "1839-1898"
ومحمد عبده "1849-1905" وعبد الرحمن الكواكبي "1848-1905" ومحمد رشيد
رضا "1865-1935". ويقدم هذا التيار الافكار الآتية :
1- سلفية دينية في العودة إلى
المنابع الأولى النقية والبسيطة للاسلام .
2- تجديد ذاتي في بحث تراث الامة
الفكري والحضاري ، والايمان بأن الإسلام فلسفة تامة للحياة .
3-عقلانية اسلامية في استخدام
العقل والبراهين في فهم الدين وفقهه ونصوصه ووعي مقاصده والبرهنة على
أن الإسلام لا يتناقض مع العلم الحديث .
4-الموقف من الحضارة الغربية :
النظر إلى الحضارة الغربية من موقع مستقل ومتميز ، لمعرفة اسرار تفوق
الخصوم وذلك لامتلاك هذه الأسرار والاستعانة بها في الصراع . اما
العلاقة مع الآخر في نظر مفكري النهضة فكانت مرتبطة بالحاجة إليه ، في
هذا يقول نصر حامد ابو زيد( خطاب النهضة خطاب مفتوح يرى الاخر في تقدمه
وعقلانيته ، كما يدرك اطماعه الاقتصادية والسياسية ، لذلك يتعلم منه
لكي يحاربه بنفس السلاح.)([23])
5- العوده الى التربية الدينية فهي
التي تخلق المسلم الصحيح والقادر على بناء الحضارة الاسلامية الجديدة،
لأن التقدم المادي مشروط بالتقدم النفسي والمرتبط بالدين كموجه ومؤثر
في افكار الانسانية .
يشكل الانتماء الى السلفية قاسما
مشتركا بين مختلف الحركات الإسلامية في الفضاء السنّي في القرن العشرين
،أمعتدلة إصلاحية كانت أم راديكالية متطرفة، إلا ان دلالة المصطلح "
السلفية" نفسه تختلف بين حركة واخرى. واهم السلفيات هي
التاريخية،والمدرسية،والنهضوية ،والوطنية،والحركية، والجهادية
،والتحررية .وهذا التداخل يكشف أمرين :
الأول :-أن فكرة السلفية هي فكرة
إسلامية منهجية ، على المجال الإيديولوجي الحركي الإسلامي تملك
الرأسمال الرمزي لهذا المصطلح لتوظيفه في بعدين الاول معنوي وهو ما
يدخل الرسمال الرمزي والثاني عملي في مجال السلوك .وهذه الرؤية لا ترى
إمكانية للجديد إلا عبر التأصيل داخل القديم حتى لا يكون بدعة.
الثاني :- تعدد جذور السلفية اي
تعدد في تاريخية القراءات السلفية التي تحتكم إلى رؤية معينة إلا أنها
تختلف بحسب ظرفها التاريخي مما يجعلها تغلب مرجعية على اخرى وهذا يعني
تاريخية تلك التاويلات وتعاملها مع المرجعيات.
تجد بين السلفيتين ما يتخطى حدود
العلاقة المعنوية او المنهجية البسيطة فلقد تكونت السلفية النهضوية في
شروط الفتح الاوربي للعالم الاسلامي ، بينما تكونت السلفية النجدية في
مجتمع بدوي لم يطله الفتح .
وكانت السلفية النهضوية عقلية
تاويلية ،بقدر ما كانت السلفية النجديه نصوصية.(ارتبطت السلفية الاولى
المرنة بحركة الإصلاحيين الإسلاميين النهضويين وكانت منطلقاتها: تأويل
النص مع العقل والتركيز على نظرية المقاصد الشرعية في الفقه لاعلى نمط
علم الاصول الفقه الموروث والمتوقف عن التطور واطلاق حركة اجتهادية
تستوعب المتغير في حياة المسلمين وعصرهم.اشكاليةهذه السلفية بتحقيق
الاصلاح الديني بوصفه مدخل لتحقيق باقي الاصلاحات النهضوية.)([24])
........................
(*)
استاذ الفكر الوسيط في
جامعة الكوفة
الهوامش
:
....................
[1] :
عبد الملك منصور
حسن المصعبي، الفكر العربي المعاصر ورهان الحوار,’ جمعية
الترجمة العربية وحوار الحضارات , موقع: www.atida.org
زبواسطته انظر :البرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة،
بيروت لبنان 1997، (نص المقدمة) عبد الله العروي، ثقافتنا في
ضوء التاريخ المركز الثقافي، 1992.
[2] المرجع نفسه
وانظر : أحمد أمين والفكر الإصلاحي الحديث، دار محمد علي
الحامي، تونس 2001، ص 12 وما بعدها.
[3] اما ثاني
الإشكالات الثلاث فهي:إشكالية النهضة/سؤال النهضة ’ والثانية
: الإشكالية المحورية الثانية وترتبط بالطور الثاني تمركزت
مباحثها حول دراسة أسباب الهزيمة: هزيمة حيزران 1967 وهزيمة
الدولة الوطنية ببعض الأقطار العربية في إنجاز أسباب التقدّم
والتنمية وتحرير الإنسان وعقلنة الفكر، والارتقاء بالثقافة
لتكون مرآة ينعكس عليها المنجز الحضاري والمعرفي والحقوقي
والتقني، وتمهد له في الآن ذاته، وقد نجم عن ذلك تفكير نقدي في
"التراث" هذا المفهوم الإشكالي الذي اخترق بقوة الخطاب العربي
منذ أواخر الستينات وإلى حدود زمننا هذا وطرحة العلاقة بين
التراث والحداثة فظهر الحديث عن المفاهيم العقلانية والقيم
الفكرية العلمية والتاريخية النقدية أو الإنسانية الخلقية التي
تضمنتها مؤلفات المفكرين، والأدباء، والفلاسفة، والعلماء
العرب، أو ارتبطت بسيرهم، وفي هذا السياق برزت المشاريع
الفكرية النظرية المتعلّقة بقراءة التراث العربي والبحث في
إمكانات جديدة. محكوم بالنظر في الثنائيات ومنها:
التراث/الحداثة. الأصالة/المعاصرة. السلفية/التقدمية.
العقلانية/الدغمائية (أو اللاعقلانية). العقل/الخيال
العلم/الأسطورة. الحداثة/القدامة. التسامح/التطرّف. قصيدة
النثر/ القصيدة العمودية....
أما الإشكالية هي اشكالية التعايش مع العولمة : كيف يمكن أن
يحيا العرب في هذا الزمن؟ زمن العولمة أو زمن الكونية، زمن
القطب الواحد، زمن الأنترنيت(الشبكة العالمية للمعلومات)
والثورة الرقمية وتقنيات المعلوماتية السيارة إنه ذاك الزمن
الذي بدأت تتحدد ملامحه ابتداء من سقوط المعسكر الاشتراكي إلى
انهيار جدار برلين مع فجر التسعينات (ق 20) إلى بروز وضع
"العولمة" وما رافقها من مقولات مثل : "الإنسان الأخير ونهاية
التاريخ". "صراع الحضارات". "حوار الحضارات". "حوار الثقافات".
"حوار الأديان" كونية القيم" "حقوق الإنسان وإنهاء الدكتوريات
والأنظمة المستبدة" و"إحلال بدلا منها الديمقراطيات والأنظمة
القائمة على التعددية الفكرية والسياسية والدينية ان من مقولات
مثل : "الإنسان الأخير ونهاية التاريخ". "صراع الحضارات".
"حوار الحضارات". "حوار الثقافات". "حوار الأديان" كونية
القيم" "حقوق الإنسان وإنهاء الدكتوريات والأنظمة المستبدة"
و"إحلال بدلا منها الديمقراطيات والأنظمة القائمة على التعددية
الفكرية والسياسية والدينية.انظر في هذا :
عبد الملك منصور
حسن المصعبي، الفكر العربي المعاصر ورهان الحوار,
[4] ك المرجع نفسه
وانظر : ما هو معلوم مثّل هذا السؤال عنوان كتاب للمصلح شكيب
أرسلان طبع بالقاهرة 1939.
[5] سمير امين
وابراهيم غليون، حوار الدولة والدين ،المركز الثقافي العربي
بيروت،ط1،1996 ص22.
[6] هشام جعيط
،اوروبا والاسلام ،دار الطليعه،بيروت،ص17.
[7] بومين بو زيد
، الفكر العربي المعاصر والعولمة ، مجلة الموقف الثقافي ،
بغداد ، 1999 ، ص 105.
[8] جلال احمد
امين ، المشرق العربي والغرب،مركز دراسات الوحدة العربية ،ط1،
بيروت ،1979، ص16-17.
[9] جلال احمد
امين ، المشرق العربي والغرب، ص29
[10] نبيل عبد
الجبار، مشاريع الوحدوية التي شهدها المشرق العربي ،ضمن ،مكانة
العقل في الفكر العربي ،مركز دراسات الوحده
العربية،بيروت،1998،ص240
[11] عدي حاتم
عبد الزهره،حركة التيار الاصلاحي النجفي ، رسالة ماجستير غير
منشورة عن كلية الاداب جامة الكوفه،2002، ص20-21.
[12] جلال احمد
امين ، المشرق العربي والغرب، ص16-17.
[13] سميح
فرسون،التغيرات في بناء القوى العاملة في بعض الاقطار العربية
،م/دراسات عربيه ،ع/1976،بيروت،مركز دراسات الوحدة
العربية،ص75.
[14] اية الله
المحقق النائيني، تنبيه الامة وتنزيه الملة،ت:عبد الحسن ال نجف
،حققه وكتب المدخل اليه : عبد الكريو ال نجف، مؤسسة أحسن
الحديث،ص60-61.
[15] عدي حاتم
عبد الزهره،حركة التيار الاصلاحي النجفي ، ص30-31.
[16] حنا
بطاطو،العراق،الكتاب الاول،ت:عفيق الرزاز،مؤسسة الابحاث
العربية،ط1،بيروت،ص
[17] سمير فرسن
، لمتغيرات في بناء القوى العاملة في بعض الاقطار العربية
،م/دراسات عربية ،1976،ص75.
[18] حسام عيسى
، مصر ... الى اين ؟ ضمن العرب وجوارهم ...الى اين؟ ،مركز
دراسات الوحده العربية( بيروت،2000 )ص128.
[19] عبد
الجبار الرفاعي :محمد عبده ومحمد اقبال: رؤيتان في تحديث
التفكير الديني.22 July 2007 03:29 am
[20] حسام عيسى
، مصر ... الى اين ؟ ضمن العرب وجوارهم ...الى اين؟ ،مركز
دراسات الوحده العربية( بيروت،2000 )ص130
[21]
الطهطاوي،رفاع: المرشد الامين للبنات والبنين،في :الاعمال
الكاملة، دراسة وتحقيق محمد عماره،بيروت، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر ،1973،ج2،ص469-471.بواسطة:ماهر الشريف، رهانات
النهضه في الفكر العربي ،دار المدى للثقافة والنشر ،ط1،سنة
2000،دمشق،ص45.
[22] البستاني،
المعلم بطرس ، نفير سوريه،بيروتن دار فكر للابحوثوالنشر
ن1990،ص63-64.بواسطة: ماهر الشريف، رهانات النهضه في الفكر
العربي، المرجع السابق،ص22.
[23] ابو زيد ،
نصر حامد ،دوائر الخوف المركز العربي ،ط2،2000،بيروت ،ص60
[24] محمد جمال
باروت،مؤثرات السلفية في الحركات الاسلامية المعاصرة(ميزات
الاتجاه السلفي )،م/الاداب ،ع 3، 4نيسان ،2004،دمشق،ص39.
|