|
االأحـد :
22/02/2009
من
النهضة إلى الحضارة المبتورة
فيصل درّاج

ثلاث مراحل تميّز التاريخ العربي الحديث : عصر النهضة ، الممتد من
القرن التاسع إلى عام 1952، كما يرى البعض، أو إلى هزيمة 1967، كما يرى
بعض آخر، أكثر موضوعية. تلته حقبة «دولة الاستقلال المتسلّطة»، التي
أسّست لصعود «الصحوة الإسلامية». زامنت ««الصحوة» ، ومن منظور مختلف،
اقتراحات ثقافية متنوعة، تبدأ بأسئلة المثقفين وتنغلق عليها.
١ .
الجديد في مواجهة القديم
تميّز عصر النهضة، الذي عرف نعتاً موازياً هو: عصر التنوير، بعنصرين
متكاملين: ظهور مثقفين يعطون الثقافة وظيفة اجتماعية نقدية، وولادة
ظواهر اجتماعية تضمنت الصحف والأحزاب السياسية وتزايد المطابع
والترجمة، والتعرّف على أشكال جديدة من الأدب والفنون. تطلّع هذا
العصر، الذي عاش بقايا السيطرة العثمانية ومجيء الاستعمار الحديث، إلى
بديل اجتماعي، يحاكي النموذج الحضاري الأوروبي والموروث العربي ــ
الإسلامي. وهو ما دفع بمثقفيه إلى كلمة «الجديد»، التي تقاسم استعمالها
محمد حسين هيكل وجبران خليل جبران وطه حسين وغيرهم. لم تكن الكلمة
الجديدة محرّرة من الالتباس، فالجديد المطلوب لم يكن جديداً تماماً،
فقد بقي «الإسلام الذهبي» ماثلاً في عقول كثيرة . والأمر واضح الدلالة
، لأنّ دعاة الجديد كانوا مقيّدين إلى مجتمع تقليدي، فتحته على الجديد
«صدفة استعمارية». لا غرابة والحال هذه ألاّ ينتهي مبدأ «المبايعة» في
مصر، أي اختيار«رأس الدولة»، إلاّ بعد مجيء الاستعمار الإنجليزي وهزيمة
الثورة العرابية عام 1882 ، ولا غرابة أيضاً أنّ تستأنف «الساداتية»
مبدأ المبايعة، وأن تطمئّن ، من جديد ، إلى «الأغلبية الصامتة» ، التي
ينوب عنها «أهل الحل والعقد» في كل شيء.
يفرض الحديث عن النهضة التوقف ، لزوماً، أمام التوسع الاستعماري، الذي
كشف عن الفرق الحضاري بين المستعمرين والمستعمرين. أملى الفرق، الذي
يجمع بين المقاومة والانبهار، سؤالاً واحداً متماثلا: سأل عبدالله
النديم: «لماذا يتقدّمون ونحن على تأخّر؟» ، وطرح شكيب أرسلان سؤاله
الشهير: «لماذا تقدّم الغرب وتخلّف الشرق؟»، وقال سلامة موسى مبهورا:
«لماذا هم أقوياء؟». لم يكن بإمكان السؤال أن يكون واضحاً، فصاحبه
أُجبر عليه،، بعد أن دهمته قوة غازية لا تعوزها الغواية. ولم يكن
بإمكان الإجابة أن تكون مطمئنة، حال السؤال الذي طُرح على غير توقّع.
ولهذا أتت الإجابة في إطار المتاح ، وحملت الانبهار بالآخر القوي. هذا
الانبهار الذي تسلل إلى كلمات ماركس في «البيان الشيوعي»، حين تأمّل
برجوازية مبدعة يحلم بدفنها، وسيتسلل مرّة أخرى، بعد قرن ونصف من
الزمان، إلى كتاب أنطونيو نيجيري «الإمبراطورية»، الذي أراده صاحبه
«بياناً شيوعيا» جديداً ، في مطلع الألفية الثالثة.
من
أين جاء التخلّف، وما هي وسائل تجاوزه ؟ هذا هو السؤال الأساسي، الذي
حاول النهضويون الإجابة عنه بأشكال مختلفة. دعا رفاعة الطهطاوي (١٨٠١
ــ 1873) إلى حقوق المواطنة وسلطة تؤمن تساوي الناس في الحقوق
والواجبات، ونقد عبد الرحمن الكواكبي «طبائع الاستبداد» وندّد
بالاستبداد الديني الذي تفرضه سلطة مستبدة، ودافع قاسم أمين (1865ــ
1908) عن تحرّر المرأة، واجتهد محمد عبده (1849ــ 1905) في إنتاج تأويل
للنص الديني يركن إلى العقل وحاجات الناس العملية، وطالب فرح أنطون
(1874 ــ 1922) بمجتمع مدني، ودعا طه حسين (1889 ــ 1973) إلى الفصل
بين العلم والدين، محدّداً مجالاً خاصاً لكل منهما دون مرتبة أو
امتياز، أعلنت الأسئلة عن مجتمع يجب تغييره، يعاني من الاستبداد
السياسي والانغلاق الديني واضطهاد المرأة وتحريم الحريّة الفكرية
والتخلّف في مجالات العلم والمعرفة، صرّحت هذه المواضيع الاجتماعية
الأساسية، التي لا تزال تبحث عن حل لها حتّى اليوم ، عن شواغل فكرية
صحيحة ومعوّقة في آن: صحيحه لأنها تمحورت حول مواضيع يحرّر حلها الصحيح
المجتمع من قيوده المتوارثة، ومعوّقة بسبب مجتمع لا يعي أسباب تخلّفه
ولا يتمتع بوعي ثقافي ذاتي يطرح قضايا تحرّره ويجيب عنها . تكشّفت
الإعاقة الموضوعية، التي ترجمت علاقات القوّة في حقل المعرفة، في علاقة
التلازم بين الأسئلة المحلية المطروحة ومراجعها الفكرية، الوافدة. فقد
استأنس الطهطاوي بمونتسكيو، ومحمد حسين هيكل بجان جاك روسو، وتأثّر
محمد عبده بأفكار سبنسر التطوّرية، واعتنق سلامة موسى أفكار برنارد شو
و د. ج . هـ. ويلز، واستفاد الكواكبي من بلنت وألفياري، وجمع فرح أنطون
بين نيتشه وماركس وأفكار ليبرالية، واطمأن طه حسين، على طريقته، إلى
منهج ديكارت،...
تحرّض الملاحظة الأخيرة على اتهام الفكر النهضوي بالتبعية وإضعاف
الموروث وتعريضه للخطر، والتأسيس لحداثة لا تأتلف مع التقاليد والحضارة
الماضية. بيد أن التهمة، التي لم تكن ممكنة من دون ممارسات الأنظمة
المتسلّطة القادمة، فقيرة المضمون لأكثر من سبب: فلو كان «التراث»،
الذي أمسك بمرافق المجتمع كلّها، قادراً على التصدّي للقوة الأوروبية
الحديثة، لما التمس النهضويون المعرفة في تراث آخر. بل إنّ هذا التراث،
الذي راوح في مكانه إلى حدود الموات والتفكّك، جعل «أهل التراث»
مهزومين، قبل أن يواجهوا «الآخر» أو يلتقوا به. وفي الواقع فإنّ ثقل
التراث الراكد، المسوّغ بأميّة منتشرة وبسلطات مستبدة تستثمر الدين
وتقطع معه، حاصر الفكر النهضوي، منذ البداية، مساوياً بين العلم والكفر
والاعتراف بالأزمنة الحديثة والارتداد: وهذا الانغلاق، المستثمر من
القائمين على شؤون الاستبدادين السياسي والديني، منع «المختصين في شؤون
الإيمان» عن رؤية جهد محمد عبده في تجديد الفكر الإسلامي بما تقتضي
حاجات العصر، وعن قراءة كتابات طه حسين عن «مرآة الإسلام»، ومنعهم،
تالياً، عن التعاطف مع عبد الناصر، الذي لم يبخل برعاية المؤسسات
الدينية.
يُحاكم الفكر النهضوي عادة بمقولتي: الكفر والإيمان، ذلك أنه انشغل
بمقولتي: التخلّف والتقدّم، بلغة معيّنة، أو بقضايا المساواة والعدالة
الاجتماعية والعلم والمعرفة والثقافة الاجتماعية الراقية، بلغة أخرى.
وفي هذا البحث، الذي أجبر عليه ولم يذهب إليه مختاراً، عرّف النهضويون
غاياتهم بكلمات مختلفة: اليقظة، الجديد، الارتقاء، التمدين، وأطلقوا
على نقائضها كلمات مرتبكة موازية: التخلّف، الانحطاط، التوعّر، ضعف
الهيئة الاجتماعية،... يدفع هذا الارتباك إلى طرح السؤال التالي: من
أين يأتي المفهوم النظري الواضح إذا كانت الكلمات التي تحيل عليه
مضطربة؟ وهل يمكن أن يلتقي المفهوم بالمثقف المطابق، إذا كانت كلمة
«المثقف» غريبة عن القاموس اللغوي المتوارث؟ ومن أين تأتي دقة المفاهيم
إذا كان الفلسطيني روحي الخالدي، الذي تعلّم في فرنسا، يترجم «الثورة
الفرنسية» بـ «الاضطراب الكبير»؟ ولد الفكر النهضوي في شرط مأزوم وطرح
، قضايا عملية، لا يحلّها الفكر النقدي وحده. وضعت هذه الشروط المعقّدة
في أرواح بعض التنويريين يأساً يخالطه القلق، أشار إليه هشام شرابي في
كتابه «المثقفون العرب والغرب»، مستنداً إلى الحكاية التالية: « كنّا
في دار الأستاذ الإمام نتحدّث في ما أُشيع عن رغبة الأمّة اليابانية في
التديّن بدين الإسلام، قال الشيخ حسين الجسر: إذن يرجى أن يعود إلى
الإسلام مجده. قال الأفغاني: دعهم فإني أخشى إذا صاروا منا أن نفسدهم
قبل أن يصلحونا، وقال آخر: إذا كنا يا قوم مسلمين في جميع معنى كلمة
الإسلام بحيث لو قام عمر بن الخطاب من مرقده وساح فينا على ناقته من
سور الصين إلى شطوط الأتلانتيك لما شك في أننا مسلمون، إذا كنا كل ذلك
فلما لم يصدّقنا الله وعوده التي يستحيل أن يقع فيها خلف» . سواء كان
القول دقيقاً أو مجزوء الدقة، فهو يشير إلى انزياح عن التسليم إلى
المساءلة، وإلى قراءة للدين في وظيفته الدنيوية، قياساً على ماضٍ
إسلامي وحاضر أوروبي.
يتعرّف الفكر النهضوي بنزوعه قبل أن يتعرّف بالإجابات التي وصل إليها .
فقد أعطى الثقافة وظيفة اجتماعية نقدية، وتعامل معها علاقةً اجتماعية
بين علاقات أخرى. كأن يتحدّث محمد عبده عن اللغة المتكلّسة اللصيقة
بعقلية دينية متكلّسة، وأن يكتب فرح أنطون بلغة متحرّرة من «المحسّنات
اللفظية» القديمة وأن يرفض طه حسين أسلوب الرافعي مؤثراً عليه أسلوباً
يفهمه الناس. قضى المعيش اليومي، في هذا التصوّر، بقراءة النص الديني
على ضوء الحاجات العملية، واستأنست قراءة النص بمعارف أجنبية، معترفة
بكونية العقل الإنساني وعالمية الحاجات الإنسانية. ولعلّ اليومي
والعملي والاجتماعي هو الذي أوصل التساؤل النهضوي إلى أسئلة غير
مسبوقة، وإلى إجابات مضمرة لا يسمح ثقل التراث بالإفصاح عنها. فقد قصد
محمد عبده إلى مواجهة العلمانية، التي دفعته إلى حوار مع فرح أنطون،
بإسلام لا تعصّب فيه، يوفّق بين الديني والحاجات الإنسانية المتجدّدة.
لكن البحث، الذي لا يعزل النص الديني عمّا خارجه، انتهى إلى جسر تعبر
منه العلمانية، من أبواب مواربة، إلى النص الديني، كما أشار إلبرت
حوراني. وتسرّبت هذه العلمانية إلى خطاب قاسم أمين، الذين رأى في العلم
الأوروبي مستقبلاً للإنسانية بأسرها. كان الطهطاوي سبق الطرفين، حين
أمعن النظر في حقوق المواطنة، ووضع الانتماء الوطني فوق الانتماء
الديني. سمح البحث، الذي انطلق من المعلومات ولم يحاذر الاقتراب من
المجهول، بعقلية حوارية ، بعيدة عن الثنائيات القاطعة، مكّنت عبده من
حوار أنطون والفرنسي هاناتو، والأفغاني من حوار رينان ومساجلة شبلي
شميّل . لم يدر الحوار حول خصوصيات مطلقة ، تخص المسلمين بالإيمان وغير
المسلمين بالكفر، إنّما دار حول احتفال الإسلام بالعلم، وضرورة مواكبة
المسلمين لغيرهم في مجال البحث العلمي.
عيّنت الخصائص السابقة، نظرياً، الفكر النهضوي سيرورة ثقافية ــ
اجتماعية مفتوحة. لكن هذه السيرورة حوصرت بوسائل متنوعة متلاحقة،
وصولاً إلى «الأيديولوجيات الثورية». رحل الكواكبي مسموماً، ودُسَّ
السم في استنبول، كما يقول البعض، لعبد الله النديم، وحرّض «رأس
الدولة» في مصر على تكفير علي عبد الرازق، بعد نشر كتابه «الإسلام
وأصول الحكم»، الذي نقض فيه «بداهة الخلافة»، وتعرّض طه حسين إلى حملة
من الذم والتشهير والتكفير لا تزال مستمرة، حتّى اليوم. إضافة إلى
تزامن صعود التنوير مع الغزو الاستعماري، الذي قنّن التعليم بما يتفق
مع مصالحه، وهو ما أبانه د. أنور عبد الملك في كتابه «دراسات في
الثقافة الوطنية». عوّق كل هذا سيرورة الفكر النهضوي: عوّقتها السلطة
المستفيدة من ركود التراث، وعوّقها التراثيون المشغولون بالمصالح
المتوالدة من إعادة إنتاج التراث، وعوّقها الاستعمار الذي أسّس لـ
«تبعية مستدامة» لا تأتلف مع الفكر التنويري.
٢ .
إلغاء النهضة بالثورة
أنتجت التحوّلات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بشكل متصاعد، نخبة
فكرية ــ سياسية، استمدّت مراجعها من وعود الاستقلال الوطني وصعود
الأفكار التحرّرية وسقوط فلسطين. بدا الاستقلال زمناً جديداً، ينقض
الاستعمار والتخلّف والتجزئة بمستقبل مستقل عن الماضي القريب ، ولا
يعترف به . ظهرت «الحقبة النهضوية»، في تصوّر النخبة الجديدة، جزءاً
مرفوضاً من الماضي ، لأنّها تزامنت مع ظواهر سلبية كثيرة سيقوم
الاستقلال باكتساحها . لم تقرأ النخبة «الوطنية الجديدة» التاريخ
الوطني من داخله، كي تتعرّف على الأسباب الموضوعية التي تستقدم
الاستعمار وتعيد إنتاجه، بل عمدت إلى قراءة رَغَبية، تفصل بين التاريخ
وإمكانية بنائه. وهذا ما جعلها تطمئن إلى شعار أيديولوجي لا قوام له،
يدعى بـ: الثورة الشاملة، القادرة على نقل «المجد العربي القديم» إلى
الزمن الحديث.
أسّس وَهْم «الثورة الشاملة» لفكرة «وحدة إرادة الأمة»، التي هي شرط
مواجهة الخارج وبناء الداخل. بيد أنّ الفكرة أنتجت نقيضها، ذلك أنّ
التصوّر السلطوي، وفي ممارسة تسكنها المفارقة، قيّد الإرادة التي يعمل
على توحيدها، وسلب البشر حريّتهم وهو «يسوقهم» إلى زمن تحرّري مفترض .
فقد أفضى إلى سلطات تحاسِب ولا تحاسَب، وإلى مجتمعات دورها الخضوع لا
المشاركة. وعن هذه القسمة المأساوية صدرت، بأشكال متباينة، تقاليد
«الواحدية»، التي تحيل على فرد أو حزب أو عائلة، أخذ، أو أخذت صفات
بلاغية متعددة: المنقذ والمخلّص والبطل والمنتظر والشعب والأمّة....
والواضح في النعوت جميعاً أمران: استئناف ممارسات تقليدية قديمة،
بأشكال جديدة، وإقناع الخاضعين بعجزهم المستديم، ذلك أنّ الشعوب التي
تسلّم مقاديرها إلى «بطل وحيد» بائسة بامتياز. واتكاء على عقيدة
«الواحد» ، التي تلتبس زوراً بـ«ضرورة تاريخية»، أنجزت السياسات
السلطوية اختزالاً متواتراً، يضع إرادة الشعب في إرادة السلطة، وإرادة
الأخيرة في إرادة المرجع السلطوي . ومع أنّ أيديولوجيا «المفرد المخلص»
تحيل ، نظرياً، على مسؤول «عظمته» من عظمة شعبه، فقد كان فيها ما
يجرّد الشعب من حقوقه، وما ينقلها إلى ملكية مفردة، لا يطالها القانون.
ولعلّ احتكار القرار، الذي يدّعي تمثيل الإرادة العامة، هو الذي وحّد
بين نقد السلطة، أي ممارسة الحق المجتمعي الطبيعي، والخيانة الوطنية،
على اعتبار أنّ الوطن هو السلطة، وأنّ المساس بالأخيرة تطاول على
المصلحة الوطنية.
ألغت دولة الاستقلال الوطني، تحت شعار «الوحدة الوطنية الضرورية»، معنى
الحزب السياسي ، الذي تزامنت ولادته وتطوّره مع العصر النهضوي، مما
جعله، في تصوّر دولة الاستقلال ، إرثاً إقطاعياً استعمارياً، يقضي
الاستقلال بالتخلّص منه. ولهذا استُبدلت التعدديةُ الحزبيةُ بالحزب
الحاكم الوحيد، وصار الحزب جهازاً إدارياً ــ بيروقراطياً فارغ المعنى،
ملحقاً بأجهزة أخرى. فالحزب السياسي ، نظرياً ، لا معنى له إلاّ
بحواره مع الشروط الاجتماعية التي قضت بقيامه، وبصراعه الحواري مع
أحزاب أخرى، تلتزم ببدائل سياسية مغايرة. بل إنّ معنى الحزب الذي
يتمثّل أولاً،بالدفاع عن حقوق المواطنين، اختصر إلى تسويغ ممارسات
السلطة التي تصادر حقوقهم وإلغاء المجال المدني، الذي يستبدل بتقاليد
المراجع الفئوية الضيّقة حقوق المواطنة. وفي الحالات جميعاً، قوّضت
السلطة الفضاء السياسي وهي تستبدل بالأحزاب حزباً بصيغة المفرد، ثم
ألغته من جديد وهي تهدم شروط الذات المفكّرة، ذلك أنّ السياسة، من حيث
هي، تستلزم فرداً، قادراً على الرفض والقبول والاقتراح والمبادرة. ولم
يكن إلغاء الديمقراطية التي هي حوار البدائل السياسية المختلفة، إلاّ
إلغاء شروط الحداثة الاجتماعية، التي نقلت الشأن الاجتماعي، في الأزمنة
الحديثة ، من حيّز النخبة المتسلّطة إلى فضاء الحياة الشعبية.
صادرت الأحادية السلطوية ، بداهة، الرقابة العامة، التي يحرّض غيابها
السلطات على الفساد، ويصيّر السلطات القابلة للفساد مفسدة كاملة. وما
الفساد ، في شرط اجتماعي لم يتحرّر من موروثه ، إلاّ استئناف ثنائية
السلطة والثروة، التي تستنبت ثراء السلطة من إفقار الذين لا سلطة لهم.
لا غرابة، أن تكون إعادة إنتاج النهب الموسّع مرجعاً إلزامياً لسياسة
قمعية، تجعل من تغييب « الرقابة العامة» قانوناً ثابتاً، وتحوّل أجهزة
الدولة المختلفة إلى أجهزة الرقابة المتنوعة، في الحقول الاجتماعية
جميعاً. وإذا كان الفيلسوف الفرنسي الراحل لوي آلتوسير، رأى في الجهاز
المدرسي جهازاً من أجهزة الدولة الأيديولوجية، فقد صيّرته الأنظمة
العربية إلى جهاز من أجهزة «أمن الدولة»، بما يضع المدرسة في الجهاز
الأمني، ويضع الأخير في الأجهزة التعليمية. وهو ما كشف عنه ، بدقة
كبيرة، المؤرخ المصري رؤوف عباس في كتابه «مشيناها خطى كتبت علينا»،
حين أظهر أنّ الأكاديمي الجيّد، في الفترة الساداتية، هو «المخبر
الجيّد» ، وأنّ المسؤول الأمني أكاديمي بامتياز. والفرق بين المدرسة
البرجوازية، التي حلّلها الفيلسوف الفرنسي، ومدرسة الأنظمة التسلّطية
العربية، هو الفرق بين مبدأ الهيمنة، الذي يتوسّل الإقناع والاستيعاب،
ومبدأ القمع، الذي يستبدل بالإقناع أشكالاً من العنف مختلفة. وما ينطبق
على السياسة التعليمية ينطبق على غيرها من السياسات، طالما أنّ دوور
السياسات جميعاً إعادة إنتاج مصالح الأنظمة المتسلّطة، التي لا تعترف
بالرقابة العامة.
أفضت سياسات الإفقار المجتمعي الشامل، التي توحّد بين القهر السياسي و
القهر الاقتصادي، إلى ثقافة الفقر، التي لا تفسّر الظواهر بأسبابها
الموضوعية، وتقنع الإنسان بأنّ تفسير قضاياه من شأن أهل الاختصاص.
والواقع أنّ النظام التسلّطي تأسّس على ثنائية التلقين والاستظهار التي
تضع مرجع الإنسان خارجه ، وتجعله يرى في المراتب ظاهرة طبيعية، كي
يوكل أموره، بلا مساءلة، إلى الحاكم والعارف والمسؤول، وكل من يمثّل
السلطة أو ما هو قريب منها . لكن مجتمع المرتبية الصارمة، التي تضع
إرادة الأفراد والجماعات في إرادة خارجية، هو مجتمع الرعية ، الذي
فضيلته الرضا والخنوع. ولهذا يأتي احتجاج المجتمع المقموع على صورة
تربيته ، فيحتفظ بتصوّر المراتب ، الذي ينقله من عبودية إلى أخرى، دون
أن يسترجع مرجعه الذاتي، الذي يستلزم حواراً اجتماعياً، يكتشف الإنسان
فيه ذاته وهو يكتشف الآخرين وطرائق تفكيرهم.
أتاح المناخ الفكري ــ السياسي النهضوي لفرح أنطون الدفاع عن فكرة
المجتمع المدني، الذي يصوغه أفراد يتمتعون بحقوق المواطنة، والدخول إلى
حوار متسامح مع محمد عبده. وسواء كانت الفكرة صائبة أو غير صائبة، جاء
بها مسيحي شامي يتطلّع إلى التمتع المشروع بحقوقه السياسية، فالأساسي
هو المناخ الذي جعل طرحها ممكناً، وأطلق معها حواراً بعيداً عن التعصّب
والانغلاق. أكثر من ذلك، أنّ الحديث عن مجتمع مدني، يتعرّف فيه الأفراد
بحقوقهم الوطنية المتساوية لا بطوائفهم الدينية المختلفة، تعبير عن
مجتمع تدفعه حركته، حتّى لو كانت معوّقة، إلى أفق سياسي جديد. على خلاف
ذلك، صادرت أنظمة الاستقلال ، التي تذيب الأجهزة جميعاً في الجهاز
الأمني، إمكانية توليد المجتمع المدني ، بعد أن أنتجت مجتمعاً على
صورتها، ينكر الحوار ويعيد توزيع الرقابة السلطوية. صدر هذا المجتمع ،
الذي روّضته سلطة العادة، عن استبداد سلطوي طويل ، همّش نقائضه، وعمّم
معاييره، التي ترضى بالنظام القائم أو تواجهه ببديل استبدادي آخر. وهذا
الاستبداد الذي تنتجه السلطة ويستهلكه المجتمع، ولو بنسب متفاوتة، هو
في أساس التهميش الراهن للمقولات الحداثية المتنوعة: نقض الحزب السياسي
بالجماعة الدينية، وضع الولاء الديني فوق الانتماء الوطني، تعميق الفصل
بين المرأة والرجل، تحويل الكتابة الإبداعية إلى فعل مغترب، التباس
الهوية القومية إلى حدود التفكّك، اختزال الصراع مع إسرائيل، وهو صراع
مركّب الأبعاد، إلى صراع ديني، واختصار «الخصوصية الحضارية» إلى ما يضع
المجتمع العربي على هامش التاريخ العالمي.. وواقع الأمر أنّ السلطة
التي لا تقبل بالاختلاف وبالذاتية الحرّة، أوجدت الجماعة، التي لا
تعترف بدورها بالفكر المختلف. وسواء غايرت الجماعة، دينية أو قبلية أو
جهوية كانت، السلطة ، بكثير أم قليل، فإنّهما يتوازعان اليوم نفي
الذاتية الحرّة، التي هي شرط الفضاء السياسي.
استرجعت الأنظمة المتسلّطة الزمن ما قبل السياسي، الذي هو، تعريفاً ،
زمن ما قبل الحداثة، الذي قطع مع الحداثة القائلة بحقوق المواطنة
السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية، ... لذا كان طبيعياً أن
تقوّض هذه الأنظمة فكرة القومية، التي هي علاقة حداثية في جملة علاقات
حداثية، مثل الديمقراطية ودولة القانون واستقلال المجتمع المدني النسبي
عن المجتمع السياسي. والواضح في هذا أمران: سلطة قوية ودولة ضعيفة، فلا
دولة من دون مؤسسات قانونية تطبّق القانون، وسلطة ثرية ودولة شكلانية
فقيرة. والواضح أيضاً هشاشة القوّة السلطوية، التي تقوم على إضعاف
المجتمع واستضعافه لا أكثر. هكذا تتعطّل الإمكانية الفعلية لتكوّن
المجتمع المدني، الذي يستلزم مجتمعاً قادراً على اختيار سلطته، ودولة
قوية تؤمّن مصالح المجتمع وتمنع عنه أسباب التمزّق والانهيار. توسّلت
الأنظمة المتسلّطة ، وبوتائر متسارعة، الأقنعة الدينية المختلفة،
تعبيراً عن شرعية مفقودة وبحثاً عن شرعية لن تظفر بها . هكذا يتحوّل
الدين ، في شكله الاستعمالي أو البرجماتي، إلى أيديولوجيا دينية، تُدرج
في مقولات الأيديولوجيا السلطوية، التي تسوّغ ممارسات الأنظمة الحاكمة.
وإذا كان في الركون إلى الدين ما يفصح عن شرعية غائبة ، فإنّ فيه ما
يفصح أكثر عن تلفيقية الأيديولوجيا السلطوية، التي يتراصف فيها القومي
والوطني والديني والحداثي والتراثي، التي تختصر جميعاً إلى «مبدأ
المصلحة»، الذي يجدّد حياة السلطة التي تنتهكها لزوماً، سلطة الحياة.
وواقع الأمر أنّ أنظمة الاستقلال الوطني، الفاقدة للشرعية لأسباب وطنية
وقومية، لم تعرف مشروعاً سياسياً تاريخياً، تصحّح فيه الممارسة النظر،
بل اقترنت دائماً بأفكار تبريرية، يمليها سياق ويمحوها سياق آخر.
يطرح القناع الديني السلطوي سؤالاً عن شكل الوعي الديني، في مجتمع سمته
الإفقار الثقافي الشامل. وللسؤال وجهان ، أحدهما له شكل القاعدة ،
وثانيهما يحتاج إلى تخصيص. تقول القاعدة: يعطي الوعي الفقير للنصوص
التي يتعامل معها تأويلاً على صورته، دينية كانت النصوص أو غير دينية.
ولهذا تحدّث الكواكبي، وهو مسلم حريص على إسلامه، عن الاستبدادين
السياسي والديني، واعترف الراحل د. مصطفى السباعي ، المرشد العام
للإخوان المسلمين في سوريا في خمسينات القرن الماضي، بالديمقراطية
والبرلمان وتبادلية السلطة، قبل أن يأتي زمن مجتمعي فقير يُكثر من
الحديث عن «عذابات القبر»، ولا يقترب من عذاب المضطهدين في الحياة.
يظهر ، في هذه الحدود ، التداخل بين السلطة والمجتمع المستبَدُّ به،
ذلك أنّ التربية المتسلّطة تنتج وعياً فقيراً، يفسّر اليومي المشخص
بكليّات مجرّدة، محتجاً على السلطة، وموطّداً مواقعها في آن. يدور
السؤال كلّه حول الإنسان المستَلب، الذي لا يشارك في صوغ سلطته ولا في
تأويل النص الديني موكلاً إلىِ «خبراء الأيمان» ، الذين تعيّنهم
السلطة، وظيفة التأويل، التي تمحو مصالح المستلَب بمصالح السلطة
الواقفة عليه. هكذا تعيد «الواحدية» السلطوية إنتاج ذاتها في حقل
الدراسات الدينية، فارضة «تأويلاً واحدا» يرى في ما عداه ضلالاً ،
ومساوياً بين «الإيمان الحقيقي» والمصالح السلطوية.
أنجزت «أنظمة الثورة» بعد هزيمة 1967، أمرين مترابطين: إيقاف السيرورة
الديمقراطية النهضوية، وتصنيع مجتمع مهزوم مغترب يساوي بين الحداثة
والسلطة المهزومة ويرفض الطرفين معاً، متكئ على خبرة اجتماعية قوامها
الفقر والإحباط. وعن هذا الإنجاز السلطوي، الذي تلتبس فيه الحداثة
بالاستبداد، جاءت «الاستثنائية العربية» الغريبة ، التي تجعل
الديمقراطية مرفوضة من السلطة والمجتمع في آن.
٣ .
من «الاستقلال» إلى «الصحوة»:
أسّست هزيمة 1967 انتصاراً للصهيونية، وللقوى العربية«المحافظة» ،
التي همّشها السياق السياسي والفكري، الذي سبق الهزيمة. وبسبب هذا
الانتصار، الموزّع على طرفين غير متجانسين، سعى الطرف العربي إلى تمكين
انتصاره، مهاجماً ، بأدوات مختلفة، مقولات المشروع الوطني المهزوم،
التي تتضمن القومية والتحديث الاجتماعي وتحرير فلسطين. وإذا كان جمال
عبد الناصر قد قال، وليس بلا أخطاء كثيرة، بضرورة «تصفية آثار
العدوان»، فقد تطلّعت قوى المحافظة والركود إلى «تصفية آثار الحقبة
النهضوية»، معتبرة أن هزيمة النهضة، نصر لـ«الإسلام الحقيقي»، وأنّ
«الإسلام النهضوي» بدعة مارقة، أساءت إلى الإسلام وجلبت الخراب إلى
المسلمين. وواقع الأمر أنّ الإسلام النهضوي، المسكون بتناقضات عديدة،
دافع عن إسلام يوقظ المكنون الإسلامي ويستفيد من معارف الغرب المتفوّق،
كما احترمت الناصرية التقاليد الإسلامية ورعت المؤسسات الدينية، إلى
حدود المساومة.
واجهت الحقبة التي تلت الهزيمة البديل النهضوي بـ «بديل تراثي» يتعرّف
سلباً، يعرف ما لا يريد ولا يحدّد، في عموميّته الإيمانية، ما يريد.
قاد البديل الجديد حرباً منهجية منظّمة ضد الحداثة الاجتماعية، في
مشتقاتها المختلفة: تسفيه طه حسين إلى حدود الخيانة، تكفير الناصرية،
اعتبار القومية بضاعة وافدة، تسخيف العلم والمعرفة، وصولاً إلى نسبة
الفكر النهضوي إلى مراجع غير إسلامية، لا تريد للمسلمين خيراً، ... وفي
مقابل منهج يجزّئ الظواهر الحديثة كي يسيطر عليها، اكتفى البديل
بعمومية «الإسلام هو الحل»، التي تمحو المشخص ببلاغة مبهمة، تساوي بين
تدمير الحداثة و «الصحوة الإسلامية». أرادت الصحوة محو الحقبة
النهضوية، دون أن تستطيع استئناف الزمن الذي سبقها، بسبب تغيّر
الأزمنة، ودون أن تجسّد مشروعها في مجتمع «مستقبلي» واضح الملامح،
مقتربة من «سديم تاريخي»، يضع الحاضر في الماضي والماضي في الحاضر،
ويكون خارج الزمنين معاً.
وسواء كان في النص الإسلامي ما يدعم الصحوة أو يستنكرها، فما جاءت به
بعيد عن مثال «الحضارة الإسلامية»، وقريب من «استبداد مقدّس»، يعيد
إنتاج النظر والممارسة السلطويين بلغة دينية. فالمطلوب ، منطقياً، أن
تحرّر الصحوة الإنسان من القيود التي فرضتها عليه السلطة ــ، وأن تنقد
«الحداثة الوافدة» من وجهة نظر استيعابها وتجاوزها، عوضاً عن استئصال
كلّي للحداثة يفتح الطريق أمام «مسلم جديد»، غريب عن العصر ، كما لو
كان على الإسلام أن يقطع مع الأزمنة الحديثة وما قبلها. فأخذت
بالإطلاقية، التي تمنع النسبي، وبالواحدية، التي تنهى عن التعدّد،
وبالتكفير، الذي ينهى عن الحوار، وبـ «الجوهر الإسلامي»، الذي يحوّل ما
خارجه إلى جوهر آخر، ويرمي عليه بالكفر والتأثيم ومخالفة الشرائع
الإلهية. والمشكلة كلها أنّ الحياة، في قضاياها العينية والمتجدّدة،
تفيض على النصوص وأحادية التأويل، فلدى المسلمين، في بلادهم المختلفة،
اكثر من إسلام، ولدى غير المسلمين، أكثر من وجهة نظر في الإسلام. وإذا
كان تنوّع العقائد والأفكار قائماً في الحاضر والماضي، وقائماً أولاً
في ثقافات البشر وشروطهم الحياتية المختلفة، فالقول بإسلام وحيد، له
تأويل وحيد، يعيّن «الاستبداد الديني» حاكماً للحياة، مديّناً
الاستبداد ومستبداً بالدين في آن. أكثر من ذلك، أنّ إنكار التنوّع
والتعدّد والاختلاف والمغايرة اختراع قسري لمجتمع لا تناقض فيه، ميّت
تعريفاً، واستنبات لعالم متوهّم ، لا يحتمل إلاّ المواجهة والتدمير.
هل
جاء الإسلام لهداية الإنسان والارتقاء به، أم ولد الإنسان لخدمة
المقاصد الدينية لا أكثر؟ ديّنت الصحوة العلاقات الإنسانية والاجتماعية
والطبيعية، مطمئنة إلى اختزال متوتّر، يُرجع المجتمع إلى النص الديني،
ويختصر الأخير إلى تأويل وحيد، ويختزل التأويل إلى مفرد يلتبس
بالقداسة. وبغية إملاء الواحدية المقدسة، استقدمت الصحوة «الماضي
المقدّس» إلى الحاضر مقرّرة أمرين: لا وجود للماضي الإسلامي إلاّ بصيغة
المفرد، فهو متجانس لا نقائض فيه، والحديث عن «الفتنة الكبرى» دس على
التاريخ الإسلامي وافتراء عليه، وكل قراءة تلامس تعدّديته باطلة وبعيدة
عن الحق. أمّا الأمر الثاني فهو الاعتقاد بإمكانية استعادة «التجربة
المحمدية» التي هي تجربة متعالية غير قابلة للاستعادة، أو استئناف
«العصر الراشدي»، الذي خلقته شروط لا تقبل التكرار. وإذا كانت الدعوة،
إلى «إسلام متخيّل» تُفسّر بجموع بشرية محبطة مغتربة ترى في موروثها
الإسلامي، وليس بلا حق، ملاذاً وهوية وعزاء، فالاعتقاد بإمكانية
استئناف التجربة الإسلامية، في شكلها الأول، تعبير عن وعي جماعي مأزوم
، يرفض الواقع المعيش بمثال متخيّل لا يمكن الوصول إليه. ولعل هذه
الأزمة، التي تحمل من اليأس وجوهاً كثيرة، هي في أساس جملة ظواهر
متداخلة: أولها الفولكلور الديني، الذي يعتقد أنّ محاكاة الماضي، في
الهيئة واللباس واللغة، هي عيش فيه ومقدّمة لاسترجاعه، علماً أنّ هذه
المحاكاة، التي لا ينقصها الاستيهام، تصنع عقلاً ماضوياً، لا يغيّر
الحاضر ولا يسترجع الماضي. لذا كان طبيعياً، أن تنطوي المحاكاة،
القائمة على مقايسة مجرّدة، على تهميش للدنيوي المعاصر، وعلى احتفاء
بما كان وما سيكون، أي يوم الميعاد، كما لو كان الماضي المقدّس فردوساً
مفقوداً، يمهّد التشبّه به إلى فردوس قادم، وعد الله به المؤمنين. كأنّ
في الإيمان المجرّد ما يضع الحاضر الفاسد خارج الأزمنة، يصلحه أو يجعله
محتملاً في انتظار الزمن الآتي. تتكشّف، في الحالات جميعاً، الإطلاقية
الإيمانية، التي تأخذ بمنطق «القلب» لا بمنطق «العقل»، مستبعدة مفهوم
السبب، ومستبعدة أكثر كل حديث عن السببية التاريخية والاجتماعية، على
اعتبار أنّ الإيمان لا تاريخ له، وأنه القلوب المؤمنة تخلق التاريخ
الذي تريد.
قادت مواجهة العقل التاريخي بالعقل الإيماني، إلى استنكار عصر النهضة
استنكاراً كاملاً، وإلى اختزال الغرب إلى جملة من الظواهر المارقة،
التي تصوّر المجتمع المدني، على سبيل المثال، مجتمعاً لا يليق
بالمسلمين، الذين عرفوا، قبل زمن طويل، ما هو أرقى منه وأكثر عدالة.
ولأنّ سر المسلم هو إيمانه، مثلما أنّ سر الغرب هو إلحاده، قام العقل
الإيماني بتكفير الغرب وعلومه، وهي محور العلوم الحديثة على أيّة حال،
مكتفياً بـ «الفولكلور العلمي»، إذ كل ما جاء به الغرب وما سيجيء به
قائم في القرآن. لذا لا يقبل هذا العقل الشروط التاريخية التي انتجت
الديمقراطية الغربية، ودورها في الارتقاء الاجتماعي، ولا رؤية الفرق
بين فولكلور العلوم والعلوم الدقيقة، التي تأخذ بمبدأ التجربة، وتعترف
أنّ التجربة واليقين لا يتفقان. هكذا أصبح الإسلام، الذي تأسّست عليه
حضارة عظيمة ذات مرّة، فلوكلوراً دينياً حدوده الزي واللغة، وغدا
العلم، الذي تترجمه تقنية منتجة، فولكلوراً علمياً، يستولد الفيزياء
والكيمياء وعلم الفلك من كتاب مقدّس معنى بالخلاص الروحي، وصارت
الديمقراطية هي الشورى، التي هي من اختصاص نخبة مؤمنة، وصولاً إلى
قضايا الحياة المتحوّلة، التي تعالجها «فتاوى» ثابتة ، يقول بها
اختصاصيو المباركة والتكفير. ولأنّ الفرق بين العلم وفولكلوره هو الفرق
بين العلم وروايات الخيال العلمي، بالمعنى البسيط المثقل بالمبالغة،
دفعت الصحوة الأزمة الاجتماعية إلى أفق مغلق تخومه: الكارثة.
صدرت الصحوة الإسلامية عن أزمة مجتمعية خانقة، أنتجتها أنظمة متسلطة
وشعوب عاجزة مستبدّ بها، وردّت على الأزمة بوعي مأزوم يضاعفها ، عوضاً
عن أن يسهم في الخروج منها. وهذا الرد على الأزمة بأزمة أكثر منها وطأة
هو الذي يحدّد الصحوة «سباتاً جديدا» ، فالصحوة الحقيقية اعتراف
بالحاضر، وعمل على بناء دولة حديثة تستفيد، نقدياً ، من منجزات الشعوب
الحديثة، وتستفيد من «زمن مضيء» قديم، لم تكن له قضايا الحاضر ومشاكله،
ولا تراكمه المعرفي غير المسبوق. وما الوضع العربي الراهن، الذي تتلامح
فيه الكارثة، إلاّ محصلة لتحالف موضوعي بين السلطات السياسية والقوى
المعارضة لها ، التي قرأت، غالباً، الواقع بمنظور سلطوي، لا يفيد
الإسلام والمسلمين في شيء. وعلى هذا فإنّ المطلوب، الذي لا يبدو
قريباً، سيرورة ديمقراطية مفتوحة، تعيد الاعتبار إلى معنى الدولة
والمجتمع والتراث، انطلاقاً من حاجات الإنسان الحقيقية، التي تتضمن
الحرية والكرامة والحق في عيش كريم ، متحرّر من الفقر والاستبداد.
٤ .
الحداثة بديلاً عن الثورة
تلا
عصر النهضة، الذي لم يعطِ ذاته اسماً أخيراً، «عصر الثورة»، الذي انتهى
إلى: «الصحوة الإسلامية». على هامش هذه الأخير وما سبقها ظهر، منذ
مطلع السبعينات تقريباً، مصطلح أدبي الأصول والغايات هو: «الحداثة»،
الذي حمل في دلالته الرفض والاغتراب. رفض بلاغة سلطوية، تمحو الفرد
باسم مصالح المجموع، قبل أن تمحو المجموع ومصالحه، وتتطلّع إلى أفق
جديد ، بعيداً عن السلطة و«مجموعها» معاً. أرادت الحداثة أن تعيد
الاعتبار إلى الفرد ، القادر على الفعل، والمتمرّد على من يشل فعله.
لكنها، وبسبب مرجعيتها الأدبية، خصّصت الفرد الذي تتوجّه إليه، قائلة
بفرد مبدع، تترجم إبداعه نصوص أدبية متمرّدة، حيّزها الأساسي هو:
المستقبل. ساوى المصطلح الجديد بين الحداثة والإبداع، وبين الحداثة
المبدعة والأدب، مكتفياً، في الحالين، بنخبة ذات «رؤيا»، يحرّرها الوعي
المبدع وتتحرّر به.
تظهر فكرة الفرد المتمرّد في كتاب جابر عصفور «هوامش على دفتر
التنوير»، حين يقول: «تبدأ الحداثة من انقسام الوعي المتمرّد على ذاته،
ليصبح ذاتاً فاعلة وموضوعاً منفعلاً».
والقول صحيح ومعتل الصحة معاً، فهو يرى في الفرد الداخل إلى استقلاله
الذاتي بعداً حداثياً، دون أن يتوقف أمام جدل الذات والموضوع، الذي
يتحوّل، إن غاب مرجعه الخارجي، إلى حركة دائرية مكتفية بذاتها. ولعلّ
تغييب ، أو تهميش، المرجع الخارجي هو الذي يضع في خطاب الناقد المصري
اللامع كلمة غريبة هي «الرؤيا»، التي تضيف «القلب» إلى علاقات مادية
غريبة عنه.
ومع
أنّ د. عصفور يؤكّد أنّ «الحداثة قرينة التحديث»، معترفاً بالمرجع
الخارجي، فإنّ كلمة «الرؤيا» لا تحرّر خطابه من ارتباك محايث، ذلك أنها
تتعيّن شرطاً للتحديث ومقدّمة له، كأن يقول: «والحداثة قرينة «التحديث»
بل هي الوجه الذي ينصرف إلى الإنشاء والابتداء على مستوى الفكر
والإبداع، بينما التحديث هو الوجه الذي ينصرف إلى تغيير أدوات الإنتاج
المادية للمجتمع.
والسؤال هو: كيف تقود الحداثة ــ الرؤيا، التي تبزغ في الوعي المفرد
المنقسم، إلى التحديث الذي لا يتحقق إلاّ في جملة من التجارب المادية
القابلة للقياس؟ تأخذ الحداثة، في تصوّر عصفور، موقع النظرية والتحديث
موقع التطبيق، دون أن يغيّر هذا من ارتباك الخطاب شيئاً، طالما أنّ
النظرية ــ الرؤيا، تأخذ في علاقتها بالتطبيق موقع الأولوية، وطالما
أنّها «جاهزة» ونقطة ابتداء، يقرّرها الوعي المنقسم، المستقل عن الخارج
الذي يعوّق انقسامه. وواقع الأمر أنّ في الحداثة ــ الرؤيا ما يستدعي
عنصرين ضروريين: أولهما فكرة الإبداع التي تحيل على مبدعين لا يحتاجون
إلى غيرهم، وثانيهما المعيار الأدبي الحداثي الذي يريد أن يكون معياراً
في العلم والتقنية والإنتاج، وهو إدّعاء لا يقوى على الوقوف. فعلى خلاف
الفن الأدب الذي يقبل بفردية متمرّدة مستقلة، نسبياً، عن غيرها، فإنّ
«الإبداع العلمي»، وما يشتق منه، يتعرّف بإبداع متراكم بصيغة الجمع،
فهو لا وجود له خارج سيرورة معرفية تتجاوز الأفراد. ولعلّ الارتباك،
الصادر عن عطف «الرؤيا» على تحديث له عناصر مغايرة، هو الذي يملي على
د. عصفور أن يعثر على ما يريد، بيسر مطمئن، في نماذج شعرية حداثية وأن
يتأمّل ، باتساق كبير، قضايا «التنوير»، المحدّدة بنصوص مشخصة.
عالج د. كمال أبو ديب موضوع «حداثة الوعي المنقسم» ، في أكثر من دراسة،
مؤكداً، وليس بلا سبب، معنى الفردية المتمرّدة، التي تحتج على شروط
متوارثة، تستبدل بالمفرد المتعيّن عقلاً غُفلاً لا يعرف الفضول. يقول:
«تبدأ الحداثة العربية من اكتناه الذات وتنتهي برفض العالم، ذلك أنّها
تكتشف ــ بعد السبر الأول ــ أن ما يحجب الذات ويقمعها ويشلّها هو
تكدّس العالم فوقها، وإناخته عليها بصلب وأرداف وكلكل، وتصبح الذات
معلّقة بين انسحاقها القائم ونزوعها المبرّح إلى الحريّة، إلى عالم
فسيح كالسماء، طليق بلا حدود.. إلى أن يقول: «يصبح الزمن ــ في التصوّر
الحداثي ــ حلقة متصلة من القمع، تبدأ بالتاريخ الذي يتراكم كصفائح
القبر، وتنتهي بالحاضر الذي يجثم على الروح عصراً من الجليد وأرضاً
يباباً..
يرفض أبو ديب الواقع رفضاً كاملاً، وهو واقع لا يمكن إلاّ رفضه، ويبحث
عن «واقع» يقطع كليّاً مع الواقع المرفوض، يوازيه ولا يتقاطع معه.
والسؤال هو: كيف تعثر الذات المتمرّد على جواب تأمّلي مفتوح، لا يريد
جواباً، ولا يطمئن إلى كل جواب محتمل. ولعلّ تأكيد جمالية التساؤل، إن
صح القول، هي التي تضع في كلام أبي ديب مواضع تهرب من التعيين، مثل:
«رفض العالم ، اكتناه الذات ، حمّى الانفتاح، جرثومة الاكتناه
الدائب،». إن فضاء التحرّر، الذي يقهر «الأرض اليباب»، هو الزمن الذي
سيأتي، فالحاضر، كما التاريخ الذي أفضى إليه، سلب لا يرجى منه شيء:
«ولا يبقى للحداثة ، بهذا المعنى ، إلاّ المستقبل، لكنّه مستقبل جنيني،
حلمي، مستقبل تصنعه اللهفة فقط، ولا ضمان على الإطلاق لمجيئه». تستبين
الحداثة رؤيا، والرؤيا الحداثية يوتوبيا، يهفو إليها وعيان أسيان،
أكتنه ذاته وانسل إلى زمن بعيد. وإذا كان في «الوعي المنقسم»، بالمعنى
الذي ذهب إليه جابر عصفور، ما يشير إلى وعي استقل بذاته، ففي كلام أبو
ديب ما يصرّح ب «رؤيا» مأساوية، تبدأ بالاغتراب وتنتهي إليه. يتفق
الطرفان على تأكيد الذات المفردة، احتجاجاً على واقع يحتفي بالمجموع
المتجانس، ويختلفان في وسائل الوصول إليها، ذلك أنّ الناقد المصري يرى
في التحديث الاجتماعي المحتمل مخرجاً، بينما يلتحف زميله بـ«عدمية
نبيلة» لا تنتظر شيئاً.
يرى
د. عصفور إلى واقع يمكن تغييره ، مقصّراً الحدود بين المفرد والمجموع،
ويهمّش د. أبو ديب الأسئلة الاجتماعية، متشبّثاً بفكرة «المفرد
المتمرّد»، الذي يحتفل بتمرّده الذاتي، ويجسّد التمرّد في نص إبداعي ،
سلطته فيه، إن لم يكن هو السلطة الجوهرية، التي لا تأتلف مع سطة
متحجّرة ميّتة: «من هذا الوعي الضدي للزمن ، يأتي كون الحداثة، بدءاً،
رفضاً واعياً للسلطة، فالسلطة هي النقيض الكامل للحداثة، ذلك أنّها هي
الاكتفاء بالقائم، هي الرسوخ والترسيخ في إطار النظام، هي قولبة الآلي
على شكل الكائن، إنّها حمّى الانغلاق» . يواجه الباحث «حمّى الإنغلاق»،
أي السلطة، بـ «حمّى الانفتاح»، أي الحداثة، منتجاً خطاباً قوامه
ثنائيات ضديّة: الزمن المتحجّر/ الزمن السائل، الحاضر ــ الماضي/
المستقبل، المقيّد/ الحر، المغلق/ المفتوح، قائلاً بالحداثة ــ المثال
مقابل السلطة ــ المثال، أو بالإيجاب ــ المثال في مجابهة السلب ــ
المثال. بيد أنّ في التناقضات الضدية ما يطرح سؤالين: هل يستطيع
المتمردّ أن يتحرّر كلياً من الشرط المادي، الذي أملى عليه التمرد
المطلق، كما لو كان قد خلق ذاته من ذاته بعيداً عن كل مرجع خارجي؟ و هل
في الخلق الذاتي ما يتيح تجسير المسافة بين «حمّى الانغلاق» و «حمّى
الانفتاح» ؟ تسمح الإجابة ، في شكليها، بإعادة تعريف الحداثة المقترحة،
فتصبح «الاغتراب المطلق»، الذي يعثر على حلّه في زمن لن يأتي. تتحوّل
الحداثة إلى سؤال وجودي، ميتافيزيقي، أسيان، الواضح الوحيد فيه «تمرّد
فسيح كالسماء».
.........................
المصدر : مجلة نزوى العدد 51 يوليو 2007م .
|