الإصلاح
الديني
مراجعة
لقراءة النص والخطاب الإسلامي
م.م.علي عبود المحمداوي(*)
الإصلاح الديني - المفهوم والماهية :
يرتبط
الإصلاح لغةً بمعنى زوال او إزالة الفساد ([1])
، وان الإصلاح هو ما يقف بالضد من الإفساد ([2])
.
والإصلاح الديني
يؤخذ من الجانب النظري على أشكال عدة :
1. الإصلاح
الديني : يعني إعادة النظر في المفاهيم والثوابت الدينية
والمقدسات ، وهذا الشكل هو ما يحاكي أسلوب الإصلاح الديني في
الغرب* الذي ارتبط
في إعادة التنظير لمفاهيم الدين وثوابته وعلى إثره ظهرت
اللوثرية والبروتستانت ، لذلك نجد ان هنالك من آثر لفظ التجديد
الديني** بدل
الإصلاح الديني([3]
)، وعلى الرغم من الجدلية لمؤيدة والمعارضة للتجديد الا انه
اقترب في الكثير من معانيه من فكرة الإصلاح الديني. ***
2. الإصلاح
الديني : هو التجديد المؤطر بإرادة السلطة والمؤسسة الدينية
والتي ترفض الفرادة في الفهم او الصياغة للمقدس او النص الديني
وعليه فبالواقع لا يكون هنالك أي نوع من التجديد والإصلاح لان
الدين الإسلامي ليس بحاجة إلى ذلك لأنه دين منزل ومعصوم بعصمة
مصدر تشريعه الأساس القرآن ، وعليه فلا يمكن تغيير الهوية
والمحور وثقافة الأمة التي يمثلها الدين الإسلامي ، وهذا الرأي
هو الرأي الذي يمكن ربطه بالفهم السلفي والداعي إلى التقولب
والتكلس وغلق الاجتهاد من كل جوانبه .
3. الإصلاح
الديني: بمعنى الإصلاح في فهم النص الديني وإعادة القراءة
الصحيحة والمعقلنة له ، وهذا ما ندعوا اليه .
والحقيقة ان
واقع الكلام او الخطاب في معنى الإصلاح الديني لابد ان يرتبط
بفهمنا للدين وبالقراءات الدينية ، ولا يرتبط الموضوع بالإصلاح
الديني بالمعنى الضيق للمفهوم الذي يعني إصلاح الدين ،
فالاصلاح الديني " مجاله التصورا والمفاهيم التي تشكل فهمنا
ورؤيتنا للدين ، والاصلاح في هذا المجال يرتبط بتلك التصورات
التي تنزع نحو التعصب والغلو والتكفير ورفض حق التعددية
والاختلاف وحق الاجتهاد واتلعبير عن الرأي "(
[4] ) ومبررات هذا
الرأي هي عصمة النص الديني باعتبارنا قراء مسلمين وبالخصوص في
ما يرتبط بالكتاب المقدس لدينا ( القرآن ) وكذلك اعتقادا منا
بأن الأزمة الأصولية في فهم الدين والتي قادت إلى التطرف
والعنف والجمود والتقولب ( والتي تماثل معنى الفساد لغويا ،
وهو مانحن بحاجة إلى إزالته ) لم تكن تدعي انها تمتلك دينا
أخرا او نصا مغايراً ، بل انها تمتلك ذات النصوص المقدسة لدى
الطرفين ( المعتدل ، والأصولي ) ، لكن قراءة كل منهما اختلفت ،
والتغاير بين الدين والمعرفة به او المعرفة الدينية قائم ويعد
اشكالية خطيرة ومهمة في الوقت نفسه ويمكن ايضاح ذلك من نقاط
عدة :
1- الدين (بنظر
المؤمنين به ) لاتناقض فيه ولا اختلاف اما المعرفة الدينية
فتتضمن ذلك الاختلاف والتناقض .
2- الدين بنظر
المؤمنين كله حق اما المرعفة الدينية فهي مزيج من الحق والباطل
.
3- الدين كامل
ويهدف الى اسعاد البشرية جمعاء وهو لا نقص فيه على العكس من
المعرفة الدينية ، إذ لايمكن الادعاء مطلقا ان فهم الناس للنص
الديني ( القرآن ) قد بلغ اقصى حدوده وانهم قد عرفوا كل مراميه
، فليس الفقه كاملا او التفسير او الاخلاق المبنية على قراءتنا
للدين .
4- الدين خال من
الثقافات الدخيلة والتأويلات الخارجية وخالص من الشوائب اما
المعرفة الدينية فهي ممزوجة بكل تلك الشوائب .
5- الدين كلام
الله وسنن اولياءه وذلك ثابت اما المعرفة الدينية اي
الاستنباطات الفقهية والتفسيرية والتحليلات التاريخية
والاجتماعية والانسانية بصورة عامة فهي متغيرة .
والخلاصة ان
قدسية الشريعة وكمالها ووحدتها وثباتها لايؤدي بالضرورة الى ان
يكون فهم الناس لها ايضا له ما لها من القدسية والكمال
والاوحدية والثبات بل على العكس .([5])
إذن لنجعل من
الخطاب الإصلاحي متوجها نحو القراءة للدين ونصطلح عليه ولو
تجاوزا او مجازا على انه إصلاح ديني وأقول ذلك لان قراءة الدين
ترتبط بالمنظومة الفكرية والنسق المعرفي الإنساني والذي يمثل (
الثقافة ) فبقدر مايمكن ان نتحدث عن إصلاح ديني بقدر ماالامر
متعلقا بإصلاح نسقي متسلسل او لا اقل مرتبط بالإصلاح الثقافي
للفكرالاسلامي او العقل الإسلامي والعربي ، ولا قيمة للكلام عن
بعض التعاليم في مجال من مجالات الإصلاح ونتوقف عند غيره وذلك
لان "البنية الإسلامية مأزومة إلى النخاع"([6])
في كل متطلبات نهضتها وفي كل ما يرتبط بإصلاح حالها وذلك من
الأصولية إلى الدور السلبي الذي تمارسه بعض المؤسسات الدينية
إلى الواقع المتخلف على مستويات السياسة والاقتصاد والاجتماع .
ومن خلال ما
سبق يجب البحث في الأدوار او الخطوات السابقة او المرتبطة او
المؤثرة في مجال الإصلاح الديني وسنختار في بحثنا هذا محورين
او دعامتين لهما الأثر الأكبر في الدعم والتشجيع او الرفض
والؤد لمشروع الإصلاح الديني الإسلامي او ما يوازيه لفظا
بالتجديد الإسلامي او الديني ، وهذين المحورين هما محور الفكر-
الثقافة ومحور السياسة .
أ - المحور الفكري :
الجذور الفكرية للقراءة الدينية المتطرفة :
ان الجذور
الفكرية للقراءة الدينية ترتبط من جانب (بحالة ما قبل النص )
اذ ان الذهنية المركبة لقارئ النص الديني غالبا ما تكون قد
تكونت في حالة سابقة لقراءته المتأخرة للنص الديني وهذه الحالة
ما تسمى بحالة ما قبل النص اذ ان النص مسبقاً محكوم بآلية
للتعامل معه ولعل هذه الآلية مستندة على نصوص دينية أخرى لكن
الأمر لا يتعلق بالقارئ المباشر ففي اغلب الأحيان تكون مسألة
فهم النص الديني الإسلامي لدى المتطرفين خاضعة لهذه الآلية :
آلية زق وزج المعرفة بالدين عبر المأسسة والية المؤسسة الخاصة
بهم لذلك فان الجذور الفكرية هي الأساس في نتيجة الفهم للنص
الديني ، فذهنية الإرهاب المرتبط ببعض (المسلمين)*
ليست ذهنية أفراد مسلمين تحكمهم نزعة الفرادة في فهم الدين بل
هم مجموعات من التنظيمات المؤسأسة تحت شعارات إسلامية الألفاظ
وحشية المعنى والنتيجة ، ومن جانب آخر فلا تقتصر مسالة فهم
الدين على الحالة السابقة للقراءة الدينية بل ان هنالك مشكلة
أخرى تراتبية على اثر المشكلة الأولى او سابقة لها ( وذلك في
جدلية تحددها كل مؤسسة من مؤسسات الفساد وصنع الإرهاب
واللااصلاح ) ويمكن ان نسمي المرحلة الأخرى من الجذور الفكرية
لفهم الدين على انها (حالة قراءة النص) ؛ وتعني في ما تعني
الممارسة الآنية والفعلية لقراءة النص الديني وما سيشوب تلك
القراءة من دخول في الهرمونيطيقا = التأويل
* وما سيقال
حوله او خلافه على انه التأويل ليس هو المطلوب ، إنما قراءة
حرفية و ان النص الديني واضح وبذلك تنشأ قراءتين في حالة
الممارسة هذه الأولى تؤول النص والأخرى تقرأه على ظاهره وفي
كلا الحالتين فان صناع الموت سيستطيعون النفوذ للمؤسستين اذ لم
يكونوا هم من أسسوها .
وفي حالة
قراءة النص هذه فالأمر عائد إلى القارئ نفسه وما سيجاور تلك
القراءة من اجتهادات ، وفي المرحلة الأخرى من منابع الجمود
والأصولية وجذور القراءة المتطرفة تأتي مرحلة النتائج وهي (
حالة ما بعد النص ) وفيها سيكون العمل خاضعا لنتائج المرحلة
السابقة وما سيترتب عليها وهي اخطر مرحلة من مراحل التفكير
المتطرف لأنه مرتبط بالسلوكية تجاه الآخر وهي هنا تمثل مصنعا
للأصولية حسب افتراض القراءة السلبية للنص الديني .
المعالجات الضرورية للقراءة المتطرفة :
وبعد ذلك يتبين
لنا ان معنى الفساد في قبال الإصلاح مرتبطا بالفكر الأصولي
والعنف وما جاوره من الجمود والتحجر ، ويتبين لدينا لزاما
الحاجة إلى تسليط الضوء حول المعالجات المطلوبة على المستوى
الفكري في سبيل الإصلاح والتجديد ، وعلى ما سبق فإنه يجب ان
نقدم حلا يوازي المشكلات المعروضة في سبيل البحث وهي مراحل
قراءة النص وتراتبيات البناء عليه والعمل به (إسلاميا) .
وعليه ففي مقابل
المؤسسات التي تمارس سلطتها على الأفراد في تلقين الدين
ومفاهيمه عبر القسر والطريقة الاوحدية والمطلقية في امتلاك
الحقيقة = الأصولية ، يجب ان نواجه ذلك باتجاهين :
الاول :
مأسسة القراءة
للنص الديني عبر تجديد ذات المؤسسات الدينية (التي أكل الدهر
عليها وشرب) او خلق الجديد في قبالها او في موازاتها وبذلك
كأنما نحن اليوم بحاجة إلى إعادة ظاهرة محمد عبده في تجديد
التعليم الازهري والذي يقابل لدينا اليوم إعادة منهجة وتأطير
القراءات البشرية للنص الإلهي .
الثاني :
الفرادة في
قراءة النص الديني وصياغة المفاهيم ، وبذلك خلق الفرد المثقف
الليبرالي الإسلامي ، وهذا أيضا لايمكن إيجاده وخلقه دون
المرور بحالة المؤسسات السابقة للتثقيف على قراءة النص وهذه
المؤسسات قد تماثل في واقعنا الإسلامي والعربي حالة المدارس
الفكرية او مؤسسات المجتمع المدني او الجمعيات الثقافية فكل
تلك المؤسسات مدعوة اليوم إلى الدفع بهذا الاتجاه لغرض تخليص
الفرد المسلم والعربي من أزمة لطالما رافقته .
الأثر الخارجي على الإصلاح الديني :
الاستجابة لتحدي الحداثة:
لكن هل يقف
الأثر الفكري في مجال الإصلاح الديني على فكرة القراءة
المتعلقة بالدين فقط ام ان هنالك بعداً أخرا للتأثير في هذا
المجال ؟
أرى ان الأثر
الفكري لا يتوقف على ما سبق فإعادة القراءة المطلوبة ترتبط
باثر آخر خارجي يمكن ان اسميه (تيار الحداثة الضاغط) والذي
مازال يدفع العالم باتجاه التقدم والعقلنه وهذا العامل الفكري
الخارجي له الأثر البالغ في الدفع بعجلة الإصلاح الديني
ليواكبه ( تيار الحداثة ) ويقبله على المستوى العالمي ولاسيما
ان الإسلام ليس دعوة خاصة لناس معينين بل هو دعوة تتسم
بالعالمية والشمولية لكل البشر فبالتالي لايمكن تقبله على
واقعه التاريخي – التراثي القديم القابع خلف ستائر النصوص
المأولة والمفسرة من غيره على انها النموذج الكوني والحاكم
لآلية كل الأفكار والسلوكيات وعلى ذلك سوف لن يتم قبوله
كأطروحة فكرية عالمية وهذا الهاجس سكن عقول الكثير من منظري
التيار الإصلاحي والحداثوي*
الإسلامي .
ويمكن ان نحدد
الاسس العامة للحداثة على انها ما لازم الظواهر التالية :
*
الليبرالية ( الحرية الفردية ).
* الدنيوة
(الاهتمام برفاه الإنسان وسعادته الدنيوية ) .
* قداسة العقل
.
* الديمقراطية
( حكم الشعب ) .
فحاول العديد من
المنظرين والمفكرين الإسلاميين الاستجابة لهذا التحدي العالمي
،ولما جاءت به الحداثة ، فجاءت الطروحات متغايرة ومختلفة :
1- فمنهم من
حاول وبسرعة إعادة قراءة الإسلام على ان نصوصه غير مقدسة لتسهل
مهمته في تناول وقراءة الدين على ضوء متطلبات العصر ومقتضياته
للخروج بمفاهيم وأحكام جديدة تتناسب مع الأعراف المعاصرة
والقائمة .
2- ومنهم من وقف
عاجزا واعترف بذلك العجز وعدم القدرة على المواجهة إذ ان
الإسلام ( حسبهم) قد مر على نزوله أكثر من 1400 سنة وهو قد بات
عاجزا عن مواكبة الكم الكبير والهائل من التطورات التي شهدها
ويشهدها العالم .
3- ومنهم من
حاول الرد بمزيد من التطرف والسلفية والتعصب ورفض الخوض في
مجال الإصلاح او التجديد بل والموضوع عموما مما أساء إلى
الإسلام بدل ان يتم الدفاع عنه .
4- وهنالك
القليلون ممن حاولوا الاستجابة لتحديات العصر من خلال التأكيد
على خصوصيات الإسلام وقداسة نصه لكن مع حاجة المسلمين إلى
إعادة قراءة والعلم بمرونة النص الديني الإسلامي و ان روح
الإسلام الحقيقية هي متجددة وما نحتاجه اليوم هو استنطاق هذه
الروح من اجل قراءة النصوص بما ينفع الإنسان وبما هو متقدم
ومتطور ومفكر و فعال .([7])
وفي إجابة على
التساؤلات التي تطرحها الاسس المركزية للحداثة كتحديات
لإمكانيات الإسلام والقرآن في صياغة ما يقاربها او يوازيها
تأتي إجابتنا على ان الاسلام قد تضمن كل تلك الاسس بأسبقية
زمانية ونظرية الا ان التجربة الدينية الاسلامية فشلت في عكسها
على الواقع وذلك ما نحتاجه اليوم ونحن في عصر سمي بعصر الإصلاح
، أما ماهي تلك المقاربات التي تفرض وجودها في قبال أسس
الحداثة فهي :
1- العقلنة او
قداسة العقل او مركزيته ؛ويبين الإسلام والقرآن ذلك من خلال
مايلي :
أ- ان
أول آية نزلت في القرآن الكريم هي آية (اقرأ) وهذا يعني ان
الإسلام قبل ان يشرع للعبادات والمعاملات او غيرها نجده قد شرع
للعلم والمعرفة وأمر بوجوب المعرفة والتعلم التي اقترنت
بالقراءة .
ب- هنالك
مكانة خاصة يعطيها الإسلام للعقل فهو حسب الروايات أول ما خلق
الله وأزكى خلقه وجوهر الإنسان والقرآن كله دعوة إلى العقل
والتعقل ، قال تعالى لعلكم تعقلون ) و (أفلا تعقلون ) وصيغة (
يعقلون ) وكثير من الصيغ القرآنية التي وردت بشأن العقل
والتعقل والتأكيد على ضرورة إعمال العقل وأكثر مطالب الإسلام
به الإنسان هو ان يعمل عقله .
ج-
مساهمة القران في كشف السنن والقوانين الطبيعية والاجتماعية
والتاريخية التي تحكم مسيرة التاريخ وحركة المجتمعات والحضارات
كقوله تعالى ( فهل ينظرون الا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله
تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ( فاطر، آية 43 ) ، وقوله
تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان
عاقبة المكذبين ) ( ال عمران ، آية 137 ).
د- ان
الإسلام يبعث في الإنسان المسلم دوافع وحوافز التطور المستدام
الذي لا يتوقف عند حد معين ، فمن جهة يحث على محاسبة النفس
ومراجعة أعمالها ومن جانب آخر يدعو الإنسان إلى العمل فعن
الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال : (( ليس منا من لم يحاسب
نفسه في كل يوم فان عمل خيرا استزاد الله منه وحمد اله عليه
وان عمل شرا استعاذ الله منه وتاب إليه )) وقوله تعالى في
الدعوة إلى العمل {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ..} (105) سورة
التوبة ، وعن الإمام علي عليه السلام ((الشرف عند الله سبحانه
بالأعمال لا بحسن الأقوال )) ، وهنا نستكشف أزمة أخرى من أزمات
الفكر الإسلامي التي تحتاج إلى المراجعة وهي أزمة قراءة النصوص
الدينية على ضوء مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة
او المعاصرة وذلك لما نشاهده من قطيعة منهجية ومعرفية بينهما .
([8]) وذلك جزء
من مسيرة دولاب الإصلاح وعجلته .
2- مبدأ الشورى
والانتخاب المقنن المسمى بالاستخلاف حسب قوله تعالى {..
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ} (38) سورة الشورى ، والاستخلاف هو في حمل الرسالة
الإلهية التي عرضت على غير الإنسان فأبى ان يحملها الا الإنسان
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ...} (72) سورة
الأحزاب ، هذه هي الأمانة التي توازي فكرة خلافة الأمة وحقها
في الاستخلاف والانتخاب وأسس لذلك الكثير من مفكرينا المعاصرين
منهم السيد الشهيد محمد باقر الصدر في كتابه الإسلام يقود
الحياة * ،وهذا
المبدأ في قبال أس الديمقراطية الذي تتبناه الحداثة .
3- مبدأ الحرية
المقننة التي هي دعوة إسلامية {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى
شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى
سَبِيلاً} (84) سورة الإسراء وقوله تعالى {وَقُلِ اعْمَلُواْ
فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ
فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (105) سورة التوبة
وقوله تعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ} (141) سورة البقرة ، وقوله تعالى {مَنْ عَمِلَ
صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (97) سورة
النحل وقوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
(8) } سورة الزلزلة ، وهذا المبدأ واضح من خلال تقنينه ومعياره
الذي يعد التقوى والفضيلة هي ميزان العمل وممارسة حرية الأفراد
وهذا ماحاوت الليبرالية الوصول إليه وذلك من خلال ممارسة الحق
لفردي الذي لا يتقاطع مع حريات الآخرين بل يتوقف عندها ،
وحاولت كذل معالجة مشكلة الحق الطبيعي السابق للتنظيم السياسية
او قيام الدولة فممارسة حق الحرية اللامقننة واللامؤطرة بإطار
مصلحة الإنسان وخيره وسعادته لايمكن لها ان تقود إلى قيام
مجتمع صحيح او لا اقل متوازن وتحكمه القيم والقوانين .
4- أما رفاه
الإنسان والبحث عن سعادته والذي شكل هما وجودياً
* معاصرا بالرغم
من كونه مسبوقا بالطرح من قبل الإسلام ، فان قراءاتنا يجب ان
تبرز من شأن الإسلام في تبنيه لهذه المشكلة ومحاولة حله لها من
خلال أساليب عدة ومناهج مختلفة كان أهمها هو التجربة الدينية
والإيمان الذي يقود الإنسان إلى الطمأنينة والسعادة النفسية
والذاتية قال تعالى :{وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا
لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ } (103) سورة البقرة ، وفي ذلك زج لروح الايمان
والطمأنينة من خلال ان الله هو المجازي وهو الخير الأكبر فكيف
سيكون جزاء الخير الا الخير ففي ذلك سكون للنفس من جانب ضمان
حصولها على السعادة والخير لأنها مؤمنة ،وذلك من خلال التجربة
الدينية ( الايمان ) ثم يدعو القرآن إلى الأمر بذلك الخير
والسعي من اجل تحصيل السعادة المرتبطة به فيقل تعالى :
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران، ومن
ثم يبحث في اسباب تلك السعادة والخير ومن مقوماتها النظرة
الايجابية إلى الأموال والأبناء من خلال مقاربتهم بالزينة
والصلاح والخير في قوله تعالى :{الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ
عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (46) سورة الكهف،
ومن سيمتلك تلك الباقيات والصالحات والخير سيزيده الله منها
ويزيده في السكون وتحصيل السعادة ونجاح التجربة الدينية الخاصة
لديه ( إيمانه) إذ يقول عز وجل :{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ
اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ
رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا} (76) سورة مريم وقوله
تعالى :{مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم
مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} (89) سورة النمل ، كما
واثبت ان الرفاه الاقتصادي كذلك هو هدف من أهداف الدين وذلك
وان الرفاه او السعادة مرتبطة بالعامل الاقتصادي وانتعاشه
{الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (4)
سورة قريش، وذلك في وصفه لتأسيس الدولة النبوية وتأمين الدولة
الإسلامية حينها اقتصادياً بمشيئة الله ، ويمكن ان نختم هذا
المطلب بقوله تعالى {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى
الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا} (16) سورة الجن
، للتعبير عن الفكرتين الرفاه المعنوي والمادي للإنسان ، في
قبالة القلق والتعاسة يوجد القرآن الطمأنينة والسعادة .
وأما الإشكالية
التي كانت حاضرة في ذهني منذ بداية تناولي لموضوعة الحداثة
وعلاقتها بالإسلام فهو ان الحداثة أساساً وفي الغرب جاءت بجانب
من جوانبها ردا او رفضا للدين ، "إذ تميز عصر الحداثة
بتغلب العقل على الايمان ، والفلسفة على اللاهوت ،و العالم
المتعلمن شيئاً فشيئاً على الكنيسة ، وهكذا اختفى الدين او كاد
من الحياة العامة وأصبح مسألة شخصية ليس الا "([9]
) ، فالرد عليها هو ن الفكر الإسلامي بل الدين الإسلامي كما
بينت في بحثي هذا انه يمتلك كثير من عناصر الحداثة والتنوير
بما يتلاءم مع البيئة الاجتماعية والعقائدية له ولذلك فن القصد
من تناول مفهوم الحداثة وتوظيفه بشكله الآنف الذكر إنما هو
توظيف بإطار ومرجعية عليا مثلت الثوابت الدينية ومدى فاعليتها
وتفاعلها مع المصطلح أما معنى التضاد بينها وبين الدين فليس
حاضر بشكله هذا في بحثنا ، اذ ان إعادة القراءة في ذاتها هي
محاولة لصقل الصدأ الحاصل في الفكر الإسلامي لأجل تبيان تلك
المعالم الحداثوية والتنويرية التي سبق وان بين شيئاً منها ،
وعلى ذلك فان فحوى مطلبنا هذا هو فكرة اسلمة الحداثة وليس
تحديث الإسلام .([10])
وعليه وفي معادلة
وموازنة لإعادة القراءة تلك يتبين لدينا ان الإسلام كمنظومة
دينية إنسانية عالمية لايمكن ان يكون عاجزا وعصيا على الإصلاح
وعليه فان إعادة القراءة للنص الديني المقدس الإسلامي (القران)
تجعلنا نحكم بان الإسلام وفي علاقته بالحداثة لايمكن ان ينظر
لها من خلال آليات مشوبة بالتطرف او العجز او اللاحل بل من
خلال قناعات يجب ان تكون حاضرة لدى القارئ للنص وهي ان الإسلام
قادر على مواجهة الأزمة الحضارية .
وعلى كل ما تقدم
وسبق فإن استقراء اغلب ان لم يكن كل تاريخ الاصلاح في العالم
يظهر ان التجارب الاصلاحية في كل الامم والحضارات والدول قامت
بالاستناد الى عاملين اساسيين هما:-
أ-
وجود رغبة داخلية ملحة بالاصلاح تستند الى ادراك ادراك ووعي
ثقافي وفكري من جانب ومن جانب اخر بتأييد اجتماعي .
ب-
ظهور تحدي خارجي يفرض الاصلاح او يدفع باتجاهه بقوة، وهذا
التحدي يظهر باشكال متعددة، فقد يكون صراعاً مباشراً تتعرض له
الامة، او خطراً خارجياً محدقاً يهدد كيان الامة، او حتى
تهديداً فكرياً وثقافياً من امة متقدمة تحاول ان تفرض نظمها
السياسية والادارية وانماطها السلوكية وتصوراتها لكيفية
التعاطي مع الظواهر الاقتصادية والاجتماعية على الاخرين ([11])
، ذلك ان لم يكن تحديا حتى في بأسم الدين والانتماء له ، ولهذا
الاخير تتعالى الصيحات بالمراجعة والتجديد والاصلاح الديني
الاسلامي .
ب - محور السياسة :
السياسة وأثرها في الإصلاح الديني :
الحقيقة ان
السياسية ذات اثر كبير ومباشر على الدين هذا حسب القول بفصلهما
اذا لم نقل بالنظرية الدينية التي ترى ان السياسة ضمنيا تقع
تحت ادارة المؤسسة الدينية ، الا اننا نرى ان السياسة في
واقعنا المعاصر وفي تجارب تاريخية سابقة قد بينت ان لها القول
الفصل في الكثير من الممارسات والنظريات الدينية ، وإذ يرتبط
الاصلاح بالقدرة على القضاء على الافساد كما بينا في بحثنا
انفاً فإن الافساد ارتبط بالسلطة والسياسة في اغلب الاحيان
اذا لم تؤمن او تقود الى الاصلاح فاذا لم تأخذ السياسة على
عاتقها مسؤولية الاصلاح والقضاء على الفساد فانها ستفسد
بممارستها المجردة للسلطة ودليل ذلك قرانياً قوله تعالى :
{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا .. }
(205) سورة البقرة ، فالتولي هو السلطة والحكم والسلطان وإذا
كان ذلك من قبل من يفسد (والمقصود من الآية هو المنافق) فإذا
تولى المنصب او الولاية فانه سيفسد المجتمع والسلطة لأنه لا
يريد الإصلاح أما الخط الإسلامي الصريح الذي يمثل الارادة
الالهية فنها تتجلى بقوله تعالى في نهاية الآية نفسها : {...
وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} (205) سورة البقرة ، ([12])،
وعموما فالقدرة على الاصلاح ترتبط وبوضوح بقدرة السلطة
وارادتها لذلك ، وفي وقتنا الحالي فان الحاجة الى الاصلاح
الديني المشفوع بمباركة السلطة (ان صح التعبير) يجب ان يكون من
خلال خلق بيئة ديمقراطية وجو تعددي وفقه اختلافي وتعاليم
تسامحية وقيم للتعايش والاعتراف بالاخر ، وذلك لا يصح ايضا بلا
مبادرة دينية تزاوج بين ارادة المجتمع والسلطة من خلال المشروع
الاول في بحثنا وهو الاصلاح الفكري الذي يؤيد الاصلاح الديني
ويقود المبادرة السياسية الى المشاركة الايجابية التي غابت
لقرون في قرار المؤسسة الدينية .
بمثابة خاتمة البحث :
لابد لنا
ان نخرج من هذه الدراسة حول الاصلاح الديني ان نبين محور البحث
ونتائجه التي دارت حول مراجعة لاسلوب الخطاب الاسلامي والقراءة
للنص الديني وكيف ان من اهم مايمكن نسجله من نتائج او ملاحظات
هو التالي :
أ- ان
الاصلاح هو ضرورة ملحة للمجتمع العربي والاسلامي على مختلف
الاصعدة لكن الجوهر واملكز في ذلك هو الثلاثية المتتالية
والمتوازية ( الدين والثقافة والسياسة ) إذ ان الاصلاح في اي
مجالمنها لايمكن الكلام عنه منفصلا عن قرينتيه الاخريتين .
ب- ان
الازمة التي تعادل الفساد والتي هي بحاجة الى الاصلاح الديني
سببها الرئيسي هو القراءة المتطرفة والمتعصبة للدين وما
الاصلاح الا اعادة لقراءة ممأسسة ومعقلنة وحداثوية يمكن ان
تساهم في حل ازمات الامة والمجتمع العربي والاسلامي .
ج- انه
بقدر ماتكون الحاجة الداخلية ( لمجتمع ما ) للاصلاح بقدر ما ان
الاثر الخارجي لايمكن الاستهانة به بل هو حافز وتحدي كبير
يواجه الاسلام والدين وعليه ان يستجيب بايجابية وان يصلح من
شأنه وذلك مايسعى اليه الباحث وكل من يهمه المجتمع العربي
والاسلامي وصلاحه .
د-
ليست الحداثة حكرا على الفكر اللاديني بل نحن ندعو الى حداثة
دينية تعبر عن حاجة المجتمع الاسلامي وتعادل اوا توازي مفهوم
وفلسفة الاصلاح بل تكافئه معرفيا ومنهجيا من خلال المباديء
التي يمكن ان نؤسسها تحت الاطار الديني الاسلامي والتي يمكن ان
تستقى من القرآن ومنها الشورى والحرية والعدالة والعقلنة
والعلمية وغيرها ..
..................................
(*)
جامعة بغداد – كلية الآداب – قسم الفلسفة
الهوامش:
...................................
[1] )
مجموعة مؤلفين : المعجم الوسيط : ص520 .
[2] )
محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح ، ص367 .
* الاصلاح
الديني الغربي : ظهر متزامنا مع نشوء البروتستانتية
وهو حركة واسعة الانتشار ظهرت مناهضة للكاثوليك
والاقطاع وذلك في يالنصف الاول من القرن السادس عشر
الميلادي وكذلك اصبحت الكنيسة في البلاد التي انتصرت
فيها حركة الاصلاح تعتمد على الدولة وتتمتع بقدر اقل
من السلطة التي تتمتع بها في البلاد الكاثوليكية (
مجموعة مؤلفين : الموسوعة الفلسفية ، تحرير روزنتال و
يودين ، ترجمة سمير كرم ، دار الطليعة – بيروت ،
الطبعة الثانية -1980 ، ص38 .
**
التجديد : يعني لغة ً ؛ تصيير الشيء جديداً وجدَّ
الشيء اي صار جديداً وهو خلاف القديم وجدد قلان الامر
واجده واستجده اذا احدثه ( عدنان محمد اسامة : التجديد
الديني في الفكر الاسلامي ، دار ابن الجوزي ، بيروت ،
بدون تاريخ ، ص 16 ) ، الا انه من خلال هذا التعريف
يتبين ان الاصل اللغوي لايتفق بين الاصلاح والتجديد
لان الاصلاح يقف في قبال الفساد اما التجديد فحالة من
تحديث الشيء بعد ان يبلى ، علما انهما يتفقان من جانب
كونهما يمثلان حالة مخالفة للحالة السابقة التي عليها
الشيء المراد اصلاحه او تجديده .
[3] )
وهذا ما رآه (حسام تمام – مفكر وباحث مصري ) في ندوة
تجديد الفكر الديني – المغرب ، بتاريخ 17-18- مارس
-2006 ، كلية بنسميك / جامعة الحسن الثاني – الدار
البيضاء – المغرب .
*** يرى
"محمد البهي" في كتابه ( الفكر الإسلامي الحديث وصلته
بالاستعمار الغربي )ان التجديد نوعا من التناغم
والخضوع للاستعمار وانه تبديل إلى توجه ديني يرضى عنه
المستعمر على خلاف مع فكرة الإصلاح التي تعني ( عند
البهي )العدة إلى الإسلام والتمسك به والسعي إلى
استقلاله (الميلاد ، زكي : الإسلام والتجديد - كيف
يتجدد الفكر الإسلامي ؟ ، المركز الثقافي العربي ،
بيروت ، الطبعة الأولى ،2008، ص118 ) .
[4] )
الميلاد ، زكي : الاسلام والاصلاح الثقافي ،دار اطياف
، القطيف – السعودية ، 2007 ، الطبعة الاولى ، ص 50 .
[5] )
سروش ، عبد الكريم : القبض والبسط في الشريعة ، ترجمة
دلال عباس ، دار الجديد – منتدى الحوار العربي
الايراني ، الطبعة اولالى ، 2002 بيروت ، ص 30-31 .
[6] )
إدريس هاني : ندوة تجديد الفكر الديني – المغرب ،
بتاريخ 17-18-مارس -2006 .
* مع
خلاف حاصل على ان من يرتبط بهم الإرهاب لا يمثلون
الإسلام الحقيقي .
*
التأويل : تقرأ بعض المدارس الإسلامية التأويل على ان
له من الأهمية الكبرى التي ترتقي إلى عدها بنقاط منها
: أولاً: إطلاق شرارة الوعي التاريخي في واقع الأمة
من اجل منحها الفهم بماضيها، فمن ليس له وعي تاريخي
سوف لن يكون قادرا على فهم حاضره، وترتيب جبهته
العقدية (الفكر + المشاعر)، المرتهنة للكسب التاريخي،
بما لها من بنية تم تشكلها بصورة تراكمية عبر مسيرة
تاريخية، فلا يمكن تقويم العقيدة إلا بتقويم ومراجعة
التاريخ الذي شكلها بمراحله المختلفة ، ثانيا: وضع
وإزالة الإصر والأغلال عن آلية تفكير العقل المسلم ،
عن طريق منهجة تفكيره، بمنحه منطق الإسلام المتصف
بالعبوري، وتخليصه من المنطق الظاهري: (أكثر الناس لا
يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة)6-7/30 ، الذي لم يزد
الفكر المسلم إلا خبالا وواقعه إلا تخلفا ، بذلك يتحرر
العقل من المنطق الجاهلي، الذي ظل ومازال، يتسم
بالتسطيح والإجمال والاختزال والعجلة والإطلاق
والماضوية والحتمية والجزئية والشعارتيه، وبذلك التخلص
يمنح العقل المنطق العبوري، المأمور به في قوله تعالى:
(فاعتبروا يا أولي الأبصار)2/59، ليمثل البديل الذي في
ظله يتسم الفكر بالعبورية والعمق، والتفصيل، والأناة،
والنسبية، والشمول، والمعاصرة، والدقة العلمية المشخصة
لمعالم الحقيقة ، ثالثا: إحياء ميت الكتاب والسنة، حيث
الموت تم بفصلهما عن علم التأويل، ما أدى إلى تغييب
خواص الخطاب. فالعودة المعاصرة بالتقاء الخطاب بمنهج
فقهه المحدد بالتأويل، تكفل عودة خواصه، والتخلص من
الخواص الناتجة عن الفصل، بإلغاء محدودية الخطاب ليصبح
لا متناهيا، وإلغاء إجماله ليكون مفصلا، وإلغاء بكمه
ليكون ناطقا، وإلغاء حياديته ليعود قولا فصلا، وإلغاء
ماضويته ليكون رغم تاريخيته مستقبليا معاصرا، وإلغاء
الشبهات حول إعجازه لتتظاهر معجزته لعين البصير الذي
يعمل نظره استنادا لمعالم وقواعد علم التأويل، لتعود
للكتاب القدرة على الإدهاش وإثارة استغراب مستنطقه.
عندما ينطق بالحق في كل المسائل المطروحة في ساحته،
فيخصب الفكر الإسلامي من جديد، ويبث فيه الحياة بعد
طول سقوط في الموت ،... عن موقع التأويل
www.ataweel.com/ - 26k.
*
الحداثة : نستطيع القول بأن الحداثة ـ وفق المنظور
الإسلامي ـ هي ليست رفعا لشعار الحرية والعلم والتقدم
وحقوق الإنسان، وليست تلفيقاً بين الإسلام وهذه
الأشياء، بل هي صيغة معاصرة لتفعيل هذه المبادئ
الموجودة أساسا في منظومة الفكر الإسلامي بما يتلاءم
مع الخصوصيات العلمية والثقافية للواقع الراهن.
فالعملية ليست رفضاً للحداثة بذريعة الحفاظ على الهوية
الثقافية الإسلامية، كما انها ليست قبولا لها بشكل
يتلاءم مع تحديث الإسلام وجعله أكلة مهضومة بالنسبة
للإنسان المسلم المعاصر(الحداثة والفكر الإسلامي
المعاصر. مهدي الشرع - نقلا عن موقع الحضارية
http://www.alhadhariya.ne ) ، لذلك فهي استعارة (
أي لفظة الحداثة ) اعتقد انها أصبحت بدل المجاز حقيقة
أي إننا أمام تيارات حداثوية إسلامية تعتمد العقلانية
كمحور في قراءة النصوص الدينية وكذلك في قراءتها
وتأويلها وإبداعها في مختلف المواضيع السياسية
والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية ، فان جوهر الحداثة
هو "سيادة روح النقد والعقلانية والتجاوز والابداع بما
يتفق وملابسات واحتياجات كل مرحلة من المراحل
الاجتماعية والتاريخية في حياة الانسان فردا ومجتمعاً
وعلاقة انسانية عامة " (محمود امين العالم : الحداثة
والتحديث في فكر الطهطاوي ، مجلة النهج – العدد32،
2002 ، ص 7 ) .
[7])
بلال نعيم : الفكر الإسلامي بين النهضة والتجديد -
قراءة في فكر النهضة ، دار الهادي ، بيروت ، الطبعة
الأولى ، 2004 ، ص 120-121 .
[8] )
الميلاد ، زكي : الفكر الإسلامي - قراءات ومراجعات ،
دار الانتشار العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى ،1999
،ص85-89 .
* يراجع
، محمد باقر الصدر : كتاب الإسلام يوقد الحياة ، مجمع
الثقلين العلمي ،العراق - بغداد ،2003 .
* القلق
الإنساني والخوف من الموت من المباحث الرئيسية في
الفلسفة الوجودية المعاصرة والتي شغلت فلاسفة عدة منهم
كيركجورد وآخرون .
[9] )
هاشم صالح : مدخل إلى التنوير الأوربي ، دار الطليعة ،
بيروت ، الطبعة الثانية ، 2007 ، ص 241 .
[10] )
راجع ، جيل كيبيل : يوم الله - الحركات الأصولية
المعاصرة في الديانات الثلاث ، ترجمة : نصير مروة ،
الطبعة الأولى 1992 ، دار قرطبة للنشر والتوثيق
والأبحاث ، بيروت ، ص 10 .
[11] )
الحديثي ، سعد : فلسفة الاصلاح - المنطلقات . الآليات
. الافاق ، مجلة مقابسات - مؤسسة النهوض الفكري –
بغداد ، العدد الاول ، ص 204 .
[12] )
الطباطبائي ، محمد حسين : الميزان في تفسير القرآن ،
مؤسسة دار المجتبى ، قم – ايران ، ط1 محققة ، 2004
،ص97-98 .