الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الجمعة: 19/12/2008

 

                                 المرأة والتنمية في العراق

     نحو تنمية تمكينية للأدوار والمشاركة في القرارات

(2-2)

                         أ. د.عدنان ياسين مصطفى*

 

5- استقرار العمل:

شهدت المرحلة الممتدة من 1980(إذ اندلعت الحرب العراقية الإيرانية) حتى احتلال العراق عام 2003 ، مظاهر تخبط كثيرة في السياسة الاقتصادية، نجمت عن سوء الإدارة وعن نقص التمويل، إلى جانب الأسباب الرئيسية ممثلة بالحروب والنزاعات والحصار الدولي الشامل.

فقد أدت الحرب إلى تحويل آلاف من العمال والموظفين من أعمالهم ووظائفهم المدنية إلى أداء واجبات عسكرية سواء على الجبهات او في المقرات الخلفية او المعسكرات. وقد حاولت الدولة أن تعوض سوق العمل باستقدام العمالة العربية ـ وخاصة المصرية ـ كما عملت على توسيع الفرص المتاحة للنساء وخاصة في دوائر الحكومة الرسمية. وعلى وجه العموم فإنّ المدة التي تلت الحرب العراقية الإيرانية شهدت هي الأخرى تقلبات خطيرة في سوق العمل. (انظر الجدول رقم 5).

                                                        جدول رقم (5)

أعداد العاملين في قطاعات اقتصادية مختارة

 

 

الأنشطة أو القطاعات

 

أبنية وإنشاءات

صناعات تحويلية

ماء  وكهرباء

1988

96669

249754

51362

1989

146577

288735

55142

1990

103354

271613

49971

1994

9060

200962

40082

1995

4026

188706

38238

1996

1141

188107

36694

2001 

20119

82556

3009          

    المصدر: الجدول مستمد من الإحصاءات التي أصدرها الجهاز المركزي للإحصاء خلال المدة 1988ـ2004.

إن كثيراً من العاملين الذين فقدتهم مؤسسات الدولة اتجهوا إلى القطاع الخاص أو القطاع الهامشي، وقضى كثير منهم في حرب الخليج الثانية، وفي الصراعات التي تبعتها، أو من جراء الحصار، إلى جانب آلاف هاجروا إلى أقطار أخرى بحثاً عن فرص عمل خاصة أن القطاع الخاص تعرض هو الآخر للضرر أما بسبب الأيديولوجية الاقتصادية للدولة والتي ركزت على دور ما سمي بالقطاع الاشتراكي، أو بسبب افتقار القطاع الخاص للدعم الذي كانت توفره له الدولة.          

وبعد احتلال العراق 2003 وتسرح آلاف من العسكريين والإعلاميين منتسبي الجهات الأمنية إلى جانب مئات من منتسبي الحزب الحاكم آنذاك، حدثت هزة كبيرة أخرى في سوق العمل، فقد تقدم مئات من الذين فصلوا أو ابعدوا لأسباب سياسية بطلبات العودة إلى دوائرهم، كما أن تخفيف الضغط على الحزبيين السابقين أدى إلى عودة مئات منهم إلى وظائفهم، أو إلى وظائف جديدة، وهكذا أغلقت الأبواب أمام المتخرجين الجدد، وأمام الباحثين الجدد عن فرص عمل. وقد هدد ذلك كله باحتمالات حدوث هزات اجتماعية خطيرة. وقد تم امتصاص تلك الاحتمالات من خلال تشغيل آلاف الشباب والأطفال في عمليات خدمية مثل تنظيف الشوارع لمجرد إنقاذهم من غائلة الفقر.

أما النساء فقد كان سوق العمل لهن أكثر استقراراً إذ أن هناك توجهاً اجتماعياً تعززه الثقافة السائدة نحو تشغيل المرأة في القطاع العام حتى إذا كانت مردوداته الاقتصادية محدودة وضئيلة. ولذلك تظهر بيانات عام 1999 إن (72.9%) من مجموع القوى العاملة النسوية يعملن في القطاع العام وان (8.6%) من ذلك المجموع يعملن في القطاع المختلط و(14.3%) فقط يعملن في القطاع الخاص. وتظهر بيانات العقد التاسع من القرن الماضي ان النساء أسهمن بشكل واسع في الأنشطة التعاونية اذ شكلن (98%) من جملة الموارد البشرية العاملة في النشاط التعاوني الإنتاجي ويعزى ذلك الى ارتفاع مساهمة المرأة في مشاريع الأسر المنتجة الذي يتيح للمرأة عملاً مستقراً متكيفاً مع ظروفها العائلية كما إن الجمعيات الإنتاجية تتيح للمرأة الحصول على المعدات والمدخلات الإنتاجية إضافة الى المهارات والتمويل وبما يمكنها من إنتاج السلع المختلفة وتسويقها عبر منافذ الجمعيات ولحسابها الخاص([1]). غير ان آلاف النساء اللواتي كن ينشطن في القطاع الرسمي كن في الغالب يعانين من عدم استقرارهن في عمل معين. او عدم وجود فرص العمل على نحو مستمر. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة ظواهر لافتة للنظر فيما يخصّ عرض قوة العمل النسوية: ففي مناطق معينة على أطراف بغداد والمدن الأخرى تتجمع النسوة طالبات العمل، واغلبهن غير ماهرات، وذوات مستويات تعليمية متدنية، في انتظار فرصة عمل، في حقل أو مزرعة، أو في حقل الإنشاءات، او لتنظيف المكاتب والدور وغيرها. وفي هذه الحالات التي يسمى كل منها (مسطر) تتعرض النساء لانتهاكات ولاستغلال السماسرة، وأرباب العمل، ويفتقرون إلى الضمانات وآليات الحماية، وغالباً ما ينتقلن من مهنة لأخرى بحسب ما يتاح لهن في سوق العمل وعلى أمل توفير دخل مناسب للأسرة، ولا شك في ان اندفاع المرأة نحو سوق العمل الهامشي يتأثر بعوامل عديدة لعل في مقدمتها المستويات التعليمية المتدنية وضآلة أو محدودية مستوى الخبرات المهنية والفنية، فضلاً عن عدم امتلاك النساء لأصول إنتاجية مناسبة إلى جانب التشوهات في سوق العمل التي تنعكس سلباً على المرأة.وقد سجل معدل البطالة بين السكان بعمر 15 سنة فأكثر 16% للإناث مقابل 30.2% للذكور عام2003 [2].

     وتجدر الإشارة إلى أن هناك تفضيلاً واضحاً لدى النساء للعمل في مجال التعليم وفي المجال الصحي وهي مهن مقبولة وفقاً للموروث الاجتماعي والمجالات التي تعمل بها المرأة في القطاع الصحي هي بالترتيب طب الأسنان, الصيدلة, الطبيبات, طبيبات الاختصاص, وذوي المهن الصحية من النساء, والأقل من بينها مساهمة المرأة في مجال التمريض, يتضح من الجدول رقم (6) أن نسبة النساء في هذه المهن التخصصية تمثل نسبة 30 إلى 60% من المجموع . كذلك للمرأة دور كبير في مجال التعليم , الذي يبدأ بدور رياض الأطفال حتى الدراسات الجامعية العليا وفي الاختصاصات كافة, إذ نلاحظ أن 68 % من المعلمين في قطاع التعليم هم من النساء .

                                                  جدول رقم (6)

نسبة النساء إلى ذوي المهن الطبية والصحية

المهن / السنوات

1997

2000

2004

الأطباء

  36,3

38,4

34,3

أطباء الاختصاص

30,2

33,4

30,2

أطباء الأسنان

58,7

59,4

57,1 

صيدلي

76,0

69,0

47,5

المجموع

44,5

45,5

39,3

ذوي مهن صحية مساعدة        

35,8

34,7

27,0

المصدر: الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات ( بدون إقليم كردستان)

 

ويوفر هذا الرصيد من رأس المال البشري مقومات العرض اللازمة للمشاريع الفردية/الأهلية في أنشطة التعليم ، الخدمات الصحية والطبية متى ما توافرت الظروف الأمنية المساعدة وعوامل السوق المشجعة .

 6- الحصول على مواقع قيادية:

على الرغم من استيزار خمس وزيرات في حكومة إياد علاوي الانتقالية (العمل/ البيئة/ البلديات/ المرأة/ المهجرين)، إلا أن هذا العدد تراجع في الحكومات اللاحقة. كما أن لهن حضوراً في المجلس الوطني بنسبة 25%.ولم تكن قبل الاحتلال إلا سيدة واحدة احتلت موقع عضو في قيادة الحزب آنذاك.

وقبل الاحتلال عام 2003،  شكلت النساء (0.4%) فقط من أصحاب مهن التشريعيين والرؤساء والإداريين من مجموع العاملين في هذه المجموعة المهنية العليا في المجتمع. وقد انعدمت مشاركة المرأة في الوظائف العليا في قطاع الكهرباء. وبلغت نسبة الإناث في مهنة المشرفين الماهرين (3.2%) من قوة العمل في هذه المهنة مقابل (96.8%) للذكور. وبلغت نسبة الإناث في مهنة الفنيين (18.1%) مقابل (81.9%) للذكور. إن هذه البيانات تظهر بشكل واضح أن المرأة لا تشارك في صنع السياسة العامة[3] غير أن من الممكن القول أيضا إن تطوراً مهماً قد حصل خلال العقود الأخيرة فقد ازدادت أعداد النساء المنتميات إلى النقابات والاتحادات وكان لهن مواقع قيادية فيها.(انظر جدول رقم 7).

 

جدول رقم (7)

أعداد النساء المنتميات إلى الاتحادات والنقابات ونسب المشاركة وعدد النساء القياديات(1999)

الاتحاد او النقابة

عدد المنتميات

%المشاركة

عدد النساء في المواقع القيادية

%المشاركة

اتحاد الشباب

26792

9.2

9

20

الاتحاد العام للتعاون

40.000

2

750

23

نقابة الأطباء

12000

9

1

10

نقابة أطباء الأسنان

3100

55

1

10

نقابة الصيادلة

2275

61.7

ـ

12.5

نقابة الكيماويين

2760

35

1

10

نقابة المهندسين

15

18.5

1

5.9

نقابة الجيولوجيين

480

14.4

2

22

نقابة المحاسبين

89

30

1

11

 

المصدر: الاتحاد العام لنساء العراقـ بكين+ 5،مصدر سابق، ص29، كذلك: سهام عبد الحميد، دور المرأة، مصدر سابق.

      وكان للنساء حضور واضح في المجلس الوطني الأسبق المنتخب عام 1996 إذ بلغ عددهن(17) امرأة من مجموع (250) وبنسبة (6.8%) أما في المجلس الخامس (2000) فبلغ عددهن (20) امرأة من مجموع (250) امرأة بنسبة (8%). كذلك كان للمرأة حضورها في مجالات الإعلام ففي عام 2000ـ2001 كان هناك ثلاث رئيسات تحرير وبلغ عدد الصحفيات المسجلات في نقابة الصحفيين (200) من أصل (7150) صحفياً بنسبة (5.7%)([4]).

وإذا كانت التشريعات والقوانين العراقية تقضي بعدم التمييز ضد المرأة  بما يحول بينها وبين شغل المناصب القيادية أو المراكز العليا في سلم السلطة. فإنه قد تحول دون ذلك العوامل الاجتماعية والثقافية , كذلك يعطي القانون المرأة  الحق في الأجر المتساوي للعمل ذي القيمة المتساوية قياسا بالرجل , لكنه لا يضمن التساوي في الترقية والراتب, إذ لا نص قانونياً واضحاً وملزماً بذلك, وهو ما يفسح المجال واسعا أمام التمييز بين الرجل والمرأة. و إن وجود النساء في مراكز صنع القرار قد تزايد بعد عام 2003 إذ بلغ عددهن لغاية 2005 (342) امرأة في مختلف الوزارات. وبلغ عدد النساء في منصب مدير عام (86) وعدد الخبيرات منهن بدرجة معاون مدير عام (215) وبلغ عدد من هنّ بدرجة مستشار ومفتش عام (33) امرأة. وعدد وكيلات الوزارة (8). وشكلت النساء 2% من القضاة. كما شغلت المرأة منصب (وزيرة) في ست وزارات ، في الوزارة الثانية وصولاً إلى ثلاث فقط في الوزارة الحالية (حكومة نوري المالكي).

إن إشغال المرأة لمواقع قيادية بارزة ومؤثرة يعتمد على شروط عديدة لعل في مقدمتها مدى تقبل المجتمع لذلك من جهة، ومدى الكفاءة التي تظهرها المرأة ذاتها وهو أمر يتصل بمستوى تعليمها والفرص المتاحة لتدريبها. ويمكن القول على وجه العموم ان المجتمع يفضل في العادة ان يوفر للرجل فرص الترقية بالمقارنة مع المرأة وهذا التفضيل يعكس في الواقع الصورة النمطية السلبية السائدة عن المرأة في الثقافة العامة. فعلى سبيل المثال أظهرت دراسة أجريت على عينة من الشباب ان (57.4%) منهم يوافقون بشدة أو يوافقون على فكرة ان المرأة اقل منزلة من الرجل بصورة عامة. كما اظهر (92.8%) منهم ان على المرأة ان تأخذ رأي ولي أمرها قبل قيامها بأي عمل. وفيما يتعلق بالعمل السياسي أكد (76.2%) من المشمولين بالدراسة ان السياسة هي حكر على الرجال دون النساء. ويلاحظ أن التناقض ما بين المعرفة والاتجاهات والممارسات في تأكيد (76.1%) من المشمولين بالدراسة على ان باستطاعة المرأة القيام بالأدوار القيادية في الدولة كمديرة أو عميدة جامعة أو مديرة بنك أو قاضية وغيرها([5]).

اليوم تظهر البيانات المتاحة أن هناك أعداداً كبيرة من النساء يشغلن مواقع رئاسة قسم (72%) في وزارة العمل، (65%) في وزارة العدل، (51%) في وزارة البلديات، وهناك (50%) من المدراء العامين في وزارة البيئة تشغلها نساء. وفي وزارة المهجرين (33%) وفي وزارة الصحة (20%) وفي مجموع الوزارات المذكورة يبلغ عدد النساء بدرجة مدير عام (8) مقابل (29) من الرجال. وتشكل النساء(1%) في مجال القضاء([6]).

ومما هو لافت للنظر إقبال النساء على تشكيل اتحادات ونقابات نسويه خاصة بهن ، أو كن في مراكز قيادية لجمعيات نسويه بالضرورة . وفي دراسةٍ أجراها مركز العراق للبحوث والدراسات الإستراتيجية في بغداد مطلع عام 2004 حول منظمات المجتمع المدني في مدينة بغداد ، أظهرت البيانات أن مساهمة المرأة في قيادة تلك المنظمات بلغت ( 14.4 % ) (الجدول رقم 8) . وهذه النسبة تكتسب أهمية خاصة كونها تؤشر حضوراً للمرأة العراقية في مراكز اتخاذ القرار في وقت كانت فيه مستويات الأمن الاجتماعي قد تدهورت وتحملت المرأة جانباً مهماً من أعباء ذلك التدهور .

 

جدول رقم ( 8 )

توزيع منظمات المجتمع المدني في بغداد بحسب نوع قادتها

نوع القادة

العدد

%

ذكور

142

85

إناث

24

14.4

غير مبين

1

0.6

المجموع

167

100

المصدر :- مركز العراق للبحوث والدراسات الإستراتيجية دراسة مسحية لمنظمات المجتمع المدني في مدينة بغداد ، يناير 2004.

    أما على صعيد إسهام المرأة في مراكز صنع القرار، فيلاحظ أن اللجان المنبثقة عن البرلمان العراقي الحالي والمسؤولة عن تقديم تقارير حول أداء الجهاز التنفيذي في مؤسسات الحكومة والتي تطرح مشاريع ومقترحات حول تفعيل عمل هذا الجهاز، لم تراعِ فيها أي نسبة للنساء. فمن أصل (22) لجنة تم التصويت عليها في 21 /حزيران /2006 ، يلاحظ أن اللجان الأكثر سيادية وحساسية وأهمية تغيّب أو تقل فيها نسبة المرأة بشكل كبير فيما تزيد نسبة النساء بشكل ملحوظ في لجان محددة الأمر الذي يعكس التوجهات التي تقف وراء هذا التقسيم الذي يحصر مناشط المرأة في التعليم والتمريض .... فيما يلي بعض الأمثلة:

•        لجنة (الأمن والدفاع) فيها (15) عضواً ليس بينهم أي امرأة.

•        لجنة (النفط والغاز) فيها (9) عضواً ليس بينهم أي امرأة.

•        اللجنة (القانونية) فيها (13) عضو بينهم (امرأة) واحدة فقط.

•        اللجنة (المالية) فيها (7) أعضاء بينهم (امرأة) واحدة فقط.

•        لجنة (العلاقات الخارجية) فيها (15) عضوا بينهم (امرأتان).

•        لجنة (الاقتصاد والاستثمار والاعمار) فيها (12) عضو بينهم امرأتان.

•        لجنة (الصحة والبيئة) فيها (12) عضواً بينهم (4) نساء.

•        لجنة (التربية والتعليم) فيها (15) عضواً بينهم (7) نساء.

•        لجنة (المرأة) تتألف من (7) عضوات ليس بينهن رجل واحد[7].

   وتجدر الإشارة إلى انه لم يتم تمثيل المرأة بشكل مناسب في الحكومة العراقية المؤقتة (2004) وتم ترشيح ثلاث نساء فقط للعمل في مجلس الحكم الانتقالي من أصل (25) عضواً كما لم يتم تعيين أي امرأة في منصب محافظ أو نائب محافظ باستثناء إقليم كردستان. وفي الوقت الذي نجد فيه المادة 49 من الدستور (الفقرة الرابعة) تحقق نسبة تمثيل للنساء في مجلس النواب ولكن لا يوجد تخصيص لأدنى تمثيل للمرأة في الهيئات التنفيذية والقضائية، كذلك ليس في العراق حزب تقوده امرأة أو تكون من بين أعضاء قيادته. ومن بين (23) لجنة برلمانية لا ترأس المرأة سوى لجنتين فقط هما لجنة شؤون المرأة والطفل ولجنة المجتمع المدني. وفي الوقت الذي تبرز فيه الحاجة إلى تشكيل آليات حكومية تنفيذية، لم يفعّل دور وزارة المرأة إذ أن مواردها قليلة، وموظفيها معدودين[8].

  ثانيا: تحليل مضمون عمل المرأة

     بغض النظر عن توجيهات الدولة في فترة الحصار الدولي والنزاعات العسكرية و التي تميزت برفع الدعم عن قطاعات الاقتصاد ومحاولة تشجيع القطاع الخاص عن طريق إجراءات قانونية عديدة ومنها بيع ما يمكن بيعه من ممتلكات الدولة لتقليص اللجوء إلى طبع العملة لتمويل الإنفاق الحكومي ودراسة إمكانية فرض رسوم ( إضعاف التضخم ) عن مبيعات السلع من الدولة والقطاع الخاص وبعض الخدمات التي تقدمها الدولة . كما أصدرت الدولة قانون الاستثمار الصناعي للتخفف من القيود التي أثقلت كاهل القطاع الخاص بالإضافة الى عطاء بعض الإعفاءات والامتيازات . وفي سنة 1997 تم فتح مكاتب للصيارفة تتعامل ببيع وشراء العملة الأجنبية وكان ذلك محظورا في الماضي وقد أدى ذلك الى التخفيف من مشاكل السوق السوداء . وكان لتعدد القوانين الخاصة بإنشاء وإدارة المنشآت التي تديرها الدولة أثر في شيوع حالة من الإرباك وتدني الكفاءة فتم إصدار قانون الشركات العامة رقم ( 22 ) لسنة 1997 . وقد سمح القانون لهذه الشركات بالاقتراض لتمويل أنشطتها بما لا يتجاوز ( 50% ) من رأسمالها . وفي سنـــة 2000 صدر قرار برقم ( 105 ) بإنشاء صندوق للتنمية لمنح قروض المشاريع بما لا يتجاوز ( 75% ) من الكلفة الاستثمارية لهذه المشاريع . وقد باشرت الدولة بمنح قروض استثمارية للقطاع الخاص وبأسعار فائدة منخفضة .

   كل هذه الإجراءات قلصت من ضغوط الدولة وخففت من قبضتها على سوق العمل ولذلك وجدت المرأة بعض الفرص الجديدة في القطاع الخاص تعوض إلى حد ما عن فرص العمل في الدوائر الحكومية التي لم تعد ذات مردودات مادية مجزية . لقد ظهرت أشكال غير نمطية من الأعمال وهناك – كما سبق واشرنا– بعض الدلائل على تغير أنماط العمل وظهور أشكال غير منتظمة الى جانب العمل الدائمي بأوقات كاملة كنمط تقليدي يستوعب معظم قوة العمل من النساء الحضريات ومنها ظاهرة المزاوجة بين العمل الرسمي في الإدارة الحكومية وأشكال أخرى غير نمطية بدافع زيادة مدخلات الأسرة وتختلف المداخيل فيها من أجور كفاف متدنية إلى أعلى المستويات تبعاً لارتباطها بأدنى وأعلى المؤهلات.

Text Box:  

 

         ومن الأشكال غير النمطية للعمل :- العمل بوقت جزئي، والعمل بموجب ترتيبات عمل بديلة أو غير تقليدية لا تشترط التواجد في مكان العمل ولا تخضع لقوانين وتعليمات وشروط العاملين من حيث الساعات والأجور والتقاعد والإعانات وفرص التدريب والحماية النقابية  . لقد حاولت المرأة أن تقيم توازنا بين ما يأتي[9] :

 

آ – بين الضغوط الاجتماعية والأسرية التي تدفعها للبقاء والاستمرار في العمل في مهن حكومية رغم تردي مداخليها بالمقارنة مع المعدل العالي للتضخم وانهيار قيمة العملة الوطنية وبين حاجة الأسرة إلى دخل إضافي . بينما كان الموظفون من الذكور , والمتخرجون الجدد , يعبرون عن اتجاهات سلبية إزاء الوظيفة الحكومية , ومن ثمّ يتركونها للعمل في القطاع الخاص او القطاع غير الرسمي أو الهجرة التي لم تكن متاحة للمرأة بسهولة .

ب – بين الواجبات الأسرية والمنزلية وبين مسؤوليات العمل التي صارت تتطلب ساعات غياب طويلة عن المنزل .

جـ - بين خسارة الضمانات التي يوفرها القطاع العام ودوائر الدولة وبين الدخل الأفضل الذي يوفر القطاع الخاص او القطاع الهامشي .

لقد كانت فرص الذكور في القطاع الخاص وفي قطاع العمل الهامشي أفضل بكثير من الفرص المتاحة للمرأة رغم أن ضغوط الحياة الاقتصادية اضطرت المرأة للعمل حتى في مهن شاقة كالبناء مثلاً . وفي مجتمع ذكوري فإنّ كثيراً من النساء الشابات اللواتي يعملن بدون رقابة دقيقة ، يتعرضن للابتزاز والانتهاك الجنسي وعلى نحو قد يدفعن معه حياتهن إذ أن أصحاب بعض الورش والمعامل الصغيرة غير المسجلة قانوناً التي لا تخضع للرقابة الرسمية قد تستغل فقر العاملات وتهديدهن بالتسريح من العمل إذ لم يقدمن تنازلات جنسية لأرباب العمل او لآخرين يعملون معهن ولا تسمح التقاليد الاجتماعية بتقديم شكاوى علنية حول تلك الانتهاكات الجنسية .

Text Box:  

 ويتعرض الأطفال إلى مشكلات أكثر تعقيداً  . فهم- ذكوراً وإناثا - قد يتعرضون للضرب في أثناء العمل ولأشكال متعددة من العنف والاستغلال الجنسي [10]   . ولعل من المفيد ان نشير هنا الى أن ظروف الحصار وما تمخض عنه من فقر وتهميش أدى بالأسرة العراقية إلى كسر بعض التقاليد ومنها تشغيل الإناث صغيرات السن. ذلك أن الأسرة العراقية كانت تدفع أبناءها الذكور للعمل وتحجم عن تشغيل الإناث إلا إن ذلك الإحجام تراجع كثيرا ولم يعد تشغيل الإناث في مهن معينة مثل الخدمة المنزلية او بيع بعض الحاجات الصغيرة في الأسواق او ما شابه ، محظورا.

لكن عمل النساء في القطاع الهامشي - وخاصة في أسواق المواد الاستهلاكية والخضروات – لم يكن بعيداً عن حماية الأسرة دائماً . ففي الغالب يمكن للباحث أن يلاحظ أن المرأة وهي تبيع الخضروات أو تبيع مواد معينة او تقف في ( المسطر ) بانتظار فرصة عمل ، فإنها غالباً ما تتلفع بملابس سوداء وتضع على رأسها حجاباً ، وربما يكون زوجها أو أخوها ، او أي من أقاربها قريبا منها يمارس مهنة أخرى ، وبذلك يوفر لها الحماية ويجعلها في حدود رقابته .

إن عمل المرأة في القطاع الخاص او في قطاع العمل الهامشي ، كان يدفع بكثير من النساء إلى مزيد من التهميش ، فهو قد يؤدي بالمرأة إلى ترك الدراسة ، او تأجيل زواجها ، بل الامتناع من الزواج ، ولذلك بدت ظاهرة العنوسة بين النساء العراقيات أكثر وضوحاً عما كانت عليه قبل سنوات إذ كان الزواج المبكر هو الشائع رغم ان الدولة حاولت ان توجد تسهيلات لطالبي الزواج والعرسان الجدد . لقد أظهرت نتائج دراسات عديدة ان عمل المرأة في القطاع الهامشي ، أو ممارستها لعمل في القطاع الخاص إلى جانب عملها في دائرة حكومية كان له ثمن اجتماعي باهض وخاصة أن ذلك العمل كان يضطرها للبقاء ساعات طويلة خارج المنزل مما يؤثر على دورها التربوي نحو أبنائها ، وواجباتها إزاء زوجها ، - ان كانت متزوجة – كما ان ممارستها العمل لساعات طويلة خارج المنزل كان بمنزلة إضافة ثقيلة لواجباتها المنزلية .

إن ظروف النزاعات والحصار الدولي ، أدت الى سياسة اقتصادية فيها درجة من الانفتاح وإعادة الهيكلة ، والتخفيف من قبضة الدولة على السوق سواء أكان ذلك ينسجم مع أيديولوجيتها الاقتصادية او يتقاطع معها . ولذلك – كما اشرنا في بداية هذه الدراسة الموجزة – ان العراق لم يكن قد دخل فعلا مرحلة اقتصاد السوق بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف ، بل إنه بسبب الظروف المشار إليها ، اضطر لاتخاذ إجراءات تشبه تلك التي تتخذ عادةً في المرحلة الأولى من مراحل التحول والانتقال إلى اقتصاد السوق . وقد اقتصر ذلك التحول على مسألة أو آلية مهمة جداً وهي شبكات الأمان الاجتماعي الفعالة . ويمكن القول إن تأنيث الفقر ، وبطالة المرأة ، وتهميش أعداد كبيرة من النساء ، وعدم استقرار سوق العمل لهن ، هي من نتائج ذلك التحول . والواقع أن التحول نحو اقتصاد السوق يضع النساء أمام شروط ومخاطر بيئة عمل متغيرة فيها الفرص كما إن فيها تحديات خطيرة . إذ يسود مبدأ التنافس في الحصول على فرص عمل – وهو تنافس ليس في صالح المرأة لأسباب عديدة أهمها :  

1-أن مستويات تعليم المرأة وتدريبها وخبرتها ، لا تسمح لها بالنجاح في ذلك التنافس دائماً .

 2-إن الثقافة والتقاليد السائدة توجد أشكالا متعددة من التمييز ضد المرأة .

 3- وفي العراق ، كان للحصار والنزاعات والفوضى التي أعقبت الاحتلال دورها المهم  في جعل الدولة غير قادرة على توليد فرص عمل جديدة ، ولذلك ، وفي ظل التمييز وتفضيل الذكور على الإناث ، فإنّ حظ النساء في إشغال تلك الفرص كانت اقل بكثير من حظ الرجل .

 4- إن رغبة الدولة في تفعيل القطاع الخاص جعلها تغض النظر عن تطبيق قانون العمل والضمان الاجتماعي وان تخفف من آليات الحماية للمرأة وخاصة في العمل الليلي ، أو العمل في مهن شاقة .

 5- إن برامج التدريب كانت محدودة جداً ، ولم يكن اتحاد النساء الذي قللت الدولة من حجم تمويله، والذي تعرض إلى أضرار جسيمة ، بقادر على أن يواصل عملية التدريب على نحو واسع وفعال كما كان عليه الحال قبل الحصار. كما لم تستطع المنظمات النسوية بعد الاحتلال من تغيير واقع الحال على الرغم من أعدادها التي تجاوزت المئات  .

 6- إن التحول المذكور ، ظل محصوراً في حدود السوق الحضرية إذا صح التعبير ، أما المرأة الريفية فإنّ عملها ظل أسير الضغوط الأسرية ومنظومات القيم التقليدية .

 7- لقد أدى التدهور في  الريع النفطي ، إلى شل قدرة الدولة على إيجاد فرص عمل للمتخرجين الجدد في دوائرها . كما أنها أهملت إلى حد كبير الخدمات التي تقدمها للمعوقين من حيث التدريب والتأهيل وإيجاد فرص العمل طبقاً لقانون الرعاية الاجتماعية رقم 126 لسنة 1980 . وهذا القول يشمل النساء أيضا فقد شهد المجتمع العراقي ارتفاعاً في أعداد النساء المعوقات لأسباب بيئية أو تغذوية وغيرها .

   إن اقتصاد السوق في بلد كالعراق  يواجه بالتأكيد مشكلات ومعوقات جسيمة ينبغي الالتفات إليها وتحليلها بعمق وموضوعية ، إذ إن الانتقال إلى اقتصاد السوق لا يؤدي بالضرورة إلى  خلق فرص أكثر، فضلا عن أن اقتصاد السوق قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة فيضطر لترك مقاعد الدراسة والعمل خارج المنزل، ويزداد عبء العمل المنزلي على المرأة مما يفقدها فرص العمل المدرة للدخل . كما أن ظروف الفقر المدقع قد يجعل الرجال والأطفال اشد تنافساً مع المرأة في الحصول على فرص عمل كانت تقوم بها النساء في ظروف انتعاش الاقتصاد الرسمي[11].   إضافة إلى أن التحول نحو اقتصاد السوق لم تواكبه عملية بناء للقدرات النسوية وبما ينسجم مع التطورات التقنية والعلمية العالمية ، فضلا عن ضعف  شبكات الأمان الاجتماعي التي تحقق الأمن للأسر الفقيرة خاصة تلك التي تعيلها نساء .

جدول رقم (  9 )

أعداد الأسر التي حصلت على راتب الرعاية الاجتماعية للسنوات المؤشرة إزاءها

السنة

عدد الأسر

المبالغ المصروفة سنوياً بالدينار العراقي

1980

147

نحو ( 6 ) آلاف دينار

1985

39446

نحو ( 16 ) مليون دينار

1990

71775

نحو ( 35 ) مليون دينار

1994

70230

نحو ( 586 ) مليون دينار

2000

44961

نحو ملياري دينار و ( 453 ) مليون دينار

2001

57714

نحو مليار و ( 146 ) مليون دينار

المصدر: د. عدنان ياسين مصطفى و د. كريم محمد حمزة ، واقع مؤسسات العمل الاجتماعي في العراق ، بغداد 2002 ، ص32

 

   أما فيما يخصّ الإعانات النقدية لنظام شبكة الحماية الاجتماعية الذي بدا تنفيذه عام 2005،  فقد أظهر مستوى شمول المستفيدين من برنامج الشبكة لعام 2006 تنوعا في حالات فقر الأسر ومكوناتها، إذ ركز مشروع الإعانات النقدية على أربع شرائح رئيسة هي(العجزة، والمعوقون، والعاطلون عن العمل، وذوو الدخل المحدود). وقد بلغ عدد العوائل التي وزعت عليها الإعانات حتى شهر تموز عام 2006 (610520) عائلة [12].

وتظهر المعطيات الإحصائية ان محافظة بغداد استحوذت على الحيّز الأكبر من التخصيصات، إذ شكلت العوائل المشمولة بالإعانات النقدية لشبكة الحماية الاجتماعية 15.3%، وجاءت محافظتا البصرة ونينوى في المرتبتين الثانية والثالثة بنسبة  11.5% و 11.4%على التوالي .

  وتبدأ الإعانة ب (50) ألف دينار للشخص الواحد، لكنها تصل إلى (120) ألف دينار إذ يزيد عدد أفراد الأسرة عن (6) أفراد. إلا إن تلك الشبكات لم تظهر توزيعا عادلا وصحيحا للفئات المستهدفة. وكثيرا ما يعلن عن اكتشاف حالات تزوير وأسماء وهمية لا علاقة لها بالفئات المهمشة المستهدفة، على الرغم مما تظهره العديد من الدراسات  من أن النسبة العليا من المستفيدين من راتب الرعاية الاجتماعية هم من الأرامل والمطلقات المسؤولات عن أطفال قاصرين إضافة الى معوقات وعاجزات عن العمل .

      إن من الصعب ، بل من المستحيل ، أن نتكلم عن أفق مشخص زمنياً سيتم فيه دخول العراق مرحلة اقتصاد السوق . وخاصة مع الانفلات الأمني ، وضغوط الديون الخارجية ، وعدم استقرار الريع النفطي ، والدمار الذي لحق بالقطاعات الإنتاجية المختلفة . هذا كله إلى جانب استشراء الفساد الإداري والمالي على نحو لافت للنظر . وضعف منظمات المجتمع المدني ، وتراجع الشعور بالمواطنة ، وفيما يتعلق بالمرأة فإنّ استخدام تحليل النوع الاجتماعي في تطوير السياسات العامة ليس أمراً سهلاً في ظل قوة الثقافة التقليدية التي ترسخ في منظوماتها القيمية كثير من أشكال التمييز ضد المرأة.

 

المرأة والمتغيرات المجتمعية

1-الأرامل والأيتام

منذ عام 1980 إذ بدأت الحرب العراقية الإيرانية بدأ النزيف الديمغرافي الذي تحمل أعباءه الرجال وخاصة الشباب منهم وكانت الدولة قد استبقت تلك الحرب بإصدار قانون الرعاية الاجتماعية رقم 126 لسنة 1980 فضلاً عن قوانين أخرى للتقاعد العسكري وتمليك عقارات لأسر الضحايا وغيرها. وهناك مفارقات كبيرة بين تقديرات الجهات الوطنية والأجنبية حول عدد الذين ماتوا جراء تلك الحرب إذ تتراوح التقديرات بين (100.000) ضحية و(800.000) ضحية أما عدد السكان المفقودين فقد تتراوح بين (155.000) و(490.000)[13].

    لقد اظهر مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004 ، أن 8% من مجموع النساء المبحوثات وبمختلف الفئات العمرية في العينة كن أرامل مقابل 55% متزوجات[14] , أما ضحايا الحرب الأخيرة بدءاً من نيسان 2003 فإنّ هناك أيضا تقديرات متباينة فبينما تتراوح طبقا للبعض بين (24000) و(29000) تتراوح لدى آخرين بين (98000) و(194000). ومن جانب آخر أشار المسح المذكور إلى أن حالات وفيات الآباء الذين تقع أعمارهم بين (15-19 سنة) تبلغ (13%) في العراق مقابل (8%) في الأردن على أن البيانات التي تلت عام 2003 صعوداً تظهر أرقاما أكثر وضوحاً من حيث تفاصيلها فقد ذكر باحثون أمريكان من جامعة جونز هوبكنز وعراقيون من الجامعة المستنصرية أن مجموع ضحايا العنف في العراق منذ الاحتلال في نيسان 2003 قد بلغ (655) ألف ضحية ويشير تقرير لمنظمة تعداد الجثث في العراق حول الضحايا في السنتين الأوليتين من الصراع حتى يوم 15/آذار/2005 ان مجموع الضحايا بلغ (67365)  وان هناك (13811) ضحية توافرت بيانات تفصيلية عنها ومنها أن 82% منهم ذكور بالغين مقابل 9% نساء بالغات وان معظم الضحايا تركوا أرامل وأيتاماً. ومن الضحايا البالغين شكلت الإناث (9.6%) ودون (18) سنة شكلت الإناث (22.7%) وعلى نحو عام كانت القوات الأمريكية هي القاتل الأوحد بنسبة (37%) من الضحايا[15] ويشير تقرير الأمم المتحدة نقلاً عن مسؤولين عراقيين ومنظمات مجتمع مدني إن مابين (9) إلى (10) نساء يترملن كل يوم. ويقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في جنيف إن هذه الأرقام قد تكون اقل مما هي في الواقع إذا أخذنا بنظر الاعتبار جرائم القتل التي يتعذر إحصاؤها. وينقل المكتب عن سجلات وزارة المرأة أن هناك (300) ألف أرملة في بغداد وحدها الى جانب (8) ملايين أرملة في العراق وهذا يعني أن نسبة الأرامل تشكل (35%) من عدد نفوس العراق و(65%) من عدد النساء و(80%) من النساء المتزوجات بين سن (20-40) سنة. مع ملاحظة أن هناك تضاربا في الأرقام فالتقدير في بغداد يتباين من (300) ألف و(256) ألفا من الأرامل وبالمقابل ذكرت وزارة المرأة أن عدد الأرامل المسجل لديها (206082) أرملة[16] . وكان تقرير بعثة الأمم المتحدة في شأن حقوق الإنسان في العراق لشهري نيسان/ ايار  2006 كما أكد استمرار دفع النساء والأطفال ثمناً باهظا نتيجة النزاعات في العراق قد أكد أن (9) نساء يصبحن أرامل كل يوم، وتتزايد  أعداد الأطفال اليتامى. وتفيد بعض التقديرات ان عدد اليتامى في العراق قد يصل الى اكثر من (4) ملايين طفل ويشكل هؤلاء اعباءاً هائلة على أمهاتهم وذكرت مسؤولة في مجلس محافظة بغداد ان عدد الأيتام في مدارس بغداد وحدها يصل الى (900.000) ألف يتيم وان المنحة المحددة لهم لا تزيد على (20) مليون دينار وهذا المبلغ لا يغطي إلا حاجات القليل منهم[17] وقد اظهر مسح الأحوال المعيشية ان 11% من الأسر العراقية تعيلها نساء وهو رقم متواضع. ويلاحظ إن أعداد الأيتام في المؤسسات الإيوائية لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لا يزيد على (1500) يتيم وهو رقم لا يتناسب مع حجم الظاهرة، ويعزى الأمر الى ان الأسرة العراقية مازالت على درجة من التماسك، غير ان بعض الأسر سرعان ما تدفع أطفالها إلى سوق العمل، أو إلى ممارسة التسول.

 ويلاحظ أن مرحلة ما بعد الاحتلال شهدت ظهور(منظمات مجتمع مدني) تدعي رعاية الأيتام، وهو أمر يتنافى مع القوانين ويشاع ان بعض تلك المنظمات قد تكون أداة للاتجار بالأطفال وخاصة الإناث لقد بدأت الأسر التي تحاول التكيف وهي بدون عائل تشكل عبءاً على الخدمات الاجتماعية وفقاً لليونيسيف وأظهرت إحصاءات الأمم المتحدة ان (14%) من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 16-60 عاماً  يشتغلن حالياً مقابل (68%) من الرجال[18]. ويلاحظ ان الدولة تقوم بعمليات (ترميم) محدودة الأثر تتمثل في شبكة الحماية الاجتماعية التي يبلغ أعلى مبلغ للإعانة فيها اقل من (100) دولار شهرياً للأسرة المكونة من (6) أفراد. وبالمقابل يبدو المجتمع وقد تفككت الأسرة الممتدة فيه وأصبحت العشيرة أكثر اهتماماً بالسياسة منها بالتكافل بين أسرها وإفرادها أما المرأة نفسها ممثلة بالمنظمات النسوية فهي لا تملك في معظم الأحيان سوى الاحتجاجات اللفظية.

2- الفقر والتهجير القسري

     ثمة مشكلات خلفها الاحتلال وعجز الدولة أو انقسامية المجتمع خلال السنوات الخمسة الأخيرة، طالت العراقيين عموماً غير أن أخطرها هو ذلك الذي وقع على كاهل الأسرة وتحملت المرأة عبأه المباشر وغير المباشر وهذه المشكلات كثيرة جداً ويصعب حصرها في صفحات قليلة، فالتقارير الاقتصادية تفيد بأن أكثر من (50%) من العراقيين يعانون من البطالة وان أكثر من (15) مليون عراقي يصنفون ضمن الفئات المستضعفة والمهمشة طبقاً لتقديرات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين كما قدرت أن عدد العراقيين الذين يحتاجون الى مساعدة غذائية يصل الى (4) ملايين عراقي، إذ يحصل (60%) منهم فقط على حصص غذائية[19].

  الى جانب ذلك زاد عدد الأسر المهجرة قسراً من مناطقها على (100) ألف أسرة (وهو العدد المسجل رسمياً) بل إن عدد المهجرين داخلياً يقرب من مليون ونصف المليون فرداً[20]. وفي الأيام الأخيرة ومع استمرار تطبيق (الخطة الأمنية) هاجرت (246) أسرة تضم (250) ألف فرد من مدينة تلعفر بعد أحداث طائفية دموية شهدتها المدينة في (27/آذار/2007) وأدت الى مقتل العشرات وهدم عشرات من المنازل ومما يزيد من معاناة الأسر المهجرة أن كثيراً منها تقيم في مخيمات تفتقر إلى أبسط الشروط الصحية وبعضها الآخر يقيم في ثكنات عسكرية مهجورة (كما في  ديالى وتكريت والكوت) وفي بعض المناطق يقوم مسلحون بإحراق بيوت المهجرين او تقوم عصابات بعمليات سرقتها الى جانب ما تقدم تعاني البيئة العراقية من مصادر تهديد خطيرة فعلى سبيل المثال كشفت المنظمة  العراقية لتطهير الألغام عن ان العراق يحوي ربع عدد الألغام المزروعة في (64) دولة، والتي يقدر عددها بحوالي (11) مليون لغم.

   ولعل اخطر مصادر معاناة المرأة هي تلك التي تتعلق بالأطفال وكنا قد اشرنا في الصفحات السابقة الى بعض الأرقام ونشير هنا – استكمالاً للصورة – إلى أن أعداد الطلاب المتسربين الذين تقل أعمارهن عن (15) سنة تصل نسبتهم الى (25%) في الأسر الريفية التي تعاني فقراً مدقعاً (يقل إنفاقها عن (15) دولار في الشهر) وتذكر رئيسة منظمة رعاية وتأهيل الطفولة في العراق ان عشرات الآلاف من الأطفال والفتيات يمارسون مهناً مثل تنظيف الشوارع باجر لا يزيد على دولارين في اليوم[21]. أما من حيث معاناة الأطفال العراقيين من الصدمات الناجمة عن العمليات العسكرية فإنّ ثلاث دراسات أجراها أنتوني زوي وزملاؤه بدعم من عدة جهات دولية واستهدفت إثارة الاهتمام بالصحة العقلية للأطفال العراقيين من خلال عينات سحبت من ثلاث مدن عراقية هي: بغداد والموصل ودهوك وهذه الدراسات الثلاث هي جزء من (15) دراسة، ففي بغداد وجد ان من بين (600) طفل في (16) من المدارس الابتدائية متوسط أعمارهم 16.3 سنة ان (283 بنسبة 47%) تعرضوا لحوادث صادمة خلال السنتين الماضيتين (84 منهم بنسبة 14%) عانوا من ضغوط صدمات سابقة وفي الدراسة الثانية التي تناولت (1090) مراهقاً من طلاب المدارس المتوسطة تبين أن (323 بنسبة 30%) منهم تعرضوا الى اضطرابات عقلية و(127 من 481 من الذكور بنسبة 26%) مقابل ( 196من 609 من الإناث بنسبة 32%) وان (301 بنسبة 92%) من المرض المراهقين لم يتلقوا أي علاج وفي الدراسة الثالثة التي أجريت في دهوك وتناولت (120) طفلاً من العاملين في الشوارع تبين ان ظواهر الاضطراب العقلي لديهم تفوق ما لدى أقرانهم من طلبة المدارس (36% مقابل 13%) وتؤكد الدراسات الثلاث على  حاجة الأطفال الى برامج علاجية وتأهيلية[22]. وفي بغداد يمكن للمرء ان يلاحظ الأعداد الكبيرة من الأطفال الشوارع الذي قدرت بعض منظمات المجتمع المدني أعدادهم بما يزيد على (4000) طفل في بغداد ويشير تقرير صادر عن مؤسسة حكومية كردية الى انتشار واتساع ظاهرة أطفال الشوارع في إقليم كردستان إذ يمارسون أعمالا شاقة كالبناء والحمالة. وقد شملت الدراسة التي أورد التقرير نتائجها (450) فتى في اربيل تتراوح أعمارهم بين (12-14) سنة يعمل (86%) طوال النهار و (60%) يعملون على مدار السنة مع ان (90%) منهم أكدوا أن آباءهم على قيد الحياة[23].

   إن مشكلات الطلاق وتأخر سن الزواج وانتشار العنوسة وعيش آلاف الأسر في بيوت مهجورة أو في بنايات دوائر حكومية، أو على أراض متجاوز عليها. فضلاً عن تدهور النظام الصحي على نحو مأساوي كما أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية وافتقار ما يقرب من 50% من سكان العراق للمياه المأمونة وبقاء آلاف المدارس بلا ترميم أو إعادة بناء. ان هناك عشرات من المشكلات تمزق النسيج الاجتماعي للأسرة العراقية وتتحمل المرأة القسط الأكبر من أعباء هذه المشكلات.

                                            

أفق للمستقبل

       ليس من المنطقي أن يعالج متخذ القرار مشكلة البطالة أو يخطط لعلاجها دون أن تكون هناك درجة معقولة من الوضوح حول الحجم الحقيقي لهذه المشكلة، ومن ثم حجم الجهد اللازم لمعالجتها، والمدة الزمنية اللازمة للعلاج الفعال .

ومن المعروف أن هناك تقديرات متباينة الحجم لمشكلة البطالة في العراق أي عدد المتعطلين ومعدل البطالة ، ولا بد من الاعتراف بأنه لم يكن من السهل الحصول على بيانات تفصيلية عن عمالة وبطالة السكان في العراق من الجهات الرسمية. فكان من المستحيل تقدير أعداد العاملين في قطاع العمل  الهامشي أو الذين يعدون أنفسهم عاطلين لأنهم يمارسون مهنة رسمية مع أنهم يمارسون أعمالا مدرة للدخل . إلى جانب أن الإحصاءات (ومنها التعداد العام للسكان لعام 1997) لم تشمل مناطق هي (السليمانية- دهوك- اربيل).

   إن لمشكلة البطالة في العراق مصدرين رئيسين:

المصدر الأول: هو ضيق القاعدة الإنتاجية وضعف أدائها ومن ثم محدودية قدرتها على توليد فرص عمل كافية، أي متلائمة مع الزيادة في عرض العمل. وهذه هي معضلة التخلف او تحدي التنمية أي الجانب المزمن والأطول أجلا لمشكلة البطالة . والبطالة المرتبطة بهذا المصدر نوعان: بطالة تامة وبطالة ناقصة(أو نقص التشغيل بما فيه الصور المختلفة للبطالة المقنعة ).

المصدر الثاني:- هو حالة الركود التي تعرض لها الاقتصاد العراقي منذ مطلع العقد الأخير من القرن العشرين بعد فرض الحصار الاقتصادي عليه عام 1990 إذ صادر التسهيلات المتاحة أمام المواطن العراقي وخلقت معوقات جديدة شكلت تهديدا خطيرا للأمن  المجتمعي ولم تنجح محاولات إنعاش الواقع المعيشي للمواطنين بشكل كبير في النصف الثاني من التسعينات وخاصة بعد تطبيق مذكرة التفاهم مع الأمم المتحدة(النفط مقابل الغذاء والدواء عام 1996) . كما تضافرت بعض العوامل السياسية والأمنية لتزيد من حدة الركود بعد الاحتلال في نيسان 2003  حتى الان. إذ أقصيت أعداد كبيرة من العاملين من وظائفهم والقي بهم في قارعة الطريق الى جانب الوضع الأمني المتدهور وضعف الاستثمارات وغياب التوقعات وهذه تشكل الجانب الطارئ والأقصر أجلا لمشكلة البطالة..

وهذان المصدران ليسا منفصلين عن بعضهما البعض . فبعض مظاهر الركود تعبر عن اختلالات هيكلية في الاقتصاد العراقي. مثل ضعف القدرة التصديرية وارتفاع مستوى اعتمادية الاقتصاد على مصدر واحد وهو النفط(الدولة الريعية ) الى جانب الاعتمادية الاقتصاد على الخارج لاسيما في مجالات الاستيراد والحصول على التكنولوجيا ومن ثم ارتفاع التسرب الى الخارج من دورة الدخل والإنفاق .وقد أدت الحروب والحصار الى تعميق الركود وتوقف التنمية.

ان المشكلة الهيكلية التي يعبر عنها المصدر الأول، أي التخلف تحتاج الى سياسة نشطة للنمو الاقتصادي، تنبثق من إستراتيجية للتنمية الشاملة تهدف ضمن ما تهدف الى توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد العراقي، وزيادة قدرته على توليد فرص عمل تكفي لاستيعاب الزيادات السنوية في قوة العمل.

وإذا كان حل المشكلة الهيكلية والمزمنة التي أدت الى عجز الاقتصاد العراقي عن توليد فرص عمل كافية سوف يتطلب وقتا غير قصير، ومن ثم قد لا تظهر آثاره مع التشغيل إلا بعد مرور عقد او عقد ونصف من الزمان ، فإنّ ذلك لا يعني إرجاء النظر في مناقشته، بل ان نسرع الخطى والبدء فورا لتذليل العقبات التي تعترض النمو الصحي والسريع للاقتصاد ومن أبرزها:-

1-ضعف الاستثمار المحلي، وضعف القدرة الادخارية الوطنية وانفلات الاستهلاك والاستيراد.

2- ضعف تكوين رأس المال البشري وانخفاض مستوى إنتاجيته، وذلك للضعف الشديد في نظم التعليم والتدريب وتنمية المهارات وكذلك ضعف نظم الصحة

3- ضعف القدرة التنافسية للمنتجات العراقية في مواجهة المنتجات الأجنبية.

4- هزال القاعدة العلمية والتكنولوجيا العراقية، وغياب دورها في حسم الخيارات التكنولوجية المتاحة، وفي بلورة تكنولوجيا أكثر تلاؤما مع مرحلة تطور الاقتصاد العراقي ومع نمو في قوة العمل، أي تكنولوجيا ذات طلب كبير على العمالة.

5-غياب إستراتيجية وطنية للتصنيع، أي خطوط عامة موجهة للنشاط الصناعي الجديد. ولتطوير المنشآت الصناعية القائمة، ولربط الجديد بالقديم وربط المنشآت الكبيرة بالمنشآت الصغيرة بما يعزز النهوض بالإنتاج والإنتاجية في كل منهما.

 

المعالجات

 1.  معالجة البطالة ترتبط بالحالة الأمنية والأوضاع السياسية في العراق ومعالجتها تتطلب التعامل مع هذه العوامل كشرط أساسي ، وسبق التعامل مع البطالة إذ أن تجربة السنين الخمس الأخيرة تشير بوضوح إلى ذلك، وان أية محاولات لتحريك سوق العمل عن طريق إعادة الأعمار كان نصيبها التأخير والفشل في تحقيق الأهداف والتبذير في الموارد والأموال وزيادة الكلف لأسباب غير اقتصادية .

 

2.  الحاجة لإعادة توزيع الموارد النفطية بالشكل والصيغة التي تبعد السيطرة الحكومية عليها وتؤمن توزيعها بما يكفل توسع القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني وتنوعها وتقليل الاعتماد على موارد النفط في تسيير أعمال الدولة وشؤونها اليومية والاعتماد على الموارد النفطية لتطوير القطاع النفطي وتأهيله وتحديثه لغرض زيادة الصادرات وعوائد النفط لتغطية وتمويل احتياجات البلاد من النقد الأجنبي على المدى القصير والمتوسط الأجل لأعمار العراق والوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين .

 3.  إعطاء مسألة معالجة الفساد المالي والإداري الذي بات يدب في كل مفاصل الحياة الاقتصادية والسياسية أولوية مهمة، وقد عكست تقارير الشفافية الدولية في السنتين الأخيرتين أن العراق يعد من أسوأ البلدان فسادا في العالم.

 4.  إعادة تأهيل وخصخصة الشركات والمؤسسات التي تملكها الدولة وتعزيز قدرات القطاع الخاص وإمكانياته المالية لتمكينه من منافسة المستثمر الأجنبي وتطوير هذه المنشآت وتحديثها .

 5.  ترشيق أعمال الدولة وتغيير دورها من منتج ومسوق ومنافس للنشاط الخاص إلى منظم ومراقب ومشرع وداعم وحام لجميع نشاطات القطاع الخاص خاصة تلك التي تعتمد على كثافة العمل في قطاعات الزراعة والخدمات السياحية .

 6.  إعادة هيكلة الدولة وترشيق دوائرها وتحديد مهامها وتجميد أعمالها كمنتج ومسوق ومنافس للقطاع الخاص الى داعم لنشاطات هذا القطاع بالتخلي عن جميع النشاطات اللوجستية القائمة حالياً مثل نقل الموظفين وصيانة الأجهزة والمشروعات والأبنية وعمل البرمجيات وإدارة المؤسسات وعدم توسع الدولة في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية أفقياً والسماح للقطاع الخاص بتقديمها وتوفير الحوافز اللازمة لتشجيعه على ذلك وضمان الارتقاء في تقديم هذه الخدمات بالمستويات المطلوبة .

 7.  تعزيز قدرات القطاع الخاص الإدارية والمالية وتوفير التسهيلات والقروض المالية بأسعار فائدة ميسرة لتمكينه من تنفيذ مشروعات إعادة الأعمار وتأدية الخدمات المختلفة لدوائر الدولة .

 8.  الاستعجال في استكمال مؤسسات القطاع المصرفي والمالي والوسائل المالية للتمويل وإعادة تأهيل القطاع المصرفي الحكومي وخصخصة وتعزيز رؤوس أموال المصارف الخاصة وتقوية الرقابة .

 9.  تشجيع تأهيل وتحديث المشروعات الإنتاجية ذات الارتباطات الأماميــة والخلفية القويــة مع باقي قطاعات الاقتصاد الوطني .

 10. إعطاء أولوية للاستثمارات في القطاعات التي تعتمد على الأيدي العاملة والمواد

الأولية المحلية وتقديم الحوافز لها بما يؤمن تعزيز قدراتها التنافسية على الأقل في الأسواق المحلية .

 11. تعبئة موارد القطاع الخاص المحلي وتحسين المناخ الاستثماري للمستثمر .

 

   أما ما يخصّ المرأة فإنّ سياسة الدولة في الانتقال نحو اقتصاد السوق ،ينبغي أن توفر للمرأة فرصة الإسهام في حياة المجتمع عن طريق إشاعة ثقافة التكافؤ ، وفكرة النوع ، وإجراء تطبيق حقيقي لاتفاقية منع التمييز ضد المرأة ( سيداو) . إلى جانب مسألة إستراتيجية تتمثل في تفعيل الاقتصاد العراقي وتحريره من عوامل ونتائج الانكماش ، ومن ضغوط البطالة والتسريح التي نتجت عن حل عدد من الوزارات والمصالح التي كانت قائمة في ظل النظام السابق . كذلك فإنّ تراجع دور الدولة ، وكما هو متوقع في ظل الانتقال نحو اقتصاد السوق ، وإعطاء دور للحكومات المحلية ، والمجالس البلدية ، لا بد من ان يؤدي إلى إعادة صياغة واقعية للعلاقة بين الدولة وبين المجتمع وبينهما معاً وبين السوق وما سيتطلبه من شروط ، وما يؤدي إليه من تنافس، ومن تراجع للضمانات التقليدية التي كانت سائدة في مرحلة ( دولة الرفاهية ) نقول ذلك مع التأكيد على ان المرحلة الأولى من مراحل التحول لا بد أن تأخذ في اعتبارها التكاليف الاجتماعية الباهظة ، وان تواجه ذلك بشبكات امان اجتماعي فعالة وبمنظمات مجتمع مدني قادرة على لعب دور يخفف من ضغوط اقتصاد السوق وخاصة في مراحل التحول الأولى . من جانب آخر لا بد لكي يكون للمرأة حضور فاعل في اقتصاد السوق من أن تكون هناك قاعدة معلومات واضحة ، وأن يكون هناك اعتراف اجتماعي ، وتوثيق ، لعمل المرأة . وحرص تضمنه القوانين على ان يكون عملها مجزياً بدون تمييز . وفي اعتقادنا ان المجالات الحاسمة التي اقرها مؤتمر بكين 1995 ما زالت مفيدة ويمكن أن تشكل أبعادا إستراتيجية لتغيير أوضاع المرأة . كذلك ، فإنّ من الضروري دعم برامج القروض الصغيرة ودعم المشاريع النسوية التي تدعم التصورات الايجابية للمرأة عن ذاتها ، وتدعم تصورات المجتمع عنها كانسان منجز . وفي السياق نفسه فإنّ دعم مشاركة النساء في الأنشطة السياسية ( كالأحزاب ) هو أمر ضروري ، إلى جانب عدّ قضية المرأة بكل أبعادها ، جزءاً لا يتجزأ من قضية التنمية المستدامة  .

ومع كل ذلك لا يمكن أن يكون المرء متفائلاً على حساب الحقائق . بمعنى أن سنوات قادمة ستكون ضرورية لإنجاح التحول نحو اقتصاد السوق على نحو يكون للمرأة دور فاعل فيه، خاصة ان الدولة العراقية ما زالت تنفق ما يقرب 50 % من مواردها على قطاعات معينة من خلال أشكال متعددة للدعم وفي مقدمتها البطاقة التموينية الى جانب ضعف نظام الضرائب . بل إننا نقرأ اليوم تقارير تشير إلى إنفاق ملايين الدولارات على مشاريع وهمية أو غير مجدية ، ويتم تهريب مصانع كاملة من العراق إلى الدول المجاورة وما زال العراق يسجل الدولة الأكثر فسادا في العالم  (وفق تقارير منظمة الشفافية الدولية لعام 2006) في الجوانب المالية والإدارية .

وعلى صعيد الشارع ما زال الأمن الإنساني للمرأة غير مسيطر عليه ، مما يؤثر في مدى إقبالها على التعلم أو على ممارسة وظيفة رسمية أو عمل معين في القطاع الخاص . وعلى العموم يمكن عدّ المجتمع العراقي برمته بيئة غير آمنة مما يجعل الحياة الاقتصادية محدودة وقد لا تتعدى توفير أولويات الحياة . هذا إلى جانب أن تصريحات المسؤولين العراقيين تظهر تنازعاً في المواقف واختلافا في الإيديولوجيات وفي النظر إلى المستقبل . ويزداد الأمر صعوبة حين يتردد المانحون بالإيفاء بالتزاماتهم إلا ضمن شروط معينة يبدو معظمها مقبولاً كما حدث في مؤتمر طوكيو الأخير.

___________________________________

 *   أستاذ علم اجتماع التنمية- جامعة بغداد

 

الهوامش :


[1] تقرير التنمية البشرية الوطني، 2000،فصل التنمية البشرية وأوضاع المرأة.                                                                         

[2]-الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، المجموعة الإحصائية السنوية لعام 2004، ص51.

[3] نفس المصدرالسابق.                                                                                                                                     

 [4] الاتحاد العام لنساء العراق، نفس المصدر، ص17.

 [5] وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، اليونيسيف، مسح معارف ومواقف وممارسات الشباب، العراق، ايلول، 2004، ص146وما بعدها.

 [6] البيانات من الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات.

[7]  - نهلة النداوي، رصد حقوق وحريات المرأة في العراق لعام 2006 ، الحوار المتمدن ـ العدد2075ـ21/10/2007

[8]-حديث مع وزيرة الدولة لشؤون المرأة فاتن عبد الرحمن (ملحق الصباح الأسبوعي) 5 تموز 2007، ص8-9.

[9] – د. آمال شلاش ، المرأة والاقتصاد ، بغداد ، 2003 ، مصدر سابق ، ص 6

-[10] راجع تفاصيل في :- خديجة حسن جاسم المشهداني ، عمل الأطفال في الشوارع ، رسالة دكتوراه غير منشورة ، قسم الاجتماع ، كلية الآداب ، جامعة بغداد ، 2004 ، ص 122 وما بعدها

[11] - د. آمال شلاش ، المرأة والاقتصاد ، مصدر سابق ، ص 10

[12]-المعلومات من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، شبكة الحماية الاجتماعية.                                                                    

[13]  وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي و UNDP- مسح الأحوال المعيشية في العراق 2004 –ج2- 2005- 41-42 .

[14]  نفس المصدر ص45.

[15]  انظر د.كريم محمد حمزة ، سوسيولوجيا الموت العبثي في العراق ،  دراسة استطلاعية ، بغداد ، 2006.

 [16]  انظر – ملحق الصباح – أسرة ومجتمع – عدد(843) في 25/ أيار /2006. 

 [17]  انظر تصريحات المسؤولة : الشرق الأوسط (10367) في 17/4/2007

]18] .د.كريم محمد حمزة، المرأة  بين عجز السلطة وتخلف المجتمع، مجلة الحكمة، العدد 44 ،   2007. 

-[19]   الصباح – العدد (1079) في 2/4/2007

[20]  انظر: د.كريم محمد حمزة: التهجير ألقسري في العراق – مراجعة سوسيولوجية (دراسة مقبولة للنشر في مجلة دراسات اقتصادية – بيت الحكمة. – بغداد

[21] الصباح – العدد (855) في 8/6/2006. 

[22]   www.lancet.com vol,368,sptember

[23] انظر جريدة الصباح، العدد 861، 15 حزيران 2006. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

 1-المشهداني، خديجة حسن جاسم، عمل الأطفال في الشوارع، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد/ كلية الآداب، قسم الاجتماع، 2004.

2-الهيتي، رباح مجيد، الآثار الاجتماعية لانهيار سلطة الدولة في العراق، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد/ كلية الآداب، قسم الاجتماع، 2005.

 3-سالم، عماد عبد اللطيف، الآثار المترتبة على التغير في نمط توزيع الدخل في العراق، بغداد، بدون تاريخ.

 4- شلاش،  آمال عبد الأمير، نشاط المرأة في القطاع  غير النظامي، بغداد، 2000.

 5-شلاش، آمال عبد الأمير، المرأة والاقتصاد، دراسة مقدمة إلى اليونيفيم، بغداد، 2003.

 6-حسين، شيماء فالح، تشخيص وتحليل التفاوت في توزيع الدخل مع إشارة خاصة للعراق (1988-1998)، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد/ كلية الإدارة والاقتصاد، 1999.

 7-حمزة، كريم محمد، التهجير ألقسري في العراق، مراجعة سوسيولوجية، دراسة مقبولة للنشر في مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة، بغداد.

 8-حمزة، كريم محمد حمزة، سوسيولوجيا الموت العبثي في العراق، دراسة استطلاعية، بغداد، 2006.

 9-حمزة، كريم محمد، المرأة العراقية بعد بكين 1995، دراسة مقدمة إلى اليونيفيم، 2003.

 10-حمزة، المرأة العراقية بين عجز السلطة وتخلف المجتمع،  بغداد، مجلة الحكمة، العدد ،44 ، 2007 .

 11-رشيد، فاختة شاكر، الأهمية الإستراتيجية للقروض والمشاريع الصغيرة في تمكين النساء،  الاتحاد العام لنساء العراق، بغداد، آذار 2003.

 12-عبد الحميد،  سهام، دور المرأة العراقية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، الجهاز المركزي للإحصاء، 1999.

  13-عبد الرسول، فائق علي، التحديات التي تواجه العراق مرحليا، ورقة خلفية مقدمة لدراسة خارطة  الحاجات الأساسية غير المشبعة في العراق، 2006.

 14-مصطفى، عدنان ياسين وكريم محمد حمزة، واقع مؤسسات العمل الاجتماعي في العراق، دراسة مقدمة إلى مجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية العرب، 2002.

 15-نهلة النداوي، رصد حقوق وحريات المرأة في العراق لعام 2006 "، الحوار المتمدن – العدد 2075،       21/ 10 / 2007 .

 -Niblok, T., “The Parish States in the Middle East, London, 2000  16 

-WWW. Lancet.com Vol. 368, Sept.   17

 

المصادر الرسمية

 1-وزارة التخطيط، نتائج التعداد العام للسكان 1997.

 2-وزارة التخطيط  بالتعاون مع اليونيسيف، مسح المعارف والمواقف والممارسات، بغداد، 2004.

 3-وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، مسح أحوال المعيشة في العراق 2004، 2005.

 4-وزارة التخطيط، تقرير التنمية البشرية لعام 2000. 

5-وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، شبكة الحماية الاجتماعية، 2006.

 6-برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير التنمية البشرية للأعوام 1990 وما بعدها.

 7-الاتحاد العام لنساء العراق، أمانة التنمية الاقتصادية، الوضع الاقتصادي للمرأة العراقية في ظل الحصار، بغداد، بلا تاريخ.

 8-الاتحاد العام لنساء العراق، بكين+5 ، بغداد، 2000.

 9-مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية، دراسة مسحية لمنظمات المجتمع المدني في بغداد، يناير 2004.

 10-جريدة الصباح العراقية، أعداد متفرقة.