الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

السبت: 29/11/2008

 

ما هي الانثروبولوجيا؟
أقسامها...نشأتها...علاقتها بالعلوم الاخرى

إبراهيم الساعدي

لم تكن الانثروبولوجيا مُنذ نزعتها الاولى في القرن الثامن عشر قد أحدثت دوياً عالياً في الاوساط العلمية، نتيجة عدم توفر الإمكانيات والمستلزمات الكافية لاستقلاليتها. أو لربما قدرها المحتوم الذي جعلها تشابهُ علم الاجتماع إلى الحد الذي لا يستطيع الباحث التمييز بينهما كعلمين منفصلين عن بعضهما. مما أدى إلى عدم الاهتمام بها كسائر العلوم الاخرى.على الرغم من أن القرن الثامن عشر، يعتبر نقطة الانطلاقة التي سارت بها الانثروبولوجيا. إلا أنه لم يمثلها تمثيلاً حقيقيا.
كثيراً ما يتردد «وخاصة ونحن في القرن الواحد والعشرون» الحديث عن الانثروبولوجيا وبحوثها التي بدأت تزخر بها مكتباتنا اليوم.
إلا أنها لم ترَ النور بين طلابنا ومثقفينا، او لعل البعض منا لم يعرف ما هي الانثروبولوجيا؟ أو بالاحرى لم يسمع بها سابقا. وهذا بالطبع ناتجٌ عن شحة الكتب التي تعّرف الانثروبوجيا من جهة، وتجاهلنا لهذا العلم - وافتقار جامعاتنا له من جهة اخرى.
شهدَ القرن العشرين ظهوراً رائعاً للانثروبولوجيا آثار إنتباه المثقفين والباحثين والمهتمين بالعلوم الاجتماعية. وهذا الظهور تمثل بمؤلفات العديد من عباقرة الانثروبولوجيا ومنهم: البروفيسور آدم كوبر، وتالكوت بارسونز، وبرجس ولوك، وأميل دروكايم، والعلامّة راد كلف براون، ومالينوفسكي.
لقد كانَ لظهور هؤلاء العباقرة في القرن العشرين أثراً بالغاً في الاوساط العلمية، حيث إستطاعوا أن يحدثوا تغييراً جذرياً أو نقلة مرحلية أفاقت الانثروبولوجيا من رقدتها، وأخرجتها من ظلامها الدامس.
أما من عباقرتنا العرب فتمثلت نهضة الانثروبولوجيا بأسماء عباقرة كثيرين ومنهم: د. قيس النوري، ود. شاكر مصطفى سليم، ود. علي الوردي. وآخرين.
وبذكري للدكتور علي الوردي سيعترض هنا مُعترض أو سائل ويقول: إن الدكتور علي الوردي عالمُ اجتماع؟ فما إرتباطهُ بالإنثروبولوجيا؟
في حقيقة الامر إننا نوافق هذا الاعتراض، لكننا نود أن نشيرَ إلى أن مؤلفاتَ الوردي كانت ذات صبغة أو طابع انثروبولوجي أكثر مما هو سوسيولوجي. فالإنصاف يحتم علينا أن نعتبر الدكتور علي الوردي باحثٌ اجتماعي وانثروبولوجي بوقتٍ واحد، وهذا يظهر بوضوح لدى المتتبع لمؤلفات الوردي.
تفتقر الانثرولوجيا في الوطن العربي إلى الشهرة فقط، بعدما توفرت جميع المستلزمات التي تؤهلها كعلم مستقل في جامعاتنا.واليوم نشهد هذا الافتقار بجلاء بعد ملاحضاتنا الدقيقة لما يجري في الاوساط العلمية.
هذا ولم يكن للانثروبولوجيا نصيبٌ وافٍ في جامعاتنا. حيث نجدها في بعض جامعات المملكة العربية السعودية ومصر والاردن وتونس والعراق.
وهذا بحد ذاته يثبت تأخر العرب عن أقرانهم الغرب، في مجال نشوء وتطور الانثروبولوجيا.
تأريخ الانثروبولوجيا في العراق:
مما تجدر الإشارة إليه إن عهدَ الانثروبولوجيا في العراق لم يبدأ الا قبل سنواتٍ عدة. وهذا ناتجٌ عن إنعزال العراق وتخلفهِ عن الركب الذي سارت بهِ أغلب الدول العربية، على الرغم من إنها متأخرة كثيراً، هذا إذا ما قورنت بالدول الغربية.
بدأت جامعة بغداد بإدخال الانثروبولوجيا لها. حيث ينشطر قسم علم الإجتماع في جامعة بغداد - إبتداءاً من المرحلة الثالثة الى ثلاث فروع هي: علم الإجتماع- والخدمة الاجتماعية - ومن ثم أضيف لها فرع ألانثروبولوجيا. وقد إبتدأ هذا عام 1988.
وفي عام (2003- 2004) أي بعد سقوط النظام السابق، تم افتتاح قسم الانثروبولوجيا التطبيقية في الجامعة المستنصرية في بغداد كقسم مُستقل وهو القسم الوحيد في العراق الذي يحمل هذا الاسم.
إننا نأمل أن يتم إعلاء شأن الانثروبولوجيا والإهتمام بها كسائر العلوم الإنسانية الاخرى. وهذا لا يتم الا بفتح المجال الواسع لها في جامعاتنا وتشجيع الدراسات الميدانية التي تجري وفقاً لمتطلبات هذا العلم.
* ما هي الانثروبولوجيا؟
الانثروبولوجيا هي علمُ الإنسان. وقد نحُتت الكلمة من كلمتين يونانيتين هما:
((anthropos ومعناها «الانسان»، و (logos) ومعناها «علم».
وعليهِ فأن المعنى اللفظي لإصطلاح الانثروبولوجيا (anthropology) هو علمُ الإنسان.
وتعُرّف الانثروبولوجيا تعريفاتٌ عدة أشهرها:
1- علمُ الإنسان
2- علمُ الإنسان وأعماله وسلوكه.
3- علمُ الجماعات البشرية وسلوكها وإنتاجها.
4- علمُ الإنسان من حيث هو كائنٌ طبيعي واجتماعي وحضاري.
5- علمُ الحضارات والمجتمعات البشرية.
هذهِ التعريفات هي ل «الانثروبولوجيا العامّة»، ويمكنُ من خلال التعريف الرابع أن نعرفَ «الانثروبولوجيا الاجتماعية»: بأنها علم الإنسان من حيث هو كائنٌ إجتماعي(1).
* أقسام الانثروبولوجيا العامّة:
تقسم الانثروبولوجيا إلى أربعة أقسام رئيسة من وجهةِ نظر الانثروبولوجييّن في بريطانيا، وهذهِ الاقسام هي:
1- الانثروبولوجيا الطبيعية: physical anthropology
يرتبط هذا القسم بالعلوم الطبيعية وخاصة علم التشريح وعلم وظائف الاعضاء «physiology»، وعلم الحياة «Biology». وينتمي هذا القسم إلى طائفة العلوم الطبيعية، وأهم تخصصاتهُ علم العظام «Osteology»، وعلم البناء الإنساني «Human Morphology»، ومقاييس جسم الإنسان «anthropometry»، ودراسة مقاييس الاجسام الحية «Biometrics»، وعلم الجراحة الإنساني «Human serology».
ويُدرّس هذا القسم في كلياتِ الطب والعلوم ومعظم المتخصصينَ فيهِ من الاطباء وعُلماءَ الحياة، ولكنهُ يدرّس أيضاً في كلياتِ العلوم الاجتماعية في أقسام الانثروبولوجيا(2).
وتتناول الانثروبولوجيا الطبيعية دراسة ظهور الإنسان على الارض كسلالةٍ مُتميزة، وأكتسابه صفات خاصة كالسير منتصا، والقدرة على إستعمال اليدين، والقدرة على الكلام، وكبر الدماغ، ثم تدرس تطوره حياتيا. وإنتشاره على الارض، وتدرس السلالات البشرية القديمة وصفاتها، والعناصر البشرية المُعاصرة وصفاتها وأوصافها الجسمّية المُختلفة، وتوزيع تلكَ العناصر على قارات الارض، وتضع مقاييس وضوابط لتلكَ العناصر، كطول القامة، وشكل الجمجمة، ولون الشعر وكثافته، ولون العين وأشكالها، ولون البشرة، وأشكال الانوف. وتدرس الوراثة، وإنتقال ميزات الجنس البشري من جيلٍ لآخر(3).
2- الانثروبولوجيا الاجتماعية:
وتتركز الدراساتُ فيها على المُجتمعات البدائية. ومُنذ الحرب العالمية الثانية أخذت تدرس المجتمعات الريفية والحضرية في الدول النامية والمُتقدمِة. فتدرس البناء الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية والنظم الاجتماعية مثل العائلة، والفخذ، والعشيرة، والقرابة، والزواج، والطبقات والطوائف الاجتماعية، والنظم الاقتصادية، كالإنتاج، والتوزيع، والإستهلاك، والمقايضة، والنقود، والنظم السياسية، كالقوانين، والعقوبات، والسلطة والحكومة، والنظم العقائدية، كالسحر والدين. كما تدرس النسق الإيكولوجي(4).
يهتم فرع الانثروبولوجيا الاجتماعية بتحليل البناء الاجتماعي للمجتمعات الإنسانية وخاصة المُجتمعات البدائية التي يظهر فيها بوضوح تكامل ووحدة البناء الاجتماعي، وهكذا يتركز إهتمام هذا الفرع بالقطاع الاجتماعي للحضارة، ويتمّيز بالدراسة العميقة التفصيلية للبناء الاجتماعي وتوضيح الترابط والتأثير المتبادل بين النظم الاجتماعية «النظرية الوظيفية» للعلامة «راد كليف براون»، وأساسها إن النظمَ الاجتماعية في مجتمع ما، هي نسيجٌ متشابك العناصر - يُؤثر كل عنصر في العناصر ألاخُرى، وتعمل تلكَ العناصر على خلق وحدة إجتماعية تسمح للمجتمع بالإستمرار والبقاء، ولا تهتم الانثروبولوجيا الاجتماعية المُعاصرة بتأريخ النظم الاجتماعية، لإن تأريخ النظام الاجتماعي لا يفسر طبيعتهُ وإنما تفسر تلكَ الطبيعة عن طريق تحديد وظيفة النظام الاجتماعي الواحد في البناء الاجتماعي للمجتمع(5).
3- الانثروبولوجيا الحضارية (أو الثقافية):
وتدرس مُخترعات الشعوب البدائية، وأدواتها، وأجهزتها، وأسلحتها، وطرُز المساكن، وأنواع الالبسة، ووسائل الزينة، والفنون، والآداب، والقصص، والخرافات، أي كافة إنتاج الشعب البدائي المادي والروحي.
كما تركز على الإتصال الحضاري بين الشعب ومن يتصل بهِ من الشعوب. وما يقتبسهُ منهم، والتطور الحضاري، والتغير الاجتماعي.
ومُنذ الحرب العالمية الثانية أخذت تدرس المجتمعات الريفية والحضرية في الدول المتقدمة والنامية(6).
4- ألانثروبولوجيا التطبيقية:
وحينَ اتصل الاوربيونَ عن طريق التجارة والتبشير والإستعمار بالشعوب البدائية، نشأت الحاجة إلى فهم الشعوب البدائية بقدر ما تقتضيهِ مصلحة الاوربيين في حكم الشعوب وإستغلالها، وفي حالاتٍ نادرة جداً بقدر ما تقتضيهِ مساعدة تلكَ الشعوب وأعانتها على اللحاق بقافلة المدنية الحديثة. فنشأ فرعٌ جديدٌ من الانثروبولوجيا يدرس مشاكل الإتصال بتلكَ الشعوب البدائية ومعضلات أدارتها وتصريف شؤونها ووجوه تحسينها.
ويُدعى هذا الفرع «الانثروبولوجيا التطبيقية»(7).
وقد تطورَ هذا الفرع «الانثروبولوجيا التطبيقية» كثيراً، خاصة مُنذ الحرب العالمية الثانية، وتنوّعت مجالاتهُ بتطور أقسام الانثروبولوجيا وفروعها، إذ إنهُ يمثل الجانب التطبيقي لهذهِ الاقسام والفروع، ولا يعد فرعاً مُستقلاً عنها وإنما هو الاداة الرئيسة لتطبيق نتائج بحوث كل فروع الانثروبولوجيا والتي تجد طموحاتها لخدمة الإنسان والمُجتمع.
وقد شملت تطبيقاتهُ مجالات كثيرة أهمها:
التربية والتعليم، والتحضّر والسُكان، والتنمية الاجتماعية والإقتصادية، خاصة تنمية المُجتمعات المحلية، والمجالات الطبية والصحة العامّة، والنفسية، والإعلام، والإتصال وبرامج الإذاعة والتلفزيون، والتأليف الروائي والمسرحي، والفن، ومجال الفلكلور «التراث الشعبي»، والمتاحف الاثنولوجية، إضافة إلى المجالات الصناعيّة، والعسكرية والحرب النفسية، والسياسة ومُشكلات الادارة والحكم، والجريمة والسجون....الخ.
ومن تطور هذا القسم (الانثروبولوجيا التطبيقية) وإزدياد البحوث فيهِ ظهرت فروع حديثة للانثروبولوجيا الحضارية والاجتماعية حيث أختص كل فرع منها بمجال معين مما ورد اعلاه.
• علاقة الانثروبولوجيا ببعض العلوم الاجتماعية(9):
للانثروبولوجيا علاقة وثيقة ببعض العلوم الاجتماعية من أهمها:
1-الاثنولوجيا: وهي علم تأريخ الحضارات والعلاقات الحضارية بين الشعوب، وتصنيف الحضارات وتوزيعها وإنتشارها في العالم.
2- الاثنوغرافيا: وهي الدراسة الوصفية للمجتمعات وحضاراتها.
3-الآركيولوجيا: (علم الآثار) وهي الدراسة ألاثنولوجّية وألاثنوغرافية لحضارات شعوبٍ بائدة من ألآثار التي يجدها العلماء في الحفريات.
4- علم الإجتماع: وهو دراسة الظواهر التي تنبثق عن العلاقات بين المجموعات البشرية، ودراسة العلاقة بين الإنسان وبيئته البشرية. ويركز علم الإجتماع الحديث في دراساتهِ على الظواهر الاجتماعية ألاكثر تقدماً، أي على مشكلاتِ المُجتمعات المعقدة والمتطورة.
• نشأة الانثروبولوجيا وتطورها منذ القرن الثامن عشر حتى الوقت الحاضر(10):
يُمكننا أن نعتبرَ ألانثروبولوجيا علماً حديثاً يقرب عمرهُ من قرن وربع القرن تقريباً، كما نستطيع. بعين الوقت، أن نعتبرها من أقدم علوم البشر.
فالجامعات لم تبدأ بتدريس ألانثروبولوجيا إلا حديثاً جداً. فلقد عيّن أول أستاذٍ لها في جامعة أوكسفورد، وهو «السر أدورد تايلور» عام 1884، وفي جامعة كمبرج، وهو الاستاذ «هادن» في عام 1900، وفي جامعة لفربول، وهو «السر جيمس فريزر» في عام 1907.
وعيّن أول أسُتاذٍ لها في جامعة لندن في عام 1908، وفي الجامعات الامريكية في عام 1886.
ولأن الانثروبولوجيا تعنى بدراسة النظريات التي تتعلق بطبيعة المُجتمعات البشرية، فأننا نستطيع أن نعتبرها، من جهة أخرى، من أقدم العلوم. إذ هي بدأت مع أقدم تأمّلات الإنسان حول تلكَ الموضوعات. فلقد قالوا مثلاً إن المؤرّخ الإغريقي (هيرودوتس) «أبو الانثروبولوجيا» كما هو أبو التاريخ، لأنهُ وصفَ لنا بأسهاب، التكوين الجسمي لأقوام قديمة ك(السيثيين) وقدماءَ المصريين وغيرهم من الشعوب القديمة، وصور أخلاقهم وعاداتهم.
كما كتب المؤرخ الروماني (تاكيتس) دراستهُ المشهورة عن القبائل الجرمانية.
حتى البابليون قبل «هيرودوتس» بزمن طويل، جمعوا في متاحفَ خاصة بعض ما تركهُ السومريون من أدواتٍ ومخلفات.
إننا نستطيع أن نعتبرَ القرن الثامن عشر نقطة بدءٍ مناسبة للانثروبولوجيا. نشهد بعدها ظهور العناصر المكونة لهذا العلم. فآراء مونتسكيو في كتابهِ الشهير (روح القوانين) عن المجتمع وأسسه وطبيعته. وكتابات (سان سيمون) وإدعاؤه وجود علم للمجتمع، وآراء (يفيد هيوم) و(آدم سمث) ونظرتهما الى المجتمعات باعتبارها تتكون من أنساق طبيعية، وإعتقادهما بالتطور غير المحدود، وبوجود قوانين لذلكَ التطور، كل تلكَ التأملات والآراء حوت بلا شك البذرات الصالحة والمكونات الاساسية التي نمت في القرن التاسع عشر، فكونت المدراس الانثروبولوجيّة الكبيرة.
وبعدَ مُنتصف القرن التاسع عشر بدأت الكتب القديمة في الانثروبولوجيا بالظهور في أوروبا وأمريكا. وكانَ أبرز تلكَ الكتب كتاب (السر هنرى مين) «القانون القديم» عام 1861وكتابه عن (المجتمعات القروية في الشرق والغرب) (1861)، وكتاب (باخوفن) عن (حق ألام) عام 1861 وكتاب (فوستل دو كولانج) عن (المدينة القديمة) 1864 وكتاب (ماكلينان) عن «الزواج البدائي» عام 1865 وكتاب (السر أدورد تايلور) المُُسمى «أبحاث في التأريخ القديم للجنس البشري» عام 1865 وكتابه الآخر عن «الحضارة البدائية» عام 1871، ومن ثم (لوس موركن) عن أنساق روابط الدم والمصاهرة في العائلة الإنسانية) عام 1870.
كما ظهرت «بعين الوقت» مدرستان كبيرتان من مدراس هذا العلم، هما «مدرسة القانون المقارن» و «المدرسة التطورية». فأفاد رجال المدرسة الاولى الانثروبولوجيا كثيراً حين إنصرفوا إلى دراسة القانون المقارن. حيث إهتموا بصورة خاصة بالقانون القديم وقوانيين الشعوب البدائية. كما تأثرَ رجال المدرسة الثانية «التطورية» بنظريات (لامارك) و(دارون) في التطور الحياتي. فأقاموا نظرياتهم في التطور الاجتماعي على عين الاسس.
وفي مطلع القرن العشرين برزت في الانثروبولوجيا أسماء ضخمة مثل «السر جيمس فريزر»، و«أميل دوركايم»، و«راد كلف براون»، و«مالينوفسكي»، و«البوث سمث»، و«رفرز». كما ظهرت مدارس إنثروبولوجية هامّة مثل (مدرسة الإنتشار الحضاري) و (المدرسة الوظيفية). وكلاهما هاجمتا ودحضتا «المدرسة التطورية»، هذا إلى جانب «المدرسة البيئية»، وهي مدرسة قديمة مستمرة الوجود.
إننا نستطيع أن نعتبرَ نقطة البدء الحقيقية للانثروبولوجيا هي القرن العشرين، التي تمثلت بظهور أسماء ضخمة من عباقرة الانثروبولوجيا، اضافة الى مؤلفاتهم في ذلك الشأن. ناهيكَ عن المدارس الانثروبولوجية المهمة التي ساعدت في نمو وتطوير هذا العلم.
ثمة قضية معينة أود أن أنقلها للقارئ الكريم، وهي إن علم الإجتماع والانثروبولوجيا علمين متقاربين متشابهين، بحيث لا يمكن للباحث الفصل أو التمييز بين هذين العلمين. لدرجة تقاربهما، لذلكَ فان من الانسب لي وللقارئ تعيين نقاط الإختلاف بين هذين العلمين لمعرفة اتجاه كلاً من هذين العلمين في الدراسات الاجتماعية.
• علاقة علم الإجتماع بالانثروبولوجيا (علم الإنسان):
علمُ الإجتماع هو علمٌ قريبٌ جداً من الانثروبولوجيا لأنهُ يدرس العلاقات الاجتماعية بين المجموعات البشرية، ولكنهُ يختلفُ عن الانثروبولوجيا من ثلاث نواح:
الناحية الاولى: إن علمَ الإجتماع يركز في دراساتهِ على موضوعاتٍ مختارة مثل السحر أو الدين أو البطالة أو الزواج أو ما يشبه ذلك، ولا يدرس مجتمعات كاملة دراسة شاملة كما تدرسها الانثروبولوجيا.
والناحية الثانية: إنهُ لا يقصر دراساته على المجتمعات البدائية بل يتخذ من كل المجتمعات البدائية والغير بدائية ميداناً لدراساته. مع ميل قوي للتركيز على دراسة معضلات المجتمعات المتطورة والمعقدة. بينما كانت الانثروبولوجيا تركز على دراسة المجتمعات البدائية قبل الحرب العالمية الثانية.
أما بعدَ هذه الحرب «العالمية الثانية» فان الانثروبولوجيا أخذت تدرسُ المجتمعات المتطورة والمعقدة أيضا، مع ميل قوي للتركيز على دراسة المجتمعات البدائية والنامية.
أما الناحية الثالثة فهي اختلاف العلمين بمنهج البحث المُتبع في دراسة كل منهما، وهذا أهم إختلاف بينهما.

المصادر
ــــــــ
1- سليم، شاكر مصطفى: المدخل الى الانثروبولوجيا، مطبعة العاني، 1975، ص7
2-وصفي، عاطف: الانثروبولوجيا الاجتماعية، ط 2، دار النهضة العربية - بيروت، 1981، ص 10- 12
3- سليم، شاكر مصطفى: المصدر السابق، ص 17.
4- المصدر نفسه، ص17
5-وصفي، عاطف: المصدر السابق، 16- 17
6-سليم، شاكر مصطفى: المصدر السابق، ص 17- 18
7-المصدر نفسه، ص18
8- النوري، قيس: المدخل الى علم الانسان، بغداد، 1983، ص33 - 34 - 90 - 93.
9-سليم، شاكر مصطفى: المصدر السابق، ص 14 - 16
10-المصدر نفسه، ص 7 - 14

 


braheemalsaady@yahoo.com