الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الاحد: 23/11/2008


إدارة الجودة الشاملة في التعليم

م. هادي مشعان ربيع(*)
(خاص للمعهد)

المقدمة:
تحظى عملية إصلاح التعليم باهتمام كبير في معظم دول العالم, وقد حظي جانب الجودة بالجزء الأكبر من هذا الاهتمام, إلى الدرجة التي جعلت الكثير من المفكرين يطلقون على العصر الحالي تسمية (عصر الجودة), بوصفها إحدى الركائز الأساسية لنموذج الإدارة الجديد الذي تولد لمسايرة المتغيرات الدولية والمحلية, ومحاولة التكيف معها, فأصبح المجتمع العالمي ينظر إلى الجودة والإصلاح التربوي بوصفهما وجهتين لعملة واحدة, بحيث يمكن القول إن الجودة هي التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المجتمعات الإنسانية في العقود القادمة.
إن التقدم العلمي والتكنولوجي يفرض علينا العمل بمنطق الجودة, وهو المنطق الذي يجب أن يكون الحاكم لعملية الإنتاج مادية كانت أم معنوية. وسوف نخصص هذه الصفحات للتعرف على إدارة الجودة الشاملة في التعليم.
مفهوم الجودة
في البداية لابد من القول إن مفهوم الجودة كان قد استخدم بالعديد من التسميات, فهناك من يسميها بالجودة, وهناك من يسميها بالجودة الشاملة, ومنها ما أشار إليها بإدارة الجودة. والجودة لها تعريفات عدة ولكنها متفقة في جوهرها في التأكيد على مبدأ الإتقان. فقد عرَّف المعهد الوطني الأمريكي للمقاييس والجمعية الأمريكية لمراقبة الجودة بأنها تعني مجموعة من السمات والخصائص للسلع والخدمات القادرة على تلبية احتياجات محددة.
أما هيئة المواصفات البريطانية فقد عرفت الجودة على أنها «مجموعة صفات وملامح, وخواص المنتج أو الخدمة التي تحمل نفسها إرضاء الاحتياجات الملحة والضرورية»(1).
وعرف الدكتور أحمد إبراهيم أحمد الجودة بأنها «اتحاد الجهود واستثمار الطاقات المختلفة لرجال الإدارة والعاملين بشكل جماعي لتحسين الجودة وزيادة الإنتاج, أو بعبارة أخرى بأنها عملية تطبيق معايير ومواصفات لجودة لتحقيق توقعات ورغبات المستهلك وذلك بواسطة كل عامل ومدير في جميع جوانب العمل بالمؤسسة«(2).
وهناك من يعرفها بأنها «استثمار الطاقات المختلفة لرجال الإدارة والعاملين بشكل جماعي لتحسين الجودة وزيادة الإنتاج». ويعرف الجودة في مجال التعليم بأنها «جملة الجهود المبذولة من قبل العاملين بمجال التعليم لرفع مستوى المنتج التعليمي (طالب - فصل - مدرسة - مرحلة) بما يتناسب مع متطلبات المجتمع. أو عملية تطبيق مجموعة من المعايير والمواصفات التعليمية والتربوية اللازمة لرفع مستوى المنتج التعليمي من خلال العاملين في مجال التربية والتعليم»(3).
ونحن نتفق مع التعريف الأخير للجودة في مجال التعليم, بوصفها عملية تسخير جميع عناصر العملية التعليمية لغرض الارتقاء بحجم الأداء, وهي كذلك تمثل إطار عمل من أجل التفكير والتنافس حول الخيارات التي يجب أن تتوافر في رسم وصياغة السياسة التربوية والتعليمية.
ظهور مفهوم الجودة وتطوره
إن تعبير الجودة ليس بالتعبير الجديد، وخير دليل على ذلك الآيات القرآنية الكثيرة التي تحمل هذا المعنى, يقول تعالى «صنع الله الذي أتقن كل شئ»(4), ويقول «الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً»(5). وعن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».
وأول ما ظهر هذا المفهوم ظهر مرتبطاً بالمؤسسات الصناعية والتجارية, وما يؤيد ذلك هو التفوق الياباني الاقتصادي على الولايات المتحدة الأمريكية الذي يرجع بالدرجة الأساس إلى أتباع اليابان أسلوب الجودة الشاملة في الصناعة. ولليابان تجربة طويلة في هذا المجال, إذ بدأت بتطوير أسلوب الجودة الشاملة بعد الحرب العالمية الثانية فكان له أثر ايجابي مباشر في الإسراع بالتنمية, ذلك لأن الجودة الشاملة تكفل إمكانية أن يعطي كل فرد أو مجموعة داخل المنظومة أفضل ما لديهم من عطاء.
أما أول من استخدم هذا المفهوم فهو الأخصائي الأمريكي (إدوارد ديمج) الذي لقب بأبي إدارة الجودة الشاملة وذلك في أربعينيات القرن الماضي, ثم انتشر استخدمه بعد ذلك علماء الإدارة والإحصاء والعلوم والهندسة في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف الخمسينيات(6).
أما الفكرة الفعلية للجودة فقد ظهرت عام 1980, عندما بدأت الشركات تسأل عن سبب المثالية والجودة للمنتجات اليابانية, وقد جاء مفهوم الجودة ليشير إلى فلسفة وأدوات وعمليات للتطبيق العملي الذي يستهدف تحقيق التحسين المستمر يقوم به كل العاملين في التنظيم من أجل إرضاء المستهلكين والعملاء(7).
وفي عام 1991تم إجراء مسح شامل لآراء المستهلكين الأمريكيين من أجل التعرف على مدى فاعلية الجودة في أمريكا وقد أظهرت النتائج تراجعاً تاماً في نطاق مقارنة بدول أخرى مثل اليابان التي حققت معجزتها الاقتصادية نتيجة أخذها بنظام الجودة الشاملة في الإنتاج(8).
أسباب إدخال نظام إدارة الجودة الشاملة في العملية التعليمية
ترجع أسباب إدخال نظام الجودة الشاملة في التعليم إلى الأمور الآتية(9):
1- إقبال معظم المجتمعات وبخاصة النامية منها على التوسع الهائل في التعليم في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي مما أدى في كثير من الأحيان إلى التضحية بالجودة في التعليم, مما ساهم في زيادة معدلات البطالة.
2- زيادة التسابق الاقتصادي والمنافسة, جعل دول العالم تتطلع إلى النظام التعليمي بوصفه الوسيلة والسلاح في مواجهة المتغيرات العالمية, وذلك بتكوين المواطن ذي القدرات الفعالة في مواجهة التنافس الاقتصادي والعولمة.
3- الثورة العلمية والتكنولوجية الهائلة, القائمة على التدفق العلمي والمعرفي الذي لم يسبق له مثيل, ويتمثل وقود هذه الثورة في العقل البشري والإلكترونيات والكمبيوتر وتوليد المعلومات وتنظيمها واختزانها واسترجاعها وتوصيلها بسرعة متناهية.
4- ثورة الطموحات الكبيرة, إذ ارتبطت بالثورة المعلوماتية والتكنولوجية ثورة نفسية أخرى لا تقل عمقاً وتأثيراً تتمثل في ثورة التطلعات والطموحات, حيث التطلع إلى مستويات معيشية أفضل, وظروف حياة أكثر تقدماً ومستقبل أفضل, مما دفع إلى الاهتمام بعوامل الجودة وبخاصة في مجال التعليم.
أهمية الجودة الشاملة في التعليم
تأتي أهمية إدارة الجودة الشاملة في التعليم من الأمور الآتية:
1ـ عالمية نظام الجودة وسمة من سمات العصر الحديث:
يوجد اليوم اهتمام عالمي بنظام الجودة الشاملة في التعليم ويأتي هذا الاهتمام نتيجة النمو السريع في المجالات التكنولوجية والسياسية والاقتصادية والثقافية بين مختلف الشعوب والثقافات والحضارات, وظهور النظام العالمي الجديد, كذلك ظهور العديد من الأحداث والقضايا والمشكلات العالمية المتداخلة.
2- ارتباط الجودة بالإنتاجية وتحسين الإنتاج:
الجودة تؤدي إلى زيادة الإنتاج وتحسين نوعيته, لذلك فقد ارتبط ظهور هذا المفهوم بالمؤسسات الصناعية والتجارية وما يؤكد ذلك هو التفوق الياباني الاقتصادي على الولايات المتحدة الأمريكية كما قلنا إنما يرجع إلى اتباع اليابان أسلوب الجودة الشاملة في الصناعة. وعند الآخذ به في مجال التعليم فإنه سوف يؤدي بلا شك إلى زيادة حجم المنتج التعليمي وزيادة نوعيته من خلال العاملين في مجال التربية والتعليم.
3- اتصاف نظام الجودة بالشمولية في المجالات كافة:
يتصف نظام الجودة بالشمولية في كافة المجالات التي يتم الآخذ به فيها, وفي مجال التعليم فإن الجودة تمتد لتشمل كل مكون من مكونات هذا المجال فهي ترتبط بالأهداف التعليمية, وترتبط بالمدخلات والعمليات, والاتجاه الفني المتخصص, والاتجاه المعرفي, وترتبط بالمخرجات, وكل العمليات التعليمية بعد الانتهاء منها عند اختيار وفحص النتائج المترتبة على كل عملية.
4 ـ عدم جدوى بعض الأنظمة والأساليب الإدارية السائدة في تحقيق الجودة المطلوبة:
إن عدم جدوى الأنظمة والأساليب الإدارية السائدة في تحقيق ما هو مطلوب منها من المجتمع طيلة المدة السابقة كانت من أقوى عوامل الاتجاه نحو نظام الجودة الشاملة. فقد كان النظام التعليمي يواجه قصوراً لا حد له, هذا القصور كان له آثار واضحة على المناهج الدراسية, وطرق التدريس, وإدارة الفصل الدراسي, وأساليب التقويم, مما سبب في فشله في تحقيق ما هو مطلوب منه من حيث إمداد المجتمع بما يحتاج إليه من قوى بشرية مدربة ومؤهلة للعمل والإنتاج بما يساهم في تقدم المجتمع وتطوره.
5 ـ تدعيم الجودة لعملية تحسين المدرسة:
مما لاشك فيه أن تطبيق الجودة الشاملة في التعليم يؤدي إلى تحسين المدرسة والارتقاء بها, فعند المقارنة السريعة لوظيفة المدرسة قبل ظهور مفهوم الجودة وبعد ظهوره نجد أن الوظيفة التقليدية كانت تتحدد في خدمة المجتمع من خلال إعداد الأفراد إعداداً أكاديمياً. أما في ظل مفهوم الجودة فقد أصبح التلميذ مشاركاً في تطوير أساليب الحصول على المعرفة ويشارك في الإدارة. وفي ظل المفهوم التقليدي يتم التركيز على تطوير الفصول الدراسية والمقررات والوسائل التعليمية, أما في ظل المفهوم الجودة الشاملة فإنه يتطلب معرفة احتياجات المتعلم وقدراته, وعلى أساسها يتم تطوير العوامل السابقة.
6- تطوير المهارات القيادية والإدارية لقادة الغد:
تساهم إدارة الجودة الشاملة في تطوير مهارات وقدرات القيادات الإدارية ذلك أن جوهر إدارة الجودة الشاملة هي القيادة, وبمعنى أدق نوع القيادة المطلوب لضمان أن كل فرد في المؤسسة يؤدي عمله بالأسلوب الذي يؤكد على تحقيق كفاءة عالية وراسخة في الأداء, وضمان عملية التطوير المستمر.
إن القيادة في إطار إدارة الجودة الشاملة هي رؤية للقائد, وهي تحتضن بين جوانبها تفويض السلطة, وجودة الأداء, ووضع الإستراتيجية المناسبة للتسيير العمل والارتقاء به. وتساعد إدارة الجودة القيادة على تنمية التفكير في المستقبل وتقديم التصورات والحلول للمشكلات المحتملة.
7- الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية:
تساهم الجودة الشاملة في الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية, وذلك من خلال قيامها بتوجيه كل فرد في المؤسسة ليؤدي عمله بالأسلوب الذي يؤكد على تحقيق كفاءة عالية وراسخة في الأداء, مما يسهم في الاستخدام الأمثل للموارد المادية.
المبادئ التي ترتكز عليها إدارة الجودة الشاملة:
ترتكز إدارة الجودة الشاملة في التعليم على مجموعة من الأسس والمبادئ, تتمثل أهمها بما يأتي:
1ـ التركيز على التعرف على احتياجات وتوقعات المستفيدين(الطلاب) والسعي لتحقيقها من خلال إعداد إستراتيجية تحسين الجودة.
2ـ التأكيد على أن التحسين والتطوير عملية مستمرة وتحديد معايير(مستويات) الجودة.
3ـ تشجيع وتبني أفكار المبدعين.
4-التركيز على العمل الجماعي(الفريقي).
5ـ اتخاذ القرارات بصورة موضوعية بناء على الحقائق.
6ـ تمكين العاملين وحفزهم على تحمل المسؤولية ومنحهم الثقة وإعطاؤهم السلطة الكاملة لأداء العمل.
7ـ تخفيف البيروقراطية وتعدد مستويات الهيكل التنظيمي.
8- استحداث وحدة تسمى وحدة «الجودة الشاملة» تلحق بمكتب القيادة التعليمية, وذلك لنشر ثقافة الجودة ومتابعة تطبيقها.
أهداف إدارة الجودة الشاملة في التعليم:
تهدف إدارة الجودة الشاملة في التعليم إلى تحقيق مجموعة من الأهداف من أهمها, ما يأتي:
1- حدوث تغيير في جودة الأداء.
2- التحفيز علي التميز وإظهار الإبداع.
3- تطوير أساليب العمل.
4- الارتقاء بمهارات العاملين وقدراتهم.
5- تحسين بيئة العمل.
6- الحرص على بناء وتعزيز العلاقات الإنسانية.
7- تقوية الولاء للعمل في المؤسسة/ المدرسة.
8- التشجيع على المشاركة في أنشطة وفعاليات المؤسسة/ المدرسة.
9- تقليل إجراءات العمل الروتينية واختصارها من حيث الوقت والتكلفة.
متطلبات تطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة في التعليم:
تعد المتطلبات التالية عوامل أساسية لتبني فلسفة إدارة الجودة الشاملة بالتطبيق العملي وهي:
1- ضرورة التزام وإيمان القيادات العليا في المؤسسات التعليمية بأهمية نظام إدارة الجودة الشاملة.
2- وجود أهداف محددة تسعى المؤسسة إلى تحقيقها إذ أن تحديد الأهداف هو المدخل الأول في إدارة الجودة الشاملة.
3- تهيئة مناخ العمل والثقافة التنظيمية للمؤسسة التعليمية(المدرسة).
4- ضرورة التوحيد والتنسيق والتعاون بين الأقسام والإدارات المختلفة داخل الهيكل التنظيمي في تطبيق مدخل الجودة الشاملة.
5- العمل على الإدارة الفاعلة للموارد البشرية بالمؤسسة التعليمية المدرسة.
6- التعليم والتدريب المستمر لكافة الأفراد العاملين في المؤسسة.
7- تبني الأنماط القيادية المناسبة لمدخل إدارة الجودة الشاملة.
8- مشاركة جميع العاملين في الجهود المبذولة لتحسين مستوى الأداء.
9- تأسيس نظام معلومات دقيق لإدارة الجودة الشاملة.
10- النظر إلى عملية تطوير وتحسين الجودة على أنها عملية مستمرة, وذلك يتطلب وجود فرق عمل لتصميم وتطوير وتحسين جودة الخدمات.
معايير تطبيق الجودة الشاملة في التعليم:
توجد مجموعة من المعايير تعمل في توافرها وتكاملها وتشابكها على تحقيق نظام الجودة الشاملة في التعليم من أهم هذه المعايير, ما يلي:
المحور الأول ـ معايير مرتبطة بالطلبة: من حيث القبول والانتقاء ونسبة عدد الطلاب إلى المعلمين، ومتوسط تكلفة الفرد والخدمات التي تقدم لهم، ودافعية الطلاب استعدادهم للتعلم.
المحور الثاني ـ معايير مرتبطة بالمعلمين: من حيث حجم الهيئة التدريسية وثقافتهم المهنية واحترام وتقدير المعلمين لطلابهم، ومدى مساهمة المعلمين في خدمة المجتمع.
المحور الثالث ـ معايير مرتبطة بالمناهج الدراسية: من حيث أصالة المناهج، وجودة مستواها ومحتواها، والطريقة والأسلوب ومدى ارتباطها بالواقع، وإلى أي مدى تعكس المناهج الشخصية القومية أو التبعية الثقافية.
المحور الرابع ـ معايير مرتبطة بالإدارة المدرسية: من حيث التزام القيادات بالجودة، والعلاقات الإنسانية الجيدة، واختيار الإداريين وتدريبهم.
المحور الخامس ـ معايير مرتبطة بالإدارة التعليمية: من حيث التزام القيادات التعليمية بالجودة وتفويض السلطات اللامركزية، وتغيير نظام الأقدمية، والعلاقات الإنسانية الجيدة واختيار الإداريين والقيادات وتدريبهم.
المحور السادس ـ معايير مرتبطة بالإمكانات المادية: من حيث مرونة المبنى المدرسي وقدرته على تحقيق الأهداف ومدى استفادة الطلاب من المكتبة المدرسية والأجهزة والأدوات...الخ.
المحور السابع ـ معايير مرتبطة بالعلاقة بين المدرسة والمجتمع: من حيث مدى وفاء المدرسة باحتياجات المجتمع المحيط والمشاركة في حل مشكلاته، وربط التخصصات بطبيعة المجتمع وحاجاته، والتفاعل بين المدرسة بمواردها البشرية والفكرية وبين المجتمع بقطاعاته الإنتاجية والخدمية.
أساليب تطبيق الجودة الشاملة في التعليم:
يطبق نظام الجودة في المدارس بـالعديد من الأساليب, غير أن من أهمها, وأكثرها استخداماً هي الأساليب الثلاثة الآتية(10):
أولاً- أسلوب المعيار الدولي أيزو(9000).
ثانياً- الأسلوب الياباني(بيت الجودة).
ثالثاً- الأسلوب الاسكتلندي في الجودة(SQMS).
وفيما يلي توضيح مختصر لما يعنيه كل واحد من هذه لأساليب:
أولاًـ أسلوب المعيار الدولي أيزو(9000):
يطبق هذا الأسلوب من خلال فلسفة وأسس إدارة الجودة الشاملة في مجال الصناعة. يحتوي هذا الأسلوب على عشرين خطوة عند تطبيقه في مجال الصناعة, وعند تطبيق هذا الأسلوب في مجال التعليم يطبق منه اثنتا عشرة خطوة تتمثل في:
1- مسؤوليات الإدارة في وضع سياسة الجودة.
2- نظام الجودة.
3- مراجعة العقد (ما يتم إنتاجه وإعداده من أفراد ومدى جودتهم).
4- مراقبة التصميم.
5- الشراء(الخدمات التي ينبغي أن تقدمها المؤسسة).
6- المنتج الذي يتم توريده بواسطة المشتري(تنطبق هذه الخطوة في التعليم على الكتب الدراسية والمعدات التي تورد بواسطة الإدارة التعليمية).
7- مراقبة لأداء في التعليم.
8- مراقبة المنتج غير المتوافق(من طلاب راسبين - كتب تالفة - بنود التقويم غير الملائمة).
9- الاجراء التصحيحي(تصحيح الأعمال التي بها خطأ حتى يتم تسليم المنتج).
10- سجلات الجودة (المعلومات والبيانات التي يتم الاحتفاظ بها).
11- مراجعة الجودة الداخلية للتأكد من أن نظام الجودة يعمل حسب الخطة.
12- التدريب(تدريب هيئات التدريس على النشاطات التي تؤثر في الجودة).
ثانياًـ الأسلوب الياباني(بيت الجودة):
بدأت فكرة هذا الأسلوب في مجال الصناعة ثم تم الأخذ به في مجال التعليم, وتقوم فكرة بيت الجودة الياباني على مجموعة من المفاهيم والمبادئ التي تسهم في تحقيق الجودة الشاملة, وتتحدد المكونات الأساسية لبناء الجودة وفق هذا الأسلوب في الأمور التالية:
1- السطح أو البنية الفوقية, وتتكون من ثلاثة أنظمة تؤثر في الجودة الشاملة وإدارتها, وهي النظام الاجتماعي والنظام الإداري والنظام التقني.
2- ركائز الجودة وهي خدمة الفرد المتعلم, واحترام البشر والإدارة للحقائق والتحسين المستمر.
3- الأصول والأركان الحجرية التي يرتكز عليها السقف والأعمدة, وتتكون كل من الأصول والأركان من أربع عمليات هي:
الأصول:
أ- إستراتيجية.
ب- عمليات.
ج- مشروع.
د- إنسانية الإدارة.
الأركان:
أ- رؤية.
ب- قيم.
ج- أهداف.
د- قضايا.
تستند فكرة بيت الجودة على مجموعة من الإرشادات نحو:
- توضيح مفهوم الجودة الشاملة التي ينبغي أن يلتزم بها العاملون.
- وجود مقاييس صالحة للحكم على جودة النظام.
- ضرورة الاستفادة من الأخطاء في المراحل المقبلة.
- نشر الدروس المستفادة من تنفيذ الجودة الشاملة.
إن هذا الأسلوب جعل التعليم في اليابان يتسم بقدر كبير من الواقعية والعملية والانتماء والمنطق والسلوكيات, وتكوين فرد ذي توازن جسدي واجتماعي وقيادي, ويتضح ذلك من القوة الإنتاجية لهذا المجتمع.
ثالثاًـ الأسلوب الاسكتلندي في الجودة(SQMS):
أبرز سمات نظام إدارة الجودة الاسكتلندي هو أنه يعد نظاما عالميا، لذلك قامت العديد من الدول المتطورة كأستراليا, وإنجلترا, و بولندا, وأيرلندا, بتبنيه، وهو استخدم كأداة علمية تعني بالتقييم الذاتي من أجل تطوير المؤسسة التعليمية.
ويتميز هذا النظام عن غيره من الأنظمة بأنه صمم خصيصا ليلائم طبيعة التعليم الفني والمهني، ويتصف بالشمولية في إدارة مؤسسات التعليم, إذ أنه يغطي جميع العمليات التي تجري في المؤسسة, ولما يوفره من مجموعة من المؤشرات التي تهتم بمجال تنمية الموارد البشرية, وهو بذلك يعتبر موازيا للنموذج الأوروبي للتميز، وهو أيضا يهدف إلى ضمان ديمومة التطوير في المؤسسات التعليمية فضلا عن تقليل التعقيدات الإدارية، كما أنه يحقق العديد من الفوائد كما تشير الدراسات العلمية والتي ترتب عليها تحسن الإنتاجية العامة للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى أنه يركز على تلبية حاجات المستفيدين من النظام التعليمي,(المتعلمون، أولياء الأمور، سوق العمل، المجتمع المحلي، المعلمون والإداريون).
ويتكون نظام SQMS من عشرة معايير تصف خصائص نظام إدارة المؤسسات التعليمية بصورة شاملة، ويمكن من خلاله أيضا تطبيقه على جميع المراحل الدراسية (الروضة، الابتدائية، الإعدادية، الثانوية، الجامعية), نوجزها على النحو الآتي:
1- الإدارة الإستراتيجية: وهي تعمل على رسم السياسة العامة للمؤسسة التعليمية، وبناء الخطط التي تحدد اتجاه المؤسسة، كما وتعد خطة العمل الوثيقة الرئيسية في هذا المعيار.
2- إدارة الجودة: ويقيس فيه مدى قدرة المؤسسة التعليمية على توفير الخدمة التي تحقق توقعات المستفيدين من المؤسسة التعليمية.
3- التسويق ورعاية العميل: ويهدف هذا المعيار إلى بناء البرامج الدراسية والتعليمية على وفق المهارات التي يتطلبها سوق العمل وذلك لضمان سلاسة انتقال الطالب من مقاعد الدراسة إلى بيئة العمل.
4- الموارد البشرية: وهو الذي يضمن التدريب المستدام للموارد البشرية بما يجعل جميع العاملين قادرين على أداء عملهم بفاعلية وإنتاجية عالية، أي بمعنى أن يصبح لديهم الكفاية اللازمة لأداء أعمالهم بصورة صحيحة.
5- تكافؤ الفرص: ويضمن هذا المعيار تكافؤ الفرص لجميع المتعلمين والعاملين في المؤسسة التعليمية وسوق العمل, بما يعزز الشعور بالرضا ومن ثمّ تحسن الإنتاجية.
6-الصحة والسلامة: إي وجود بيئة صحية آمنة لجميع المتعلمين والعاملين والزائرين بالمؤسسة التعليمية.
7- الاتصال والإدارة: يسعى هذا المعيار إلى تبني نظريات إدارية حديثة تضمن تحقيق الأهداف المطلوبة وذلك بضرورة التواصل بين أطراف العملية التعليمية.
8- خدمات الإرشاد: يعنى هذا المعيار بالمتعلم من خلال تقديم الدعم بشتى صوره، أكاديميا ونفسيا واجتماعيا، حتى يستطيع التعايش مع المجتمع بشكل إيجابي بعيدا عن الضغوطات التي يواجهها.
9- تصميم البرنامج وتنفيذه: ويختص هذا المعيار ببناء البرامج الدراسية والمواد التعليمية إذ ينبغي أن تبنى نواتج التعلم للبرامج الدراسية في ضوء متطلبات سوق العمل، كما يعني هذا المعيار أيضا بتنفيذ البرامج الدراسية واختيار طرائق التدريس المناسبة التي تركز على الأنشطة و احتياجات المتعلمين.
10- التقييم ومنح الشهادات: يؤكد هذا المعيار على ضرورة منح الطلاب المؤهلات التي يستحقونها استنادا إلى جملة من أدوات التقييم التي تكفل النزاهة والعدالة.
المعوقات التي تمنع تطبيق الجودة الشاملة في التعليم:
إذا ما أردنا تطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة في التعليم سوف نواجه بمجموعة من المعوقات والصعوبات التي تمنعنا من القيام بهذا الأمر, لعل من أهمها, ما يأتي(11):
1- معايير الحكم على الجودة ليست محسومة بشكل نهائي, حيث أن معظم هذه المعايير يركز على مؤشرات كمية في الوقت الذي يتميز فيه التعليم في بعض جوانبه بالتفاعلات التي يصعب قياسها كمياً.
2- إن معظم النظم التربوية تسعى إلى البحث عن الحقيقة والمعرفة والثقافة. أما مفهوم الجودة فإنه يحدد احتياجات المستهلك, فإذا كانت احدى الحصص تتسم بالجودة في إطار المعرفة بالموضوع وفهمه وطريقة التدريس المستخدمة ولم ينتج عنها إفهام التلاميذ ترتب على ذلك عدم تحقيق الجودة. وإذا كان الهدف الأساسي لتعليم هو تعلم الأفراد يظهر الشك في أن يكون الفرد هو المستهلك الأساسي في التعليم. من هنا يمكن القول بأن تحقيق الجودة يرتبط بمدى الوفاء بالاحتياجات الحقيقية.
3- الوقت الطويل الذي تحتاجه المؤسسة التعليمية حتى تصل إلى النتائج المتوقعة, ورفض البعض للتغيير, والتمسك بآراء وقيم إدارية تعوق تنفيذ الجودة في هذا المجال.
4- معارضة التربويين للجودة الشاملة بسبب مضامينها التي يعدونها متعارضة مع طبيعة المؤسسات التعليمية, ويشككون في إمكانية تطبيق الجودة الشاملة في إدارة المؤسسات التعليمية لارتباط بعض المصطلحات والمسميات بالجوانب التجارية والصناعية وعدم موافقتها مع النطاق الأكاديمي.
5- قلة الموارد المخصصة لتعليم كل فرد, يمنع من تطبق نظام الجودة الشاملة فيه, بسبب قلة الموارد المخصصة لقطاع التعليم مقارنة بأي دولة من دول العالم المتقدمة.
6- التركيز على الكم دون الكيف في التعليم العربي, مما أدى إلى تزايد أعداد الخريجين دون الاهتمام بالمهارات والقدرات التحليلية. كما أن التركيز على المدخلات التعليمية دون الربط بين المخرجات وحاجات أسواق العمل أدى إلى تخريج أفواج من المتعلمين العاطلين عن العمل.
7- المؤسسات التعليمية في مختلف مراحلها غير مهيأة لتطبيق نظام الجودة الشاملة, لأسباب عديدة من بينها الكثافة العالية داخل الفصول الدراسية, وتعدد الفترات الدراسية في المدرسة الواحدة, وضعف التحصيل الدراسي للطلاب وتدني مستوى الخريجين.
8- معظم المؤسسات التعليمية العربية لم تواكب في قيادتها وإدارتها ما حدث من تغيرات وتطورات في التسعينات من القرن العشرين وبداية القرن الحالي.

المراجع
ـــــــــ
(*) م. هادي مشعان ربيع- كلية التربية - جامعة الانبار.
1- أحمد إبراهيم أحمد, الجودة الشاملة في الإدارة التعليمية والمدرسية, الإسكندرية, دار الوفاء الدنيا الطباعة والنشر, 2003, ص 161.
2 - نفس المرجع, ص 160.
3- إسماعيل دياب, ورقة عمل حول مشروع خطة مقترحة لتطبيق نظام الجودة الشاملة في تطوير التعليم الجماعي, مؤتمر العلمي الثاني المنعقد في 11-12مايو, كلية التجارة في بنها, 1997, ص 252-262.
4- الآية (88) من سورة النمل.
5 - الآية (2) من سورة الملك.
6- أحمد إبراهيم أحمد, مرجع سابق, ص 149.
7-Nester, Wiliam,AmericanPower, the new World Order and The Japan's Challenge, New York, Martine's Pess,Inc, 1993, pp.100-105.
8 - أحمد إبراهيم أحمد, مرجع سابق, ص 149- 150.
9- نفس المرجع, ص 164- 165.
10-هادي مشعان ربيع, الاتجاهات المعاصرة في التربية والتعليم,عمان, دار المجتمع العربي,2008, ص 138.
11- د. مها عبد الباقي جويلي, دراسات تربوية في القرن الحادي والعشرين, الإسكندرية, دار الوفاء لدنيا, 2002م, ص 77-79.