الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الاثنين: 27/10/2008


تقييم تجارب حوار الحضارات(2/1)

د. حسن حنفي(*)

نص المحاضرة(1)

أولاً: تجارب من؟
لا توجد ثقافة عقدت المؤتمرات وأقامت الندوات، وكتبت المقالات وأطلقت الأحاديث وحميت المناقشات حول صراع الحضارات أو حوار الثقافات كما حدث في الثقافة العربية المعاصرة وكأنها كانت على غير انتظار. وأصبح الموضوع وسيلة ليس فقط لإظهار اللاوعي التاريخي المكتوم؛ بل أيضاً وسيلة لإظهار اطلاع المفكر على أحدث النظريات وأشهرها، وأنه أيضاً قادر على الدخول في حوار مع أشهر مفكري الغرب عامة والأمريكي خاصة حتى لا يفوته الركب، ويبدو «متخلِفاً» غير قادر على التعامل مع أحداث الساعة. ومع هذا الموضوع الأثير يأتي أيضاً «نهاية التاريخ» ولو بصورة أقل. ولا يستطيع المثقف أن يكون مثقفا إلا إذا ذكر على لسانه اسمي هانتنجتون مرة وفوكوياما مرة أخرى.
ونظراً لأن «العولمة» لا صاحب لها فإنها تأتي في الدرجة الثالثة مع أنها المفهوم الرئيسي الشامل للمفهومين الأولين الفرعيين والمساندين له. فصراع الحضارات هو الغطاء الذي يكشف صراع المصالح. ونهاية التاريخ هو التشريع للرأسمالية كآخر مرحلة من مراحل تطور البشرية.
والعجيب أنه حتى في الثقافة الغربية التي خرجت منها هذه المفاهيم لا يوجد هذا الزخم الهائل حول «حوار الحضارات»؛ إذ يبدو أنها مفاهيم للتصدير وليس للاستهلاك المحلي. تنشغل بها الثقافات الأخرى المولعة بالاستيراد. فالغرب هو المبدع وغيره هم المستهلك. الغرب مهتم بالإنتاج، وطاقاته كلها من أجل العمل والتصنيع، وغيره مولع بالمسائل النظرية التي تخفي التناقضات العملية. ولا يوجد نقاش نظري في الغرب لا ينتج عنه مصلحة عملية: «في البداية كان الفعل». وما زلنا نحن نردد «في البداية كانت الكلمة».
بل إن العالم الإسلامي لم يشغل نفسه كما شغلنا في الوطن العربي بحوار الحضارات، لا في ماليزيا ولا في أندونيسيا؛ لأن طموحهما الحضاري في التفوق الصناعي في إطار مشروع «النمور الأسيوية»، فعل أكثر وكلام أقل، وإبداع أكثر ونقل أقل. بل إن إيران التي قابلت «حوار الحضارات» بـ «صدام الحضارات» إنما كان رد فعل و ليس فعلاً. وأعلنت الأمم المتحدة أن عام 2000 هو عام «حوار الحضارات» ولم يحدث شيء. واستمر «صدام الحضارات» هو الشائع والموجه والمحرك. فوراءه جهاز إعلام غربي يذيع وينشر وكأن الإعلام عن شيء هو حقيقته. والآن لا توجد جامعة عربية أو إسلامية إلا وبها مركز لحوار الحضارات لاستئناف الموجة القديمة لحوار الأديان.
وعلى العكس في الحضارات الشرقية الشبيهة بنا، في الهند والصين خاصة، ولا توجد هذه الكثرة أيضاً في الخطابات حول حوار الحضارات أم صراعها، ولا حول العولمة، مزاياها و مخاطرها، ولا حول نهاية التاريخ أم بدايته. فهي حضارات مشغولة أيضاً بالتفوق الصناعي، والسبق العلمي، والاكتفاء الذاتي وتصدر فائض الإنتاج، والتفوق على المجتمع الغربي ذاته.
ولا يعني تقييم تجارب حوار الحضارات القيام بمسح شمل للأدبيات التي تمت في العقد الأخير. فهذا ما يمكن أن يقوم به طلاب الدراسات العليا في العلوم السياسية، أو في علوم المكتبات، وفي مراكز تنظيم المعلومات. وهذا ما ينوء بحمله باحث واحد. إنما الأهم هو وصف الحالة الراهنة لحوار الحضارات كيفاً لا كما، كاتجاهات وليس كمنتجات، بالإضافة إلى مساهمة نوعية على ما هو سائد مع تأصيل تاريخي؛ حتى لا يتحول الفكر إلى سجال نظري دون نماذج تاريخية لصراع الحضارات أو حوارها يمكن تحليلها كحالات. وتكفى ملاحظات مبدئية دون الصياغات النهائية. فمنهج الفكر أولى من مضمونه، ومقدماته تسبق نتائجه.
وأفضل منهج لذلك هو منهج تحليل الخبرات الحية، الفردية والجماعية، الذاتية والمشتركة، من أجل وصف ماهية الحوار بين الحضارات واسترجاع التجارب القديمة عن طريق الذاكرة التاريخية الحية ووصف التجارب المعاصرة، استئنافاً للماضي في الحاضر بالرغم من اختلاف المرحلة التاريخية، وهو ما يسمى بالمنهج «الظاهرياتي» في الغرب المعاصر. فالموضوع له أصحابه من أهل الاختصاص. ومع ذلك يمكن إضافة الجديد فيه عن طريق جدة المنهج، والقدرة على التأمل والاستبطان، وتحليل التجارب التاريخية.
والحالة الراهنة لتجارب حوار الحضارات هو أنها في معظمها ردود أفعال على مقال هانتنجتون الشهير «صدام الحضارات» بالرفض والمعارضة والاستهجان الديني والأخلاقي والسياسي والتاريخي. ونحن شعوب تراثية تهوى الحضارة، وتعشق التاريخ، وتعيش في الدين. من يلمس ثقافتها يحركها ويثيرها، ومن يمس مصالحها فإنما يستولى على عرض الدنيا، والآخرة خير وأبقى. وقد استطاعت المقالة الشهيرة أن تمس شغاف قلب الشعوب التراثية، والمقصد منها إخفاء صراع المصالح. هي نوع جديد من الحرب الباردة بين الغرب والشرق في نهاية عصر الاستقطاب من أجل حصار الشرق، أو بين الشمال والجنوب من أجل استمرار نهب ثروات الجنوب. هي «كلمة سر» للحرب العالمية الثالثة التي بدت بشائرها في العدوان على أفغانستان، ثم العراق أولاً، ثم إيران وسوريا ولبنان ثانياً، ثم اليمن والسودان ثالثاً، ثم السعودية ومصر رابعاً من أجل إجهاض احتمال بروز قطب ثان في مواجهة القطب الأوحد، لا يظهر إلا في المنطقة العربية الإسلامية بعد أن مات جيفارا في أمريكا اللاتينية، وتعثرت أفريقيا بالتصحر والفقر والديون والأمراض والحروب الأهلية.
وبصرف النظر عن اتجاهات الرد على مقالة «صدام الحضارات» ومواجهتها بمقال بديل «حوار الحضارات» إلا أنه في جميع الحالات يكتب الغرب المتن ونحن نكتفي بالشرح وكأننا مازلنا في عصر الشروح والملخصات في العصر العثماني. فالفكر لا يبدأ إلا إذا احتاج إلى سند يعتمد عليه، وإلى «عكاز» يستند إليه، وإلى دعامة يقوم عليها، وإلى نقطة بداية يلتف حولها فيتحول الفكر إلى شرنقة أو خيط عنكبوت ينسج حول المتن. ويكون السؤال: متى أكتب متني؟ متى أؤلف نصي؟ متى أبدع دون أن أكون شارحاً وناقلاً و مهمشاً لإبداع الغير؟ ولنفرض أن المقال الشهير عن «صدام الحضارات» لم يظهر هل يصمت القلم، ويتوقف الفكر، ويختفي الصوت؟ متى تأتي المبادرة التاريخية مني؟ أن أكتب نصي فيشرحه الآخرون، وان أدون متني فيعلق عليها أصحاب المتون، وأن أبدع فكري فينقله الآخرون؟ إلى متى يستمر الإحساس بالنقص عندي بأني لست صاحب بضاعة بل ناقل لها، والإحساس بالعظمة في الغرب بأنه صاحب بضاعة يصدرها إلى الآخرين؟ إلى متى تظل علاقة المركز المبدع بالأطراف الناقلة؟
ثانياً: ملاحظات أولية
إن الحديث عن حوار الحضارات وموقف الثقافة العربية فيه يتطلب أولاً عدة ملاحظات أولية للمفاهيم وسياقاتها التاريخية. فمن الملاحظ أنه في العقد الأخير بعد انهيار المعسكر الشرقي في 1991م أن تسارع الغرب الذي أخذته العزة بالنصر، والثقة بالرأسمالية في إبداع مفاهيم جديدة شغل بها العالم، وانشغل بها المثقفون العرب وغيرهم من الشعوب في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يهمشون ويكتبون الحواشي والتخريجات وهم ما زالوا قريبي عهد بعصر الشروح والملخصات أيام الخلافة العثمانية. ولما كان معدل إفراز المفاهيم والتصورات والمصطلحات في المركز أسرع من تهميشها وشرحها والتعليق عليها وتفسيرها في المحيط لم تعد هناك فرصة لشعوب المحيط لإبداع مفاهيمها وتصوراتها الخاصة التي تعبر عن رؤيتها للعالم، وتظل تلهث وراء فهم ما يعطى كطعم لها. وهي فرحة بأنها على مستوى العصر، تدخل في عصر الحداثة، وتفكر فيما يفكر فيه الغرب فيقل الإحساس بالدونية أمامه، عصره صورها، وتفكيره تفكيرها، وهمومه همومها، وألفاظه ألفاظها، ودون أن تدرى أن متونه شروحها، وأن إبداعه استهلاكها، وأن الإحساس بمركب العظمة والتفوق لديه يزيد.
ومن هذه المفاهيم «صراع الحضارات»، «حوار الثقافات»، «نهاية التاريخ»، «العولمة»، «الحكم Governance»، «المجتمع المدني»، «حقوق الإنسان»، حقوق المرأة»، «الخصخصة»... إلخ. وكلها مفاهيم موجهة، غير بريئة في ظاهرها الفكر وفي باطنها السياسة، في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب. «صراع الحضارات» المقصود منه أن الصراع بين المعسكرات وبين الأيديولوجيات والنظم السياسية، الاشتراكية والرأسمالية، الشرق الغرب، الشمال والجنوب، الأغنياء والفقراء، المركز والمحيط، الاستعمار الجديد وحركات التحرر الجديدة؛ قد انتهى لصالح طرف واحد هو الطرف الأول، فقد كان الطرف الأقوى. وعلى الطرف الثاني أن يعترف بالهزيمة. الصراع الآن لم يعد بين نظم سياسية وقوى اقتصادية؛ بل صراع حضارات.والمتفوق في السياسة والاقتصاد يكون بالضرورة متفوقاً في الحضارة؛ لأنها هي التي جعلته متفوقاً، وحتى يتم زعزعة ثقة شعوب الأطراف في ثقافتها ونزعها عن حضارتها. ومن يخسر في الواقع يخسر في الذهن. ومن ينهزم في الحاضر ينهزم في الماضي.
وربما يكون المقصود هو إشغال شعوب الأطراف بشيء عزيز عليها، متمسكة به، ترى فيه سبب بقائها في التاريخ واستقلالها وهويتها وهو الحضارة، وبيان أن هذا الشيء العزيز في خطر يتهدده صراع حتى تتمسك به الشعوب وتشغل نفسها بالدفاع عن هويتها حتى تشيح بوجهها عن الصراع الحقيقي وهو الصراع الاقتصادي في عصر العولمة، واقتصاديات السوق، والشركات المتعددة الجنسيات. وكأن العالم قد انقسم قسمين، للمركز الاقتصاد وللأطراف الحضارة.
وربما يكون القصد حقيقياً، وهو إعلان ما كان الغرب يخفيه دائماً، العنصرية والمركزية الحضارية كدافع دفين. فلم يكن دافع الاستعمار اقتصادياً سياسياً فقط بل قام أيضاً على النظريات العنصرية في القرن الماضي التي كانت تقوم على التفرقة بين الأبيض والأسود، بين السامي والآرى، بين المتحضر والمتوحش، بين الحضر والبدو.
وقد تنبأ هانتنجتون بمستقبل يتحد فيه الإسلام بالبوذية في الشرق في مواجهة المسيحية واليهودية في الغرب. قد يكون الهدف هو إبعاد المسلمين عن الأخذ بأسباب القوة في الغرب، وزيادة ثقافتهم ثقافة، وإيمانهم إيماناً، وروحانيتهم روحانية بعيداً عن حضارة العقل والعلم والعالم.
ويقال نفس الشيء على باقي المفاهيم مثل «حوار الحضارات». فالمقصود منه في الغرب أن يخف التوتر بين الشعوب في حوار على مستوى الثقافة بعيداً عن السياسة ومشاكلها والاقتصاد وهمومه. الثقافة توحد الشعوب والاقتصاد يفرقها. فبدلاً من كل أشكال الصراع بين من يملكون من لا يملكون، بين الأغنياء والفقراء، بين المستغلين والمستغلين، بين القاهرين والمقهورين، بين المركز والمحيط؛ يمكن عقد حوار بين الطرفين تآلفاً ومحبة وإخاء كما هو الحال في «حوار الأديان».
أما «نهاية التاريخ» فتعني إيقاف الزمان، واكتمال التاريخ، وتحقق النبوة. فالرأسمالية المنتصرة بعد هزيمة «الاشتراكية» في 1991م هي خاتم النبوة، ونهاية المطاف. فعلى كل الأنظمة التكيف معها وتبنيها. وهي قادرة على تجديد نفسها، وتغيير أشكالها حتى لا تتحجر وتنهار كما حدث للاشتراكية. وقد بلغت نظرية «نهاية التاريخ» أوْجَهَا في القرن الماضي عند هيجل في ألمانيا اعتزازاً بالروح الألماني وبدولة بسمارك الموحدة. وكانت تلك النهاية قد تحققت من قبل في «الثورة الفرنسية». وقد لا تعني «نهاية التاريخ» الانتصار بالضرورة؛ فقد لاحظ فلاسفة التاريخ في الغرب أن القرن العشرين هو نهاية الغرب. ولما كان الغرب هو التاريخ، والتاريخ هو الغرب؛ فقد انتهى التاريخ في «أفول الغرب» عند شبنجلر، و«إفلاس الفلسفة» عند هوسرل، و«قلب القيم» عند شيلر، و«الغرب في قفص الاتهام» عند راسل، و«الغرب مصادفة» عند جارودي، و«موت الإله» عند نيتشه. وفي حضارات أخرى تعني «نهاية التاريخ» في الغرب «بداية التاريخ»، تاريخ أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في دور حضارية جديدة للشعوب التاريخية ممثلة في حركات التحرر الوطني، وفجر النهضة العربية، والصحوة الإسلامية، والنمور الآسيوية، وريح الشرق.
وتعني «العولمة» نهاية عصر الاستقطاب، وبداية العالم ذي القطب الواحد، تحت شعار «العالم قرية واحدة»، اقتصاديات السوق، مجموعة الثمانية، الشركات المتعددة الجنسيات، ثورة المعلومات، الثورة التكنولوجية الثانية، نهاية الأيديولوجيا، ويعني «الحكم» Governance نهاية الدولة الوطنية، وأنها في حاجة إلى إدارة عليا من موظفي بنوك قادرين على تحويل الأموال من الداخل إلى الخارج. فالبنك الدولي وصندوق النقد واتفاقية «الجات» والأمم المتحدة كلها حكومات بديلة عن الحكومات الوطنية. لا جمارك ولا حدود ولا حماية. فالأحلاف موجودة، وقوة الولايات المتحدة منتشرة في كل مكان تدخل كل العصاة والنشاز إلى بيت الطاعة.
وتقوم «ثورة المعلومات» على احتكار المعلومات وحجبها أو نقلها، وتظل مراكز السيطرة فيما لمن أبدعها. فالمعلومات قوة. والأقمار الصناعية كلها في أيدي مبدعيها. وأصبح تسرب المعلومات من أكبر الجرائم. فالمعرفة ليست حقاً للجميع، بل لمن يملكها فحسب. ثورة المعلومات من ناحية يقابلها احتكار المعلومات من ناحية أخرى. وتزدهر صناعة نظم المعلومات وصناعتها بحيث أصبحت تفوق الصناعات العسكرية.
و«الخصخصة» للشعوب في الأطراف فقد فشلت هذه الشعوب في التحول من الثورة إلى الدولة. كلفت الثورة المعسكر الشرقي الملايين ثمناً للسلاح حتى انهار، وكلفت الدولة الولايات المتحدة والغرب مليارات في التنمية والخدمات حتى تفاقمت مشكلة ديون العالم الثالث. أصبحت «الخصخصة» عنواناً لفشل التجارب الاشتراكية العربية والأفريقية في الستينات، نهاية للقطاع العام، تدعيم الدولة للمواد الأولية رعاية للفقراء ومحدودى الدخل، ونهاية التخطيط والملكية العامة لوسائل الإنتاج، واتباع قوانين السوق، العرض و الطلب، حرية سعر الصرف والبنوك الخاصة، ومجانية التعليم، وخصخصة الماء والكهرباء والمواصلات، ولم يبق إلا الهواء والصرف الصحي. وفي نفس الوقت وفي اتجاه مضاد تتحول الحياة الخاصة إلى حياة عامة، فتزدهر تجارة الجنس والإعلانات الفاضحة والعلاقات الخاصة بما في ذلك حياة الرؤساء. وتأتي مفاهيم أخرى مثل: «المجتمع المدني»، «حقوق الإنسان»، «حقوق المرأة» كي تساعد المفاهيم الأولى كبديل عن «الدولة» و«الأمة» و«الشعب» و«المواطن». فالمجتمع المدني أو الأهلي مجتمع خاص، حر، ينشط من خلال الجمعيات الأهلية للخدمات العامة والدولة غائبة. فأزمة الحريات في دول العالم الثالث هي سيطرة الدولة على المجتمع. والحل هو أولوية المجتمع المدني على الدولة، أزمة وحل على طرفي نقيض. مع أن الحل هو ألا تكون قوة أحد الطرفين على حساب الآخر. وأن يكون النظام السياسي منتخباً من الشعب، ومن ثم تخف حدة التناقض بين الدولة والمجتمع. أما مفاهيم «حقوق الإنسان» و«حقوق المرأة»؛ فإنها إسقاطات غربية صرفة على باقي الشعوب. فحقوق الإنسان تقوم على فلسفة فردية، أن الإنسان الفرد محور الكون. في حين أنه في ثقافات العالم الثالث أن الجماعية هي البداية بما تمثله من تعاون وتراحم وألفة ومحبة. فإذا كان الغرب قد أعطى العالم «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» في 1948م فإن العالم الثالث قد أعطى العالم أيضاً «الإعلان العالمي لحقوق الشعوب» في الجزائر 1971م. أما «حقوق المرأة» فإنها أيضاً تقوم على مفهوم فردي جنسوي، بعد تجزئة الفردية إلى فرديات. رجل، امرأة، طفل، شيخ، شاب. وهذا كله تفتيت للمجتمع الواحد، وقضاء على مفهوم المواطن الذي لا يتمايز فيه الإنسان جنسياً أو طبقاً للأعمار.
وكلها مفاهيم أحادية الطرف، تظهر جانباً واحداً من الحقيقة وتخفي الجانب الآخر عن قصد. تظهر جانب المركز، وتخفي جانب الأطراف. مثلاً «صراع الحضارات» يقابله «حوار الثقافات»، «نهاية التاريخ» تقابلها «بداية التاريخ»، «الحكم»، تقابله «المشاركة الشعبية»، «حقوق الإنسان» وجهها الآخر «حقوق الشعب»، «الخصخصة» في مواجهة «القطاع العام». وقد يشتق مصطلحان من نفس الاشتقاق مثل «الخصخصة» Privatization وتعني تحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص، و«الخصوصية» Specificity وتعني الهوية والأصالة في مقابل العولمة Globalization.
وهي في الحقيقة ليست مفاهيم أو تصورات؛ بل هي أحداث وقعت تحاول أن تجد شرعية لها في مفهوم. «صراع الحضارات»؛ مثلاً حدث في تاريخ الغرب الحديث وهو العنصرية الأوروبية التي قضت على ثقافات الشعوب المغلوبة. و«العولمة» تشريع للرأسمالية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في 1991م. و«نهاية التاريخ» تبرير للرأسمالية وانتصارها بعد انهيار الاشتراكية وإيقاف الزمن حتى تظل الرأسمالية هي المطلق الثابت والمرحلة النهائية لتطور البشرية لإخفاء تناقضاتها الداخلية وأي حركات منهاضة لها. و«الحكم» يعني سيطرة جهاز الإدارة العليا الممثل في المؤسسات المالية الدولية من أجل إدارة اقتصاد الدول بصرف النظر عن حاجات الشعوب ولصالح الرأسمالية العالمية.
ولا يقوم بإخراج هذه المفاهيم العلماء بدافع نظري خالص، وبهمّ علمي صِرْف؛ بل تخرج من مراكز أبحاث تخطط للسيطرة على العالم اقتصادياً و سياسياً وثقافياً وفنياً. فهي مفاهيم موجهة. ومن الطبيعي في الغرب أن تتفاعل مراكز الأبحاث والجامعات والمؤسسات العلمية والفنية الخاصة مع مراكز إصدار القرارات في الدول الكبرى كنوع من التنسيق بين العلماء والقادة بما في ذلك الاستشراق. ويتم ذيوعها ونشرها على نطاق واسع ومن خلال أجهزة الإعلام ودور النشر والترجمة والرحلات وتجنيد كل وسائل الاتصال لذلك.
بل إن هذه المفاهيم ليست آراء ووجهات نظر بل تعبر عن لحظة من لحظات تغير نظم العالم، من نظام قديم إلى نظام جديد. فهي سلاح فكري مثل باقي الأسلحة الاقتصادية والحربية، وظيفتها إعلان نهاية النظام القديم وبداية النظام الجديد، والمساعدة على القضاء على مخلفات النظام القديم التي مازالت رافضة للنظام الجديد واتهامها بالعنف والإرهاب والقتل والتعصب والتخلف والجهل وبقايا الماضي البعيد أو خطاب الستينات القريب. ومن هنا أتت ضرورة القضاء على بقايا حركات التحرر الوطني أو تطويرها في الحركات الأصولية أو غيرها من الحركات الشعبية Grass – Root Movements بما فيها الصحوة الإسلامية في إيران والسودان وأوروبا الشرقية والجمهوريات الإسلامية المستقلة في أواسط آسيا والفلبين.
موضوع «صراع الحضارات» إذن موضوع في ظاهره الثقافة، وفي باطنه السياسة. الشكل ثقافي لدى الشعوب التقليدية التاريخية التي ما زالت مرتبطة بماضيها. والمضمون سياسي لدى الشعوب التي انفصلت عن ماضيها باسم الحداثة لإلهاء شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية عن أوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وشغلها بما تحب وتعشق. هو جزء من كل، أحد أبعاد الصراع الدائم والمستمر بين المركز والمحيط في العصور الحديثة في الغرب.

(*) أستاذ متفرغ بقسم الفلسفة كلية الآداب، جامعة القاهرة.
(1) نص مكتوب.
المصدر: خطابات عربية وغربية في حوار الحضارات، مجموعة مؤلفين، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة.