الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

السبت: 11/10/2008

الإنسان العالم وديمقراطية الفاعلين
قراءة سوسيولوجية في الشخصية العربية والإسلامية (3/2)

د. أحمد محمد سليمان حجازي

ثانيا: مفهوم ديمقراطية الفاعلين في الشخصية العربية والإسلامية: تناغم وانتقاء.
يبدو أننا أمام عظمة الحضارة العربية والإسلامية وعصر انبهار التقدم التقني والمعرفي للحضارة «الغربية» الأكثر توحدا وتحالفا وتصنيعا وكتما للأسرار الأمنية والوطنية والعالمية. وحتى نبرر استخدامنا للفظ الديمقراطيين الفاعلين عوضا عن استخدام الفاعلين الشوريين هو من باب التفسير التقريبي والاستخدام الأيديولوجي واسع النطاق الذي لا يلزم الباحث في اعتناقه كعقيدة، بل كنهج علمي يناقش الفكرة ويمحصها الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق ولم لا أن يكون العربي والمسلم حذر ومتواضع وموضوعي في بناء أفكاره كي يتذكر أصحاب العقول، كل ذلك من خلال حالة التداخل المفاهيمي الكبير في الذاكرة العربية والإسلامية إلى درجة التناغم المشوه والانتقاء غير العقلاني، الذي شجع عتاة الدول المهيمنة على المس بالذاكرة الاجتماعية العربية والإسلامية من أجل إعادة تشكيلها في الإطار غير الطبيعي. ولنعد إلى متن الدراسة.
إنّ تبلور مصطلح الديمقراطية بصيغة حكم مواطنين في الشعب الأثيني الذكوري[23] فحسب ليضم الشعب الأثيني ومن جاء بعده من شعوب الأراضين يمثل بدرجة أولى تقلص حجم العنصرية أو اندثارها بشكل ملحوظ منذ نشأة المصطلح إلى الآن، وبدرجة ثانية انفتاحه على العام، وبالتالي انتقال الشرعية التاريخية إلى الشرعية الزمكانية وليدة اللحظة المكتسبة لعمر الإنسان. وبطبيعة الحال، فإنّ مصطلح الديمقراطية عام، وله تاريخه الطويل في النضال والكفاح الأعجمي الغربي غير العربي. أو هو ببساطة أجنبي عن الواقع والتاريخ واللغة والهمّ الذي غيّر العالم «المسيحي» غير العربي. رغم أن العالم العربي والإسلامي يعتبر جزء حيوي في النسيج الاجتماعي الإنساني والعالمي، فهو مصطلح لم يلقى استحسان الكثيرين من أبناء الأمة ولم يشّرع المشرّع به، كما أنّه لن يكون التعبير الملائم في الواقع العربي والإسلامي الذي لم يعش ثوراته بأشكالها الثقافية والصناعية والسياسية، بل إنّ العالم العربي والإسلامي ينتميان إلى خصوصية هامة، وهي خصوصية تاريخية مرجعها إلى ما يسمى بالعصر الجاهلي حيث كل قبيلة لها الممارسة القانونية والرموز الثقافية المعبر عنها في المخيال القبائلي ذاته. ومن ثم تحدد موقعها في الخريطة القبائلية العربية وشكل الهيمنة الوافدة والمفروضة والمقترحة في إبانها. وكذلك تبرز خصوصيتها في العصر الإسلامي وفق رؤية الشريعة الإسلامية المعبّرة عنها كهُوِية شرعية وقانونية. وبإلغاء هذه الهُوِية يعني إلغاء الدين والأدبيات الفلسفية والأصولية والفتاوى التي تقسم المجتمع الإسلامي إلى فرق يعلو بعضها بعضا بمعضلة التكفير أو الوحدة الإسلامية.
فإن الملاحظ بين طرح المفهوم الغربي للديمقراطية والمفهوم الإسلامي للشورى يرى بوضوح أن هنالك زخم معرفي على صعيد الإنتاج العالمي وغني بالتجارب الذي قد يُضفي في بعض الأحايين إلى إبراز درجة العنصرية والشذوذ عن المنتج المعرفي الإنساني والكوني الذي من شأنه أن يصل إلى درجة الصراع المفاهيمي والجدل العقيم. فضلا عن النفي المعرفي. وبرأيي أنّ هناك تلاق كبير بين مفهومي الديمقراطية والشورى• إن لم يكن في المضمون فمن ناحية خوض التجربة البشرية. فالديمقراطية حملت معان سامية للأثينيين ثم أصبحت ملك البشرية التي لا غنى عنها. فهي طموح متقدم للرقي الاجتماعي ودفع المظالم وبناء قانون البشرية الممزوج بمبدأي الحرية والعدالة، باعتبارهما حق المساواة بين الجميع. كما أنّ الشورى حملت معان دينية لدى المسلمين ومُشَرّعة بقانون سماوي ينظم نمط المعيش الاجتماعي، فهي إلى جانب أنها قيمة دينية قيمة أخلاقية ومجتمعية، فالشورى غلب الرأي مجمع عليه وحق موهب ومكتسب مفاضل فيه. من هذا الباب يتجلى للعيان مفهوم الشورى كخصم حقيقي لمفهوم الديمقراطية؛ الذي يمسك بين دفتيه رابطي الدين والمعيش الاجتماعي.
فالديمقراطية إذن ليست بالشورى!! فالشورى مشروع الرب إلى الناس كافة باعتبار وجود نص قرآني بها كأصل من أصول الشريعة ولا يخص المفهوم الديانة الإسلامية وحدها إنما يخص الإنسانية ذاتها، أي أن الشورى مفتوحة على العالم أجمع•• (الدين والدنيا). فالشورى سهلة التطبيق بمجرد أن يعلن ثلاثة من بني الإنسان رأيا مُخالّف به تُوجَب المشورة والإمارة، بمعنى وجود قول متين وأمر رشيد يحسن التدبير ويكون محلّ أمانة وثقة من قبل الباقين.
والديمقراطية هي مشروع إنساني ينظر إليه كاختراع بشري ثانوي مضمونه متأصل بالشورى. ويبدو أنّ العالم العربي والإسلامي اتخذ من الديمقراطية علاجا اجرائيا وتطبيقيا مؤقتا وينتظر الشفاء والخلاص معا من أزمة التفوق الأجنبي المهيمن بكافة وسائله ومعداته وتقنياته وآلاته الحربية وجبروته الذي لا يخدم إلا الأعوان من الفئات القريبة من الفكر الجهنمي والشيطاني والذي وطنّ ايديولوجيته ضمن الهجمة الاستعمارية الكبيرة من قبل والثقافية والسياسية والاقتصادية من بعد. ومقابل ذلك كله أوقف التعامل مع مفهوم الشورى باعتباره مفهوما دينيا واسلاميا محضا. والعالم منقسم على الدين ولا يدين إلا بالمقدس والخوارق والمعجزات، ولم يعد هناك أنبياء ليأتوا بذلك. فاتجهت الإنسانية إلى صنع الغرائب، فالغريب معجب به لكونه غريبا وغير ملزم، والالزام ينفي معنى الحرية الجديدة والمكتسبة. أما الالتفات إلى مشروع الشورى فهي لم تحظى باالسمعة ذاتها محليا ودوليا ولم يستسيغها الضمير الجمعي العالمي لأنها لم تنضج فعليا في العالم العربي والإسلامي أي أنها لم تُفعَّل.علاوة على ذلك فانها وحي من الدين والماضي والالتزام بالعقيدة. فبقيت الشورى بنظر المتنفذين السياسيين مشروعا نظريا وليس عمليا بينما العلماء العرب والمسلمين ظلَّ شكليا ودفاعيا تارة يعبر عنه استحقاقا قانونيا وتارة أخرى يعبر عنه استحقاقا شرعيا وهَلُمَّ جُرَّا من باب الضعف والاسفاف بالامور العقائدية والدعوية أو المعيشية المسلوبة فيها الأمة حقوقها وارادتها!! رغم الحياة الاجتماعية والسياسية التي تطورت بعد وفاة النبي محمد(ص) وغياب الوحي مثل سقيفة بني ساعده وحصار عثمان بن عفان وواقعة الجمل وغيرها كي لا تتهم ظاهرة الشورى اليوم من أصحاب نظرية النظام الدولي بالحنين إلى عصر الردّة.
وفي تصورنا أن هنالك قطيعة معرفية لم تحسم بعد بين الإنسان العالم العربي والإنسان العالم الأعجمي غير المسلم ويمكن أن تلخص بعبارة التاريخ صنع العجم والعرب! والعرب ليسو عجما!! وبالتالي نهاية التاريخ لفوكوياما يوضح أن التاريخ للجميع لكننا نشكله كما أردنا نحن العجم غير المسلمين وهي مقولة تصدقها المجتمعات الغربية والأعجمية ويقلدها العرب والمسلمون بفعل القوة والسلطة وهذه هي الحقيقة التي أحدثت الفجوة بين الإنسان العربي والمسلم والإنسان الغربي والأعجمي غير المسلم. وبعبارة أخرى يكتمل التاريخ عندما تقتنع أنك أعجمي بالسليقة وتبرهن على ذلك. وعندها لا معنى لوجود قطيعة معرفية خاضعة للتأريخ الخاص في ظل النظام العالمي الجديد والعولمة إلى مرحلة التأريخ المشترك والعام. والمعنى أن التجربة الإنسانية العربية والإسلامية ستبقى خاضعة إلى الاستثمارات الغربية والأعجمية غير المسلمة وينظر إليها على أنها تجربة معطلة ومنتهية بل ولا حياة فيها ما دام العجم وغير المسلمين فيها، والأفضل أن ينخرط كل إنسان عالم مسلم وشوري في منظومة القيم الغربية غير المسلمة لتبقى محافظة على إنسانيتها ونشاطها المرسوم لها مسبقا.
فالقطيعة المعرفية التي حدثت للمسلمين طيلة القرون الفارطة تأريخية أولا؛ مضللة مقولة الوحدة الإسلامية الواحدة بين مسلمي المشارق والمغارب وانجازية عملية ثانية أي أنها كانت على درجة كبيرة من الخصام في تطبيق الشورى والجمع بين المشارق والمغارب، فكان هذا العائق الاستراتيجي سببا كافيا لضعف مقولة تطبيق الشورى المعاصرة اليوم. فالشورى تحتاج إلى تفعيل الإنسان العالم المجمع عليه، وتحديد براديغم الجغرافيا بدقة، وبناء براديغم الديمغرافيا الذي سيبني براديغم الإنسان العالم الشوري. ومن هنا يكون انطلاق مفهوم الإنسان العالم الحر في البلد الحر بين مجتمع الأحرار، غير أن ذلك لن يكون سهلا ما دامت التجربة مقتصرة على الأقليات الاجتماعية الأكثر تمثيلا للإنسان المسكين والمريض والفقير المحطم وغيرها فهي من بين الفئات الاجتماعية المعينة على اليأس ونفي التجربة من أساسها، بل تجدر الإشارة إلى أن المساهمة الفاعلة الذي يقوم بها المثقفون العضويون بلغة عالم الاجتماع الايطالي غرامشي قادرة على بناء مواطن للتوعية أفضل لأناس ليسو أقل شأنا لبعث الأطر المعرفية الجديدة والمشاركة الفعالة مع الأطر المختصة للتضامن مع برنامج عمل الإنسان العالم الحر في البلد الحر بين مجتمع الأحرار ضمن حركة يقظة ومفعمة بحب المغامرة الإنسانية وضمن فضاء اجتماعي محدد أو غير مقيد.
وبطبيعة الحال، التجربة الأوروبية خاضت تجربة المشاع والإقطاع والرأسمالية والاشتراكية ضمن نمط إنتاج مقنن نفذت إلى العالم العربي والإسلامي عن طريق الانبهار والإعجاب من الانجازات الهائلة في إرساء قواعد نظامية وأمنية وعقلانية بلا قيود تعجيزية ظالمة أو قهرية مهينة للإنسان العالم أو مذّلة له، الذي أصبحت دعوته مجابة وأمنه محصّن وثقافته مقدسة وعقله مشغول بالعلم والطريدة لا بالوضيمة.
فإن الإنسان العالم حرّ بطبعه. والعبودية داءه والحريّة دواءه والعلم بها جهادا والجهل بها نفاقا والتجريم بها إبادة العامة بمحض جناية. فالحريّة موطن الفعل الإنساني ونبراس التكيّف، المتولَّد بالفطرة والسليقة والمتأصلة في فضائه الاجتماعي الذي قوّى مصادر الطاقة الكامنة في اللحمة الاجتماعية، وعمّق التضامن بين الأفراد والجماعات، انطلاقا من بناء ثقافة مجتمعية عريضة ومتوحدة مؤمنة بها كمشروع للنهوض بالمواطنين في مختلف انتماءاتهم العرقية والطائفية والمناطقية والجغرافية والدينية أو المذهبية أو التراتبية الاجتماعية، للحدّ من النظرة الدونية للأشياء، المعزّزة لجيوب الفرقة والتهميش والإقصاء. بمعنى وجود نزعة ومنطق يحكم الأفراد والمجتمعات بعقلانية ونظام مقدس لا يمس ظاهر الأمور وزينتها أو شرذمتها إنما يمسّ جوهرها، وأعني بذلك قوة الإرادة والتصميم والقابلية للحياة أفضل. ودعونا نطلق على هذه الثورة الاجتماعية بمقولة معرفية تتمثل إن صح التعبير بديمقراطية الفاعلين المتأصّلين في كُنُهِ الشخصية القاعدية للأفراد والجماعات.
وكأنّ بالإنسان العالم ذو الشخصية القاعدية يمثل الحلقة المتكررة لديمقراطية فاعلة متوارثة ومتواصلة منذ أمد بعيد، يمثّل فيه الإنسان العالم الكوني رقما واحدا مستنسخا لم يحدد سقفه البنيوي إنسانيا وعلميا في عملية البناء الكوني إنّما حددت اختراعاته و قيّدت أنشطته الذكائية الذهنية لتتناسب مع مراحل متقدمة من التطور التقني والأنشطة المعصرنة. أي ثمة عزل محكم التصميم ومرحلي وليس بالعزل الكلي أو النهائي بين الأفعال البشرية الفائقة الاختصاص، ومضامين الأفعال البشرية القهرية الخارجة عن نطاق الفرد أو المجموعة المنتجة والمكتشفة بين حين وآخر، بل إنّ المضامين الفكرية لدى العلماء المعاصرين لم تخرج عن اعتبار الأسرار من عالم مجهول، وهذا العالم المجهول أو الآخر هو في نهاية الأمر جزء من المنظومة الكونية التي يعيش فيها الإنسان العالم بوصفه الأنا، وأنّ الأنا والآخر تربطهما علاقة وطيدة هي الفضاء واسع النطاق. ومن الطبيعي أن يصل ضوء الشمس والنجوم وزيارة الشهب والمذنّبات إلى الأرض ليحدث مثل هذا التضامن على سبيل المثال وعندها يمكن القول بأنّ التضامن الحاصل بين السماء والأرض هو سرّ من أسرار الغيبيّات والكونيّات المهيمنة على كل هذه المنظومة الكونية. ورغم ذلك فإنك ترى في هذه الهيمنة الكونية والربّانية هيمنة سرمدية مقترنة بالوحدانية ومستخلفة للإنسان العالم الذي يمثّل الرقم ذاته والمورثّات العامة الحاملة للخصائص نفسها. وهذا ما يجعلنا نعتقد بأنّ المورثّات المكونّة للإنسان هي مورّثات متغيّرة ومكتسبة لخصائص جديدة ضمن حلقة انحرافات الفعل أو النشاط الجيني والفيزيولوجي القابل لتغيّر الجسم البشري. إذن فإنّ المورثّات الجينيّة المغذيّة للأنسجة البشرية تهيمن على الحركة العصبية المؤدية لتوجيه الفعل.
من هنا نستطيع القول بأنّ المزاج الاجتماعي أقرب إلى التنوع والاختلاف والذوق العام الذي ينشأ بحكم المصادر الموجِّهة لأفعال البشرية وفق منطق الخير والشر. إنّ هذا المنطق الذي يعبّر عن استجابة داخلية لنشاط الفعل البشري ينعكس بصورة جليّة على نمط الفعل البشري الممارس خارجيا من طرف الأفراد والجماعات بعضهم بعضا. مما يدلّ على وجود تشابه بين النشاط الحركي الداخلي والنشاط الحركي الخارجي الذي يؤطّر العلاقات البشرية، ويسبب في بروز خيار حاسم ينبئ بحركة الأنشطة والأفعال البشرية الموجِّهة نحو بناء الإنسان العالم وديمقراطية الفاعلين أو الأفعال والأنشطة الموجِّهة لدكتاتورية الفاعلين.

الهوامش
ـــــــ
[23] ) إمام (عبد الفتاح إمام)، مسيرة الديمقراطية، رؤية فلسفية! مجلة عالم الفكر، المجلد الثاني والعشرون العدد الثاني، أكتوبر- نوفمبر- ديسمبر 1993، ص 10-11.
أنظر للمزيد من التعمق: أحمد محمد سليمان حجازي، النخبة السياسية الحاكمة في الأردن، النخبة الوزارية مثالا، أطروحة دكتوراة غير منشورة، الجامعة التونسية، السنة الجامعية 2004. ص 250.
أنظر للمزيد من التعمق: أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 2000 ص43-53.
لفظان استعملا من قبل الفيلسوف وعالم الاجتماع عبد الوهاب أبو حديبة، من خلال سلسلة محاضرات في علم الاجتماع الأسرة بقسم علم الاجتماع جامعة تونس الأولى سنة 1995-1996. وأثناء تفحصنا للفظين وجدنا أنهما يعودان بالأصل إلى عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركايم E.Durkhiem من خلال مفهومين الشيء والفكرة. وهما مفهومان مركزيان تم تطويرهما في سياق علم اجتماع عربي- مغاربي، للمزيد، أنظر كتاب إميل دوركايم، قواعد المنهج في علم الاجتماع، ترجمة محمود قاسم، وزارة التربية والتعليم، إدارة الثقافة،1961، ص 90.

 

عن: مجلة علوم انساني.