الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الأربعاء: 08/10/2008

الإنسان العالم وديمقراطية الفاعلين
قراءة سوسيولوجية في الشخصية العربية والإسلامية (3/1)

د. أحمد محمد سليمان حجازي

 تهتم المجتمعات المعاصرة بدرجة كبيرة بموضوع الإنسان، هذا الإنسان صاحب التركيبة الاجتماعية والفيزيولوجية المعقدة، والمتميّزة عن سائر المخلوقات الكونية غير المفكرة ، أولا: بالتاريخ العريق المدوّن كتابيا والمنطوق شفويا والممارس حركاتيا. ثانيا: بالتكليف الرباّني أو الاستخلاف الدال على استعمار الأراضين منذ نشأة الكون الأولى. ثالثا: بالميل إلى الانتماء والاجتماع والى التناصر والحماية والتعايش والمشاركة في أنشطة وأفعال سامية؛ تارة تصور على أنها أفعال عقلانية وتارة أخرى تصور على أنها أفعال غير عقلانية. مما يجعل الفضاء الاجتماعي للإنسان فضاء منظما ومرنا دالا على عدم اكتمال حلقة اكتشافه ككتلة من الخلايا الحيّة المتوارثة جيلا بعد جيل. وهو شأن عالي التقنية في وجود وفرة هائلة إن لم نقل شبكة كبيرة من العلاقات الاجتماعية تحكمها قوانين اجتماعية وثقافية رمزية خفية أطّرت الإنسان في المجتمعات العتيقة والمثالية والخالدة والمتقدمة والنامية وأسبغت عليه تجاربها في شتى المواقع القيادية الناجزة مما جعلنا نطلق على هذا الإنسان بالإنسان العالم حيث كان من الأفعال والأنشطة الإنسانية العالمية سببا في بروز أسّ الخلاف الاجتماعي الطبيعي المنحدر من التفاوتات الطبقية الممارسة اراديا وقهريا وقدريا طبقا للنسيج الاجتماعي العالمي المتميز بنفسه. وهذا يجعلنا نتحرى دلالة الإنسان العالم ضمن حدود التنشئة الاجتماعية معرجين على مقولة «الديمقراطية الأم» بهدف فهم العلاقة الموزعة للأدوار الاجتماعية المترجمة لهامش من الحرية والاستقلالية للإنسان العالم في زمانه وصاحب فعله وقراره إما باستخدام الطاقة الكامنة في جسده باتجاه البروز والتميز والذكر الحسن أو البروز والذكر المحط، وهذا ما يمكن أن نسمّيه بدرجة تفعيل خيارات الإنسان العالم نحو الأفعال الصادرة عنه، ليؤسس مرجعيته وديمقراطيته وعالميته وهذا ما نطلق عليه بديمقراطية الفاعلين. وهو موضوع بحثنا في هذه الدراسة.
ولنتساءل ما المقصود بالإنسان العالم ؟ وكيف يمكن أن نقرأ ونفهم مقالة الإنسان العالم الديمقراطي الفاعل الناجح في العالم عموما و بشكل خاص في العالمين العربي والاسلامي مقابل فشل هذين الأخيرين في بناء ديمقراطية الفاعلين أو التخطيط لوجود استراتيجية محكمة للفاعلين بشكل علني لا خزي فيه ولا عار، تكون قادرة على تحطيم الخلفيات الماورائية المعوقة لبنائها كمشروع حضاري متقدم وليس مجرد فقاعة أو تقليعة جديدة تذهب مع كل موجة يركبها تيار من التيارات العربية والإسلامية التي تطلبها ولا تكون سببا في صناعتها إلا بقدر؟
تثير هذه التساؤلات جملة من المقولات المعرفية من قبيل الحديث عن الإنسان العالم باعتبار:
1- تاريخيته كجزء من النسيج العلاقاتي البشري الكوكبي.
2- استراتيجيته كمالك الشخصية القاعدية المركزية.
3-تقمصه دور البطولة كصانع للمجد والحضارة ومورثها.
4-نزعته المتجهة نحو ثنائية السلطوية والوحدوية معا.
5-عقله الاجتماعي الراجح ذو الرأي الرشيد والمتين.
سنحاول في مستوى أول أن نفهم المقولات المعرفية المتعلقة بالمعاني السامية لمفهومي الإنسان العالم وديمقراطية الفاعلين في البنية الثقافية العربية. ومن ثمّ في مستوى ثان نحاول سبر أغوار ظاهرة ديمقراطية الفاعلين باعتبارها ظاهرة اجتماعية محرّضة على التغيير الاجتماعي و مثقلة بمعوّقاته وتكلساته وذلك من منظور علم الاجتماع الفهم. أولا: مفهوم الإنسان العالم.
أ- الدلالة الرمزية للشخصية النمطية العربية والاسلامية:

نعني بالإنسان العالم ما نتحراه من جملة الأنشطة والأفعال والسلوكيات الدالة على خُبِره الاجتماعي الموروث والمكتسب بالطبيعة، بما يشير إلى التعريف والتأريخ لقيادته، بجعلها عادة اجتماعية مكتسبة عالمية. والإنسان العالم هو بحكم المفهوم الذي يحتمل النقاش؛ فمن منطلق المفهوم الإسلامي للإنسان العالم هو خليفة الله على الأرض وأمين على العبادة الخالصة والتامة والشاملة؛ بمعنى الانصراف إلى اعتبار الإنسان العالم كركن من اركان الكون المشارك في بعديه الاعماري المادي للجنس البشري والروحي الملازم لصبغة التواصل أو الانقطاع الذي لا يملك فيه الإنسان العالم عملية ضبط أو تقنين حدوث الفعل إنما هو إنسان عالم ممثل بارع للفعل ذاته . ويمكن أن نجد مثلا على ذلك اقرار العلم والدين بحدوث ظاهرة الطوفان العالمية التي تؤمن بها الديانات الثلاث حيث تدخلت العناية الهية لأنقاذ الجنس البشري من الانقطاع .
وبهذه الصورة فان عقيدة المسلم جزء من عقيدة الكون التي طالما كرست حالة الخلاف المتواصل بين الشعوب والدول والمجتمعات والأقوام حيث يلعب الإنسان العالم دور الممثل البارع في الانتقال من عقيدة إلى أخرى عن طريق تبدل الفهم والاختيار والاكراه ...الخ بما يشير إلى القيمة الإنسانية التي تحكم عملية التواصل والانقطاع. ولا أطيل إن قلت أن مفهوم الإنسان العالم يقصد منه ايجاد صيغة معرفية تمكننا من تفسير ظاهرة اجتماعية محددة بعينها تلخص لنا المقاصد الحقيقية لأنشطة الفئات الاجتماعية المتباينة الأكثر بروزا في التراتبية الاجتماعية والتي تعنون وتفصّل وتغطّي القطاع العريض من شرائح المجتمع من قبيل البطل الحالي أو التاريخي الأسطوري أو النجم الساطع أو الرمز الشامخ أو القائد الملهم أو الأديب المشهور أو العالم البحر أو العدو الظافر أو الجندي المجهول أو العامل المحتقر أو النجيب الفقير أو الأغلبية الصامتة أو حاشية السلطان أو نخب الدولة أو زلم الوزير أو صعاليك الأحياء أو الأم قلب الأمومة أو الأب باب الرعونة ......الخ.إن كل هذه النماذج المجتمعية المتنوّعة تلخص درجة التخصص لدى الكائن البشري أو الإنسان.
بداية، إنّ كل ما يصدر عن هذا الإنسان من فعل أو قول أو أثر ما؛ هو في إطار التعبير عن شخصية الانسان المجهولة بالنسبة له وللآخرين المحيطين به والبعيدين عنه، باعتبار أن الشخصية هاته أو تلك علامة فارقة بين الأجناس. ويبدو لنا أن ذلك أحد تصوراتنا الأولى عن تشكل منطق الإنسان العالم. فالأسماء والمسميات المبتكرة لوصف الإنسان وكل أشكال البطولات والملحميات والثورات رسمت صورة جمالية معبّرة عن خيال واسع فجرّ المضامين المقتبسة من الحياة الاجتماعية لتعكس قوالب تعارفية دالة، وذات معنى لوضع ما في زمن ما، إذ بمجرد أن دُبّ في الإنسان الروح وهبته الحياة اسما فصار عالما. فالإنسان العالم ما ارتبط بالتميز والخصوصية. وما دام لكل واحد من بني البشر خصوصية فهو إنسان عالم بالسليقة، تعزز بالخبرة وتصقل بالموهبة وتربي نفسه في الواقع المعيش.
ولعلّ الأمثلة الشائعة في العالم اليوم هي: ظاهرة الشخصنة أو تقليد الأسماء ومحاكاتها ولنقل تشابه الأسماء وتداولها كقيمة حضارية، إذ يتم من خلالها تحديد موقع الأفراد ضمن درجة الرقي الحضاري والرفاه الاجتماعي. وغالبا المجتمع العربي والإسلامي يجتهد في الاقتداء بالنموذج الشخص أوالبطل إلى درجة المحاولة في تجليل الشخصية القاعدية Foundation Personality أو نفيها (بمفهوم رالف لينتونٌ R.Linton ) للإنسان العالم نفسه أو مساوية لها كشخصية إنسان عالم جديد، خالقا بذلك فجوة مجتمعية تاريخية، في مسار التطور المزعوم، في زمان ومكان معينين، لما في ذلك من التشابه والتَكرار، للتجارب التي تكبح جماح الحريَّات، أو تؤخر درجة الإبداع والتجديد والاكتشاف للعصر والبيئة؛ إن لم نقل النظام الاجتماعي المحيط به والمتفاعل معه. وفي تصورنا هذا يرجعنا إلى الهابيتوس habitus المفهوم المركزي الذي تحدث عنه عالم الاجتماع الفرنسي بير بورديوPierre Bourdieu في محاولة تفسير الأبعاد والوضعيات الاجتماعية التي يمارسها الفاعلون الاجتماعيون في فضائهم الاجتماعي. فالهابيتوس كما يعرفه بأنه «تهيؤ عام يولد تصورات خاصة قابلة للتطبيق في ميادين مختلفة من الفكر والعمل»[1]، «وهذا المفهوم يعني مجموعة الاستعدادات المكتسبة ورواشم الإدراك، والتقويم والفعل التي طبعها المحيط الاجتماعي في لحظة محددة وموقع خاص»[2]
فسوسيولوجية الهابيتوس أوالإستبطان والشخصنة المتصورة أو البطل الأسطوري (الخالد) أو الإشكالي بتعبير جورج لوكاش المبنية على تهيؤات واستعدادات الفاعلين المكتسبة بالممارسة الخاصة والتجربة الموضوعية هو من بين الأمثلة التي تقدم للإنسان بصفة عامة والإنسان العربي والمسلم بصفة خاصة الاستراتيجية المفقودة والغائبة عن المعيش الاجتماعي، والمتمثلة بتكوين الإطارات الثقات للنضال الاجتماعي، والمؤطرة لواقعه. فالانسان العربي المسلم يبنى على التراكم انطلاقا من نسج علاقات مع فضائه الاجتماعي الطبيعي الذي يبني عليها مقاومته التي تكون في الغالب على المزايا الشكلية أو الرواية الشفهية غير الممزوجة بالطروحات العقلية والفكرية والعلمية الرادعة له عبر الزمن ولذلك أخل هذا الأمر بطبيعة الأجيال التي تواكلت على نماذج البطولات السابقة دون أن تنشط لبناء نموذجها التي ترغب أن تصنعه، فصناعة الإنسان العالم المسلم استكمال المتهيأ وجدولة الإلتزام به ومن ثم الاصرار عليه. فالإنسان العالم المسلم مبادر في صنع الذات العالمة والمبدعة الناطقة بوجوده وتاريخيته، فهو مخلوق دولة ليس بالنمطي أو الكائن العفوي أو الثانوي بل هو الكائن المحوري المبادر والمحرك للتاريخ وصانع المجد والحضارة، أي أنّه لا ينتظر فرصة النهل من الواقع الاجتماعي ليقدم له فرصة التغيير الاجتماعي والنهوض بالأمة، ولو كان ذلك ما تحمله لنا الأسماء البطولية لنكنى بها، دون العلم بمقاصدها الفعلية والحقيقية. فالبطولة نمط معيشي إنساني يمتد إلى قرون خلت، فهي نمط قادر على جعل الكائن الاجتماعي أسطورة بفعل التطور التاريخي الذي لا مناص للإنسان من السير فيه بوصفه قوة إنسانية[3] وليست «عبثية ضالة»[4] كما عبر عنها ليفي ستروس بأن البطولة «تحمل معنى الشر، الشر الكامن في انتباذ حالة الطبيعة – هذه الحالة التي تعني وجود اتساق بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان وبيئته الفيزيائية»[5]. نعم هناك اتساق بين الإنسان والإنسان وتفاعل كبير في ما بينهما مما يجعل من الإنسان إن لم نقل متسولا أو عالة اجتماعية أو عملا منجزا مُحْتَكرا لطبيعة الشخص، بل إنه في شتى الأحوال يقوم بعملية سجن الكائن الاجتماعي في عقله الاجتماعي وزيه ونحلته وأقواله وأفعاله ليصبح إنسانا مستنسخا ومبرمجا عن البنية النمطية المليئة بالبلادة والعادة الواحدة والوحيدة في الحياة الاجتماعية، ولكن تركيبته الوراثية معدلة أو تبقى محل نظر. فالبطولة تأخذ شكل الإنسان الفارس الشجاع والشهم والهُمام الساعي إلى تغيير العالم إلى الأفضل كبطولة صلاح الدين والسلطان قطز والظاهر بيبرس و نور الدين زنكي والقائد خالد بن الوليد وجنكيز خان والقائد بسمارك والقائد نابليون والقائد هتلر والرئيس جمال عبد الناصر وهي أسماء اختصّت بالانجازات العملية الميدانية، أي أنها أسماء معركة أو حرب أو انتصارات فاقت المعقولية المتاحة في عصرها وزمنها، كما أنها أسماء تقمصت لغة الخشونة والتوحش وأصناف التغلبات وصار الاسم كجزء من الحرب؛ حامله ممثل له في حلوه ومرّه في شتى بقاع الدنيا، باعتبار أن الاسم مفتاح للتفاؤل وليس معيارا للتشاؤم ما لم تنحرف الكنية عن مسلكها . فهي بنظر الآباء المكنين المرآة التي تعكس صورة الفرد مستقبلا. وكم نموذجا بطوليا صار نبيا بالانتساب إليه بالاسم أو الكنية، وكم اسما نجح في تَكرار أنشطة المنتسبين له إلى غير ذلك، لكن تبقى هذه المُسمَّيات ناجعة في إطار الذاكرة الاجتماعية.
فيشير صاحب موسوعة الفلكلور الفلسطيني نمر سرحان في استجوابه لبعض اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اربد بالأردن عن سبب تسميته نمر فقال «نمر صالح الصوفي» (من دير نظام- رام الله): «قال الوالد رحمه الله بأنه كان ينجب الأطفال فلا يعيشون وأخيرا نصحه الناس بأن يسمي الأبناء على أسماء الوحوش الكاسرة فسمى: نمر، ذيب، ذياب، أما أنا – فكما ترى فقد سميت أبنائي: فهد، فهيد»[6] . فإن ما يمكن أن يلاحظ في هذا السياق هو إزالة التعقيد الاسمي والحياتي المعيشي من المجتمع المحلي وفي الآن ذاته إضفاء طابع التجانس على المجتمع الذي ليس بحاجة إلى القيام بدور البطولة في تواجد أناس متشابهون من حيث الشخصية بل من حيث تقمص الأدوار بفلسطين لكن المحاولة في تكريس حالة الانتماء والانتساب التي عادة ما تكون قوية . وهذا الأمر هو الذي يثير التناقضات المجتمعية في تغير الأسماء إلى كنيات وبلفظ الفلسطينيين يصبح الاسم المتشابه مثل محمد عبد الله أحمد مقموع وغير محترم ولا يثير القيمة الاجتماعية المرجوة كالقيام بدور البطولة بل تصبح الكنية الشرعية المكتسبة هي من تثير القوة الجديدة وتعكس شخصية جديدة من الواقع الاجتماعي مثل لفظ أبو الطواقي لأن محمد لبس الطقية (القبعة)، القصير والطويل والأعرج والأعور والأعمى[7] بسبب تغير البنية الجسمية للشخص لتجعل منه سخرية للناس أو رجلا أخرقا ولقبا بسيطا متجاوزا هوية الشخص القاعدية. وهذا التناقض في الشخصيات أيضا يُحدِث نوعا من عدم النهوض بالواقع إلى درجة تعييم المجتمع المحلِّي نحو فكرة المجتمع المريض العاجز لما فيه من إيذاء للآخرين وانعكاس ذلك على الشخص وحالة التقدم في الآن ذاته. وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن وجود مثل هذه المُسمَّيات نفي لنمط التقدم والرقي الحضاري. فالمجتمع الفلسطيني على سبيل المثال أنتج فاعلين اجتماعيين قدموا خدمات إنسانية جليلة رغم النكبة التي حَلَّت سنة 1948، وهم ليسوا بالخرقاء والبلهاء بل انتلجنسيا نيرة واستطاعت أن تقدم دور البطولة المجتمعية من خلال جبهة النضال ومن رحم أهلها دون مبالغة أو كبرياء أو غرور فاضح.
وبالرغم من ذلك كما يشير ميشيل زيرافا إلى أن «فكرة التقدم الاجتماعي تنطوي عند البطل الستندالي [المتعالي] على إشكالية كونية: إنها تنطبق على حياته الخاصة، وسيأتي يوم تتعرض فيه استراتيجيته في التقدم الاجتماعي لتدمير فعلي تتسبب به عواقب استراتيجية في اقتفاء العاطفة الخاصة. تكون النتيجة أن البطل في «الطموح البونابرتي» أسطورة زائفة، يرى كل الصواب في أسطورة طموحاته العاطفية ذاتها، الأسطورة الثانية تنبثق من داخله على الأقل، بينما يبدو الطموح بالمعنى العادي عبثيا ولا طائل وراءه في عالم يشهد إعادة تأسيس التقاليد «الرجعية». حركة الإحياء التي عبّد نابليون طريقها جعلت الطموح مستحيلا على بونابرتات العالم» [8] . وبطبيعة الحال نموذج أسماء الأبطال ومسميات الأشخاص بها تُكرِّس في الغالب ظاهرة التقليد الأعمى غير المجدي لأمة عربية إسلامية تحتاج إلى تأطير أبنائها المعاني السامية ومحاربة الجهل المدقع في الأخذ بالظاهر وليس تقويمه لجعل الاسم منطلقا للتغيير والتجديد والتطور وأخذ العبرة الاجتماعية.
والعبرة الاجتماعية هي تجسيد حقيقي للهُوية العربية والإسلامية لكل من يُكَّنَى باسم محمد أو عبد الله أو عبد الرحمان أو أحمد أو عليا باعتبارها من الأسماء الشهيرة• في العالم العربي والإسلامي، وباتت علامة دامغة للهُوية العربية والإسلامية. فهي تقدم معنى التميز الاجتماعي والخصوصية الذاتية بمعزل عن المحاكاة للعالم الأعجمي عند اتخاذ العرب والمسلمين أسماء جديدة لا تمت للواقع والهُوية الوطنية والعربية والإسلامية بصلة كالتي تندرج تحت عبارة الموضة الشبابية مثل اسم نيفين وجورج وباسكال ونانسي وماري وروزا ولورا... إلى غير ذلك. وهذا لا يعني أن الأسماء العربية لم تدخل العالم الأعجمي مثل ناديا صابرينا إما بطريق العمل والهجرة أو الزواج أو بأتباع الديانة الإسلامية مثل محمد علي كلاي ويوسف إسلام ومالك عبد العزيز وغيره. وهذا يبرهن من جانب كبير من أن تغير منظومة الاسم العربي والاسلامي هو اذعان بالعمل على درجة الاقتراب من المجتمعات الكوكبية للقيام بدور جديد في المجتمع العربي والإسلامي، وهو أمر يوضح عظم دور المجتمع في القيادة الاجتماعية المشجع للسلطة الحاكمة ومعاونيها للشروع بالتغيير الاجتماعي والسياسي طواعية ودون ممارسة سلطة الاكراه بالعنف المشروع. وفي كل الأحوال السلطة تطمئن للشعب والشعب يبقى غير مطمئن للسلطة لإعتقاد الكثيرين أن دورا جديدا قد حلَّ بطرق العرف الاجتماعي أو وفق نمط العادة الجارية. ثمَّ أنه لم يشمل جلُّ الفئات الاجتماعية المتعايشة في المجتمع أو الاقليم أو الوطن الكبير أو الامة جمعاء بل نموذج لعائلات أو أقليات مضطهدة من العرف الاجتماعي ذاته كثنائية (المسلم والمسيحي أو السني و الشيعي أو العربي والكردي أو الأبيض والاسود أو العائلة الشريفة والشعبية على سبيل المثال) . فالعرف الاجتماعي يملك فرصة انحطاط الامم والنهوض بها إلا أنه لم يستغل إلا من طرف السلطة الحاكمة وليس الشعب بسبب قلة الخبرة في وجود برنامج عمل للمقاومة من أجل الشروع في التطبيق مما يولد حالة من اليأس والاحباط، فضلا على أن السلطة تجد ضالتها بالفئة المتمردة المتحالفة مع مصالحها لكي يبقى التغيير الاجتماعي ممهد ودائم ما لم تَتَوَسَع وتُتَبَع.
كما أنّ هناك أسماء تقدم رؤية للإنسان العالم المتديّن والتقي الورع بحيث كل من يحمل هذا الاسم إنما يمثل درجة التقوى (الذي كان عليه أجداده) أو الأمنية (التي كان يفضل أي ِشخص أن يكون عليها لو أتيح له أن يكون كذلك الشخص) أو المتدين ذاته (وهي صورة مصغرة للحسد عند بعض الأفراد في دفع الأسماء المشوهة والمنفّرة والقبيحة وغير الحضارية في كثير من الأحايين ممن تثير فيهم درجة الاقتراب من سلطة القرار) أو المكانة الاجتماعية المكتسبة حديثا (وهي الرفعة) أو وجود شائبة في الاسم إلى غير ذلك. يقول صاحب موسوعة الفلكلور الفلسطيني نمر سرحان:«تعكس بعض الأسماء ذات الصفة الدينية فكرة مؤداها أن الولد هو عطية من الله، مثل عطية، عطا لله، جودة، جاد لله، عوطله (عوض من الله).ويؤكد ذلك ما تقوله المرأة في الزغونية: ما أحلى ما عطانا الرب جحش أخظر عليه أقرب[9]. أما في الدين المسيحي «يذكر القس أسعد منصور في كتابه تاريخ الناصرة أن العادة في التسمية عند المسيحيين هي أن يأتي الخوري في اليوم الثالث لولادة المولود فيسميه باسم نبي أو قديس، وهكذا يعرف دين الشخص من أسمه»[10]. ومن أكثر الأسماء شيوعا عند مسيحيي فلسطين هي: الياس وجورج وعيسى وحنا وحنة ومريم[11]. وفي بعض الأحايين تثير الأسماء الدينية حالة من الارتياح ويسود التفاؤل بعض الأفراد ليتقمصوا دور هذا الشيخ ورجل الدين أو ذلك القديس ليحمل اسمه، وبالتالي يغلب علي الاسم درجة عالية وكبيرة من حيث فرض السلطة الرمزية الذي يمارسها هذا الاسم على الأفراد وكأنه بذلك ينقل الأفراد من حالة المدنس إلى حالة المقدس مما يعني عملية طرد الشياطين والأرواح الشريرة أو تهذيب سلوكها يقول في هذا الصدد روبرتو ميشال: «مسيحيو الأيام السالفة يعطون المواليد أسماء كبار مؤسس الديانة الجديدة، كالقديس بطرس، والقديس بولس، كذلك يعطي الأهالي الاشتراكيون اليوم أطفالهم أسماء لاسالو Lassallo( نسبة إلى لاسال) وماركسيو(نسبة إلى ماركس)»[12]. وهناك أسماء أخرى ارتبطت بحالة مفعمة بالعاطفة الجياشة المفعمة بدرجة كبيرة من الكبرياء والأنفة والروح المدغدغة للشعور حيال النطق بها أو سماعها ، ومن الأمثلة الضاربة بالقدم حب عنترة بن شداد لعبلة ومجنون ليلى وكثيّر عزة وروميو وجوليات وغيرهم.
ب ـ تبلور شخصية الإنسان العالم في الحقل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي:
عند رجوعنا إلى تاريخية التنضيد الاجتماعي لدى الفاعلين النخبويين المسلمين من خلال كتب الطبقات والسير وجدنا أن وصفهم للمجموعات الاجتماعية الفاعلة لما يطلقون عليه بـ «الطبقة» من منطلق التفسير الاجتماعي للفاعلين النخبويين في مجتمعهم، بمعنى قيمة المشاركة للفاعل الاجتماعي من حيث متغيّر النفوذ (المنصب الاجتماعي والسياسي) والمهنة والتعليم والثروة بالإضافة إلى الفئات المنبوذة أو المحتقرة مجتمعيا، وهي بالنسبة لتفسيرات علم الاجتماع الفهم التنضيدات الواقية للمجتمع من الانهيار والتلاشي بل ضرورة ملحة لتدارك مفهوم الحراك الاجتماعي بين الأجيال والدول والحضارات. ومن ثم بناء أسمى قيمة اجتماعية في هذا الكون هو الإنسان العالم.
فبإطلاعنا على مقاصد المقريزي الوصفية للطبقة تراه يتحدث عن هذا الخليط الاجتماعي الكبير من الفاعلين المجتمعيين وحصرهم بسبع طبقات بقوله: «أهل الدولة من الحكام، وأهل اليسار من التجار، وأولوا النعمة من ذوي الرفاهية والباعة من التجار والسوقة، ثم أهل الفلح ثم الفقراء، ثم أرباب الصنائع والمهن، وأخيرا ذوي الحاجة والمسكنة»[13]. أما بخصوص إخوان الصفا فجاء تنضيدهم الاجتماعي من منظور وصف شرائح الناس وأصناف طبقاتهم وذكر العامة بخير• دون ترتيب وإعلان أولوية الرتبة بعكس المقريزي الذي رتّب المجتمع حسب درجة (الغنى والفقر) بقول إخوان الصفا: «منهم أرباب الصنائع والحرف والعمارات والأملاك ومنهم الملوك والسلاطين والأجناد وأرباب السياسات، ومنهم المتصرفون والخدامون والمتعيشون يوما بيوم، ومنهم الزمني والعطل وأهل البطالة والفراغ، ومنهم أهل العلم والدين»[14].
والواقع أن وصف إخوان الصفا للطبقة جاء تعزيزا للوصف الاجتماعي التقليدي ذاته، ومن منطلق الثقافة العالمة وقتها، وليس ضعفا في إدراك طبيعة الخلط المفاهيمي الذي يركز على التفسير الاجتماعي المقنن والمضبوط لغويا، في حين يمثل وصف الطبيعة الإنسانية بلغة صريحة وغير مقننة مثل ما يعرف اليوم في علم الاجتماع؛ إنما هو جاء ليعزز الحركة الثقافية أو إن جاز لنا التعبير بالحمّى الوطنية الناشطة فكريا وعقائديا عند العرب والمسلمين من أجل تأريخ للذاكرة الجماعية، وبناء ترسانة موسوعية من العلماء والمثقفين في حقل النخبة النيرة وقتها. وهو في الحقيقة بناء متصاعد للإٌنسان العالم المتميّز معرفيا واجتماعيا وهذا فضل كبير للمعرفة الإنسانية وانتصار لها على تغولات الجهل في ظل مجد الحضارة الإسلامية.
ولذلك نجد من يتهكم ويسخر أو يستنهض مروءة الإنسان العالم- الدوني (نستعمل هذا التعبير كناقص معرفة أو خبرة في ميادين مغايرة لإختصاصه) والأقل حظا في مجتمعه ولم يؤت نصيبا من العلم مثل قول ابن الخطيب «أوباش أسواق وحمقى ما لهم من خلاق»[15] أو قول الطرطوسي «الفسق والدعارة والنهب واللصوصية» ويرى موت ألف من العليا أقل ضررا من ارتفاع واحد من السفلة[16].
ولقد جاء في سياق حديث المتكلمين من أبناء المجتمع العربي والإسلامي أن تقييم أنشطة الإنسان العالم في مجتمعه تجلّت في مواقف كثيرة فتارة يستقوى به وتارة أخرى يقع في دائرة الذم والحوب (الاثم) والعبء المجتمعي. ففي كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه ما جاء على لسان الخليل بن أحمد بقوله: «الرجال أربعة: فرجل يدري ويدري أنه يدري ، فذلك عالم فسلوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك الناس فذكروه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري ، فذلك الجاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك الأحمق فارفضوه»[17] . وذكر مطرِّف بن عبد الله الشِّخِّير: «الناس ثلاثة: ناس ونسناس وناس غمسو في ماء الناس»[18] وقال علي بن أبي طالبy: «الناس ثلاثة: عالم رباني ، ومتعلِّم على سبيل نجاة، ورَعَاع هَمَج يميلون مع كل ريح»[19]. ونرفق حديث المصطفى سيدنا محمد r بقوله «كن عالما أو متعلما ولا تكن الثالثة فتهلك»[20].
أما في عالمنا المعاصر فترى ألفاظ كثيرة تفسّر لنا ظهور حركة مُشْرعة لأنشطة عربية وإسلامية عالمية تجسّد مقولة الحركة الثقافية العالمية الممحورة حول الإنسان العالم العربي والاسلاموي سواء كانت صادرة من أطراف داخلية داخلية (فئة مع فئة أو النظام السياسي والشعب) وعربية عربية (نظام مع نظام أم نظام مع حركة وقبيلة و أقلية....) أم من أطراف عربية دولية (دولة مع دولة أو منظمة أو حركة...) أم نظام دولي مع دولة أعجمية خالصة (هيئة دبلوماسية دولية مع دولة أعجمية أو حركة أو منظمة أو أقلية....)، حيث سنجد ألفاظا كانت سائدة منذ قرون أو عشريات خلت على شاكلة قُطَّاعُ الطرق والعيارون والشطار[21] والصعاليك والزنادقة والزوافرية[22] (رَعَاع المدن أستخدمهم حزب الدستور الجديد بصورة أكبر حجما بتونس ) والبلطجية والحرمية والفلاقَّة ( المجاهدين في عهد الاستعمار بتونس) ما لبثت أن أصبحت ذات دلالة اجتماعية معيبة بل مقيتة ومحاربة من القمة إلى القاعدة حسب درجة الاقتناع والمصلحة والشرعية العالمة من قبيل الفئات الضالة • (الخطاب الرسمي السعودي) وفئة الزنادقة•• (الخطاب الرسمي الليبي) وشرذمة المجتمع والاخوانجية (الخطاب الرسمي التونسي) والجواسيس والخونة والعملاء في بلاد الشام أو مقولة المخرِّبين (الخطاب الرسمي الإسرائيلي) مقابل لفظ المقاومين، أو لفظ الانتحاريين مقابل لفظ الاستشهاديين (المحايدين/المقاومين). وأيضا ظهور معسكر الخير ومعسكر الشر والخلايا النائمة والدول المارقة (الرئيس الأمريكي بوش الإبن) و أمريكا الشيطان الأكبر (الإمام الخميني) و أمريكا رأس الشيطان (الشيخ أسامة بن لادن) الإرهابيين والمجرمين والحملة الصليبية الجديدة من قبيل مطلوب حيا أو ميتا أو معنا أم ضدنا الحلف المناهض للسلفية الجهادية والإسلام العالمي المعنونة بميراث الحملة الصليبية (الرئيس الأمريكي بوش الإبن) وغير ذلك من مقولات معرفية على شاكلة الروافض والفئات التكفيرية والمرتدين بين العرب المسلمين والشيعة والمرجئة والسلفية الجهادية وكثير من الحركات والفرق التي عرضنا نماذج بسيطة أمام الكمّ الهائل من التنضيدات المجتمعية والدولية المبررة لحركة الفاعلين كل من قناعاته ومعتقداته وتوجهاته وتربصاته التي تلخص حالة "الصراع" والتمزق الاجتماعي الإنساني، باعتبار أنها فقدت أنشطة الترابطات الاجتماعية المجموعاتية المعبأة لبناء الإنسان العالم والقائمة على نهوضه لصالح الصدام المباشر مع أفعال وأنشطة الفاعلين الحقيقيين، مما يلخص حالة الارتباك المفاهيمي والوعي الخاطئ الموجه نحو التنبؤ بانهيار عصر المجموعة الفاعلة وبداية تشكل عصر الفردانية الفاعلة سواء كانت نسبية أم مطلقة فهي تعبر عن أنشطة أفعال وليس أنشطة مجموعات. لإنّ هذا الحكم المفاهيمي المرن بطبيعة الحال لا يخلق الإنسان العالم بل يبقي وضاعته الشكل الحتمي!؟ لما سيأتي مستقبلا. ومعنى ذلك أننا لم نعد نرى الأب والأم والناس وجملة الترابطات بمنطقية الأنشطة الجماعية بل ضمن صورة المجموعة المقزمة لها وهي صور البطل والرمز والمحور والرجل الشجاع والوزير المطلوب والمكان المناسب، بحيث يكون مضمار النشاط البشري غير متعاون أو متفائل بسبب انهيار قيم عمل الجماعة. وهذه هي الطامة الكبرى للإنسان العالم الناشط في الجماعات العريضة في المجتمع.
فإن هذه الأنشطة الاجتماعية المختلفة في الحياة الإنسانية تلخص لنا نمط الفعل الاجتماعي المتعاظم في أطوار كثيرة من مجالات تفاعل الإنسان العالم بعالمه للسيطرة عليه وفهمه، فهو الفضاء الاجتماعي المتاح له للسيطرة عليه ما لم يغلب، والغلبة تجتاح المجتمعات وتروج لثقافتها البديلة هي وثقافة البشرية الغنية بتراثها الحضاري الضخم. فالغلبة الاجتماعية بوصفها سلطة القبيلة القائدة أو الدولة الحاكمة أو خادمة المجتمع أو صانعة الثقافة المحورية من النخبة النيرة هي غلبة حاملة لمشروع الثقافة المعرفية بكل صيغها العلمية المكتشفة على ظهر المعمورة من ايديولوجية واقتصادية وسياسية وفنية وتقنية ودينية هي نمط معيشي مورِّث لقيم اجتماعية ناجزة تعد بغد أفضل وإنسان مكرّم.
لقد استطاع الإنسان العالم النجاح في بناء ثقافة اجتماعية غنية بالعناصر القيمية والأخلاقية السامية المساهمة في اندماجه وتكيّفه مع فضائه الاجتماعي بصورة مثيرة للغاية فكأنما هذه الثقافة عبارة عن طاقة إنسانية كامنة في أعماق التاريخ الإنساني تتفجّر بين لحظة وأخرى، وهي موصولة بخطوط وهمية لا تحتاج إلى مجهر كي تُرى لكنها طاقة ثقافية مدركة في الضمير الجمعي ومحسوسة. تعمد هذه الطاقة الثقافية على إعادة إنتاج الأدمغة البشرية بطرق ذكية، وسهلة للذوق العام سرعان ما تجري في الإنسان العالم مجرى الدم لتتحول إلى منظومة جديدة من القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع محدثة حالة من الصراع بين الفئات الاجتماعية في مكان وزمان معينين. وهذا ما يمكن أن نسميه في علم الاجتماع بالجذور الوفية للتغيّر الاجتماعي. ومثل ذلك كمن يشاهد فلما أو مسرحا أو معركة يلاحظ عن قرب الطاقة الثقافية والمالية المنفقة والمبذولة «لغزو» الإنسان العالم في عقر داره بحيث يتقبل برحابة الصدر نمطه الاجتماعي المفروض عليه بإرادته وإرادة الجميع مما يعني تفكّك بنائه الاجتماعي أو تآكله لصالح بناء اجتماعي جديد متحلل من القاعدة الصلبة التي جبل عليها ما لم يقاومها بالغلبة المعرفية أو منتج لثقافة متفوقة عليه بالقيمة السامية. فلو رجعنا إلى المثال السابق لوجدنا أن الإنسان العالم كل في مجتمعه تكون علاقته بوسائل الاتصال الحديثة من حيث وقعها عليه إما نحو التعلق بهواجس الفلم أو سخرية الممثل البارع على خشبة المسرح وهو يشتمنا أو يضحكنا رغم قهرنا وحرماننا من أمور كثيرة في طليعتها سلبه قلبنا الذي يكفي أن يتعاطف معنا من هو قريب منا بأن يهدينا إياه دون مشقة في التعامل مع ما أجود وأفضل عنده ليكون الأخ الحبيب والصديق والزميل الشجاع الأشجع. أو لك أن تتخيل حضورك في معركة وأنت تعلم تمام العلم أنك خاسر أو رابح فيها فانك في ذلك تترك نصيبا من الألم نحوك أو تجاه غيرك. ثم انظر بعد تلك الأحداث ستجد صورة مشبعة لتاريخية إنسانية يجهد فيه الإنسان العالم المنخرط في كل بنية اجتماعية نحو تكديس الرؤى والتأويلات والمواقف القيمية والأخلاقية بكل أشكالها وانسياباتها المعبّرة عن التخوفات والرَّهاب النفسي الاجتماعي للدلالة على السجال الكبير بين الفرد ومجتمعه الذي يحلل المعطيات وفق درجة المتعة أو نشوة الانتصار أو درجة الشموخ والهيمنة. وكأن حالة الكبرياء تؤثر على الأفراد و المجموعات الإنسانية عند اكتمال الشعور بالاهتزاز البنيوي لا بالابتزاز الأخلاقي والقيمي المستمر. فهو يعني قبول تام وعام ولا مجال للخصوصية فيه ما لم يتحرر الإنسان العالم من جهله وينشد الخصوصية و يقبل بالتراتبية المجتمعية والمنطقية والدور والمسؤولية لكل واحد على حدة. ومن ثم الوقوف على الانتظارات المجتمعية ومن المنصب الاجتماعي ذاته، عندها يتم تفجير مقولة النزعة الاجتماعية التي تحكم أفراد المجتمع.
وبناء على ذلك، إن ما نستطيع أن نفهمه هو وجود نزعة تحكم أفراد المجتمع، هذه النزعة تحدد بدقة ضمير الإنسان العالم كضمير جمعي وفق المفهوم الدوركايمي عالم الاجتماع الفرنسي، فالضمير الجمعي يبرز كوسيط قانوني بين الفرد والمجتمع يؤدي دوره كقوى زجرية عقلانية، ويعمل على تقسيم أدوار المجتمع والتهديد بالعقاب في علاج الاختلالات المجتمعية. ومن هنا نستطيع القول أن المجتمع يقمع نفسه ذاتيا وطوعيا وليس قهريا دائما.