الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الاربعاء: 14/05/2008

 

الوحي وحركة التاريخ
قراءة ابستمولوجية

د.صلاح الجابري(*)
(خاص للمعهد)

ابتداء أود تحديد المفاهيم، فما المقصود بالوحي هنا، المعنى الميتافيزيقي، أم المعنى الفيزيقي؟ فكثيرا ما استخدم مفهوم الوحي في الفكر الإسلامي الكلاسيكي بمعناه الغيبي، وهو معنى يشكل بعدا وجوديا بعيدا بمسافة كبيرة عن البعد الاجتماعي ـ الفيزيقي. وقد دارت نقاشات وجدالات حول هذا المفهوم أو الفهم العام للوحي الذي يؤطر العقلية العربية، وهو أن الوحي غيبا، أو كيانا ملائكيا ناقلا للمعلومات من السماء إلى الأرض، وربما أطنبت الكتابات العديدة حول شكل الوحي أي الملك جبرائيل وحجمه وعدد أجنحته وشكله الذي يتجسد به للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي خضم هذا الموج الجدلي بين الشكل والحجم والطبيعة وبين الكلام الإلهي هل هو محدث أم قديم ضاع البعد الاجتماعي، الميدان الاختباري، والفيزيقا الاجتماعية التي حركت التاريخ بالفعل سابقا، أو يمكن أن تحركه حاضرا ومستقبلا. إننا هنا نريد إذن أن نحيِّد البعد الغيبي مؤقتا؛ لأنه لا يتصل بموضوعنا مباشرة، على الرغم من أنه يفترضه كمسلمة لا تحتاج إلى مزيد من الجدل أو النقاش، لأن الجدل في الأسس الغيبية للعملية الاجتماعية، إذا نظرنا إلى الإسلام كتحول اجتماعي عام في التاريخ، عقيم من الناحية المنطقية والعلمية.
والغريب إن بعض الكتاب راح يلتمس أساسا فكريا للوحي داخل الثقافة العربية قبل الإسلام، لإضفاء طابع عقلاني على الوحي يجعله مرتبطا بنسيج الثقافة السائدة في الجزيرة العربية. ووجد هذا الأساس في الوصف الشعري والأدبي لعالم التواصل بين الجن والبشر(1). وعلى الرغم من أن هذا الأمر معقول إلى حد ما، إلا أنه ليس ضروريا إلا إذا أردنا أن نفهم التاريخ على ٍأساس خطي وهو فهم قاصر في معظم الأحيان؛ إذ يولد العجز عن فهم التحولات النوعية في التاريخ.
إذن كيف نريد أن ننظر إلى الوحي هنا، وماذا علينا أن نكتشف فيه، ما الأواليات الخفية التي بحاجة إلى كشف وسيطرة يمكنان من تفعيل الوحي في التاريخ مرة أخرى في الجغرافية العربية على الأقل، إن لم نرغب في مد أطماعنا العروبية إلى الرقعة الكلاسيكية برمتها؟ كيف يمكن أن يتحول الوحي إلى محرك للتاريخ؟
باختصار إن ما أعنيه بالوحي هنا هو البعد الابستمولوجي للعلمية التغييرية، والابستمولوجي لا يعني المعرفي العام الذي يضم بين طياته شبح الأسطورة والخرافة، أو الذي قد يقذف بنا دون إرادتنا في أجواء الأحلام الأسطورية التي لا تستند إلى تحليل الواقع وصياغة فهم جديد للوحي من خلاله. والفهم الابستمولوجي فهم وقائي، فالابستمولوجيا ليست معرفة فقط، بل معرفة علمية عقلانية، معرفة تستند إلى النظرية، هي مضمون وعي محمَّل بواقع نظري ملتزم بشروط الواقعية، وفي ذلك كله وقاية من انزلاقات المعرفة العامة من غير تحديد.
كيف يمكن أن نعلِّم الوحي، وكلمة ((نعلِّم)) هنا ليس المقصود بها المعنى العام، أي ليس اشتقاقا من التعليم الذي يفترض أن نتحول إلى معلمين أو وعاظ، وإنما من العلم، تحويل المعرفة إلى علم، وبالتالي فالعلم هو الشيء الوحيد القابل للتعلُّم، فالتعليم نتيجة وليس مقدمة، إذا كان هناك علم فهو قابل للتعلم، أي نقله إلى الآخر، ويمكن أن تتعلمه العقول.
إذن الوحي الذي نقصده منظومة معرفية وأخلاقية لها أصول ومآلات، تبحث عن قابل ملائم لها، وهذا القابل هو الإنسان. والمنظومة المعرفية تنطوي بالضرورة على رؤية كونية، أو إطار فلسفي، لكن هذه الناحية قد صودرت فقهيا مبكراً عندما اختزل الوحي إلى بعد واحد هو البعد المعياري، وغُيِّب البعد المعرفي والفلسفي ونظر إليه العقل البدوي على أنه بعد ثقيل على الذهنية البسيطة التي تكتفي بالحلول اليومية، لتطمس ما تريد طمسه مما يتعارض مع مصالحها السياسية، حفاظا على الوضع الراهن الذي يؤبد سلطتها على عقول الرعاع. نعم على الرغم من ذلك الطمس فهناك كسر دائم لقيود البداوة (عقال ـ عقل ـ البدوي) الذي يقفز دوما راجعا إلى الخلف خوفا من مواجهة مستقبل يفضح جهله، فكان لا بد من تدجين الوحي لصالح البداوة ليفقد بعده الابستمولوجي والعلمي الذي جُعل له وفق منطق التاريخ الذي يفرض الاستفادة من الجهد العلمي البشري، ووفق منطق الوحي نفسه أيضا الذي شدد على ممارسة التفكير العلمي بكل ما يحيط بالإنسان، وبكل الأسئلة التي يثيرها عقله.
الوحي مصدر هداية، فهو مجموعة من الأوامر والنواهي، أي مصدر هداية وتوجيه وإرشاد. وهذا يعني أنه يقدم معايير سلوكية فردية واجتماعية. لكن هل ينطوي على رؤية كونية ومعرفية؟
إن أية معايير سلوكية ـ أخلاقية لابد أن تبنى على رؤية كونية محددة، وإلا تكون مفتقرة إلى الأساس الذي يبرر وجودها، ومن هنا فالوحي ينطوي بالفعل على رؤية كونية ومعرفية. لكن هذه الرؤية على الرغم من أنها مكتملة كإطار عام للحياة، لكنها غير مكتملة في حد ذاتها، أي في مضمونها وتفصيلاتها الدقيقة. وعدم اكتمالها من هذا الجانب هو الذي يجعلها قابلة للتطور ومفتوحة للتفاعل من الميادين العلمية الأخرى.
والقرآن في المجال المعياري، كأوامر ونواهي، كان مكتملا، ولكن هذا الاكتمال ليس بالمعنى الفعلي، بل بالمعنى الإمكاني، بتعبير آخر إن أي مشكلة مستجدة قابلة للحل في إطار الوحي، بما يملك من قابليات تفرضها الصيغة الشمولية والطبيعة اللغوية والإعجازية التي ينطوي عليها؛ لأنه لم يقدم حلا لجزئيات العصر الذي ظهر فيه فحسب، وإنما قدم رؤى ومناهج للحل قابلة للتجدد على مر الزمان. ولذلك فهو في هذا الجانب قادر على مواكبة التطور الشامل للحياة أيضا.
إذن الوحي كرؤية وكمعيار متطور أيضا، ومعد لمواكبة الارتقاء الحضاري للإنسان إذا كان هذا الارتقاء حدث خارج ميدانه وإطاره الخاص كما هو حاصل اليوم. فعلى الوحي أن يتعامل مع الحضارة الخارجية الراهنة بمستوى يتلاءم مع رقي هذه الحضارة ووعي إنسانها، وهذا يستدعي من الإنسان الحامل لمنظومة الوحي المعرفية المباشرة والاستدلالية أن يرتقي بوعيه إلى مستوى الحضارة، إلى مستوى الفعل التاريخي، أي، أن يدخل التاريخ أولا من أجل يساهم في صنعه، وألا يبقى خارج التاريخ يفعل دون أن يؤثر ويتكلم دون أن يسمعه، أو يفهمه، أحد. أما الذين يريدون أن يواكبوا الآخر ويتعاملوا معه بعقلية الزمن الذي نزل به الوحي، التزاما منهم بروح الوحي الأصيلة، كما يزعمون أو يتوهمون، فإن أولئك يبقون وسيبقون خارج التاريخ دوما، ولذلك لا يؤثرون إيجابا في الحياة الاجتماعية قيد أنملة، وإنما يشكلون في معظم الأحيان وبالا على المجتمع، كما نشاهد اليوم الترجمة الدقيقة لإفلاسهم المخزي في صورة ممارسات إرهابية يائسة.
لذلك كله فإن الرؤية القرآنية، بمعناها الابستمولوجي، تكتمل وتغتني عن طريق تفاعلها مع العلوم الأخرى، الفلسفية والاجتماعية والطبيعية. فهذه العلوم مستقلة في مناهجها وميادينها، وهي موضوع اهتمام الإنسان ونتاج جهده الفكري على مر العصور، لذلك يتفاعل الوحي مع هذه العلوم بإيجابية تامة، وهو في جوهره المعياري منسجم تماما مع تطور الفكر العلمي مادامت الرؤية التي يقدمها ليست مغلقة على ذاتها وليست مكتملة في تفصيلاتها وكنهها، وإن كانت مكتملة كإطار يوجه العمل الأخلاقي والسلوكي داخل الميادين العلمية الأخرى كما يوجه ميادين الحياة اليومية العامة.
ولما كان الإنسان هو الحامل لمنظومة الوحي المعرفية والمعيارية ولمنظومة العلوم الأخرى أيضا، فمن الطبيعي جدا تصور التفاعل الذي يحدث بين المنظومتين أو بين تلك المنظومات كلها في وعي الإنسان العالِم، وبالتأكيد سيتمخض عن ذلك التفاعل طرح جديد ورؤى جديدة محرِّكة للبنى الاجتماعية وناقلة لها إلى حالة جديدة أكثر رُقِيّاً، وفي هذه الحالة نستطيع أن نعد فعل الإنسان والحدث الذي يصنعه بأنه فعل تاريخي وحدث تاريخي.
متى يحصل الانشقاق والتباعد بين الوحي والعلم؟
عندما يحتكر الإنسان الوحي على شكل سلطة شخصية، ومن أجل أن يحافظ هذا النمط من الإنسان على ديمومة سلطته هذه، يجعل من الوحي منظومة مغلقة مكتفية بذاتها، غير قابلة للتفاعل مع الأنظمة المعرفية الأخرى، ويكتفي الإنسان بتلك المعايير المبتورة عن الرؤية التي تؤطرها لاغيا تلك الرؤية ومتنكرا لقابليتها على التطور والارتقاء؛ لأن مثل هذا الإنسان يشعر بأن في هذا التطور إلغاء لسلطته واستبدال لها بأنماط متطورة أكثر انسجاما مع البنى الاجتماعية الجديدة. ومن أجل ذلك أيضا يحصر الحياة في سياق تاريخي واحد متكرر، ونمط اجتماعي واحد، كلاهما سيان أن يركب الحمار أو الطائرة، إن لم يقدم الأول على الثاني، الوجود هو كل ما ينسجم مع تركيبته الذهنية، واللاوجود هو كل ما يخرج عن تلك التركيبة أو زائد عليها. هنا يتوقف الزمن، وتسكن الحياة، وتتوقف حركة التاريخ، وتتحول منظومة القيم إلى كابح لحركة التاريخ وليس عامل ارتقاء كما كانت. والأمة التي هذا شأنها، أو التي يتسلط عليها هذا النمط من البشر هي أمة شبح، ولذلك فهي خارج التاريخ.
وكما أن كل معرفة علمية ليست معلَّقة في الهواء، ولا هي حبيسة ذهن فردي فريد، وإنما هي فضلا عن كونها نشاط اجتماعي في جوهرها، لها أثر اجتماعي، تخلق اهتزازا في الكيان الاجتماعي ودفعا سواء ارتقائيا في مسار التطور الزمني له، أو تراجعياً أي تخلق أثراً اجتماعياً سلبياً، وهي في هذا الجانب فحسب يمكن أن تدخل التاريخ، فإن الوحي، بوصفه نظاما معرفيا اجتماعيا، يملك هذه الخاصية الجوهرية، وهي كون الفعل الذي يحدثه في المجتمع، في التاريخ، هو حدث تاريخي.
وقبل الكشف عن أواليات الحركة التي يخلقها الوحي في التاريخ، يجب أن نميز الحدث التاريخي عن غيره. وعلى الرغم من أن هذا التمييز قد يدفعنا إلى مناقشة مناهج التاريخ، إلا أننا نكتفي بالإشارة المختصرة إلى الناحية المنهجية، ونقصر أنفسنا على إيضاح الحركة التي يمكن أن يخلقها الوحي في التاريخ، وعلى الشروط التي تجعل من الحركة التي تحدث التجديد الاجتماعي حدثا تاريخيا، ومتى يكون الحدث خارج التاريخ، وكذلك متى تكون أمة ما خارج التاريخ.
علم التاريخ هو مجال البحث وليس التاريخ الحدثي، ومن هنا فعلم التاريخ يتجاوز النظرة الهيجلية إلى التاريخ التي تحدده بوصفه وسطا تتابع فيه الأحداث متجانسة، كما لو كان التاريخ زمنا قاعديا تقف فوقه ظواهر اقتصادية وسياسية تضاف إلى بعضها، بما يوافق الاستمرارية المتجانسة وتميل إليها. وعلى هذا، فإن أية ظاهرة تاريخية هي تعبير عن الزمن القاعدي وتجسيد له. هذا الزمن متجانس كما يرى هيجل، لأنه يحمل مشروعا عاقلا، قوامه الفكرة المطلقة، التي تتحكم بالحوادث، بشكل تحقّق التاريخ، وتؤمِّن استمراريته. وفي هذا التصور، لا ضرورة لبناء نظرية في التاريخ، فكل شيء واضح وشفاف، يعبِّر عن المشروع الكامل الذي يسعى إلى غاية معينة. وهذا ما يجعل هيجل يساوي بين مفهوم التاريخ ((الموضوع النظري))، والموضوع الواقعي(المعارك والانقلابات السياسية). إضافة إلى ذلك فإن هذا التصور تجريبي، لأنه يعطي صفة ((تاريخي)) إلى أي حدث، يعلن عن المشروع النهائي للتاريخ. بهذا المعنى فإن هيجل لا يلتفت إلى الأحداث التي لا ((تعبر)) عن المشروع، ويبالغ في تأكيد الأحداث التي تسير في اتجاهه.
الوحي في التاريخ
يشترط المنهج الموضوعي النظر إلى التاريخ بوصفه بنية وقائعية وليس مجرد أحداث متفرقة تحدث عن طريق الصدفة أو هي مجرد تراكم عشوائي. وللتاريخ الوقائعي سياق يجب تدبره واكتشاف التسلسل السببي الذي يكونه، أو سننه التي لا تتخلف. نعم قد لا تكون هناك نوعية واحدة للأسباب المتحكمة في الحدث التاريخي الواحد لكن الرباط العام الذي يربط الحدث بالأحداث السابقة يشكل سياقا لا يمكن تجاهله في البحث العلمي، وإن اختلفت السياقات حسب اختلاف البنى الاجتماعية التي تجري فيها. كما إننا لا يمكن تجاهل الغايات التي يتحرك نحوها الحدث التاريخي. ولذلك فالحدث التاريخي يعمل عبر قوتين محركتين إحداهما دافعة وهي خارجية والأخرى محركة داخلية تكمن في ذهن الإنسان ووجدانه، الأولى تعمل خلف الحدث ولذلك فهي تنتمي إلى الماضي والثانية تعمل أمام الحدث ولذلك فهي تنتمي إلى المستقبل. وهاتان القوتان تسميان بلغة الفلسفة العلة الفاعلة والعلة الغائية. والحدث التاريخي لا يمكن أن يعمل بأحدهما دون الآخر، لأن الغايات والآمال ليست سببا كافيا لتحقيق أمر واقعي أو تحويل الممكن إلى فعل ضروري على أرض الواقع، والقوة الخارجية الدافعة لا تنفع إن لم يرافقها توجيه عقلاني نحو أهداف محددة في المستقبل. واستنادا إلى ذلك نستطيع أن نفهم لماذا لا يتحرك التاريخ بطريقة تصاعدية دوما وإنما قد يتخلف عن تحقيق أهدافه فتمنى التجربة الحضارية لأية أمة بالفشل كما حدث للحضارة الإسلامية سابقا، والإمبراطورية السوفيتية حديثا، فضلا عن الحضارات القديمة. والسبب إن الآمال والأهداف ليست كافية لاستمرار الحركة التطورية، والقوة الدافعة غير مفيدة إذا فقدت أهدافها كما حدث للدولة الإسلامية على أكبر تقدير. فإذا كانت إمبراطورية السوفيت فقدت قوتها الدافعة، فإن إمبراطورية المسلمين فقدت أهدافها.
إن ميدان الفعل التاريخي هو المجتمع، فسواء كان الفعل منبثقا من فرد أو جماعة فإنه إذا خرج أثره من الذات نحو الساحة الاجتماعية فسيتحول إلى حدث تاريخي، أما الفعل الذاتي فلا يكون حدثا تاريخيا لأنه لا أثر له إلا على صاحبه. وهكذا فإن فعل الفرد سواء كان مصلحا اجتماعيا، أو مفكرا، أو عالما، هو حدث تاريخي ما دام أثره يتجاوز الذات إلى الميدان الاجتماعي(2).
والحقيقة إن الخاصتين الأولى والثانية مجرد مقدمات ثانوية للحدث التاريخي، وإذا استعرنا تعبير علماء المنطق، نقول إن تلك الصفتين مجرد عرض وليس جوهريتين. أما الخاصية الجوهرية التي بمثابة الفصل فهي كون الحدث التاريخي الذي ينتمي إلى الميدان التاريخي المحكوم بقوانين التاريخ ذا أثر اجتماعي إيجابي أو سلبي.
إن الحدث التاريخي لدى المفكر الصدر يجب أن يكون له موجاً اجتماعياً، أي أثرا اجتماعيا، سواء كان هذا الأثر سلبيا أو إيجابيا، أي ارتقائيا أو تراجعيا. وهو في هذا يختلف مع الماركسية التي تذهب إلى أنه ليس للأثر السلبي صفة تاريخية بالمعنى الحقيقي وإن كان له أثر اجتماعي، لأنه لا يغير الزمن، ولا ينقلنا نقلة نوعية إلى المستقبل، فالانتقال من الحاضر إلى المستقبل ينطوي على عملية تغيير ارتقائي وليس ارتداديا، لأن الارتدادي لا يخلق زمنا حقيقيا، ولا يحرك بنى اجتماعية، والزمن مرتبط بالحركة، فإذا لم تكن حركة اجتماعية ارتقائية لم يكن هناك زمن اجتماعي. والمفكر الصدر يرى إن الحركة موجودة في الفعل الإنساني التاريخي، لكن هذه الحركة ليست ارتقائية بالضرورة، فربما كانت تراجعية وسلبية، أي ذات أثر سلبي على المجتمع، لكنها مع ذلك تاريخية بمعنى أنها صنعت تاريخا وحركت بنى اجتماعية، و اتجاه هذه الحركة لا يتغير، يبقى اتجاها من الحاضر نحو المستقبل، لكن المضمون قد يكون سلبيا، كأن تكون قد أعادت مضمونا تاريخيا قديما، ولم تقدم جديدا ينسجم مع الزمن. فالحروب لها أثر سلبي على المجتمع، وقد تكون سبب تراجع حضاري لكنها تبقى حدثا تاريخيا بسبب كون ميدان الفعل لديها هو المجتمع. وقد يكون لنظرية ما أثر سلبي على المجتمع، لكن النظرية تبقى تاريخية لأن خلقت موجا اجتماعيا وإن كان سلبيا. فإذا كان هناك اتفاق بين الهيجلية والماركسية في كون الحدث التاريخي هو حدث ارتقائي، بسبب تعويل كل منهما على التطور الخطي للتاريخ، فإن الصدر يختلف عن الاثنين في كون الحدث التاريخي لديه لا يشترط أن يكون ارتقائيا، وإنما قد يكون تراجعيا أيضا، وهناك أمثلة عديدة على تراجعات حضارية بسبب آثار سلبية لأفكار أو نظريات أو حروب.
لكن على الرغم من أن الصدر لا يبدو أنه يؤمن بالتطور الخطي لتاريخ كوني شامل، لكننا نجد هناك إشارات لوجود هذا التطور الخطي في فكر الصدر، وتتضح تلك الدلالات في عرضه لنظرية المثل الأعلى التي تمثل الغاية من حركة التاريخ. فالمثل الأعلى في النظرية التاريخية التي يعرضها الصدر تجعلنا نعتقد بأنه يؤمن بالتطور الخطي للتاريخ، فإذا التزم الإنسان أو المجتمع بنظرية المثل الأعلى بمعناها الإسلامي، كما يرى الصدر، فإن الحركة ستكون ارتقائية دوما، حتى بعد الموت، أي تدرج دائم في سلم الكمال الروحي الذي تعبر عنه الحركة نحو الله بالمعنى العرفاني. فالتطور الخطي مشروط بنوع الرؤية التي يلتزم بها الإنسان، ونوع المثل الأعلى الذي يتحرك نحوه الإنسان في أفعاله الاجتماعية، أما إذا كان المثل الأعلى الذي يتحرك نحوه الإنسان هو غير الله فبالتأكيد إن الحركة ستكون تراجعية لا ارتقائية، وإن الحضارات من هذا النوع ستتراجع أو تنهار.
لكن هل أن نظرية الصدر هذه يمكن أن تفسر لنا الحضارة الغربية المعاصرة؟ فهذه الحضارة لم تتخذ من الله مثلا أعلى لها في حركتها التاريخية، لكنها مع ذلك ارتقائية تطورية من الناحية الحضارية التقنية والعلمية. فهل أن التطور التقني والعلمي ليس مقياسا للارتقاء الحضاري، أم أن الارتقاء الحضاري لا يرتبط بالتطور التقني والعلمي والفكري؟ هل يقصد الصدر إن الارتقاء المقصود لديه هو الارتقاء الروحي فقط ولا يشمل ذلك الارتقاء المادي، أم يشمل الاثنين معا؟ فهو إما أن يعتبر التطور المادي في الغرب ارتقاء حضاريا، أو يرى أن مقياس الارتقاء الحضاري هو الارتقاء الروحي فقط. أو يرى أن الارتقاء المادي في الغرب ارتقاء حضاري جزئي لكونه يفتقد التطور الروحي الذي يجب أن يكون موازيا له، وإذا اختار الحالة الأخيرة، فهذا يعني أنه يعرِّف الارتقاء الحضاري بالتطور المادي والروحي معا. فقد نجد إيمانه بالتطور المادي في اعتباره العلاقة بين عدالة التوزيع ووفرة الخيرات سنة تاريخية، فوفرة الخيرات المشروطة بالعدالة الاجتماعية(3)، التي استنبطها من الآيات (66 من المائدة، 96 من الأعراف، 16 من الجن) تدل على أن التطور الاقتصادي أحد نتائج الرؤية الفكرية الدينية التي يتبناها الصدر، أما إيمانه بالتطور الروحي فنعثر عليه بوضوح في طرحه لمفهوم المثل الأعلى (الله) بوصفه الغاية التي يتحرك نحوها الفعل التاريخي(4)، واستنادا إلى نوعية هذا المثل الأعلى فإن الحركة ستكون تكاملية من الناحية الروحية، تحايثها نتائج مادية عبَّرت عنها جزاءات الآيات السابقة التي صيغت بشكل قضية شرطية مثل: (... لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم،.... لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ... لاسقيناهم ماء غدقا).
وفي رأي الماركسية إنّ التاريخي هو ما ينتج تحولات تاريخية نوعية، لا تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة، بل تنتج جديدا لم يكن ملموسا في زمن سابق. فتاريخية الأحداث لا توجد فيها من حيث هي أحداث، بل في الآثار الاجتماعية ((اللامسبوقة)) الصادرة عنها. فكثير من الأحداث، حتى لو بدت صاخبة، لا تستحق صفة التاريخي، طالما أنها بدأت وانتهت دون أن تجري تحويلا في البنية الاجتماعية.
فالحدث يغدو تاريخيا حين يغير فعليا وبشكل دائم العلاقات القائمة في الحقل الخاص به، ويؤثر، تاليا، على مستقبل هذا الحقل نفسه. ولذلك لا يعتبر أي حدث، حتى لو كان له ضجيج، حدثا تاريخيا. وما يجعل منه معرفة تاريخية هو إدراجه في ضرورته التاريخية أي أن يكون جزء من سياق سنة تاريخية، تحدث اهتزازا في البنى الاجتماعية، وهذه السنة أو هذا الإطار هي الشيء الوحيد التي يمكن للنظر العلمي أن يملكها معرفيا، وأن يرفعها إلى مستوى القانون العلمي.
ولذلك فحركة التاريخ ليست في الحقيقة سوى حركة البنى الاجتماعية، إن التاريخ في حركته هو البنية الاجتماعية في صيرورة. فلا حركة لم يسمح التاريخ بها، ولا معنى لفكر إن لم يحرك التاريخ.
من ذلك نفهم سبب التخلف الشامل في العالم العربي، ذلك لأنه يشتغل خارج التاريخ يعيد بنى قديمة ويستهلك أفكارا مستهلكة في الأصل، بل يستهلك أفكارا هي نفسها كانت سببا في انهيار حضارته، تلك الأفكار التي صنعها السلاطين لضمان ديمومة ملكياتهم الاستبدادية، أفكار التبرير التي تضفي شرعية وهمية على الأنظمة التي عطلت حركة التاريخ، في حين لا زال مستمرا في طمس القوى الحقيقية القادرة على تحريك التاريخ، طمس التنوير العلمي الإسلامي ومحاولة تعليب الإسلام بوصفات جاهزة تقدم للشعوب التي لا تعرف سوى الطاعة العمياء لأولياء الأمور وذوي الشوكة والسلطان.
الوحي والبناء النفسي للإنسان
ولذلك سواء كانت الرسالة التي يحملها الفرد من وضعه هو أو من وضع غيره من البشر أو كانت رسالة إلهية مُرسَل لتبليغها، فهي عندما تتحول إلى برنامج عمل اجتماعي تتحول إلى حدث تاريخي يخضع لسنن التاريخ وقوانينه. فالرسالة الإلهية في حد ذاتها وبقطع النظر عن حاملها، وهو الإنسان، هي رسالة ربانية وفوق التاريخ، أما إذا نظرنا إليها من زاوية كونها برنامج عمل في ذهن الإنسان ووجدانه فهي تاريخية كغيرها من المشاريع الاجتماعية، ويجب أن تدرس بمنهج علمي أسوة بأحداث التاريخ البشري الأخرى، ومن ثم فهي تتحكم بها أسباب دافعة(فاعلة) وأهداف محركة(غائية)، داخل ميدان يتجاوز الذات الفردية وهو الميدان الاجتماعي بكل أشكاله وصراعاته وتناقضاته. ويجب أن لا نغفل عن حقيقة أن الإنسان قد أسقط عليها من ذاته وخلجاته النفسية وطموحاته الذاتية الشيء الكثير حتى ابتعدت إلى حد كبير عن معصومية مصدرها الإلهي.
إن الظاهرة الدينية في جانبها المتعلق بالإنسان الحامل لها هي ظاهرة تاريخية عندما يكون ميدان عملها هو الميدان الاجتماعي، ومن هنا فهي تخضع للسنن التاريخية كغيرها من الظواهر التاريخية. ولكن من حيث كونها مجموعة مبادئ روحية تحرك الإنسان وتوجه ذهنه ووجدانه لرسم المستقبل وفقا لها هنا يجب أن نفهمها من جانب سلطانها على الإنسان أو بتعبير آخر من جانب إيمان الإنسان بها بوصفها قيم توجيهية تعبر عن نظام اجتماعي محدد. لكننا يجب أن لا نغفل حقيقة أن الإيمان بالبعد الإلهي للدين يعطي الإنسان دفعة قوية إلى الإمام لتغيير مسار الأحداث وتنظيمها وفقا للنظام الجديد الذي يدعو له. ومن هنا فإن إيمان الإنسان بالبعد الإلهي وروحية القيم التي يحملها له دور كبير في فهم البناء النفسي لذلك الإنسان وأثر هذا البناء النفسي في تغيير الواقع، على الرغم من أن هذا البناء النفسي للإنسان عندما يتحول إلى برنامج عمل داخل الميدان الاجتماعي يخضع بدوره كما قولنا من قبل لسنن التاريخ.
ولذلك لا يوجد أي تناقض في تصور إسهام العامل الميتافيزيقي (الدين أو الوحي) في حركة التاريخ إلى جنب العوامل الطبيعية الأخرى. فهذا التناقض برز من التصور الأوربي للدين، الذي فهمه بأنه يعلل الظواهر الطبيعية والتاريخية بعلل غيبية متجاهلا سياقها الطبيعي ونواميسها الكونية، ومن تصوره أيضا للمنهج التاريخي بوصفه سلسلة متصلة لأزواج من الأحداث السابق منها علة والتالي معلول، ولذلك تصور هذا الإنسان إن إسهام العامل الميتافيزيقي يقطع الاتصال السببي ويحلل السلسلة إلى حلقات غير مترابطة وبالتالي غير معقولة. لكننا بينا فيما سبق إن هذا التصور غير صحيح مطلقا، بل هو مجرد إسقاط لتصورات وهمية مسبقة مقتبسة من سياق فكري مهمل هو سياق الفكر الكنسي.
فإذا فهمنا إن الإنسان هو القطب الذي تجري الأحداث التاريخية من بين يديه، وإنه الحامل لهذا العامل الميتافيزيقي(الوحي بوصفه بناء معرفيا)، لن تبقى صعوبة في تصور دور العامل الميتافيزيقي في صناعة التاريخ وتوجيه حركته. فحتى إذا تصورنا الأحداث التاريخية بصورة سلسلة متصلة، فإن هذا الاتصال ليس بمعزل عن المحتوى النفسي للإنسان ودور إرادته في صنع الأحداث وتوجيهها، وسواء فهمنا هذه السلسلة تتحرك قدما على شكل ارتقاء متصل كما تصورته الماركسية أو تصورنا إنها تنطوي على تراجعات وارتدادات، فكل ذلك يحدث بين يدي الإنسان وليس بمعزل عن إرادته وصنعه. والوحي مضمون معرفي وقيمي لا يعمل بمعزل عن هذا الإنسان ومتصل اتصالا وثيقا بإرادته واختياره. فالمبادئ التي تحرك الإنسان وتوجه ذهنه ووجدانه سواء كانت وضعية أو كانت سماوية، على كلا التقديرين، يمكن أن تعمل داخل التاريخ وتوجهه من دون تصور أي خلل في علاقاته السببية أو أي تجاهل لسننه ونواميسه.
ومن ذلك نستنتج أن التراث هو مجموعة الجهود البشرية التي بذلت لترجمة المبادئ والمفاهيم والقضايا التي طرحها الدين الإسلامي إلى الواقع العملي بأبعاده الاجتماعية المختلفة، بقطع النظر عن حقيقة كون هذه الترجمة كانت أمينة وواقعية أم كانت منحرفة. فمن الجائز علميا أن نحدد طبيعة العلاقة بين القرآن والواقع في مرحلة زمنية معينة. لكن هذا التحديد لا يمكن أن يعيِّن هذه العلاقة متجاهلاً العامل البشري الذي يتوسط بين القرآن والواقع العملي، ومن ثم يمكننا أن ندرس الاسقاطات الذاتية التي يفرضها الوعي في الوقت الذي يحاول فيه أن يترجم الأطروحة القرآنية إلى الواقع العملي. وهذه العملية المعقَّدة ليس من السهولة تحديد تفصيلاتها الدقيقة بشكل يقيني؛ ولذلك لا يمكن الجزم في الأحكام التي يكوِّنها الباحث عن تلك العلاقة المعقّدة (النص ـ الوعي ـ الواقع العملي).
من ذلك نستنتج أيضا أن الوحي لا يمكن اصطياده إلا من خلال الترجمة البشرية له إلى واقع عملي. الوحي في التاريخ هو ليس كالوحي في السماء، الوحي في التاريخ، بوصفه مجموعة الجهود البشرية لصياغة نظام الحياة وفقا لمبادئ محددة، يخضع للسنن التاريخية، ولذلك يمكن دراسته وفق المنهج العلمي. أما الوحي كما هو في السماء فلا يمكن أن يمسك به البحث العلمي ولا يمكن طرحه كموضوع قابل للإدراك. فهذا الجهد البشري سواء الذي بذله الرسول (ص) أو الخلفاء و الأئمة من بعده هو عبارة عن أنسنة الوحي، ذلك إن من دون هذه الأنسنة لا يمكن أن يتحول الوحي إلى مبادئ عمل. كما أنه إذا افترضنا إن أولئك البشر هم من طبيعة الوحي أو الملائكة أو الإله كما تدعي المسيحية، لكان من غير المجدي دعوة البشر إلى تلك المبادئ؛ لأنها سوف تكون دعوة إلى طبيعة أخرى غير الطبيعة البشرية، وهذا أمر متعسّر تكوينيا، فضلا عن الاستحالة التشريعية.
ولذلك عندما نقول إن هدف الوحي هو ((إلباس الأرض إطار السماء)) هو عين المعنى عندما نقول ((أنسنة الوحي)). فالمعنى الأول يعني ترجمة مبادئ السماء إلى واقع عملي على الأرض أو الارتقاء بالأرض ونظامها إلى مستوى مبادئ السماء. أما المعنى الثاني فيعني إن مبادئ الوحي لا يمكن أن تشتغل وتقود عملية تغيير مستمرة على الأرض إن لم تكن إنسانية، أي ما لم يحولها الوعي البشري إلى جزء من كيانه، وبهذا المعنى تكون العملية أنسنة للوحي بالمعنى الإيجابي، وليس بالمعنى السلبي الذي يُقصد منه قطع العلاقة مع السماء، ولا هو المعنى المغالي الذي تصورته المسيحية عندما أضفت صفة الألوهية على البشر؛ لأن هذا المعنى الإيجابي لا يمكن أن يتم إلا من خلال المعنى الأول وهو الارتقاء بالمجتمع الأرضي إلى مستوى المبادئ التي حددتها السماء، وعلاقة الإنسان بهذه المبادئ وشروط تلك العلاقة ليست كعلاقة كائنات السماء مثل الملائكة بتلك المبادئ، فالشروط مختلفة وهي أمور تخضع للطبيعة الخاصة بكل منهما. فيشترط أن تكون تلك المبادئ بمستوى الإنسانية، ويجب أن يكون الإنسان الحامل لها بمستوى المسؤولية في تنفيذ تلك الرسالة. فإذا كانت تلك الرسالة تتجاوز الإنسانية وطاقاتها وتحلق في عوالم مثالية وخيالية فإنها سوف تكون مستحيلة التطبيق والتنفيذ، ولذلك هي بالفعل بمستوى الإنسانية وبمستوى الواقع، ولكن هل كان الإنسان بمستوى المسؤولية، أو ارتقى إلى ذلك المستوى كما أرادت له الرسالة أن يكون؟ إن هذا الأمر نسبي ومتفاوت من إنسان إلى آخر ومن هنا نشأ الاختلاف.
الإنسان محركا للتاريخ
واستنادا إلى المقدمات السابقة يتبلور المحرك الجوهري للتاريخ في الإسلام وأعني به تمثل الإنسان للمعطى الإلهي(الوحي). فإن هذا التمثل وسميناه أيضا أنسنة الوحي يشكل من خلال الإنسان دافعا للتاريخ. وكلما كان الإنسان أمينا على هذا المعطى كان أقدر على ترجمته إلى عمل، وبالتالي إلى حركة تاريخية متصلة، وكلما ابتعد الإنسان عن هذا المعطى الرباني وأفرغ ساحة وعيه منه كلما انحط وتباطأ في حركته حتى يقف التاريخ يراوح مكانه.
ويمكن للإنسان أن ينساق خلف معطيات بديلة قد تنجح بدفع حركة التاريخ، لكنها ستغير اتجاهه وفقا لطبيعة تلك المعطيات. ولكن الإنسان الذي بنى تاريخا وحضارة وفقا لعمل المعطى الإلهي، لا يمكنه أن يغير في منتصف الطريق ليتبنى معطى جديدا مغايرا في طبيعته للمعطى الأول، فإن ذلك التبديل سيؤدي إلى الانهيار كما حدث للإمبراطورية السوفيتية في العصر الحديث، وما حدث للدولة الإسلامية أيضا؛ لأن الانحراف الذي بدأ في العصر الأموي بعد وفاة الرسول (ص) تضخم بمرور الزمن ليفرغ الساحة من المعطى الإلهي وتسيطر بدلا منه عوامل أخرى على الذهنية العربية مثل عاملي الغنيمة والقبيلة، وهي عودة مقصودة في بداياتها إلى روح العصر الجاهلي، ويسمى هذان العاملان اليوم بعاملي المصلحة والقومية. وهي عوامل نقلت الحضارة إلى مستوى الظاهرة التي تتحكم بها القوانين التاريخية والطبيعية التي قادتها بشكل طبيعي إلى نهاية حتمية أسوة بالحضارات الوضعية الأخرى.
إذن الحركة الجوهرية للتاريخ تكمن في ذات الإنسان، وتقاس قوة اللحظة التاريخية وضعفها استنادا إلى درجة تشغيل الإنسان لمعطى الوحي المعرفي. وهذه الحركة تكمن في قلب التاريخ؛ لأن الإنسان تبوَّء محور المركب الحضاري، ولذلك فإن النهوض الحضاري مرتبط بتصعيد مستوى تلك الحركة الجوهرية، وهذه الحركة كما قلنا من قبل هي حركة غائية، لأنها حركة وعي ينزع نحو تكامله.
وعندما كان الرسول الكريم (ص) هو قائد اللحظة التاريخية الأولى كان التصعيد الجوهري في أعلى مستوى له، إلا أن هذه الحركة بدأت تتضاءل شيئا فشيئا بمرور الزمن بعد وفاة الرسول، لتسيطر على الميدان التاريخي محاور الحركات الجابذة والنابذة التي تحكمها قوانين عمياء غير هادفة انتهت بالحضارة إلى الانهيار.
وعلى الرغم من هذا الضعف الذي انتاب الحركة الجوهرية، أو الأصح بالرغم من الابتعاد النفسي والميداني عن مضمون تلك الحركة وعزله من الناحية النفسية والتاريخية، إلا أنه بقي حيا وحاضرا لدى الوعي العالِم.
الحل الفلسفي
من المقومات الأساسية التي يجب أن يستند إليها تطبيق المنهج التاريخي هي الأسس الفلسفية الموضوعية، بمعنى آخر انسجام المنهج مع قوانين العقل الفلسفية المسوّغة لكل استدلال موضوعي، مثل مبدأ العلية، ومبدأ الانسجام بين العلة والمعلول، ومبدأ عدم التناقض وغيرها. يلزم من مبدأ العلية إن النتيجة يجب أن لا تتجاوز سببها؛ فالنتيجة إما مساوية لسببها أو أقل منه، وهذا ما يسمى بمبدأ الانسجام بين العلة والمعلول الذي يمكن صياغته إيجابيا بالشكل الآتي: من الضروري أن يكون في السبب من المقومات ما يكفي لأحداث نتيجة اقل منه أو مكافئة له؛ فإذا تجاوزت النتيجة مجموعة العوامل المحدِّدة كسبب لها، يجب البحث عن عامل آخر هو سبب هذا الفراغ المنطقي بين النتيجة وسببها المفترض لها.
وإذا تأملنا المرحلة التاريخية قُبَيْلَ الإسلام، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بوعي فلسفي موضوعي (معيار الانسجام بين العلة والمعلول)، لا يمكن عدَّها سبباً كافياً لبناء الحضارية الإسلامية، ولا يمكن لتلك الأبعاد أن تفسر التحول الهائل بمرافق الحياة المختلفة بُعيْد الإسلام. إذن هناك فارق يفرض نفسه بقوة على وعينا بتلك الرابطة السببية، ذلك الفارق هو عدم التكافؤ بين النتيجة وسببها.
إن العامل المفقود في التكافؤ بين السبب والنتيجة (الإسلام والعوامل المادية السابقة عليه)، وتفاعل الإسلام مع المحيط العالمي هو الوحي الذي أسرع من حركة التاريخ المتباطئة في شبه الجزيرة العربية، وإن العامل الأساسي في التكافؤ بين السبب والنتيجة في ظهور الحضارة الإسلامية هي القيم التي تضمنها الوحي، ولذلك فإن التفسير الموضوعي لوقائع وأحداث التاريخ الإسلامي لا يمكن أن يعزل تلك الوقائع عن مساهمة عامل الوحي.
وهذا التفسير لا يلغي أهمية العوامل التاريخية ـ الطبيعية، (الاجتماعية والاقتصادية والثقافية)، إنما يرتكز التفسير على الوعي بعدم تكافؤ هذه العوامل مع النتيجة. إنّ تلك العوامل كانت بطيئة الحركة إلى حدٍّ يمكن تشبيه خط تحركها القاعدي بالخط البياني لحركة قلب إنسان محتضر، إنها حركة ضعيفة غير بيّنة، ولا يمكن منحها صفة الخالقية إطلاقا، وهي أقل بكثير من أن تنتج ذلك التحول الهائل الذي حدث في الجزيرة العربية في فترة قصيرة جداً. ومع الأخذ بنظر الاعتبار تلك العوامل وخط تحركها القاعدي، فإنّ الوحي السماوي هو العامل الجوهري الذي أنعش حركة التاريخ المتباطئة بكل أبعادها المذكورة، والذي رفع مستوى تحركها القاعدي إلى ذروته، مما أدى إلى تسريع التحول، بمعنى آخر إنّ الدافع لحركة التاريخ لم يتجرَّد كلياً من عوامله الطبيعية، ولكن في الوقت نفسه لم يستبعد المساهمة الجوهرية للوحي في رفد الحركة الطبيعية، وتلك المساهمة هي التي استقطبت العوامل الطبيعية، وأسرعت من حركتها، لإنجاز الهدف (النظام الاجتماعي الجديد) بفترة قياسية تتطلبها المرحلة، ولذلك لا نرى أي تناقض في فرض العامل الميتافيزيقي مكملاً أو محركاً جوهرياً للعوامل الطبيعية.
إنّ ما حمله الوحي اصبح جزءاً من حركة التاريخ، بل احتلَّ فيها مركزاً أو قطباً محورياً، لفَّ في فلكه العوامل المادية المختلفة، وأسرع من حركتها واتساعها. وبما أن حركة التاريخ المتباطئة من قبل تبقى غير منتجة من دون المحرِّك الجوهري (الوحي)، فإنّ الوحي لا ينتج من دون ذلك الاستعداد الحركي للعوامل التاريخية.
وإذا فهمنا إن هذا التحريك يتم من خلال توسط الوعي (الإنسان) الحامل لتلك المبادئ والقيم، فإنه لا يوجد أي انفصام في سياق الأحداث التاريخية؛ لأن الإنسان جزءاً من تلك الأحداث، بل هو المحور الأساسي الذي تتحرك الأحداث وفقا لإرادته، ومن هنا تنتفي دعوى الاستشراق بأن افتراض مساهمة العامل الميتافيزيقي (الوحي) في تحريك التاريخ يقطع سياق الأحداث؛ لأن تلك الدعوى تعبر عن سوء فهم لمغزى العملية التغييرية، وكيفية دخولها خضم الأحداث وتحريكها، وهو أمر لا يتم بمعزل عن الإنسان، ولذلك فهي دعوى إنسانية في جوهرها كما أنها إلهية في مصدرها.
ولا يلزم من ذلك إن حركة التاريخ متوقفة دوما على الوحي، بل إن وجود عوامل تاريخية عالية المستوى الحركي قد تشكل سببا كافيا لانتاج تحوّل شامل يتناسب وتلك العوامل، وهو ما حدث بالفعل في الحضارات السابقة، والحضارة الغربية المعاصرة. وعلى الرغم من ذلك فهذا لا يشكل مانعا منطقيا من أن يكون الوحي السماوي محركاً لتاريخ حضارة من الحضارات، بشرط أن نفهم الوحي في بعده الإنساني.
لم يكن هدف السماء بناء الحضارة والمدنية لذاتهما، إنما قصد الوحي بناء الحضارة الإنسانية وفق المبادئ التي تستهدف تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة (السعادة الحقيقية)؛ بإقرار الخطة التي رسمتها العناية الإلهية للإنسانية، الكفيلة بالقضاء على معاناة الإنسان، والمعدّة له نفسيا و روحيا لاستقبال عالمه المستقبلي. هذا الأعداد للعالم الآخر لا تتكفل به العوامل التاريخية الطبيعية وحدها؛ لأنها عوامل آلية، إنما تتكفل به الخطة الإلهية التي جاهد من اجل إقرارها جميع الأنبياء عليهم السلام، والمصلحين، وتحمَّلوا من اجلها صنوف العذاب، وهم يواجهون استكبار الإنسان وجبروته وعناده.

الهوامش
ــــــ
(*) رئيس المنتدى الثقافي في الناصرية / معهد الأبحاث والتنمية الحضارية ، أستاذ الفلسفة المساعد في جامعة ذي قار.
(1) أنظر: نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص.
(2) أنظر: الصدر، محمد باقر، التفسير الموضوعي والفلسفة الاجتماعية في المدرسة القرآنية، ص78ـ81.
(3) الصدر، محمد باقر، التفسير الموضوعي والفلسفة الاجتماعية في المدرسة القرآنية، تقديم وتنقيح وتعليق الشيخ جلال الدين الصغير، الدار العالمية للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1989، ص60.
(4) المصدر نفسه، ص140 فما بعدها.