|
الاحد:
06/04/2008
إشكالية المنهج في الفكر العربي المعاصر
الدكتور حسام محيي الدين الآلوسي
إنموذجا(1/2)
الدكتور فوزي حامد
الهيتي(*)
(خاص للمعهد)
المقدمة:
كنت أتساءل كثيرا وأنا في مرحلة البكالوريوس عن مسوغات ودوافع الصخب
الدائر في الساحة الثقافية العربية اليوم حول النهضة وإشكالياتها
وإخفاقات رواد النهضة في طرح مشروع نهضوي متكامل. وكانت أصوات كثيرة من
المفكرين العرب مثل أركون ومحمد عابد الجابري وزكي نجيب محمود وآخرين تصل
إلينا، لم تحجبها عنا الصواريخ الساقطة على بغداد. كنا طلاب نقرأ
ونسمع... وكنت أتعجب مما أقرأ وأسمع.
والعجب لم يكن في السؤال... لان السؤال ولد معنا نحن جيل الحرب والحصار
ولكن العجب كل العجب كان في الجواب المقدم وما صاحبه من صخب وضجيج إعلامي
يثير الشك والرعب. وما يزيد الأمر غرابة صمت أساتذتنا عن الكلام
والمشاركة في الحديث الدائر مع علمنا بمكانتهم وإمكانياتهم العلمية.
وتعجبنا أكثر.. وطربنا... عندما قرأنا بحثا لأحد الكتاب العرب(1) ذكر فيه
(مدرسة بغداد الفلسفية) وأشار الى بعض ممثليها كان منهم اثنان من
أساتذتنا البعيدين عن صخب الإعلام والصحافة هما الدكتور مصطفى كامل
الشيبي والدكتور حسام محيي الدين الآلوسي.
واليوم... وبعد ان زال كثير من ذلك العجب... وامتلكنا مسوغات الشك في ما
قرأنا وسمعنا هل يحق لنا الحديث؟ ولكي لا يكون حديثنا تكرارا لتهريج ولا
جرياً وراء صوت الطبول التي بدأت تتخذ طريقا جديدا(2) سأركز اهتمامي على
احد أهم إشكاليات العقل العربي المعاصر وهي إشكالية (المنهج في الفكر
العربي المعاصر) من خلال انموذج مختار هو الدكتور حسام محيي الدين
الآلوسي.
وعليه سأتناول في البحث الموضوعات الآتية:
أولا: المدخل: نحدد فيه مفهوم الإشكالية ومفهوم المنهج ومفهوم إشكالية
النهضة وإبراز أهم الإجابات المقدمة لها.
ثانيا: الأستاذ حسام محيي الدين الآلوسي أنموذجا: ونحاول ان نتعرف من
الانموذج المختار على آليات العقل العربي وأدواته المنهجية وكيفية
توظيفها عند تقديم الجواب.
ثالثا: تحليل ونقد. حاولنا في هذه الفقرة تحليل انموذجنا ونقده.
والانموذج المنتخب هو احد ممثلي مدرسة بغداد الفلسفية (إن صح التعبير)
ومن رواد البحث الفلسفي الأكاديمي في العراق المعاصر. قدم الكثير للمكتبة
العربية ومثل اتجاها واضحاً في الفكر العربي المعاصر، صادقاً مع نفسه
أميناً مع الآخرين في كل الذي قاله وكتبه... غير محابِ ولا متحزب...
بعيداً عن الجوق المهرج... قاصداً التأسيس في الفلسفة العربية المعاصرة،
فاعلا متفاعلاً مع كل ما يجري حوله، حقق حضوراً في كل المحافل العلمية في
العراق وخارجه، وهو لهذا تجربة غنية تستحق الوقوف عندها لدراستها
ولاستفادة منها ولإغنائها ومواصلتها، ونحن طلابه وما زلنا القريبين منه
تقع علينا مسؤولية إنجاز هذا العمل خدمة للثقافة والمثقف العربي(3)،
وأرجو من زملائي الآخرين ان يتحملوا معي مسؤولية إكمال الجوانب الفلسفية
الأخرى لدى الآلوسي وإنجازات أساتذة آخرين كبار يستحقون منا كل إجلال
وتكريم. ومن الله التوفيق.
أولا: تحديد مفاهيم واتجاهات في الفكر العربي
المعاصر
1 ـ تحديد مفهوم الإشكالية:
الإشكالية من الفعل الرباعي (أشكل) نقول أشكل عليه الأمر أي اختلط
والتبس. واصطلاحاً هي مفهوم مستحدث في اللغة ولكن ليس بعيداً عن جذره
اللغوي العربي. وتعني تحديداً «منظومة من العلاقات التي نسجتها داخل فكر
معين مشاكل عديدة مترابطة لا تتوفر إمكانية حلها منفردة ولا تقبل الحل من
الناحية النظرية إلا في إطار حل عام يشملها جميعاً»(4) أو هي المشكلة
التي لا يمكن حلها مباشرة ولا يمكن تناولها الا في تناول كل المشكلات
التي نسجتها وأبرزتها داخل منظومة فكرية معينة.
وإشكالية الفكر العربي المعاصر التي هي بالدرجة الأولى إشكالية نهضة أو
حداثة لها مثل هذه الدلالات فنحن نعلم إن معوقات النهضة العربية ليست
مشكلة محددة بعينها وإنما هناك مشكلات عديدة تنطوي تحتها. منها مشكلة
التعليم ومشكلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشكلة الاستعمار
والهيمنة العالمية أي مشكلة الاستقلال السياسي. ومحاولة حل أي مشكلة من
هذه المشكلات لا يمكن أن يكون حلاً منعزلاً عن باقي المشكلات الأخرى،
مثلا عندما نحاول حل مشكلة التعليم بعدها إحدى معوقات النهوض العربي
سنضطر إلى معالجة مشكلات أخرى متعلقة بها مثل مشكلة التخلف الاجتماعي
ومشكلة الفقر ومشكلة الموروث الثقافي وهكذا.
2 ـ إشكالية المنهج:
المنهج هو الطريق. نقول انتهجت نهج فلان أي سرت في طريقه، وإشكالية
المنهج هي من أبرز إشكاليات النهضة العربية وقد تشكل جوهر إشكاليات العقل
العربي المعاصر، فإشكالية المنهج معنية بالبحث عن طريقة أو مخرج للعقل من
واقعة المريض المتخلف إلى واقع أفضل، والسؤال عن المخرج أو الطريقة التي
يجب أن ينتهجها العقل العربي للخروج من واقعة المرفوض إلى واقع أفضل هو
في الحقيقة سؤال عن المنهج، فما هو المنهج القويم الذي يعين العقل على
إعادة بناء الواقع من جديد بصياغة تتلاءم مع طموحه وتحقق له الأفضل
المنشود؟
يرتبط المنهج بطبيعة المشكلة المطلوب حلها وتختلف المناهج باختلاف
المشاكل التي تواجه العقل، فهناك مشكلات علمية، فيزيائية وكيميائية،
وهناك مشكلات رياضية ومشكلات لغوية ومشكلات فلسفية، وبالتالي لا يوجد
منهج يمكن أن يحل جميع هذه المشكلات وإنما لكل من هذه المشاكل منهج أمثل.
فالمنهج الوضعي المنطقي هو المنهج المناسب لحل مشكلة علاقة اللغة بالواقع
والمنهج الاستدلالي هو المنهج المناسب في البحث العلمي، وهناك مناهج
فلسفية أخرى عديدة مثل: المنهج التاريخي والمنهج الجدلي، ويعتمد الباحثون
أحيانا على أكثر من منهج لحل مشكلة معينة لاسيما في المشكلات المركبة.
وهذا ما هو شائع اليوم في أغلب الدراسات فهناك المنهج الجدلي العقلاني
النقدي والمنهج الجدلي التاريخي التكاملي والمنهج البنيوي التاريخي
الابستمولوجي.
ويصبح المنهج مشكلة عندما يعبر عن موقف فلسفي ورؤية فلسفية لذلك أصبح
مشكلة في الفلسفة أكثر منه في العلم، لأن العلماء يمكن أن يتفقوا بسهولة
على المنهج الأفضل في حل مشكلة معينة ولكن في الفلسفة يبدو الاتفاق على
منهج محدد أصعب إن لم يكن مستحيلاً، لان الفلسفة موقف ودوافع الموقف
ومسوغاته تختلف من فيلسوف إلى آخر.
3 ـ إشكالية المنهج في الفكر العربي المعاصر:
إن إشكالية النهضة هي إشكالية فلسفية بالدرجة الأولى لذا فان الإجابة
عليها ستختلف باختلاف المفكرين المعنيين بها. ولتوضيح ذلك سأبدأ أولاً
بتحليل إشكالية الفكر العربي المعاصر ومن ثم توضيح أهم المواقف الفكرية
من هذه الإشكالية.
غاب العقل العربي عن مسرح الفعل الحضاري قروناً طويلة عاش خلالها مقلداً
ومجتراً لما أنتجه الأجداد. وأسباب ذلك كثيرة ـ أسباب ذاتية وموضوعية ليس
هذا مجال الحديث عنها ـ وخلال القرن التاسع عشر، ولأسباب عديدة أيضا ـ
ذاتية وموضوعية ـ تنبه العرب لحالهم ولما حولهم فوجدوا فيما وجدوه وضعهم
المتدني المتخلف قياسا بالأمم الأخرى المحيطة بهم وقياساً (وهو الأهم
لأنه أصبح الدافع للنهضة الجديدة) لمكانة أجدادهم من قبل، وبدأ البحث منذ
ذلك العهد عن المنهج القويم الذي يعيدهم إلى مسرح الفعل الحضاري... (كيف
نكون)؟ كيف نعيد للعقل العربي اتزانه ليكون عقلاً منتجاً بدلا من كونه
عقلاً مستهلكاً... عقلاً فاعلاً بدلاً من كونه عقلاً منفعلاً وباختصار
كيف يمكن أن نؤسس حداثتنا... كيف ننهض؟ أيكون ذلك بالرجوع الى تجربة
السلف والاستفادة منها والتواصل معها وهي تجربة حضارية غنية تميزنا عن
الآخر... الغرب؟ أم نلغي التجربة بحجة أنها لم تعد صالحة للعصر ونتصل
بالغرب ونتبنى تجربته؟.
لم يكن العقل العربي في موضع يسمح له بالاختيار بل كان معرضاً لضغوط بدأت
تزداد يوما بعد يوم، فهو معرض لمحاولات الإقصاء والعزل والتهميش من الآخر
ـ الغرب ـ وهو في الوقت ذاته مازال خاضعاً لسلطة التراث أيضا. والسؤال
هو: كيف يمكن للعقل العربي الحديث (الأنا الحاضر) أن يسحب أوراق استقالته
وإنهاء توكيله ليزاول نشاطه الحضاري وليثبت حضوره بعد غياب دام قروناً
عديدة، علماً ان سحب الأوراق وإنهاء التوكيل يحتاج الى مراجعة الحساب
وتصفيته بغية إنهاءه وغلقه. وهذا يعني ان على العقل العربي الحديث (الأنا
الحاضر) ان يراجع حسابه مع:
أولا: التراث... الذي هو تراثنا وتجربتنا الماضية. هل نبقى تجتر منه وهل
يمكن ان نقيم تجربة حضارية على غراره، كيف تحدد الأنا الحاضرة علاقتها مع
ماضيها... تراثها، كيف نجعل من التراث ميراثاً نتصرف به ونوظفه لصالح
حاضرنا بدلاً من ان نحل او نفنى به بالمعنى الصوفي... فنصبح كائنات محنطة
تعيش خارج الزمان فاقدة القدرة على الفعل التاريخي. كيف نجعل من التراث
وهو تراثنا عنصر قوة لندافع به عن مواقعنا المهددة من الآخر ـ الغرب ـ
الذي يحاول سلبنا هويتنا أو مسخها وتهميشنا ليجعل منا مجرد نقطة تدور في
فلكه.
ثانياً: الآخر... الغرب... القوي الحيوي المالك لكل أسباب التقدم
الباهر... الساطع... الذي عد اهم أسباب يقظتنا، الآخر... المختلف عنا
الذي يريد اختراقنا بغية تشويهنا واحتوائنا... الآخر... الدبابة...
والقنبلة النووية... الآخر السيد والباشا والإفرنجي الساخر من الشيخ
والصحراء والربابة، كيف يمكن التحرر من سطوته ونظراته القاسية
المتعالية... كيف يمكن اللحاق به ومصاففته أو مجالسته للتحدث معه
والتحاور حوار سيد لسيد وأمير لأمير ومفكر لمفكر وإنسان لإنسان.
بكلمة أخرى... كيف يمكن التصالح مع ذواتنا وتراثنا ونعيد للأنا حضورها
وفعاليتها وهويتها الخاصة بها، المعترف بها من الآخر المختلف.
وعليه فان إشكالية النهضة في الفكر العربي الحديث إشكالية مركبة من
إشكاليات ثانوية مترابطة ومتشابكة منها:
أ ـ إشكالية الأصالة والمعاصر.
ب ـ إشكالية العروبة والإسلام أو القومية والدين.
ج ـ إشكالية الأنا والآخر.
د ـ إشكالية الانفتاح والانغلاق.
وأي محاولة لحل هذه الإشكاليات يعني تبني موقفاً فلسفياً منها ويعني أيضا
اختيار منهج يتلاءم وينسجم مع هذا الموقف ويقويه. لهذا فقد تعددت المناهج
والمشروعات النهضوية المقدمة لحل المشكل واختلفت باختلاف فهمها وتحديدها
وباختلاف المواقع التي يحتلها المفكر المعني بالمشكل. ويمكن إجمال(5) هذه
الإجابات بثلاثة اتجاهات رئيسة هي:
1 ـ الاتجاه السلفي.
2 ـ الاتجاه المغترب.
3 ـ الاتجاه القومي.
وقد تفرعت هذه الاتجاهات الى تيارات فكرية، كل يطرح حلاً ويتبنى منهجا
ويدعو الى الأخذ به ويخطئ الآخر ويحاول منعه وإسكاته وربما تكفيره
وإزاحته وحتى قتله.
الاتجاه الأول (السلفي) يرى انه لا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به
أولها، أي بالرجوع إلى التراث وتحديداً الى الفهم التراثي للنص والالتزام
به والاقتداء بالسلف الصالح ويرى أصحاب هذا الاتجاه إن ما حل بالأمة كان
سببه ابتعادها عن النهج القويم الذي اختطه الرعيل الأول بزعامة الرسول
(ص) وسار عليه أتباعه فعظم شأنهم وقويت شوكتهم. وما أن حادوا عنه بدأ
الضعف يدب فيهم وحل ما حل بهم. وينقسم هذا الاتجاه إلى تيارات عديدة منها
المتطرف الذي يرفض كل جديد ويدعو إلى العودة للتراث والاكتفاء به لأنه
كاف لحل مشاكلنا، وقد غالى بعض أصحاب هذا الاتجاه في دعوته إلى رفض كل ما
هو غير عربي مسلم حتى في المجالات العلمية. أما الاتجاه المعتدل أو
الإصلاحي ـ محمد عبده وتلامذته ـ فقد دعا إلى تبني النموذج التراثي أيضا
ولكن بعد تجديده وإصلاحه وذلك بفتح باب الاجتهاد من جديد، وإجراء تحديث
في المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والإدارية لرفع أدائها
الوظيفي.
أما الاتجاه الثاني (الاتجاه المغترب) فيرى أن سبب تخلف المجتمع العربي
يرجع إلى تمسك هذا المجتمع بقيم ومفاهيم (قروسطية) وليس من العقل ولا
المنطق، الحديث عن أي مشروع نهضوي للمجتمع العربي ما لم يتضمن هذا
المشروع القطيعة التامة مع التراث، إفناء التراث... ويقترح أصحاب هذا
الاتجاه تبني النموذج الغربي أو الاقتداء به والاستفادة منه، ومثلما أقام
الغرب حضارته على أكتاف حضارتنا العربية الإسلامية يمكن لنا أن نتبنى آخر
ما وصل اليه الغرب حضارياً أيضا. وهذا يعني أن أصحاب هذا الاتجاه يسقطون
الخصائص الوطنية والقومية للمجتمع العربي. يتفرع هذا الاتجاه إلى تيارات
عديدة أيضا منها ما يدعو إلى تبني النموذج الغربي بالكامل مثل الاتجاه
الوضعي ـ زكي نجيب محمود في مواقفه الأولى وقد تخلى عنها في آخر حياته،
والدكتور ياسين خليل ـ ومنهم من يدعو إلى الاستفادة من المناهج الغربية
في فهم الواقع العربي وحل مشكلاته مثل الماركسية العربية.
أما الاتجاه الثالث (الاتجاه القومي) فيدعو إلى الجمع بين التراث
والمعاصرة بمعنى اننا يجب ان لا نغفل خصائص المجتمع العربي التي تميزه عن
باقي المجتمعات. فالحل المقترح لتجاوز حالة الركود والجمود يكون في بعث
روح الأمة من جديد والاستفادة في الوقت نفسه من الانجازات العلمية
والحضارية المعاصرة التي أنتجتها الأمم الأخرى ومنها الغرب بما لا يتعارض
وروح الأمة العربية.
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه ان الوحدة القومية (وعلى كل الأصعدة السياسية
والاقتصادية) هي الحل الأمثل لمشاكل الإنسان العربي الذي سيعيد إليه حالة
الإتزان ويوفر له الإمكانيات الكبيرة لتجاوز تناقضات الواقع ويحقق له
نهوضه الحضاري.
ان هذا التباين الكبير في الاتجاهات العربية يكشف لنا حجم التحدي الذي
يواجهه العقل العربي... وهو تحدِ مصيري (أن يكون أو لا يكون) ويعني إن
هذا العقل ما زال حياً نابضاً بالحياة أيضا بالرغم من كل النعوت والتهم
بفقره وسطحيته وغيابه. فالعقل الذي يعي انه يعيش أزمة ويواجه مشكلة
ويحاول البحث عن مخرج وحل لأزمته ومشكلته (وان لم ينجز ذلك) عقل لا يصح
وصفه بهذه الصفات السلبية. ان ما يمارسه العقل العربي من صراع حاد مع
ذاته (النقد ونقد النقد) هو حالة صحيحة وهي الخطوة الاولى بالاتجاه
الصحيح لتحقيق مشروعه النهضوي الذي يجب ان لا نتوقع تحققه بين ليلة
وضحاها لأن بناء أي مشروع حضاري يستغرق قروناً والتغير في البنى
الاجتماعية يكون بطيئاً غير ملحوظ فالحضارة الغربية الحديثة وبالرغم من
توفر كل العوامل المساعدة لنهضتها قد استغرقت أكثر من ثلاثة قرون من
تاريخ يقظتها حتى دخولها عصر الحداثة (العصر الحديث الذي يبدأ بالقرن
السادس عشر وسبقه عصر النهضة الذي تمتد بداياته إلى القرن الثاني عشر او
قبله بقليل) أما نحن فسيبقى العامل الخارجي الذي يحاول الكثير من
المفكرين العرب تجاهله وإغفاله العائق الأكبر لنهضتنا. سيحاول وبكل ما
أوتي من قوة إجهاض أي مشروع نهضوي عربي حقيقي بوسائل وأدوات قد لا ننتبه
إليها.
واعتقد من السذاجة الحديث عن تحاور عربي ـ غربي او مصالحة عربية ـ غربية
لان مثل هذا الحديث يتجاهل حقيقة العقل الغربي المكون تأريخياً. هذا
العقل الذي يبيح لنفسه استعباد الآخر واستحلال أمواله وممتلكاته إن وجد
لذلك سبيلا. وخبرتنا الطويلة معه شهادة كافية لصدق حكمنا هذا. وأرجو أن
لا يفهم من كلامنا هذا دعوة للقطيعة مع الغرب بل العكس تماماً إن دراسة
تجربته الحضارية والاستفادة منها بعدها تجربة حضارية غنية مختلفة وليس
بقصد استعارة حلول او نقل تجربة فهذا لا يصح في بناء الحضارات وإنما بقصد
إغناء تجربتنا ومنحنا قدرة أكبر على مواجهة مشكلاتنا. وأرى من الضروري ان
نحاول اختراق الآخر ـ الغرب والتحايل عليه للإطلاع على ما يخفيه عنا من
علوم متطورة. والاهم من كل هذا وذاك ان نسرع في بناء البنية التحتية
لمجتمعاتنا على أسس علمية حديثة وان لا نجعل من خلافاتنا الفلسفية او
العقيدية سبباً لتعطيل هذا البناء. لان بناء مستشفى ورفع المستوى الصحي
او تعبيد شارع وتحسين طرق المواصلات والإتصالات أو بناء مدرسة ورفع مستوى
التعليم او بناء مشاريع زراعية حديثة وتبادل الخبرات فيما بيننا وحتى
إنشاء مشاريع كبرى مشتركة تقام على أسس الاقتصاد العلمي البحت الذي
غاياته النفع والربح الأوفر وفتح الحدود البينية للأفراد والخبرات...
الخ، ان كل هذه المجالات لا تنجز على أسس فلسفية او عقائدية وإنما على
أسس علمية وحسم الخلافات فيها محسوب. ولا اريد ان استطرد أكثر لأعود الى
موضوع بحثنا (إشكالية المنهج في الفكر العربي المعاصر) ولنقف عند
انموذجنا المختار (حسام محيي الدين الآلوسي) لنتعرف على الآليات والأدوات
المنهجية التي اعتمدها في معالجاته لإشكالية النهضة.
الأستاذ الدكتور حسام محيي الدين الآلوسي/
إنموذجا
1 ـ الآلوسي: المفكر والإنسان
البحث عن جواب للمشكل الذي أثرناه في مدخل البحث ـ كيف نكون ـ عند
الآلوسي يعني عرضا تفصيلياً لنشاطه الفكري مدة تجاوزت أربعة عقود كانت
حافلة بالإنجاز العلمي، فقد قدم الآلوسي الكثير خلال هذه المدة شملت
دراسات تفصيلية في الفكر الفلسفي العربي الإسلامي ودراسات في الفكر
الأسطوري وبواكير الفلسفة عند اليونان وامتدادها إلى المدارس اليونانية
المتأخرة.
كما قدم دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة وله دراسات عديدة في فلسفة
الحضارة وفلسفة العلوم لم تر النور بعد(6). وفي كل هذه الدراسات المتنوعة
كان الآلوسي يناقش وينقد الباحثين السابقين عليه عرباً وغربيين، وكان
يكشف عن قصور مناهجهم التي اعتمدوها في الدراسة التي قادت إلى النتائج
الخاطئة والناقصة التي توصلوا إليها ومن خلال هذه الدراسات يمكن تلمس
المسار الذي اختطه الآلوسي في حياته ونمو أدواته المنهجية التي تتضح أكثر
في بحوثه المتأخرة (خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي).
يقدم لنا الآلوسي أول مرة «إذا استثنينا مقالاته الأربع المنشورة في مجلة
الثقافة الجديدة المتعلقة بموقفه من التراث الفلسفي وبرنامجه في تدريس
الفلسفة»(7) خطوات منهجه بشكل واضح في مقدمة كتابه «دراسات في الفكر
الفلسفي الإسلامي»(8) وتبع هذا الكتاب سلسلة من اللقاءات والمقالات
والبحوث المنشورة هنا وهناك تناول فيها مواضيع فلسفية مختلفة نلاحظ فيها
محاولات الآلوسي الدائبة لإنضاج أدواته المنهجية أكثر فأكثر منها: بحثه
الموسوم (تأصيل فلسفات الوجود) وسلسلة لقاءاته مع حميد المطبعي. وفي مطلع
التسعينات قدم لنا الآلوسي بحثين فصل فيهما أدواته المنهجية هي: الفصل
السادس من كتابه «الفلسفة والإنسان»(9) والمعنون (الفلسفة والمنهج
الأمثل). وبحثه الموسوم «البنية والعلاقة»(10) المنشور في العدد الأول من
المجلة العربية الفلسفية الصادرة في عمان. ويضاف الى هذين البحثين بحثان
جديدان يخلص فيهما الآلوسي الى ما انتهى إليه من رؤية منهجية ليس فقط في
الدرس الفلسفي الأكاديمي وهي الصفة التي غلبت على بحوثه السابقة تقريباً
وإنما يحدد فيهما أيضا مشروعه النهضوي وهما: إشكالية العقلانية في الفكر
العربي والثاني: العقلانية العربية: طبيعتها ومستقبلها.
وعليه يمكن تقسيم هذه المسيرة العلمية منهجياً الى
مرحلتين رئيستين هما:
1 ـ المرحلة الاولى: مرحلة البداية والشباب وهي التي نجدها في بحوثه
الأولى لاسيما المقالات الأربعة المنشورة في مجلة الثقافة الجديدة ومقدمة
كتابه: (دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي). نلاحظ في هذه المرحلة
التأثير الواضح للماركسية في منهج الآلوسي ـ المنهج المادي الجدلي
التاريخي ـ نلاحظ مفاهيم مثل الانتماء الطبقي، الصراع الطبقي، المنهج
الثوري، المثالية، المادية، التقدمية، الرجعية،... تذكر كثيراً في أبحاثه
هذه ونلاحظ أيضا تأكيد الآلوسي ضرورة معرفة موقع الفيلسوف وانتمائه
الطبقي لكي نكشف عن خلفياته الفكرية فضلاُ عن لغة الآلوسي في أبحاثه
الأولى كانت تتصف بالوثوقية والاطلاقية والسبب في ذلك إن الآلوسي كان
يتبنى منهجاً أو يقف على ارض يعتقد أنها صلبة فلم يشك في صدق نتائجه
ونلاحظ أيضا إن مرجعياته ومصادره في هذه المرحلة كان جلها ماركسياً.
2 ـ المرحلة الثاني: وهي مرحلة النضج والاكتمال. بدأت بكتابه الفلسفة
والإنسان ومن ثم بحوثه الأخيرة ومنها (العقلانية العربية: صور ونماذج،
والعقلانية العربية: طبيعتها ومستقبلها). فنلاحظ مثلا في بحثه (البنية
والعلاقة) تركيز الآلوسي على (العامل الفردي) عاملا ً أهم في تفسير
الاختلافات بين المذاهب الفلسفية في حين عد العامل الاقتصادي ـ وهو
العامل الأهم في المنهج الماركسي ـ عاملاً ثانوياً لا يمكن ان يفسر
التنوع والاختلاف بين الفلاسفة ولم يعد التنوع الفكري في مجتمع معين يعبر
عن مواقع طبقية (فهذه التصنيفات الفكرية أوسع واعرض في المستوى الطبقي
فهي موجودة حتى بضمن أفراد الطبقة الواحدة). ولم تعد البنية التحتية
(العامل الاقتصادي) هي المحركة الوحيدة ولا حتى العامل الرئيس في نمو
وتطور المجتمع وإنما البنى الفوقية (الدين والفلسفة والقيم الاجتماعية
وباختصار عقلانيات المجتمع المكونة تاريخياً هي العامل الأكثر أهمية ويجب
ان يحسب حسابها عوامل مؤثرة في تطور المجتمع. يقول الآلوسي «ان التكوين
المسبق ـ تاريخية الفكر، حياته، وأدواره، ما أسميناه البنية المكونة
تاريخياً في الفكر الإسلامي والعقلانيات التي أفرزتها واشرنا الى بعضها
مما هو متوفر فيها، لا بد ان يحسب حسابها انها واقع مؤثر سواء في القيم
او المؤسسات او اللغة او الآثار او العبادات والطقوس والأعراف... هي هنا
مثل كائن حي بجميع خلاياه وأعضائه، البنية المكونة تاريخياً وهي بنية
موحدة خاصة تنتمي لمجتمع عربي إسلامي وليس لاي مجتمع اخر، وأفكارنا الآن
وردود أفعالنا تتأثر بهذا الواقع التاريخي والمؤسسات، واللغوي والديني...
الخ»(11). وهذا لا يعني ان الآلوسي قد تخلى تماما عن منهجه السابق
(المنهج المادي الجدلي التاريخي) في منهجه الجديد الذي اسماه (المنهج
الجدلي التاريخي التكاملي) وهنا نرجو ملاحظة اننا أسقطنا مفهوم ـ المادي
ـ دلالة للتغير في موقف الآلوسي المنهجي والفلسفي، فالمنهج الجدلي
التاريخي التكاملي هو كما اشرنا يعد نضوجا في أدوات الآلوسي المنهجية
يسير على وفق خطوط عامة تعين الباحث على تلمس طريقه أثناء عمله مثل مفهوم
(الدوائر) ومفهوم (البنية والعلاقة) ومفهوم (التأثر والتأثير) هذه
المفاهيم هي أشبه بإشارات مرورية توجه حركة الباحث وتعينه في السيطرة على
موضوعه كما تتيح له الاستفادة وتوظيف كل نتائج العلوم الجديدة مثل علم
الانثروبولجيا وعلم النفس والبايولوجيا لتقدم له أفضل تفسير ممكن للظاهرة
المدروسة(12) وهو يفترض نتائج مسبقة وجاهزة وليس مجرد قوالب جاهزة يفصل
الموضوع على وفق مقاساته كما اعتدنا ان نلاحظه عند متبني هذا المنهج
(المنهج المادي الجدلي التاريخي) الذين يقولون بحتمية التغير على وفق
منطق المادية الديالكتيكية (المادية الجدلية) وإنما الموضوع عند المنهج
الجدلي التكاملي يبقى محافظاً على بنيته الكاملة.
2 ـ الخصائص العامة لمنهج الآلوسي التكاملي:
يمكن الآن وبعد هذا العرض للمنهج التكاملي المقترح أن نعود إلى شيخنا
ليحدثنا عن أهم خصائص هذا المنهج ومراحله يقول أستاذنا الفاضل: ان المنهج
الصحيح الآن في دراسة الفلسفة هو المنهج التاريخي الجدلي التكاملي(13)
الذي يصح كما يشير الآلوسي في مكان آخر إلى دراسة حقول أخرى مثل التاريخ
والفن والسياسة. وخصائص هذا المنهج هي:
1 ـ انه منهج جدلي: أي انه (يتناول الظواهر والأفكار في ارتباطها
وتبعيتها المتبادلة في تطورها وتغيرها ويكشف عن الجوانب الداخلية
المتضادة التي يشكل الصراع بينها مصدر تطورها)(14).
2 ـ وتاريخي: بمعنى انه يهتم (بدراسة وتتبعه للتراث الفلسفي بإظهار
المواقف والنظريات من داخل أداءها الوظيفي في زمانها أي عمن تعبر ومن
خلال وقوفها مع حركة التقدم او ضدها)(15). إن الفيلسوف وكذلك الأديب
والمصلح والعالم (لا يبدآن من الصفر وبالاعتماد على خبراته الفردية
المعزولة فقط. انه هو نفسه نتاج التربية والمنجزات المكتسبة من المجتمع
والمدرسة والكتاب والمختبر والمعمل وبالتالي فان أي دراسة لمشكلة فلسفية
او فيلسوف أو أديب... الخ، لا بد ان نأخذ في الاعتبار دراسة التراث
السابق لمعرفة موقع الفيلسوف او الفلسفة المدروسة من سياق التطور الفلسفي
سواء الذي قبلها او الذي هو معاصر لها(16). ويجب ان لا نحمل الظاهرة
المدروسة أكثر مما تحتمل وإنما يجب ان تقرأ على وفق سياقها التاريخي
ووظيفتها «بحيث تبقى الأفكار والفلسفات والنظريات العلمية تحمل كلماتها
وجملها وتعبيراتها ما كانت تعنيه وقت استعمال النص وظهوره»(17).
3 ـ مبدأ الاجتماعية والعلائقية: والمنهج التكاملي يهتم بطابع العلاقات
الاجتماعية السائدة وعلاقة المذاهب الفلسفية بهذا الشكل من العلاقات
وموقفها منه، أي من الصراعات الاجتماعية والثقافية(18). وعدم التركيز على
جانب واحد مثل العلاقات الاقتصادية وهو ما اهتم به عدد كبير من متبني هذا
المنهج (المنهج الجدلي المادي التاريخي) مثل الطيب تيزيني وحسين مروة في
العالم العربي ومنظري الماركسية (وخاصة في الاتحاد السوفيتي سابقا) لان
التركيز على جانب واحد من العلاقات لن يفسر التنوع والاختلاف في المذاهب
الفلسفية والفكرية(19). والعامل الاقتصادي عند الآلوسي يمكن ان يفسر
الحقائق الكبرى والظواهر المشتركة العامة لفكر مرحلة معينة ولكن هناك
عوامل أخرى تمثل دوائر أضيق ولكنها أكثر أهمية عند الآلوسي فالعامل
الفردي الذي يمثل أضيق الدوائر هو الأكثر «أهميته في تفسير التنوعات
والمواقف الفلسفية المتعددة»(20).
4 ـ مبدأ العلمية: أي الاهتمام بالأطروحات العلمية حتى زمان المدروس
وصلتها بالفلسفة او الفيلسوف. فالعلم يؤثر تأثيرا كبيرا في النظريات
الفلسفية فمثلا «أثرت نظرة العلم الى سكون المادة وعدم ربط الكم بالنوع
والإقرار بالحركة الميكانيكية فقط وفكرة المكان الطبيعي للعناصر وتقسيم
العالم الى عالم العناصر والعالم الأثيري الفوقي»(21). ويمكن ملاحظة
تأثير نظرية التطور الدارونية في العلوم الاجتماعية وكذلك تأثير النظريات
الفيزيائية الحديثة والمعاصرة في الفلك وفي النظريات الفلسفية الحديثة
والمعاصرة(22).
5 ـ مبدأ الوطني والقومي او الخصائص الوطنية والقومية: يعطي المنهج
التكاملي أهمية واضحة للخصائص الوطنية والقومية التي تختلف من بلد الى
آخر ومن زمن الى آخر في البلد الواحد. وهذه الخصائص التي يدعوها الآلوسي
أحيانا بالطابع (الفكري والروحي) هي «اجتماعية النشأة وليست راجعة لأسباب
بايولوجية وهي لذلك مؤقتة او لنقل مرتبطة بالبنية الثقافية الاجتماعية
والتاريخية... الخ، أي إنها قابلة للتبدل بل هي بالفعل متبدلة وهي مرتبطة
بالزمان والمكان وليست خصائص مطلقة وأبدية»(23) فالطابع اللاهوتي للعصور
الوسطى أصبح فيه افتراض عدم وجود موجب للوجود يترتب عليه محالات في حين
كان الطابع الروحي للعصر الحديث لاسيما في أوربا هو الطابع المادي الآلي
فصار تبني الفرض السابق يترتب عليه مشكلات فلسفية.
6 ـ المبدأ الفردي او الشخصي: يقول الآلوسي «ونقصد به ان للفرد كشيء لا
يتكرر وجوده خاص مع ماله من صفات مشتركة تحددها كونه إنسان وكونه ينتمي
إلى فترة معينة وتاريخ معين وغير ذلك، فانه، أي الفرد، يمكن ان يضاف
كعامل آخر لتفسير الإبداع الفلسفي والنظرة الخاصة التي يفرزها تاريخ
الفلسفة»(24).
7 ـ الاستقلال النسبي لتاريخ الفلسفة: يقول الآلوسي «ان تاريخ الفلسفة
ليس تطورا متساوقا مع التاريخ بشكل تام»(25) فالتطور في الفكر الفلسفي قد
يسبق او يتأخر عن تطور البنى الاقتصادية والمادية في المجتمع.
قلنا ان هذا المنهج معني أساسا في البحث الأكاديمي الذي اعتمده الآلوسي
في دراسته وأبحاثه العلمية، أي انه ليس جوابا للمشكلة التي أثرناها في
مدخل دراستنا هذه (إشكالية المنهج في الفكر العربي المعاصر) ولكن هذا
المنهج يمكن ان يوضح لنا المرتكزات الأساسية والمرجعية التي يعتمدها
الآلوسي في قراءة التاريخ البشري العام وتطور الحضارات الإنسانية
وارتقاءها. واعتمده الآلوسي (كما قلنا) في قراءة تراثنا العربي الإسلامي
في أبحاثه العديدة وهذا يعني ان هذا المنهج يمكن ان يوفر لنا أدوات
منهجية تمكننا من فهم تراثنا فهما صحيحا لا يسئ الى حاضرنا ولا يلغي
ذاتنا الحاضرة كما لا يشوه هذا التراث ويقوله اراء لم يقلها ولا يحمله ما
لا يحتمل. وذلك لان الآلوسي يصر على ضرورة قراءة التراث على وفق مقولة
(السياق التاريخي) فيجب ان لا نسقط الزمان عند قراءتنا لاي نص تراثي. كما
ان هذا المنهج يرفض أي تجزئة ومهما كانت مسوغاتها في قراءة التراث. ويجب
ان لا ننتخب اتجاها من دون أخر معبرا عن روح التراث ونرفض البقية بحجة
انها اتجاهات سلبية او هدامة وانما يجب ان نأخذ التراث كلا غير مجزأ لأنه
يفسر بعضه بعضا ولكل اتجاه مسوغاته ودوافعه ولا توجد فكرة او نظرية ظهرت
اعتباطا وإنما هي بنت زمانها ومكانها.
والنقطة الأخرى المهمة جدا والتي أكدها الآلوسي في كل بحوثه تقريبا هي
الصراع الجدلي للأفكار. فكل النظريات الفلسفية والفكرية المتنوعة هي في
الحقيقة تعبر عن مواقف أصحابها الفكرية وهم بذلك يحاولون جادين استخدام
جميع الأسلحة الممكنة لا سيما تأويل النظريات العلمية او النصوص الدينية
لتدعيم آرائهم وتقوية مواقفهم ولكن في النهاية سيأكل الصح الخطأ(26).
والاهم من ذلك ان هذا الاختلاف والتنوع سيثري الحضارة ويغنيها ويعطيها
قدرة اكبر على البقاء والاستمرار شرط ان لا يدخل عنصر الإرهاب الفكري
ومنع الفكرة بالقوة المادية سلاحا من هذه الأسلحة يستخدمه الأقوى والأقهر
ماديا ومن يملك القدرة عليه سواء باستعداء سلطان او عامة (كما فعل
المعتزلة ضد خصومهم) ضد الاتجاهات الأخرى. ان النظريات الفلسفية والأفكار
هي عند الآلوسي بنى حية مربوطة بأناس لهم لحم ودم وهذه النظريات والأفكار
آراء تبنوها لحل مشاكلهم وسيبقى منها ما هو قادر على مواجهة مشاكل أخرى.
والمشكلة... كل المشكلة حين تتحول نظريتنا عبئا علينا أي حين تصبح عائقا
للتطور فتتحول النظرية من أداء وظيفة وحل مشكلة الى ان تصبح هي المشكلة.
وفي هذه الحال يجب ان تموت النظرية لنبقى نحن، أي الذي يجب ان يبقى هو
نحن البشر الحاضرين ذوي اللحم والدم الموجودين في الزمان والمكان. ويجب
ان تكون كل نظرياتنا في خدمتنا تحل مشاكلنا وليس العكس صحيحا. ولكن هذه
المشكلة... مشكلة بقاء نظرياتنا العاطلة عن أداء أي وظيفة. كيف نقتلها
لنبقى نحن؟؟ لنؤجل البحث عن جواب هذه المشكلة الأكثر أهمية في نهضتنا
موضوع بحثنا هذا، لنواصل الحديث عن الخصائص العامة لمنهج الآلوسي.
ان الطابع العام لمنهج الآلوسي الجدلي التاريخي التكاملي هو منهج تطوري
لكونه ينظر الى التاريخ البشري العام على انه تطور مطرد. اللاحق يستفيد
من السابق ويكمله ويغنيه، فالحضارة اليونانية مثلا لم تبدأ من الصفر
وإنما استفادة من المنجز الحضاري السابق عليها سواء من الحضارة العراقية
القديمة او الحضارة المصرية الفرعونية حتى حضارات الشرق القديم ـ الهندية
والصينية ـ ويصدق هذا الكلام على الحضارة العربية الإسلامية فهي الأخرى
قد استفادة من الانجازات الحضارية السابقة عليها (هندية، فارسية،
يونانية، بالإضافة الى المخزون الحضاري عند العراقيين والمصريين). أي ان
الحضارة العربية الإسلامية قد انفتحت على الانجازات الحضارية السابقة
عليها، فالعرب المسلمين قد تبنوا جميع المواقف التي تقوي من مواقفهم ـ
دينا ودولة وحضارة ـ وأسبغوا على ما نقلوه طابعهم الخاص المتميز. ولم
يكونوا مجرد نقلة او نساخ كما يدعي بعض الباحثين الغربيين بل هم كما يرى
الآلوسي مبدعون حتى في نقلهم لأنهم وظفوا جميع ما أخذوه توظيفا جديدا
يتناسب وخصائص حضارتهم التي أقاموها. وقل مثل هذا الكلام في الحضارة
الغربية الحديثة التي قامت على أكتاف الحضارة العربية الإسلامية. اذا
الطابع العام للحضارة هو التطور والتواصل، ولكن هذه المسيرة الحضارية
للإنسان يمكن تقسيمها الى مراحل او حقب ولكل مرحلة او حقبة طابعها الخاص
ومميزاتها الخاصة مثل العصر الأسطوري او ما قبل الفلسفة وعصر الفلسفة
اليونانية وعصر سيادة الأديان السماوية في القرون الوسطى ويكون لكل مرحلة
من هذه المراحل مستوى معين من التطور التقني والمادي والعلمي.
والآلوسي لم يتجاهل الخصائص الوطنية والقومية المكونة تاريخيا التي
يدعوها أحيانا بالطابع الروحي، فثقافة المجتمع ونوع العلاقات الاجتماعية
التي تربط بين أعضائه أي عقلانيات المجتمع المكون تاريخيا هي التي تحدد
نوع الوافد إليها الذي سيكون نسيجها وستفرز بالضرورة كل المكونات الضارة
او التي لا تنفع ولا تتلاءم مع بنائها العام الكلي، لان الحضارة ـ كما
أوضحنا سابقا ـ هي بنية حية مثلها مثل الكائن الحي تماما فهي حين تنفتح
على الثقافات الأخرى المختلفة عنها لا تأخذها كما هي وإنما تتمثلها مثلما
يفعل الكائن الحي حين يتمثل الغذاء الذي سيصبح جزءا من نسيج جسمه.
والملاحظة المهمة التي يوردها الآلوسي هنا هي ان الخصائص الوطنية
والقومية هي متغيرة ومتبدلة وهي نفسها قد تكونت عبر التاريخ. وحين نتحدث
عن حضارة يونانية او ثقافة يونانية او عقل يوناني لا نتحدث عن ماهية
يمتاز بها اليونان عن غيرهم ولا يصح الحديث عن عقل عربي وثقافة عربية
بهذا المعنى أيضا لان ما نعنيه عند الحديث عن هذه المسميات هو تعين مرحلة
زمنية ـ مكانية تميزت بنوع من الثقافة والعلوم والتطور التقني. فالمجتمع
اليوناني مثلا لم يبق محافظا على الخصائص نفسها في القرون الوسطى لا سيما
بعد انتشار الدين المسيحي وظهور دولة الإمبراطورية بدلا من دولة المدينة.
هذه هي اهم الخصائص العامة للمنهج الجدلي التاريخي التكاملي الذي وظفه
الآلوسي في كل أبحاثه الأكاديمية. وفي ضوئه ـ كما سنلاحظ ـ يقدم لنا
الآلوسي قراءته للثقافة العربية المعاصرة وفي تحليل الواقع العربي
المعاصر وتحديد اهم معضلاته وسيعتمد عليه في اقتراح المشروع النهضوي
الجديد أيضا. لنتابع الآلوسي اذن كيف يوظف أدواته المنهجية في تحليل
الواقع العربي الجديد وتحديد مشكلاته، وسنلاحظ على أي أسس يقترح حلوله
للنهوض بهذا الواقع المتخلف الى واقع أفضل.
مصادر وهوامش البحث
ــــــــــــــــ
(*) كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية
(1) د. سعيد بن سعيد:التيارات الفلسفية في الفكر العربي المعاصر والموقف
من التراث: ملاحظات تمهيدية، بحث منشور ضمن بحوث المؤتمر الفلسفي الأول
الذي نظمته الجامعة الأردنية ونشرت أعماله تحت عنوان(الفلسفة في الوطن
العربي المعاصر)،منشورات مركز دراسات الوحدة العربية،الطبعة الثانية 1987
ص:108
(2) الطريق الجديد الذي نقصده هو: الأطروحات الجديدة التي أثارها بعض
الباحثين العرب المعاصرين المعنية بالعولمة او النظام الجديد والخصخصة
والشرق أوسطية... الخ
(3) كتب هذا البحث في نهابة عام 1995 وقد اعتمد في بعض مصادره على بحوث
مخطوطة للآلوسي نشرت لاحقا ولم يعاد توثيقه لذا اقتضى التنويه
(4) محمد عابد الجابري ؛ نحن والتراث: قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي،
دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان،الطبعة الرابعة 1985، ص: 28.
(5) للمزيد يمكن مراجعة الآلوسي ؛ الدكتور حسام محيي الدين ؛ الفلسفة في
الفكر العربي المعاصر: هل هي إبداع أم إعادة إنتاج، مجلة أفاق عربية
بغداد عدد1 لسنة 1992.ص 28 ـ 42. حيث فيه إحصاء للاتجاهات الفكرية
العربية الحديثة والمعاصرة.
(6) د. علي حسين الجابري:أصالة الآلوسي الفلسفية في كتابه: الفلسفة
والإنسان، المجلة الفلسفية العربية الصادرة عن الجمعية العربية الفلسفية،
عمان، المجلد الثاني،1995 ص:5-7 هامش 1 و2 يذكر فيه الباحث السيرة
العلمية للآلوسي وعناوين أعماله حتى عام 1995 كذلك انظر: أعمال الندوة
المقامة في بيت الحكمة تحت عنوان المشهد الفلسفي في العراق المعاصر
والمنشورة تحت العنوان ذاته في بيت الحكمة بغداد حيث يذكر فيه الآلوسي
أعماله غير المنشورة
(7) د. حسام محيي الدين الآلوسي؛ الفلسفة وتدريسها في الجامعات ؛ مجلة
الثقافة الجديدة
(8) د. حسام محيي الدين الآلوسي؛ دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي،دار
الشؤون العامة بغداد،العراق 1992 ص: 19
(9) د. حسام محيي الدين الآلوسي؛ الفلسفة والإنسان، دار الحكمة،وزارة
التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد الطبعة الأولى 1990.
(10) د. حسام محيي الدين الآلوسي؛ البنية والعلاقة، المجلة الفلسفية
العربية، عمان المجلد الأول العدد 1،2 لسنة 1992 صص
(11) د. حسام محيي الدين الآلوسي؛ العقلانية العربية وطبيعتها ومستقبلها،
بحث مقدم للمؤتمر الفلسفي العربي الرابع المنعقد في عمان من 25 - 27 / 11
/ 1995 صص 19 – 20
(12) مثل استخدام قانون لاشبيليه في البايولوجيا لتفسير التطور الحضاري
الدن {plastic } فالتطور الحضاري عند الآلوسي لا يمكن ان يكون تطور
عشوائي او فجائي او مرن elastic} {وانما هو محكوم بجملة من العوامل أهمها
الموروث الفكري للمجتمع، والمجتمع يمكن ان يتمثل الوافد إليه من
المجتمعات الأخرى فلا يأخذه جاهزا كما هو ـ أي لا يبلعه بلعا ـ وإنما
يتمثله ويهضمه مثلما نتمثل الغذاء المكون لأجسادنا. وأي تغير لا يمكن ان
يطال البناء الكلي للجسم. للمزيد يمكن مراجعة الآلوسي: د.حسام الدين
العقلانية العربية طبيعتها ومستقبلها بحث مقدم للمؤتمر الفلسفي العربي
الرابع المنعقد في عمان من 25 ـ 27 / 11 / 1995
(13) د. حسام محيي الدين الآلوسي ؛ الفلسفة والإنسان،مصدر سابق ص:175،
كذلك كتابه الآخر: دراسات في الفكر الفسلفي الإسلامي مصدر سابق ص 10،
كذلك بحثه البنية والعلاقة مصدر سابق ص 45.
(14) د. حسام محيي الدين الآلوسي ؛ الفلسفة والإنسان،مصدر سابق ص 176.
(15) الآلوسي ؛ دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ؛ مصدر سابق ص 15
(16) المصدر نفسه ص 14. كذلك انظر بحثه تأصيل فلسفات الوجود ؛ المنشور في
العدد الثاني من دوريات مجلة آفاق عربية وتحت عنوان: الفلسفة والحضارة،
مايس 1985 ص 81 – 84.
(17) الآلوسي ؛ دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي مصدر سابق ص:15
(18) المصدر نفسه ص 10 كذلك الفلسفة والإنسان مصدر سابق ص 176.
(19) الآلوسي البنية والعلاقة، مصدر سابق ص 45
(20) المصدر نفسه
(21) الآلوسي ؛ الفلسفة والإنسان، مصدر سابق، ص 176.كذلك دراسات في الفكر
الفلسفي الإسلامي، مصدر سابق ص 13
(22) للمزيد يمكن مراجعة الآلوسي، د. حسام محيي الدين: الآثار الاجتماعية
لنظرية التطور، مجلة الأديب المعاصر بغداد العدد29، لسنة 1985.
(23) الآلوسي: الفلسفة والإنسان، مصدر سابق،ص 177.كذلك راجع دراسات في
الفكر الفلسفي الإسلامي مصدر سابق،ص 13 وما بعدها.
(24) المصدر نفسه ص 177
(25) المصدر نفسه ص 178 – 179.
(26) ان قانون (الصح يأكل الخطأ) قانون تطوري متأثر بقانون دارون (البقاء
للأصلح) وقد لقي هذا القانون انتقادات كثيرة أهمها نقد كارل بوبر له إذ
يرى بوبر ان المعيار الوحيد الذي يمكن ان نعتمده لمعرفة الأصلح على وفق
هذا القانون هو "الباقي" أي ان كل ما هو باق هو صالح وهذا يعني ان عبارة
(البقاء للأصلح) تساوي منطقيا عبارة "البقاء للباقي" أي ان معنى الاصلح
متضمن في كلمة البقاء. وعليه فان هذا القانون لا يقدم لنا معرفة جديدة
ولا يمكن أن يكون لنا عونا في عملية الانتخاب الحضاري. ويحاول بوبر أن
يجري تعديلا على هذا القانون يتناسب مع اتجاهه النقدي العقلاني وبما لا
يخرجه من الاتجاه التطوري الذي ينتسب إليه. للمزيد يمكن مراجعة
Popper K. R., Objective Knowledge, An Evolutionary Approach, Claredon
Press, Oxford, 1972 p. 244
كذلك انظر الهيتي ؛ فوزي حامد ؛ نظرية العوالم الثلاثة عند كارل بوبر
رسالة ماجستير غير منشورة كلية الآداب جامعة بغداد 1994 ص: 31.
|