الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

الثلاثاء: 18/03/2008

 

العولمة والعالمية في ضوء سنن الله الكونية(*)(2/4)

أ.د. ابراهيم شوقار(**)

2 – التصور الثاني: نموذج حول الحوارات
لما تبين لأكثر المحللين أن هانتنغتون إنما يفصّل أطر (العولمة) لمصلحة أطراف بعينها، مدركين حقيقة مقترحاته المقدمة في صيغة دعوة إلى التعايش بين الحضارات بأنها نوع من سياسة (إدارة الأزمات) [كوثراني، صدام الحضارات، مصدر سابق، ص101]، وتيقنوا أن مقولاته ستنتهي حتماً إلى المصير نفسه الذي انتهت إليه مقولات فوكوياما في (نهاية التاريخ) فتجاوزها التاريخ، لما أدركوا كل ذلك رفعوا من جانبهم شعار: «حوار لا صدام» (Dialogue, not Clash of Civilizations)[Spring, Ursula Oswald, Dialogue not Clash of Civilizations: CRIM/UNAM, Mexico, 6/8/2000].
والحوار مبدأ قرآني أصيل في التعامل مع الغير على المستويات كافة لبثّ الدعوة، إلى جانب المجاهدة لحمايتها ودرء الفتنة ليكون الدين لله. فهما منهجان متكاملان لا يغني أحدهما عن الآخر، ولكن لكل ظرف يلائمه دون الآخر، وقد يجتمعان، ولكن الحوار هو الأصل: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 43-44].
شروط وآليات الحوار ومجالاته
ويحدد القرآن للحوار أطراً وحدوداً مختلفة، وقضايا ووسائل، ثم يضع شروطاً في سبيل إفضائه إلى أفضل النتائج. يقوم أساس الحوار في القرآن على الأصل الواحد للبشرية، أي علاقة المساواة والتكافؤ العام للبشرية فيما بينها، من حيث المبدأ، أمام خالقها سبحانه. وهذا هو أوسع إطار للحوار: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]. إذاً شرط الحوار هو الإنسانية فقط، بصرف النظر عن كل المواقف: العقدية، والثقافية، والحربية وغيرها، فلا استثناء لأحد أن يجلس مع المسلم على طاولة الحوار.
أما موضوعات وقضايا الحوار فشاملة لكل مناحي الحياة: الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والفنية والرياضية، وغيرها [الترابي، عبد الله حسن، «أطروحات الحركة الإسلامية في مجال الحوار مع الغرب»، مقال ضمن كتاب: صدام الحضارات، مصدر سابق ص123]. ومن أهم آليات الحوار الأرضية المشتركة بين الأطراف، فلا معنى للحوار إذا لم يكن ثمة أمراً مشتركاً في القضايا وبعض مستوى الفكر، مع وجود مساحات للتباين والاختلاف فيُعمل على التقريب بينها عبر الحوار: «قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا» [الكهف: 94].
وأهل الكتاب من اليهود والنصارى هم أحق الناس بالحوار من هذا الوجه، نظراً لتوفر أرضية واسعة مشتركة مع المسلمين، لذلك يضع القرآن شروطاً خاصة لصالحهم: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46].
والغريب أن هانتنغتون في أطروحته يفترض أن الحضارة الإسلامية ستتوافق مع الحضارة الكنفوشية وتقفان في مواجهة الحضارة الغربية، في إطار من (الغرب ضد الآخر):
والقرآن يقول: لا يكون ذلك إلا إذا كانت الحضارة الغربية نفسها حضارة ظالمة {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ}. لا ينحصر مجال الحوار في مستوى الأمم والجماعات، بل يخصص القرآن مساحة أخرى للجدل والحوار بين أخوة الإسلام، طلباً للحق وتوحيداً للمواقف، في إطار المجتمع الواحد ممن لهم توجهات فكرية مختلفة، أو مواقف سياسية متباينة. فقد وقع من ذلك شيء كثير بين الصحابة رضوان الله عليهم، حتى في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما هو الحال في شأن شروط صلح الحديبية. وهذه خولة بنت ثعلبة تحاور رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في شأن قضية اجتماعية: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة: 1]، {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 233] [شوقار، إبراهيم: منهج القرآن في تقرير حرية الرأي ودوره في تحقيق الوحدة الفكرية بين المسلمين (دمشق: دار الفكر، ط1، 2002) ص49].
وهناك شروط للحوار يضعها القرآن من أجل التوصل إلى نتائج مفيدة. والشرط العام لذلك هو العلم، أي المعرفة الدقيقة بالآخر المحاور وبموضوع الحوار: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} [الحج: 8].
فإذا وضعنا هذا الشرط موضع التطبيق في حوار المسلمين مع الغرب في هذا العصر، ينبغي للمسلمين أن يكونوا على علم تام بطبيعة الإنسان الغربي: خلفيته التاريخية ومنطلقاته الفكرية، وطموحاته والغايات التي يسعى إلى تحقيقها، والأهداف التي يقاتل من أجلها ونوع الأدوات التي يستعين بها.. إلخ، وبصورة عامة معرفة اجتماعية – أنثروبولوجية، إلى جانب الإلمام التام بموضوع الحوار نفسه في أبعاده القريبة ونتائجه البعيدة. وشرط آخر يضعه القرآن للدخول في حوار، أو الاستمرار فيه، هو أن لا يكون الحوار لمجرد الجدل، أو لدحض الحق وإبطاله: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [الكهف: 56].
فقد قبل النبي صلّى الله عليه وسلّم في صلح الحديبية شروطاً يبدو في ظاهرها الإضرار بموقف المسلمين، حتى أثارت حفيظة بعض الصحابة (رضوان الله عليهم)، ولكن كانت نتائجها في صالح المسلمين على المدى الطويل. وفي الجملة إنه لا يمكن إثارة معركة التنمية والنمو والتطور ما لم نكتشف الأرضية التي نقف عليها، ومن أين نُضرب وكيف ولماذا؟، ولا يمكن أن نكتشف ذلك إلا إذا اكتشفنا أنفسنا أولاً ومن يضربنا ثانياً، وذاك اكتشاف لا يتأتى خارج الكتاب الكوني، أو بمعزل عنه وهو القرآن الكريم [حاج حمد، أبو القاسم، العالمية الإسلامية الثانية (بيروت: دار ابن حزم، ط2، 1996) 2/13]. وفي مقابل هذا التصور القرآني المتكامل عن الحوار تقف اليهودية العالمية وراء قوى الاستكبار العالمي وتدفعها إلى رفض إجراء أي حوار جدي مع المسلمين، بل مع كل الشعوب المستضعفة، حول القيم الثقافية. وذلك بدعوى أن قيم الحضارة الغربية هي المعيار، ثم السعي إلى فرضها على الشعوب، بحجة أنها قيم عالمية وأن تبنيها سيحل المشكلات الاقتصادية والاجتامعية!.
المسلمون بين الحوار والمجاهدة
ولأن أمر الحوار أو المجاهدة يتعلق بالسنن الكونية المنوط بها التغيير في المجتمع البشري، فإن عنصر الزمن فيه يؤدي دوراً محورياً. بمعنى أن لدقة اختيار المنهج المناسب لظرف بعينه، استقلالاً أو جمعاً بين المنهجين (ترغيباً وترهيباً)، دور كبير في نجاح الخطط المطلوبة في التدافع الحضاري بين الأمم. وفي الواقع هذا هو التحدي السافر الذي يواجه المسلمين في كل عصر، وبه يظهر التباين بين التدافع الحضاري على مقتضى السنن الكونية والنظرة الإنسانية.
كان المسلمون يوم الأحزاب أكثر ميلاً إلى الحوار والصلح، كما كانوا يوم بدر أكثر ميلاً بقلوبهم إلى الغنائم (عرض الدنيا). ولا شك أن في ذلك مصلحة ظاهرية، ولكن الخيار الإلهي الذي جاء وفق سنن التاريخ كان مخالفاً: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 5-7].
وعلى النقيض من ذلك كان يوم حنين، إذ لَمّا شعر المسلمون بكثرة عددهم، بل صرحوا بها وتباهوا، جاءت النتائج على خلاف ما تقضي به الأسباب المادية، وقد عكس الله تعالى ذلك بقوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25].
ولبيان أهمية عنصر الزمن والتوقيت في فاعلية المنهج، لننظر إلى واقعنا المعاصر ونفترض أن قرار خطف الطائرات والارتطام بها على الأبراج التجارية لم يتخذ في تلك الظروف التي ظهر فيها بصورة جلية بوادر الانحياز الدولي ضد الهيمنة الأمريكية والطغيان الإسرائيلي، والتي تجلت من خلال الخروج الأمريكي من لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وكذلك العزل التام لأمريكا وإسرائيل في مؤتمر جنوب إفريقيا حول قضايا الاستعمار، فما النتائج التي سوف تسفر عنها تلك الأحداث لو تقدم ذاك القرار أو تأخر أو لم يتخذ بالمرة؟
ثم افترض مرة أخرى أن قرار غزو الكويت، بتخطيط من اليهود، لم يصادف تلك الظروف الدولية الحرجة بانهيار الكتلة الشيوعية، فكيف يكون حال الأمة الإسلامية والعربية اليوم؟
إذاً اليهود هم الذين أدركوا أهمية عنصر الزمن في التدافع الحضاري، وغدوا يفتعلون الأحداث بدقة لصالحهم، مهما كانت مروعة في نتائجها، كتدمير تلك الأبراج بمن فيها في تلك الظروف الدقيقة التي كادت أن تشكّل نقطة تحول ضد الهيمنة الأمريكية بسيطرة اليهود. وقد عبر هنري كسنجر عن هذه الحقيقة بكل وضوح: «إن أوروبا متحدة يتوقع أن تصر على خصوصية الرؤية الأوروبيَّة لشؤون العالم، وهي طريقة أخرى للقول بأنها سوف تتحدى الهيمنة الأمريكية على السياسة الأطلسية. وقد يكون هذا ثمناً مناسباً يدفع من أجل الوحدة الأوربية، لكن السياسة الأمريكية قد عانت من عدم الرغبة في الاعتراف بأن ثمناً ما يجب أن يدفع» [Henry Kissinger, The White house Years, Boston: Little brown and Co (1979), p. 82. وقارن إبراهيم أبو ربيع، العولمة: هل من رد إسلامي معاصر، مصدر سابق صلَّى الله عليهِ وسلَّم24، (الهامش)].
وقد دُفع الثمن فعلاً الآن بافتعال أحداث سبتمبر وما لحقها من أحداث!
فإذا تم تفسير كل هذه الأحداث والوقائع التاريخية، بما فيها ظاهرة (العولمة) ودور اليهود فيها، في ظل سنن الله الكونية، لا يمكن فهمها إلا في إطار الإرهاصات التي تعقب الظهور الكلي للدين الحق عالمياً. وذلك لأن الله تعالى عندما يريد لسنة إلهية أن تأخذ طريقها إلى حيز الوجود، فإنه تعالى يهيئ لها أسباباً كثيرة ومختلفة، بما في ذلك متناقضات نتائجها ظاهرياً [إن أفضل مثال لذلك هو خرق السفينة من صاحب موسى عليهما السلام لم يؤد إلى غرقها، بل بالعكس إلى نجاتها].
وقد قرر القرآن هذه الحقيقة وبيّنها بصورة عملية من خلال واقعة بدر والأحزاب وحنين، كما بينها نظرياً في مواقع مختلفة من السور، منها قصة انتصار طالوت على جالوت على الرغم من أن كل الشروط الموضوعية القائمة على الأسباب تشهد بعكس ذلك [معلوم مما ذكره القرآن أن طالوت لم تكن بجانبه أية أسباب للنصر، حيث تولى مهام الملك في ظروف حرجة، فلم يقف بجانبه إلا قلة من بني إسرائيل لأنه لم يكن من ورثة الملك كما لم يكن ذا مال، ثم نقصت القلة التي معه من الجنود وهو في الطريق إلى المعركة بسبب الشرب من النهر! فكل هذه الشواهد كانت تدل على عكس النتائج التي تحققت، أي الانتصار على جالوت. راجع تحليلاً علمياً لهذه القصة: حاج حمد، العالمية الإسلامية الثانية، 1/38-41]. والشواهد كثيرة في القرآن، قاعدتها العامة قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
إذاً لقد جاءت (العالمية) في هذه المرة، مفروضة من قبل الغرب، وفق مفاهيم معينة لأغراض تخصهم بصيغة (العولمة)، على كُره من المسلمين كما جاءت واقعة بدر، التي هي نقطة تحول في تاريخ الإسلام، على كره منهم. وأما ما يصاحب هذه العالمية من إجراءات تعسفية (أي العولمة)، وإن كان فيها إذلالاً للمسلم، وامتهاناً لعزة الإسلام، فليس ذلك مدعاة لرفض الفكرة نفسها التي حملها القرآن من قبل ووضعها في إطار الرسالة الخاتمة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].
ونخلص من كل ذلك إلى السؤال الآتي: ما الخيار الأفضل للأمة الإسلامية والعربية للتعامل مع (العولمة)، في هذه الظروف، من أجل توجيهها نحو الظهور الكلي للرسالة العالمية التي جاءت بالدين الحق؟، هل هو المواجهة والصدام، أم الاستسلام والدعوة إلى الحوار؟
مرة أخرى هذا هو التحدي الحقيقي، والحكمة ضالة المؤمن، ويبدو أن الخيار الإلهي هنا أيضاً على خلاف ما تميل إليه قلوب المسلمين. ولكن لَمّا كانت سنة الله الجارية تقضي بأن التغيير الإلهي يأتي على وفق التغيير البشري، فإنه يجب على المسلمين أن يدفعوا ثمناً ما.
مبادئ قرآنية عامة للتعامل مع العولمة
إن كل عمل يقوم به المسلمون تجاه العالمية، أو أي منهج يختارونه للتعامل مع العولمة وتفعيلها يجب أن يكون وفق المبادئ الآتية:
أولاً: العمل على إبراز الأمة في صورة النموذج الأعلى للمجتمعات البشرية: فالأمة الإسلامية هي الأمة الوسط، وهي خير أمة أخرجت للناس كما وصفها القرآن. وذلك يعني الانفتاح على مجالات الحياة كافةً، لحمل رسالة الإنسانية الحضارية الكبرى. وإن كان قد أقصيت الأمة عن أداء هذا الدور الطليعي لظروف تاريخية، فإن العودة إليه مرهونة بالوعي الكامل لهذا الدور نفسه. أي أن يجعل ما هو موجود في الإسلام من محاسن ومزايا بالقوة، موجودة فيه بالفعل، لأنه من غير الملائم أن يتم تبليغ الإسلام عن طريق التبليغ فحسب، كما يفعل النصارى [المودودي، أبو الأعلى، نحن والحضارة الغربية، الدار السعودية للنشر (جدة 1987) ص340-341].
ثانياً: المبدئية في التعامل: العمل بالمبادئ من متطلبات عقيدة التوحيد التي تستوعب حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً ودولة. ويسري نطاق المبدئية على المستويين الداخلي والخارجي، لهذا فإن الأمة الإسلامية تقترب من الآخرين بمقدار قربهم من مبادئها، وتبتعد عنهم بالمقياس نفسه، فعلى ضوء المبدأ تتحدد نوعية العلاقات. ويقوم أساس المبدأ على عقيدة الأمة مدعومة بالدراسات العميقة والخطط المدروسة. {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} [محمد: 35].
ثالثاً: نفي السبيل على المؤمنين: يستند هذا المبدأ إلى نصوص عديدة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141]، وبموجبه يصبح أي تصرف أو معاهدة أو عقد يؤدي إلى إذلال المسلمين أفراداً وجماعات، أو يؤدي إلى تفوق الكافرين عليهم، باطلاً وملغياً من أساسه في حق الأمة. وإذا كان هذا وعداً قاطعاً من جانب الله، فيجب على المسلمين السعي لسد جانبهم، لأن فعل الله يأتي على وفق فعلهم. وهذا مبدأ توازيه قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وتظهر أهميته في هذا العصر الذي يتعرض فيه المسلمون للابتلاء.
رابعاً: العدالة في التعامل: العدل من المنظور القرآني هو الأساس الذي تقوم عليه حياة الخلق والمخلوقات جميعها، بما في ذلك السماوات والأرض: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ} [الأنعام: 73]، {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} [الروم: 8].
إذاً ينبغي للإنسان أن يتبع هذا المبدأ طوعاً من تلقاء نفسه، والمسلمون أحرى الناس بذلك، سواء كان التعامل مع الأفراد أو الكيانات، داخلياً أو خارجياً. والآيات القرآنية التي تأمر بالعدل تكاد تشمل سائر الجوانب، حتى مع الأعداء: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].
ويدخل ضمن مبدأ التعامل بالعدل مبدأ آخر هو التعامل بالمثل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وإن كان العفو والصفح هما الأولى عند المقدرة.
خامساً: احترام العهود والعقود والاتفاقات الدولية: وهذا الأصل من أهم الأصول التي تعتمدها سياسة الأمة في تعاملها مع الآخر، فإنه يستمد من الواقعية التي تتسم بها النظرة الإسلامية من جهة، واحترام مقتضيات التعامل مع الآخر من جهة أخرى: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 34].
فالعهد أو العقد المبرم إذا وقع مستوفياً لشروطه كان أمراً ملزماً على المستويات كافةً، ما لم ينقضه الطرف الآخر. لذلك كان عهود المسلمين وعقودهم مع الغير ينبغي أن تكون مسبوقة بالتفكير الجدي والتخطيط الجيد. وأول عهد قطعه المسلم على نفسه هو عهد الإيمان الذي قطعه مع الله تعالى، فيجب عليه الوفاء بمقتضيات نطقه بالشهادتين أولاً.
هذه هي أهم المبادئ التي تحكم سير الأمة وهي في طريقها إلى التعامل مع العولمة بصورة تحقق أفضل النتائج للبشرية [راجع مزيداً من التفصيل لهذه المبادئ: الشيخ محمد علي التسخيري: (نظرة في العلاقات الدولية في ضوء القرآن)، ضمن مقالات المؤتمر الثاني للفكر الإسلامي بطهران 1986م ص275].


(*) مجلة التجديد/ الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.
(**) استاذ الدراسات القرآنية والحديثية، كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.