الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الأحد: 29/05/2011

 

  

 

 

المدينة الالكترونية، ما هي؟ وهل يمكن تصورها في العراق؟

 

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

 

 

 

برزت فى الآونه الأخيرة أسماء كثيرة للمدينة العصرية المعتمدة على الحواسيب و الشبكات مثل مدينة المعلوماتية و المدينة السلكية، و المدينة الخفية،  و المدينة الذكية، و المدينة الافتراضية  والمدينة المتصلة ، والقرية الافتراضية ، وغير ذلك. فهل كل هذه الأسماء من نسج الخيال وهل نعود الى تصورات الفارابى فى مدينته الفاضلة ، لنشعر كيف أن هذا العبقرى تنبأ بما يستطيع العقل البشرى من أن يحول الخيال الى واقع؟ عملياً لا تخلو مدينة ما  فى العالم (النامى والمتقدم) من قدر معين من مظاهر المدينة الألكترونية . فكل المدن التى نعرفها تحتوى على خطوط هاتف وخطوط لاسلكية وجهاز بريد وبرق، وإشارات ضوئية وساعات فى الشوارع لقياس الوقت و الحرارة والرطوبة ولوحات إرشادية ألكترونية تعمل كلها لخدمة سكان المدينة فى  مجالات النقل والسياحة والتسوق ونشاطات المجتمع المدني الأخرى. ولكن ما سر هذا المصطلح الجديد ، وكيف استطاع ان يتحول من اهتمام متخصصى ادارة نظم المعلومات الى اهتمام مخططى المدن ، ويأخذ حيزا كبيرا من تفكيرنا.

أول إستخدام لمصطلح المدينة الرقمية كان فى المؤتمر الآوروبى للمدينة الرقمية فى عام 1994 ، وفى عام 1996 دشن الاوربيون مشروع المدينة الألكترونية فى عدد من المدن الاوروبية ، والتى لاقت نجاحاً متواضعاً ثم تبنّت السلطات الآوروبية بشكل أاساسى مدينة أمستردام كمدينة رقمية تلتها مدينة هلسنكى . وفى الولايات المتحدة برزت عدة محاولات لإعلان بعض المدن كمدن رقمية الا ان معظمها اخذ الطابع التجارى وليس الطابع المدنى الشامل للمدينة. وتوالت بعد ذلك التعريفات للمدينة الالكترونية من أكاديمين وعلماء فى الالكترونيات ،(والتى لا أتفق فى الغالب معها بشكل كامل) .

وقد اختلط لدى البعض مصطلح المدينة الالكترونية بالحكومه االألكترونية . ومن تلك التعريفات على سبيل المثال ماكتبه كوهين (Cohen 2001)  ااااااhhعنها بانها الحاضرة ذات الروابط الاتصالاتية والهندسة الشبكية التى تحكم من قبل قطاع تقنية المعلومات لتنفيذ عمليات تبادل المعلومات ، وعرفت (couclelis,1992) المدينة الرقمية بأنها "محاكاة شامله تعتمد على تقنية الشبكة العنكبوتية لتنفيذ الوظائف الاعتيادية لقاطني المدن بطريقة الكترونية الطابع وينفذها اشخاص عاديون فى مدينة عادية " . ومن هذا التعريف يبرز ان المدينة الرقمية هى مدينة مرتبطة بالجغرافيا (وليس الافتراض الجغرافي )، وانها مدينة روادها هم الاشخاص الاعتياديين وليست مقصورة على متخصصي الحاسوب والشبكات . ومن محفزات بروز ظاهرة المدينة الاكترونية تسارع الاختراعات فى مجال تقنية الحاسوب والمعلومات والاتصالات واسعة النطاق ونضوج تقنية انظمه المعلومات الجغرافية التى ساهمت في تسهيل ربط التجمعات السكانية ببعضها .  

مع حلول القرن الحادى والعشرون ، ادى اتساع غير مسبوق فى تقنية المعلومات ، اختراعا واستخداما ، الى نقل العالم بشكل متسارع من عصر الصناعة إلى عصر المعلومات . وكان من الفوائد الايجابية لتقنيات هذا العصر فى زيادة الكفاءة والفعالية الاقتصادية والادارية ، وتحسين مستويات العداله المجتمعية وتحقيق الامن وزيادة النمو الاقتصادي ورفع كفاءة انتقال الاموال الاستثمارية عبر الحدود . بنفس الوقت خففت فى الكلف الاقتصادية المختلفة وحاصرت البيروقراطية والروتين وقصرت الاجراءات التى تهدر المقدرات والوقت ، وقللت من الضغط على شبكات النقل والازدحام على الطرق وقللت من معدلات استخدام الطاقة وبالتالى نسب التلوث ، كما خففت مستويات الجريمة ومخاطر العمل فى المصانع والمكاتب وقد ادت الاستفادة من مقدرات التقنية بالمجمل الى تحسين مستوى حياة المجتمعات والتجمعات السكانية المختلفه .

وبطبيعة الحال لم يكن ذلك ليحصل لولا تكريس المتخصصين من فنيين واكاديميين وتنفيذيين لجهودهم وتخصيص المقدرات التمويلية المناسبة لتحقيق هذه الاهداف. وبهذا نستطيع القول بان المدينة الالكترونية هى احدى الوسائل المهمه لتحقيق رفاهية المجتمعات وتوضيح ان القصور فى المستويين الاداري والتخطيطي لها يمكن ان يكون اكثر اهمية من الجانب التقني والفني. اذا لابد من الإلتفات الى عملية تخطيط المدينة الالكترونية وتوضيح عناصر البيئة التخطيطة والتى هى بالاساس من اختصاص راسمى سياسات الاعمار ومخططى المدن. وحيث تشهد المدن على المستويات المعمارية والعمرانية والاقتصادية مولد واختفاء عناصر وظيفية بها ، لذلك على مخططي المدن ان يعيروا اهتماماً كبيراً لهذه التحولات .

لقد اعطت ثورة المعلومات والاتصالات امكانيات جديدة لطي البعد المكانى وتغير الشروط المكانية لاداء بعض الوظائف . لهذا ستختلف بالتبعية احتياجات المستخدمين للمسطحات وسوف تسود اللامركزية فى مراكز الانتاج والعمل . حتى ان فراغات المعيشة بدأت تتأثر فى هيئتها الهندسية لاختلاف اساليب التسلية والتعليم والعمل والمعاملات المصرفية والكثير من الانشطة الاجتماعية. وستشهد امكانية العمل فى المنزل (الذى تطلب هو الاخر حتمية وجود مسطح مناسب للعمل بالمنزل وهو مؤشر الى تغيير ببرنامج الانشطة داخله).

كما تنبأ الكثير من الاخصائيين الاجتماعييين بان اوقات العمل والراحة ستصبح نسبية فى المجتمعات فى ظل الثورة الرقمية، وستظهر فراغات معمارية ذات انشطة جديدة فى مشاريع معمارية مغايرة لطبيعة هذه الانشطة. كما ستشهد تحولاً فى انماط المنشآت العامة مثل المكتبات والمصارف واماكن التسوق وستشهد اضافات لبرامج المشاريع الكبرى مثل دمج مراكز الاتصالات ببرامج مشاريع المطارات ، وستصبح الفنادق اماكن للعمل والاجتماعات ، فتقلص انشطة هنا وتزداد اخرى هناك . كما ستضاف مشاريع مستجدة ماكانت موجودة من قبل على المستوى العمراني ومنها على سبيل المثال لا الحصر:  القرية الذكية / ومقاهى الانترنت وغيرها ان التدخل التكنولوجي والرقمي فى الأنشطة الإنسانية غيّر من خصائصها وسماتها من حيث الموقع المكاني فى مجالات العمل والتعليم . كما ستتغير نوعية وكفاءة الخدمات الصحية والثقافية والترفيهية واساليب ادارتها مما سيؤثر حتماً فى شكل المدينة من تمركز وعدم تمركز ، او بعبارة اخرى اعادة انتشار لمكونات المدينة بحيث تتمركز بعض الانشطة وتنتشر بعضها. والأنشطة الإنسانية التي ستنتشر معتمدة على قدرة سكان المدينة على القيام بها بالإمكانيات المتاحة للتكنولوجيات الحديثة تتمثل في :  التجمعات السكنية التى ستظهر وكأنها مغلقة communities"  "Gated وأما أماكن العمل، فستبتعد اداراتها عن مواقع الانتاج فيها ، وسيمكن القيام ببعض هذه الانشطة فى حيز فراغي غير مادي اسماه خبراء التخطيط بالـ"Cyber communities" المدينة ذات التحكم الاتوماتيكي.

من المشروعات التى سيكثر الطلب عليها هي المراكز الترفيهية والرياضية الكبرى لتعويض التفكك الاجتماعي الناتج عن انتشار ظاهرة السكن المشتركة واماكن العمل. ومنها ما سيتمركز وينتشر فى نفس الوقت مثل المراكز الاقتصادية لتتحكم الكترونيًا وفيزيائياً بسوق المال والاسواق التجارية .

اى اننا نتوقع إعادة لترتيب توزيع نسب كثافات إستخدامات الأراضى للمدينة وما يترتب على ذلك من تغيرات جذرية فى خدمات البنية الأساسية وخاصة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات. كما ستظل المدن هى مراكز التقاء المجتمعات والمعلومات والثقافات والمعرفة مدعمة ببنية اساسية قوية للاتصالات وللنقل الجماعي .

مما سبق سنشهد تغيراً فى التركيبة العمرانية للمدن المتقدمة والمدن المتخلفه (عودة استخدام لفظة "المتخلفة" فى لغة الحوار للتفرقه بين "الناميه او الفقيرة" عن التخلف التكنلوجي . فالكثير من المدن الواقعة فى جنوب شرق اسيا واسيا العربية تعتبر مدناً متقدمه تكنولوجياً رغم موقعها الجغرافي فى دول ناميه).    

لذا لابد على المخططين بأن يقوموا بتطوير نظريات تخطيط وتصميم المدن بما يتناسب مع التطور التقني فى علوم وتقنيات الإتصالات والمعلومات . وايجاد نظريات ومفاهيم حديثة في تخطيط المدن ، وخاصة مفاهيم المدن الالكترونية والرقمية والمعرفية وتشخيص المشاكل والمعوقات والاثار السلبية والإيجابية الناشئة عن تطبيق مفهوم المدينة الألكترونية . وطرح البدائل للوصول الى مجموعة من الحلول التى تدعم الاثار الايجابية وتتغلب على الاثار السلبية.    

واخيراً فان المدينة الالكترونية هى المدينة الاعتيادية ذاتها ، وان المواطن الالكتروني هو قاطن المدينة الاعتيادي كما ان مخططي المدينة الألكترونية يجب أن يكونوا هم مخططي المدينة الإعتيادية . والذين يأخذون بنظر الاعتبار الابعاد الاجتماعية والحضارية عند ترتيبهم لأولويات العمل. وللجواب على امكانية وجودها فى العراق فى الظرف الحالي لابد من قراءة الجزء الثانى من هذه الدراسة والذى يحدد المعوّقات التى تحول دون تحقيق ذلك . والذى سيتبع هذا الجزء بعونه تعالى.

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>>> 

المصدر : من الموقع :

http://alnoor.se/article.asp?id=120017