القانون والقيم الاجتماعية
دراسة في الفلسفة القانونية
د. نعيم
عطية

تظل (المعرفة القانونية)
ناقصة ما لم ينتقل الفقيه إلى ما وراء الواقع متعدياً إطار
الصيغ التي يتحرك تفكيره في داخلها . ولن تكتسب المعرفة
القانونية كمالها إلا بالبحث عن الغاية من الأنظمة القانونية ،
وعندئذ ستكتشف تلك المعرفة (فكرة القيمة الاجتماعية) التي تجعل
لذلك الصرح الشامخ من النصوص والأحكام وجوداً منطقياً ،
فالقانون صياغة من أجل هدف اجتماعي ، هو تصوّر لما يجب أن تكون
عليه الأوضاع والعلاقات في الحياة الاجتماعية . فالقانون إنما
ينبع من تصور لما هو الصالح المشترك للجماعة التي يصدر
لتنظيمها.
المبحث
الأول
نحو دراسة
غائية للقانون
عندما تطرح مشكلة على بساط
البحث فإن أفضل الحلول يتوقف على ما يأتي به هذا الحل من
نتائج. ومن ثم يكون الحل المقترح لأية مشكلة اجتماعية منوطاً
بالنتائج التي يرتبها هذا الحل. وتتمثل أفضلية حل على غيره من
الحلول المطروحة في افضلية النتائج التي يجلبها للمشكلة محل
البحث.
فإذا كان القانون – على
تفسير من التفسيرات – هو ارادة المشرّع، فإن الذي يكشف معنى
القانون هو الهدف الذي وضع المشرع نصب عينيه بلوغه وتحقيقه.
وعلى ذلك فإن خصيصة القانون تكمن أساساً في الهدف المبتغى.
وتتأكد لنا هذه الحقيقة أيضاً إذا تابعنا عن كثب اولئك الذي
يتخذون القرارات التي يتألف منها القانون، فهؤلاء يقع على
عاتقهم مهمة الاختيار بين سياسات متنوعة. ولا يمكن أن يحكم هذا
الاختيار سوى تقدير للنتائج المنعكسة عن هذه السياسات على
الحياة الاجتماعية.
وقد كان جيرمي بنثام
(1748-1832) أول من دعا الفكر السياسي الحديث إلى الاعتداد
بالنتائج كمنهج، وقياس مشروعية التصرف لا على ضوء مبادئ مسبقة
ولا على ضوء التصرف في حد ذاته –أي بنواياه وصورته- بل على ضوء
ما يولده من نتائج ومدى ملائمة هذه النتائج وجدواها. وبذلك دعا
بنثام الباحث إلى أن يتعدى التصرف ذاته باحثا عن آثاره، أو
بعبارة أدق أن يقوم التصرف على هدى من نتائجه. ومن ثم يجب أن
تكون المعرفة منشغلة بما يسعى إليه السلوك الإنساني.
وقد مضى بنثام في تشييد
مذهبه مقررا أن "المنفعة العامة" أو "السعادة العامة" هي مجموع
"المنافع أو السعادات الفردية" ومن ثم كانت "السعادة القصوى"
هي "سعادة أكبر عدد من الناس" ذلك أنه لا مفر من أن تتعارض
سعادة البعض ومنافعهم مع سعادة البعض الآخر ومنافعهم. ويقتضي
الحصول على "أكبر قسط من السعادة" الاعراض عن "سعادة البعض" أو
أن يتخلى كل عن قسط من سعادته في سبيل ألا تتعارض سعادته مع
سعادة الآخرين. فتكون "السعادة القصوى" بذلك "أكبركم من
المنافع" ومن ثم تبدو مشروعية القيود التي ترد على مسالك
الأفراد.
ويبدو من ذلك أن "مذهب
السعادة القصوى" الذي شيده بنثام قد قام عىل النقاط التالية:
1) ان شرعية التصرف
الإنساني تكون بنتائجه والمنافع التي يحققها سواء بالنسبة
لصابحه أو للآخرين.
2) ان القانون باعتباره
تصرفا انسانيا يخضع في تقويمه والتقصي عن مشروعيته للآثار
الاجتماعية التي يرتبها.
3) ان هذه الآثار إذ تقاس
بها مشروعية فإنه يجب أن يوضع في الاعتبار أكبر قسط من السعادة
اتو المنفعة يحققه وأكبر قسط من الآلام أو المكاره يجنبها
البشر المعاملين بأحكامه.
وهكذا يتجلى: اولاً: الربط
بين القانون والقيمة الاجتماعية.
ثانيا: الربط بين القيمة
الاجتماعية ومبدأ السعادة القصوى باعتبار ان المصلحة العامة أو
المشتركة هي مجموع اكبر قسط من المنافع.
ثالثا: الاعتداد بمعيار
"كمى" للقيمة الاجتماعية.
وقد أعقب بنثام في تبني
"مذهب السعادة القصوى" تلميذه جون ستيوارت ميل (1806-1873) الا
أن هذا الأخير تمرد على "المعيار الكمي" للقيمة الاجتماعية
مقرراً:
1) ان الصالح العام أو
المشترك ليس مجرد مجموعة من صوالح فردية.
2) ان الصوالح الفردية كما
تتضارب فيما بينها قد تتعارض ايضاً مع الصالح العام أو
المشترك. وقد رأى جون ستيوارت ميل من ذلك ان التوفيق الحق بين
الصوالح الفردية والصالح العام أو المشترك لا يتأتى باعمال
"المبدأ الكمي" بل بالرجوع إلى ما سبق أن نبه إليه ارسطو
(384-322 ق.م) من "وجوب اعلاء الذكاء والفطنة على البهيمية
وغريزة الحيوان".
ولما كانت المسرة والتحرر
من الألم هما ما يمكن ان ترغب فيه الارادة فقد قرر بنثام من
قبل أن كل فرد انما يسلك السلوك الذي يعتبر انه الموصل إلى
أقصى سعادة ممكنة. وإذا كان بنثام قد أضاف إلى ذلك أن المسرات
لا تعني الفرد وبالتالي المشرع من ناحية الكيف بل تعنيه فقط من
ناحية الكم، فقد عدل جون ستيوارت ميل عن رأى استاذه وقرر أن
العبرة الأولى في المسرات وفي التفضيل بينها يقوم على "نوعها"
فهناك من المسرات ما تعلو وتسمو على غيرها. ومن هذا القبيل
المسرات أو المتع الذهنية والروحية فهي تعلو على المتع
الجسدية. وان من المتع الذهنية مثلاً ما لا يختار عنها الفرد
بديلاً مهما لقى في اجتنائها من مشاق. وان التفرقة بين المتع
الدنيا والمتع العليا وتفضيل الثانية على الأولى انما يرجع على
الاخص إلى ما لدى الانان من "شعور بالكرامة" ولا شك أن انحراف
الفرد عن المتع العليا إلى المتع الدنيا انما يرجع إلى عدم
تبصره بحقائق الامور، أو بعبارة سقراط من أن مرتبك الشر ليس
الا جاهلاً بالخير أو غير قادر على ادراكه. ويعترف جون ستيوارت
ميل بذلك بوجود مستوى أعلى للحياة الإنسانية يجدر بالأفراد
الاتجاه إليه، وان وقوفعهم عند مستوى للحياة أدنى ليس مرده إلى
الارادة بقدر ما يعود إلى العيوب والظروف السيئة المحيطة
بالارادة، أي ان الارادة الإنسانية السليمة نزاعة بطبعها نحو
المتع العليا، أي نحو الكمال، ويجدر بالمشرع ان يعتد بذلك
الكمال. ويرى جون ستيوارت ميل ان المتعة الحقة الباقية هي في
الانتاج من أجل الإنسانية، فهذه هي التي تدوم، وان الإنساني
جيب ان يخرج من ناحيته عن فدريته المعزلة ليزيد روابطه
واحتكاكاته بالآخرين. ولذلك أمكن ان نؤمن بإمكان خدمة الفرد
للمصلحة العامة.
وتظهر تفاؤلية جون ستيوارت
ميل عندما يقرر ايمانه بأن كل الشرور التي في العالم قابلة
للقضاء عليها أو على الأقل لحصرها في أضيق الحدود. ويجب على
القوانين الوضعية والتنظيمات الاجتماعية أن توفق قدر الامكان
بين سعادة أو مصلحة كل فرد وبين سعادة أو مصلحة المجموع. ويجب
أن تغرس في الأذهان شدة الترابط بين سعادة كل فرد وسعادة
المجموع، والتعود على انتهاج السولك الذي يحقق المصلة العامة
أو المشتركة.
وقد كان غرض جون ستيوارت
ميل من التسمك بأن المسرات والآلالم يختلف بعضها عن البعض
الآخر اخلافا كيفيا كما تختلف أيضاً اختلافاً كميا أنه يصل إلى
تسجيل ان الغاية النهائية ليست هي مبدأ المنفعة بل "مبدأ
الكرامة الإنسانية" فهو يرى من ناحيته أن التحقيق الذاتي
للانسان أي التعبير الإنساني للفرد هو الخير ذاته، وهو في ذلك
يختلف إلى أبعد حد عن بنثام الذي عنى بتسجيل ان تحقيق السعادة
وتفاد
ي الألم هما الهدف الموضوع
أمام الإنسان. أما جون ستيوارت ميل فقد ذهب إلى أن مسرة من
المسرات تعتبر أفضل من الأخرى إذا كان من شأنها أن تولد الشعور
بالكرامة في الإنسان. وهكذا فإن معيار الصلاح أو الخير ليس هو
مبدأ المنفعة السابق بل يجب علينا أن نقول أن الافعال خيرة متى
كانت تولد شعوراً أعلى من الكرامة في المرء. ومن ثم يدلي جون
ستيوارت ميل بمفهوم للحياة الخيرة على أسس غير تلك التي قام
عليها مدلول بنثام الأصيل لتلك الحياة. فمدلول هذا الاخير يقوم
على مجرد تقصي الإنسان للسعادة وتحاشي الألم، اما مدلول جون
ستيوارت ميل فهو يقوم على اذكاء الشعور بالكرامة الإنسانية لدى
المرء. فهذا في نظره هو السبيل الوحيد الذي تتمثل فيه السعادة
الحقة مفهومة فهما انسانيا.
ثم يجيء اهرنج (1818-1873)
ليلامس المشكلة عن كثب أكبر كفقيه مقررا ان الحقوق مصالح
تحميها قوة اجتماعية تشكل القانون على هدى من تصوراتها عبر
كفاحها من أجل اثبات وجودها. ومن خلال دراساته المتعمقة
للقانون الروماني خلص الجرماني اهرنج إلى انه في مجال المنافع
لا بد من ايجاد تسلسل لا يجيز لمنفعة أدنى ان تخرج عن اطار
منفعة أعلى في سلم المنافع المتدرجة وهكذا يتعين اعلاء المصلحة
العامة على المصلحة الفردية.
كما تخضع المصالح الفردية
بدورها لتدرج هرمي يتيح لبعض المصالح الفردية اذتها علوية على
بعض مصالح فردية أخرى، وذلك على ضوء من الصالح العام الذي يعبر
عنه في القانون.
وبذلك يصل اهرنج إلى تقرير
النتائج التالية:
1) ان القانون لا يتقصى
الصالح الفردي كهدف في ذاته، بل كمجرد أداة لكفالة الجماعة.
2) على ان صالح الجماعة
المشترك هو في النهاية حاصل عمليات توازن بين المنافع لاقائمة
عبر صراع تاريخي بين القوى المستهدفة لهذه المنافع.
3) ومن ثم وجب أن تكون
دراسة القانون "دراسة غائية" تبحث عما وراء الصيغ الظاهرة
طلباً للتعرف على "القيم الاجتماعية" النابضة وراء الصيغ
القانونية التي تجسدها.
ومن زاوية هذا "الاتجاه
الغائي" في دراسة القانون ظهر الاهتمام المعاصر باستجلاء القيم
التي تستهدفها النظم القانونية. وبعد ان كانت "القيم" في
البنيان القانوني منحدرة عن "القانون الطبيعي" ذي الأبعاد
العلوية الجامدة المجردة أصبح باحثو القانون يركزون أنظارهم
على المجتمعات ذاتها للتعرف على الحاجات التي يرجى من القانون
اشباعها، وعلى الآثار الواقعية التي تترتب على القاعدة
القانونية لدى التطبيق الاجتماعي. ومن خلال هذه التقصيات ذات
النزعة الاجتماعية أمكن استخلاص "القيم الاجتماعية" التي يسعى
إليها القانون.
المبحث
الثاني
القيمة
ولكن ما هي "القيم"؟ انها
مفاهيم لما يجب ان تكون عليه الحياة المثلى. ومن ثم كانت
"القيم" تصورات ترتبط بالواقع في اللحظة الحاضرة، وتتضمن
تشوقاً إلى ما هو أفضل، وأملا فيما هو أكثر كمالاً وتخلصاً من
المثالب. هي اذن معايير يقاس بها ما هو كائن للارتقاء به إلى
مستوى المثل الأعلى الذي تنطوي عليه. ولذلك فإن القيم ايضاً
ذات قدرة تأثيرية على الاذهان والقلوب، فتجذبها إلى الأهداف
التي تسعى إلى تحقيقها.
ومفاد ما تقدم أن "القيم"
أهداف تدعو إلى التحرك نحوها. هي مثل عليا ومعايير للسلوك في
الوقت ذاته. وهي ايضاً وعلى الأخص أساس للالتزام. فالالزام
الذي تتمتع به القاعدة القانونية انما ينحدر عن الغاية منها،
ذلك ان النتيجة التي تنتظر من مراعاتها هي التي تؤسس القوة
الملزمة لتلك القاعدة. وبعبارة أخرى، فإن عامل الهدف النهائي
للقاعدة القانونية هو الذي يقود السلوك الإنساني في اتجاه
الانصياع لمضمونها. ويمكننا أن نخلص من ذلك إلى أن:
1) مبعث إلزامية القاعدة
القانونية هو ارتباطها بهدف تسعى إلى تحقيقه.
2) هذا الهدف هو "الصالح
المشترك" الذي هو أعلى القيم الاجتماعية وأكثرها شمولاً.
وقد تحولت النظرة إلى
القيم عما كانت عليه في ظل "نظرية القانون الطبيعي" فبعد أن
كانت القيم تعتبر مثلا علوية أصبحت حاجات تفرزها أوضاع الحياة
الاجتماعية. وهكذا تطورت النظرة إلى القيم من "التجريد" إلى
"الواقعية" وصار استشفافنا للقيم من خلال احتكاكات القانون
"بالحقيقة الاجتماعية".
معرضين عما اتصف به التقصي
عن القيم قديما عبر "تطلعات ميتافيزيقية" وتصورات لما أسمى
"بالقانون على المسالك والأشياء تبعاً لجدواها أو عدم جدواها
في اشباع غايات إنسانية متصورة ومستهدفة على أنها حاجات واجبة
الايفاء بها.
القيم
والتفسير المادي للقانون:
وازاء النظرة الاجتماعية
الحديثة للقانون باعتباره ظاهرة اجتماعية بدوره اصبحت القيم
القانونية "ملموسة" أكثر من ذي قبل. ولا ينكر "التفسير المادي"
للقانون أيضاً ارتباط القانون بالقيم، ولكنه ينكر على الباحث
فحسب أن يرى في هذه القيم مثلاً غير وثيقة الصلة بالواقع
الاجتماعي. فلا يجدر ان تفسر "العدالة" بمعزل عن الصراعات
الاقتصادية على مر التاريخ، ولا بمناى عن المضمون الاجتماعي
السائد في عصر من العصور. ومن خلال هذا المضمون وتطوره
التاريخي يمكن أن نفهم بحق قيمة "العدالة"... ولا يتأتى
"التقدم" بدوره الا باستجلاء احتياجات المجتمع لسنوات مقبلة
ووضع الخطط وتدبير الامكانات اللازمة للتحقيق. وبالنسبة
"للسكينة" أيضاً، وقد كانت أكثر القيم احتفاء بها من جانب
"الشكليين من علماء القانون"، لا يجدر ان تكون محافظة بكل
الوسائل والتقدم المنطوي على احتمالات تطويره، فقد ثبت تاريخاً
أن القانون ليست لديه القدرة –مهما كانت القوة التي تسانده-
على الغاء الشروط الموضوعية للتطور الاجتماعي.
النظرة
الواقعية إلى القيم وحريات الافراد:
بل ان متطلبات النظرة
الواقعية إلى القيم قد انعكس أيضاً على "مجال الحرية الفردية"
الذي كان بفضل النظريات التقليدية الممتدة من القرن الثامن عشر
إلى اوائل القرن العشرين أكثر المجالات القانونية صداً للمجتمع
ممثلاً في السلطة العامة. ففي مجتمع كان يقوم سياسياً على
التباين بين الحاكمين والمحكومين، بين القلة الحاكمة والاكثرية
المحكومة، كانت الحرية تعني أن يفلت المرء من سطوة السلطة، واذ
تبحث فكرة الحرية عندئذ عن تبرير لها تجده في تصور الإنسان على
أنه ذو خصائص طبيعية لا تستمد من احد، والتغني بالقيمة العلوية
المجردة للكائن الإنساني ولا تبدأ الحرية في هذا المدلول الا
من حيث يتوقف نشاط السلطة، ولا يمكن أن تكون أهداف السلطة
بالنظر إلى الحرية، على ضوء هذه الابعاد، الا سلبية. وعلى أساس
الجمع بين حرية هي افلات المرء من قبضة السلطة وبين سلطة
مغلولة اليدين يقوم نظام اجتماعي متصدع يضطرم في اعماقه صراع
وشقاق خفيان ولكن لا يهدأ لهما قرار.
وقد اثبتت الدراسة
الاجتماعية للقانون ان المرء ليس حراً الا من خلال تنظيم
اجتماعي تتأتى له فيه امكانيات التفتح الكامل. ومن ثم لا يكون
الوصول إلى لب مشكلة الحرية عن طريقة مواجهتها باعتبارها
"خصيصة ذاتية" تصد المجتمع صاحبها، بل على العكس من ذلك عن
طريق اعتبارها "تنظيما اجتماعيا"، وعدم النظر إليها على أنها
أعلى من الصرح الاجتماعي، بل مجرد حجر من احجار بنيانه الضخم.
قد يكون حجراً من احجاره الأساسية الا انه على أي حال جء من
البنيان كاملاً. فالأمر ليس أمر الاعتراف للفرد باستقلال وهمي،
بل تحريره وتخليصه من القصور والعوز والتبعية ليجد في النهاية
حرية اثبتت مقاماً وأجدى نفعاً.
المعيار
الموضوعي:
إن الفكر السياسي لم يعد
يتقصى عن غايات الحاكمين على حدة باعتبارها شيئاً مغايراً
لغياات المحكومين، كما كان يحدث من قبل عندما كان الحاكمون
غرباء عن المحكومين، بل ان الفكر السياسي يجد نفسه الآن
منحصراً في بحث غايات الإنسان وغايات المجتمع الإنساني. وأصبحت
أهداف السياسة تحقيق المصائر الاجتماعية.
وقد انعكست كل هذه
الاعتبارات على النظرة المعاصرة إلى مثاليات العدالة والسكينة
والتقدم، وأصبح الفقيه يجلوها بتعمقه في الدراسة الاجتماعية،
لأن القانون ذو طابع اجتماعي محقق ومنغرس الجذور في الحقبة
الاجتماعية. وقد صار على الفقيه ان يتمسك على الدوام بمعيار
موضوعي للقيمة غير مبتعد عن الغايات الاجتماعية. وعندئذ يهتدي
المنطق إلى النظام مبني لا على تحكمات التقدير الشخصي بل على
القيمة الموضوعية للمصائر الاجتماعية. أي ان هناك قوانين
مثالية واجبة الاعمال هي القوانين المبنية على متلطبات الروابط
الإنسانية في الوسط الاجتماعي من تحقيق لتوازن اجتماعي عادل
وتقدمي ويتوافر له "جزاء" يتمثل في "رد فعل اجتماعي" هو ظهور
الاضطراب وعدم الاستقرار الذي يمكن أن يستشري حتى يصلى إلى
تقويض مجتمع قائم.
ومن ثم نخلص مما تقدم إلى
أن معيار القيمة يجب ان يكون موضوعياً من واقع الغاية من
الكائنات الاجتماعية أي البشر الاحياء في المجتمع. ويجب على
الفقيه لتفهم ماهية القانون ان يستجلي الغايات الإنسانية في
اطار من الحقيقة الاجتماعية.
ولا شك في ان "نظرة
القانون" تكتسب أبعاد جديدة بالتقصي عما يوجد وراء الواقع. فإن
ذلك من شأنه أن يوصل إلى وضع اليد على جوهر القاعدة القانونية
وبالتالي إلى اكتشاف فكرة القيمة التي تولد للنشاط الإنساني
قواعده. إذ تكمن خلف الاوضاع الاجتماعية قيم هي التي تضفي
عليها قوة القاعدة، أي تجعل منها وقائع مولدة لقواعد واجبة
الاتباع من قبل الإنسان.
ولا يجدر ان ننظر إلى هذه
القيم "نظرة ذاتية" بل "نظرة موضوعية"، إذ لا يمكن للنظرة
الذاتية للقيمة أن تولد قاعدة عامة، وانما الذي تولده هو باعث
على تصرف ما لأن القيمة في النظرة الذاتية تتلون وتتشكل
بالاعتبارات المتعلقة بالشخص لا بالموضوع في حد ذاته، ولا يمكن
أن يكون الواجب الذي تنطوي عليه القاعدة من فرض ارادة الملتزم
وحده.
ولذلك يجب اطراح النظرة
الذاتية للقيمة والاعتداد بدلالتها الموضوعية، أي بالقيمة
المعتبرة كصفة لصيقة بالموضوع ذاته وموجودة فيه ولأجله لا من
أجل الشخص الذي يمسه الموضوع. فالقيمة في النظرة الموضوعية لا
تتأثر بالشخص بل هي التي تؤثر في الشخص. "الحالة التأثيرية"
ليست سبب القيمة بل هي النتيجة المترتبة عليها.
وينحدر هذا المدلول
الموضوعي للقيمة عن فكرة الغاية فكل شيء وكل فعل انما يوجد من
أجل الغاية التي يقوي هذا الشيء أو هذا الفعل على تحقيقها.
"فالسببية" تفسر الوجود الموضوعي للشيء اما "الغائية" فهي تفسر
قيمته الموضوعية. ومن هنا يوجد الشيء أو الفعل وتكون قيمته
خارج من تعلق به.
وبذلك تثبت للقيم صفة
العمومية أيضاً، طالما انها لا تتوقف على ميول شخص أو اهوائه
بل على طبيعة الشيء أو على خصيصة الفعل ذاته. وهكذا يمكن ان
تولد القيم قواعد عامة غير ذاتية، ويمكن تصور وجود هذه القواعد
بغض النظر عن اية ارادة إنسانية.
ولا تكفي معرفة الواقع
وقوانينه السببية لمعرفة "الواجب" وان كانت المعرفة الاولى
تمهد للثانية. فهناك اذن فكرة وسط بين الواقع والواجب، تلك
الفكرة هي "القيمة الموضوعية القائمة على الغاية" وعلى ذلك فإن
القاعدة الآمرة باعتبارها صادرة عن قيمة موضوعية تكون مستقلة
عن كل ارادة إنسانية ويمكن أن تفرض سلطانها على هذه الارادة
التي تستجلي تلك القيمة وتقتنع بجدواها من خلال الغاية.
ولا تولد القيمة الموضوعية
قاعدة فحسب، وانما تلود أيضاً حالة تأثيرية عند الافراد
المخاطبين بالقاعدة، وهذه الحالة التأثرية قد تنحو نفس المنحى
الذي تمليه القاعدة، الا أنه لما كانت هذه الحالة حالة ذاتية
بحتاً فهي لن تتحق دائما على النحو الذي ترسمه القاعدة تمليه،
أو قد لا تتحق بالكمال الذي تنشده القاعدة، فإن الأمر لن يكفي
بالنسبة للبعض لتحقيق الواجب الذي انطوت عليه القاعدة. ومن ثم
يقع التعارض بين التصرف الحاصل والواجب الذي كان يجب ان يحصل،
ويكون ثمة اخلال بالقاعدة. ولازالة هذا التعارض يجب الحض على
توليد الحالة التأثيرية المواتية أو على تقويتها بما يتفق مع
اليمة. وهذا هو دور "الجزاء" وبذلك تصلح القيمة الموضوعية
لتفسير كافة نواحي القاعدة ومختلف مراحل حياتها، وعلى الأخص
سفتها الملزمة وحاجتها إلى الجزاء.
ولما كانت كل قيمة تولد
منطقياً قواعد تتكيف بتلك القيمة وطبيعتها فقد وجد نوعان من
القواعد الإنسانية المثالية. القواعد المبنية على "القيم
الفردية" وهذه هي قواعد الاخلاق والقواعد المبنية على "القيم
الاجتماعية" وهذه هي قواعد القانون. وإذا كان لبعض الأفعال
والاشياء قيمة فدرية بحتة ولبعض الافعال والاشياء قيمة
اجتماعية بحتة، فإن لبعض الافعال والاشياء قيمة اجتماعية
وفردية معاً ولهذا اتفقت قواعد القانون وقواعد الاخلاق في بعض
الاحيان.
وقد ذهب الفقيه الفنرسي
روجيه بونار في دراسته المنشورة عام 1929 بعنوان "أصل القاعدة
القانونية إلى ان الغاية من القانون هو كما الإنسان باعتباره
"كائناً اجتماعياً"، بينما الغاية من الاخلاق هو كمال الفرد
باعتباره "كائناً فردياً"، وان كل التفرقة بين قواعد القانون
وقواعد الاخلاق تنحدر عن هذه التفرقة بين طبيعة الغايتين الا
ان هذا الرأي كان محل مخالفة من قبل تلميذه الاستاذ مارك رجلاد
في دراسته المنشورة عام 1950 بعنوان "القيمة الاجتماعية
والمدلولات القانونية" فقد ذهب إلى أن الغاية من القانون هي
"الصالح المشترك" على وجه التحديد، أي "كمال المجتمع في حد
ذاته" ويجب أن يقتصر اطلاق تعبير "القيمة الاجتماعية" على هذه
القيمة الأخيرة. وذلك لأن الغاية الاجتماعية بمعناها الصحيح هي
الصالح المشترك لمجتمع له مثالياته، أو بعبارة اخرى للمجتمع
كما يجب أن يكون. وهذه الغاية تعتد بالأشياء والأفعال التي
تعنى كل مجتمع منظم وتضفي عليها القيمة الاجتماعية، بمعنى أنها
تقدرها باعتبارها وسائل لتحقيق الصالح الشمترك للمجتمع كما يجب
ان يكون. وهذه القيمة تقتضي ان يراعي أفراد ذلك المجتمع قواعد
معينة من أجل تحقيق صالح ذلك المجتمع.
ومن ثم تختلف القاعدة في
نظر رجلاد عن القاعدة الاخلاقية في أن غاية القاعدة الاخلاقية
مثل أعلى من الكمال الشخصي في أن الواجب الذي تنطوي عليه تلك
القاعدة يقوم على القيمة المقدرة من خلال ذلك المثل والتي تهدف
إلى التقدم المطلق للشخصية الإنسانية، أما القانون فيهدف إلى
غاية أخرى هي المحافظة على نظام اجتماعي موجود في الواقع،
وتقوم قواعده على القيم المقدرة من خلال ذلك النظام الاجتماعي،
أي من خلال الصالح المشترك. ولهذا اتسمت القواعد القانونية
اساساً بطابع المحافظة على الانظمة الاجتماعية الموجودة.
القيم
القريبة والقيم البعيدة:
بعد أن تتفق الآراء حول
جدوى الدراسة الغائية للقانون لا تلبث أن تختلف حول ملائمة
تقصي "علم القانون" عن "الاهداف المتطلع إليها" فيتمسك البعض
بوجوب الوقوف عند "الاهداف القريبة" إذ أن التقصي عما هو أبعد
من ذلك يثير مشكلة أهداف الحياة الإنسانية ذاتها، وهذه لا
يتأتى الاتفاق بشأنها، بينما يجب أن يحصل القانون إن لم يكن
على رضاء الجميع فبالأقل على رضاء اكبر عددمن الناس. ولذلك وجب
كي تكون "الجماعة المدنية" مجتمعاً للجميع أن تبني على
المقومات التي تحظى بالرضاء المشترك.
ان واضع القانون انما
يستهدف بقانونه في الأغلب الأعم هدفاً قريباً بل وحالاً أيضاً،
كمواجهة خطر إذا مضى القانون إلى آفاق أبعد فإن الرضاء
بالقانون ينعقد عادة بسبب تقبل نتيجة من نتائجه أكثر اقتراباً
إلى الناس المخاطبين باحكامه، بل ان كثيراً من المبادئ التي
يقوم القانون بحمايتها ايضاً لا يجد الناس حاجة إلى مناقشتها،
وتكاد ترقى إلى مقام البديهيات.
ويضيف انصار الوقوف عند
"الاهداف القريبة" تأييداً لرأيهم أن الايغال بعيداً عن هذه
الاهداف من شأنه أن يزلزل يقينية القانون، باعتبار أن "السلطة
المدنية" انما تعمد بذلك إلى فرض فلسفة تحتمل المناقشة والجدل
مما يخرج بها عن وظيفتها الاصلية.
على أن هذا الرأي لم يحظ
بموافقة كل مفكري القانون، ومضى الكثيرون إلى القوم بوجوب
التقصي عن "القيم بالاحتياجات اليومية وفي الظروف العادية، الا
أنه غي كاف في مواجهة حالات أكثر أهمية واعمق دلالة على
الحقيقة في هذا الأمر. ذلك أن كثيراً من الأهداف التي لا تلقى
المعارضة من أحد بادئ الأمر لا تلبث أن تلاحقها المناقشة
والجدل في ظروف أخرى تدفع إلى التساؤل عما إذا كان يقتضي الأمر
مواصلة استهدافها. ومن ثم تطرح قيمتها للأخذ والرد مما يدعو
المفكر إلى الارتقاء بتأملاته إلى مستوى من القيم أعلى من
المستوى العادي اليومي. ولنضرب مثلاً على ذلك "بصحة الجسد
وسلامته" فهذا هدف لا يحتمل الجدل في الظروف العادية. وتقوم
نظم قانونية عديدة على تقصيه وكفالته مثل القوانين المنظمة
لمهنة الطب، والترخيص بفتح العيادات والمصحات والمستشفيات،
والمسؤولية المدنية والجنائية للأطباء وممارسي الطب، وتقرير
المعونات في حالات العجز الكلي أو الجزئي عن العمل. ولكن إذا
تعيدنا الحدود اليومية للمسألة فلا تلبث أن تظهر أمامنا مسائل
مؤرقة مثل هل يجوز للطبيب أن ينهي حياة مريضه الذي لم يعد ثمة
أمل في شفائه تخليصاً له من آلامه المبرحة؟ وهكذا يثور التساؤل
حول مدى ما للطب من سلطات على جسد المريض ويتطور التساؤل من
مجرد مواجهة للقيم القريبة إلى مواجهة للقيم البعيدة المرتبطة
بالحياة والموت، مما يعا أمراً لا يمكن للفكر القانوني أن
يتفاداه. وتصبح مواجهة القانون للقيم الاجتماعية بحاجة إلى
قيام "وجهة نظر شاملة للوجود" وهو المآل المنطقي لفلسفة
القانون.
ومما يدعو إلى ذلك أيضاً
أن القيم القريبة قد تتضارب فيحتاج حالأمر إلى صعود في مدارج
القيم بحثاً عن المعايير التي تفض التضارب بين القيم على
المستوى الأدنى. وعلى ذلك يكون في "القيمة الأعلى" حل للتضاد
بين "القيم الأدنى" ويستند هذا الارتقاء في مدارج القيم على
مبدأ وجود قيم أولى بالاتباع من غيرها.
وهكذا يبدو من الصعب أن
يتحاشى الباحث ترتيب الأهداف المبتغاة ترتيباً تصاعدياً تبعاً
لأفضلية بعض القيم على البعض الآخر. ولا شك أن تقرير هذه
الأفضلية انما يتوقف إلى حد إلى حد كبير على "التصورات
الشخصية" للمسئولين لما يجب أن تكون عليه الحياة الاجتماعية،
فمن العسير أن يشيد نظام قانوني بمنأى عن كل مناقشة للتصور
العام للحياة. وقد صدق اهرنج عندما خلص إلى أن القانون في
مجموعة نتاج صراع، ولئن بدت فكرة الصارع منافية "للموضوعية"
التي تتصف بها الحقيقة، الا أنه يجدر أن نوضح في هذا المقام ان
الصراع المنزه عن الهوى انما يسعى إلى رساء حقيقة لقيت من
المتمسكين بها الايمان بصحتها، حتى ان المتارع المخلص مع كل
ايمانه بصدق الفكرة التي يدافع عنها ويحوال ادخالها إلى حيز
التنفيذ على استعداد للتراجع عن فكرته تراجعاً كلياً أو جزئياً
متى بدا له من صراعه مع خصومه انها خاطئة تماماً أو يشوبها بعض
الخطأ. فمهما قيل بأن الحقيقة الموضوعية واجبة التطبيق لزاماً
فإن هذه الحقيقة في الغالب لا تكون واضحة بذاتها بل تحتاج إلى
من يأخذ على عاتقه التدليل على صحتها أو على خطأ ما يخالفها.
وكثيراً ما أوصلت مناقشة فكرة مسلم بها إلى دحضها والمناداة
بضرورة الاعراض عنها وحالا ما أثبت البحث والمجادلة سلامته.
على ان انفتاح باب الكفاح من أجل فكرة لا يعني استحالة التوصل
إلى نتيجة تعتبر من جانب الجميع حقيقة مستتبة. ولئن كانت غلبة
النزعة الموضوعية في الدراسات الاجتماعية المعاصرة تغري
بالاعتقاد بغير ذلك، الا أن التسليم بعلوية الحقيقة الموضوعية
وسيادتها على الارادات الفردية لا يجب أن يقصي عن البال ضرورة
الجدل المخلص حول الافكار والظواهر.
وعلى ذلك فإننا يجب أن
نخلص في هذا المقام إلى تسجيل الحقائق التالية:
1) ان الاهداف المتغياه من
القانون باعتباره تنظيماً اجتماعياً ليست كلها بدرجة واحدة من
القيمة.
2) وان هذه الاهداف يمكن
أن تتضارب، مما يوجب ترتيبها فيما بينها، حتى يتسنى تبرير
الحلول المتبناة.
3) وان هذا الترتيب يوصل
إلى ضرورة التردج من الأهداف القريبة إلى الاهداف البعيدة، عبر
عمليات معقدة من الموازنة والتوفيق والاعلاء.
القيمة
الكلية الشاملة:
وبعد، فإن ذلك يقودنا إلى
التساؤل عما إذا كانت هذه المسيرة الوئيدة الشاقة توصل في
النهاية إلى "القيمة الكلية أو الشاملة"، إلى "قيمة القيم"، أو
بعبارة أخرى إلى "القيمة التي تستوعب كل القيم"؟
يذهب رأي إلى انه مهما
مضينا في صعود مدارج القيم متنقلين من أهداف قريبة إلى أهداف
أبعد، فإن من العبث أن نأمل في الوصول إلى غاية كلية يمكن أن
يعرف من خلال ها النظام القانوني بأسره، إذ لا مفر من "تعدد
القيم" أو بعبارة أدق من الاعتراف بالعديد من الاهداف
المتزاحمة التي لن تكون احتمالات تضاربها محلاً لحل له شرعيته
المبررة الا من الطبيعة الذاتية لكل محاولة فلسفية.
ولكن الاسباب التي قادت
المفكرين إلى تجاوز القول بالتزام "الاهداف القريبة" هي التي
مكنت بدورها من تجاوز "النسبية التعددية" في الاهداف إلى ما لا
نهاية، فمضى مفكرو القانون إلى استجلاء الغاية النهائية منه،
وهي تلك الغاية التي تنحدر منها حلول كل المسائل.
......................
المصدر: من كتاب (القانون والقيم الاجتماعية دراسة في الفلسفة
القانونية) للدكتور نعيم عطية ، الهيئة المصريةالعامة للتأليف
والنشر – القاهرة ، سلسلة المكتبة الثقافية العدد 257 .