النساء والتنمية : مراجعة نظرية
د. لاهاي
عبدالحسين(*)
(خاص للمعهد)

يكاد يكون البحث في اثر
التنمية في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية للنساء من اقدم
الموضوعات التي زخر بها علم الاجتماع. منذ بدايات ظهور هذا
العلم النامي، لوحظ ان العديد من الباحثين والدارسين والمهتمين
قد عبّر عن الاهتمام بدراسة اثر التنمية بكل ما تنطوي عليه من
ظواهر، كالتصنيع والتحضر والتحسن في مستوى الحياة الاقتصادية
على اوضاع النساء في مختلف انحاء العالم وكان الاهتمام بهذا
الجانب من جوانب الحياة الاجتماعية قد بدأ في عدد من البلدان
الصناعية المتقدمة التي سعت ، ضمن ما سعت اليه، الى الكشف عن
الانماط السلوكية والاجتماعية الناجمة عن التنمية بمختلف
مؤشراتها ذات الأثر البين على مجتمعاتها.
وعندما ساد الاعتقاد
بانتشار تأثيرات التنمية في بلدان اخرى ، كالبلدان النامية
ومنها البلدان العربية والبلدان المسلمة عموما ظهرت الحاجة الى
البحث في النتائج المتعددة لهذه الظاهرة . ومن ذلك مثلاً البحث
في اثر التنمية على مشاركة النساء في الحياة العامة ، وبالذات
في مجالات التعليم الرسمي والعمل خارج المنازل لقاء اجر
والتخصص المهني ، وهو ما سنركز عليه نظرياً في هذه الدراسة.
الجذور
النظرية للتنمية:
تعود الجذور النظرية
للتنمية كظاهرة اجتماعية مهمة الى اعمال العديد من الاجتماعيين
الاوائل ممن حاولوا دراسة وتعقب اثرها كقوة اجتماعية حاسمة.
فكان من ذلك ان قدم اولئك الاجتماعيون اعمالاً اتسمت بمفاهيم
ثنائية ارتبطت باسماء عدد منهم، كما هو الحال في ثنائية
المجتمع العسكري والمجتمع الصناعي (Military / Industrial
society ) لأوكست كومت[1]،
وثنائية التضامن العضوي والتضامن الميكانيكي (Organic /
Mechanical solidarity) لأميل دركايم[2]
، وثنائية المجتمع البسيط والمجتمع المركب او المعقد (Simple
and Triple – Compound society) لهربرت سبنسر[3]،
وثنائية المجتمع المحلي الصغير والمجتمع الإقليمي الكبير
(Gesells chaft / Community and Gemeinschaft society)
لفردناند تونيس[4]
، واخيرا وليس اخرا ثنائية المجتمع الابوي العشائري والمجتمع
العائلي الحديث (Patrimonial or Clan – based society / modern
or family based society ) لماكس فيبر[5].
وفي تقدم لاحق تقدم عدد من
الاجتماعيين المحدثين الى مفهوم التنمية (Development) او
ظاهرة التحديث الاجتماعي (Modernization) بوصفها الظاهرة التي
يمكن ان تحدث حراكاً مؤثراً في النسيج السياسي والاجتماعي
والحضاري للمجتمع الانساني
[6]. وكان هناك
غير هؤلاء من الذين وضعوا منظوراً اخر للتنمية يستند الى فكرة
ان "التنمية عملية تهدف الى تحشيد الأسس السياسية والقتصادية
والاجتماعية للمجتمع في آن واحد"[7]
ووصف اخرون [8]
التنمية في ضوء تسع خصائص رئيسية : ثورية ، معقدة، منظمة،
كونية (أو عالمية)، طويلة (تأخذ وقتاً طويلاً نسبيا)، مرحلية،
متجانسة، غير تراجعية وتقدمية. ومن حانب آخر رأى فريق اخر[9]
من المتخصصين في دراسات التنمية انها عملية تنطوي على احداث
عدد من الظواهر السوسيوسكانية (Sociodemographic) مثل نمو
السكان ، التحضر، التصنيع، البروقراطية، الاعلام، ارتفاع
مستويات التعليم الرسمي، التوسع في نظام الاتصالات الحديث،
ارتفاع مستويات الدخل القومي ، زيادة التوجه الدنيوي على حساب
التوجه الديني، زيادة نمط التفكير العلمي والعقلاني جنباً الى
جنب مع التقدم العلمي والتكنلوجي.
الخلاصة ان هؤلاء المنظرين
أكدوا ان التنمية ، او ظاهرة التحديث الاجتماعي ، انما هي
عملية تنطوي على زيادة في الحراك الاجتماعي والجغرافي ، وعلى
تحول ملحوظ في نمط الاقتصاد الزراعي التقليدي الى نمط الاقتصاد
الصناعي الحديث، يرافقه تحول من المجتمع الذي يستند الى اسس
تقليدية تقوم على مبدأ الخصائص المكتسبة (Asriptive
characteristics ) الى مجتمع حديث يستند الى مبدأ الخصائص
المنجزة (Achievement characteristics ) .
ولقد ظهرت في هذا المجال
نظريات علمية اجتماعية اكثر دقة وتحديداً، منها نظرية لنسكي[10]
الذي حاول من خلالها تسليط الضوء على ظاهرة التفاوت او
المراتبية في توزيع مصادر السلطة والنفوذ والامتياز في المجتمع
الانساني تبعا لمستوى التطور التكنولوجي. وقد افترض لنسكي انه
كلما تقدم المجتمع في سلم التطور التكنولوجي كان اكثر
استعداداً لتوزيع الفرص العادلة والمتكافئة على الجميع. وكما
سنرى فيما بعد فقد تعرضت نظرية لنسكي هذه الى انتقادات لاذعة.
ففي دراسة ميدانية مسندة
بدليل احصائي متين خلص دنكان[11]
الى ان هناك علاقة خطية بين نوع المهعنة التي يزاولها الفرد في
المجتمع الانساني الحديث من جهة ومستوى التعليم الرسمي الذي
بلغه او حصل عليه من جهة اخرى، ومضى دنكان الى ابعد من ذلك
عندما ان المكانة الاجتماعية للافراد في المجتمع إنما تتحدد في
ضوء ثلاثة عوامل متداخلة، هي مستوى التعليم الرسمي والتخصص
المهني ومستوى الدخل الفردي، بمعنى انه كلما ارتفع مستوى
التعليم الرسمي للفرد ارتفعت فرص الحصول على مهن أكثر اهمية ،
وذات دخل أعلى ، مما يسهم في تحسين مستوى المعيشة ومن ثم تامين
مكانة اجتماعية له أكثر قبولا في المجتمع.
وبهذا السياق نراجع هنا
عداً مختارا من الدراسات والبحوث العلمية حول النساء والتنمية
في عدد من البلدان الصناعية المتقدمة التي سبقت غيرها من
البلدان في هذا المجال لاسباب معروفة.
التنمية
والنساء في البلدان المتقدمة:
لعل احدى السمات الرئيسية
التي ميزت اعمال عدد كبير من الاجتماعيين الأوائل، الذين درسوا
أثر التنمية على اوضاع النساء في البلدان الصناعية المتقدمة،
انهم اشتركوا في الاطراء على الجوانب الاإيجابية فيها. فكان أن
خلصوا [12] الى
العتقاد بان التنمية في المجتمع ادت الى تطور اوضاع النساء
بطريقة لم يشهد تاريخ البشرية لها مثيلاً من قبل، فقد ساهمك
ارتفاع مستويات التنمية أو التحديث الاجتماعي في العديد من هذه
البلدان بايقاع العبء الأكبر على عاتق النساء، والمتضمن رعاية
شؤون الأسرة ومتابعة تفاصيلها المتشعبة مما مكن النساء من
التحرر من القيام بسلطة طويلة من النشاطات أو الفعاليات
الاقتصادية او الاجتماعية التقليدية. وقد شجعهن هذا على الدخول
في سوق العمل لقاء أجر والاستفادة من مختلف فرص مواصلة التعليم
الرسمي على مستوياته كافة . وبذلك استطاعت النساء تامين قدر من
الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي الصروري لتقدمهن.
وهنا تبرز نظرية لنسكي
كواحدة من أهم النظريات الاجتماعية في هذا المجال، حيث يفترض
(لنسكي)[13] ان
هناك علاقة ايجابية مؤكدة بين ارتفاع مستويات التنمية مقاسة
بمستوى التقدم التكنلوجي للمجتمع من جهة، وبين المكانة
الاجتماعية للنساء من جهة اخرى. ويستمد لنسكي المؤشرات
الميدانية على هذه النظرية من خلال رؤيته لتجربة النساء في
المجتمع الصناعي الحديث. ففي هذا المجتمع تتقدم النساء في سلم
التمتع بامتيازات السلطة والقوة والنفوذ والاعتبار على نساء
المجتمعات الزراعية التقليدية . ففي هذه المجتمعات لا تتعدى
المكانة الاجتماعية والسياسية للنساء مكانة الرجل، الأب او
الزوج، الاخ او العم الذي يرتبط به قرابياً بعتباره رمز السلطة
والاعتبار.
وعلى نحو مفصل يرى لنسكي
ان العلاقة بين المكانة الاجتماعية للنساء وبين مستوى التقدم
التكنولوجي في العالم تأخذ شكل الحرف (U) حيث تبرز ثلاثة انواع
من المجتمعات البشرية المتباينة في مستوى التقدم التكنولوجي.
فتظهر مجتمعات الصيد
والجمع. ومن خلال هذا التوزيع للمجتمعات البشرية المتباينة
يلاحظ أن المكانة الاجتماعية للنساء في مجتمع الصيد
والجمعتتميز بكونها عالية نسبياً، ويعزو لنسكي ذلك الى انخفاض
درجة المنافسة بين النساء والرجال في مثل هذه المجتمعات سعياً
للحصول على السلع النادرة. ويحصل ذلك نتيجة قلة، بل انعدام مثل
هذه السلع اساساً في المجتمعات البدائية او البسيطة عموماً ،
الامر الذي لايوفر اسباباً للنزاع او الصراع اياً كان شكله.
وعلى الطرف المقابل من
الحرف (U) فأن المكانة الاجتماعية للمرأة ، في المجتمعات
الصناعية المتقدمة ، تكاد تكون مساوية للمكانة الاجتماعية
للرجل . وياتي هذا بسبب الوفرة المادية والتقنية للمجتمع مما
يوفر مجالاً أوسع لأعداد أكبر من الناس للتمتع بمختلف فرص
التقدم الاجتماعي والاقتصادي بطريقة تقرب من درجة المساواة.
وبذلك يكون التقدم الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي العالي قد
أتاح فرصاً متنوعة للناس، وعلى مختلف مشاربهم وتوجهاتهم
وانتماءاتهم العرقية والدينية والطبقية والقومية والطائفية
والآيديولوجية، كما يتصور لنسكي.
ويعود لنسكي ليؤكد من
جديد، بأن المكانة الاجتماعية للمرأة في المجتمع الزراعي
التقليدي تصل إلى أخفض مستوى لها بالمقارنة مع المكانة
الاجتماعية للمرأة في المجتمعين الآخرين – مجتمع الصيد والجمع
ومجتمع الصناعة والتكنولوجيا. ويأتي هذا بسبب محدودية الفرص
وندرة السلع المتاحة للجنسين، المرتبطة بمحدودية مستوى التطور
التكنولوجي في المجتمعات الزراعية التقليدية، هذه المجتمعات
التي تقف في الخط الوسط ما بين تلكما النوعين الآخرين.
إن انخفاض مكانة المرأة في
المجتمع الزراعي التقليدي ينعكس من واقع اعتمادها الكبير على
المكانة الاجتماعية للرجل. أما مكانة الرجل في هذه المجتمعات
فتتحدد بحجم ملكيته من الأرض الزراعية التي يتمتع بحيازتها
واستثمارها، مما لا تجد المرأة الطريق إلى مثل هذه الحيازة
سهلاً، وذلك بسبب محدودية قدرتها على منافسة الرجل أو على
الاستثمار المباشر للأرض، إن وجدت هذه الأرض لديها لهذا السبب
أو ذاك.
وعلى الرغم من أن لنسكي
إمتنع عن اقتراح علاقة خطية بين مستوى التطور التكنولوجي من
جهة ومستوى التقدم الاجتماعي، أو المكانة الاجتماعية للمرأة من
جهة أخرى، الا أنه افترض بصورة واضحة، بأن المكانة الاجتماعية
للمرأة تميلُ إلى الارتفاع في المجتمعات الصناعية المتقدمة، في
حين تنخفض هذه المكانة في المجتمعات الزراعية التقليدية. ففي
المجتمع الصناعي المتقدم تتحرر المرأة، بصورة طبيعية وتلقائية،
من كثير من الالتزامات التقليدية، وذلك بسبب التقدم الصناعي
الذي يحصل في مجال الخدمات المنزلية وفي كل ما يسهم بتسهيل
الحياة اليويمة للأسرة، وهو ما يوفر فرصاً أفضل للمرأة للدخول
في مجالات العمل التي تسهم في تحررها الاقتصادي وتدعم امكانات
مواقعها في المجتمع. وخلاصة القول الذي يهدف لنسكي الوصول إليه
هو، أنه، وبقدر تعلق الأمر بالمرأة نستطيع القول: كلما ارتفع
مستوى التطور التكنولوجي، وما يرتبط به من ظواهر التحديث
الاجتماعي، كلما أدى ذلك إلى مزيد من فرص التعليم الرسمي
والعمل لقاء أجر خارج المنزل.
وبحسب هذه النظرة فأن نصيب
المجتمعات البشرية من السلطة والقوة والإمتياز لا يتباين فقط
بين بعضها البعض، وإنما قد- يحدث التباين داخل المجتمع الواحد،
وذلك تبعاً لمستوى النمو الصناعي والتكنولوجي فيه. أما فيما
يتعلق بالمجتمع بطبيعته يسمح بدرجة عالية من التباين بين
الأفراد والجماعات، التي غالباً ما تؤدي أدواراً اجتماعية
واقتصادية وخدمية متباينة، وتقوم بأنشطة وفعاليات كثيرة
ومتنوعة، والطريق أمامها مفتوح لتحقيق إنجازات هامة إن استطاعت
ذلك. وهذا على النقيض مما يحدث في المجتمعات الزراعية
التقليدية التي تتصف بمحدودية الامكانات والطاقات المتاحة
للأفراد والجماعات منها.
وإذ كان لا بد من إبداء
الرأي حول تنظيرات لنسكي، ولا سيما المجتمع الصناعي المتقدم
تكنولوجياً. الذي يوفر الفرص المناسبة للجميع، حسب رأيه، وأنه
مجتمع يساوي بين الجميع من دون تفرقة أو تمييز بسبب التوجهات
الايديولوجية والانتماءات العرقية والدينية والطبقية والقومية
والى آخره، فأننا نقول بأن المجتمع الصناعي المتقدم
تكنولوجياً، وعلى الرغم من كل ما تحقق فيه من إنجازات علمية
وتشريعية وحضارية، الا أنه لم يستطع التخلص من واقع التفرقة
والتمييز القائم فيه. فالزنوج في الولايات المتحدة مثلاً، وهي
البلد الأكثر تقدماً في الصناعة تطوراً في التكنولوجيا، لا
يتمتعون حتى الوقت الحاضر بحقوق متساوية مع بقية أفرادد الشعب
الامريكي من البيض. وكذلك الهنود الحمر، سكان أمريكا الأصليون،
ما زالوا يعانون من الاهمال والعزل. والحال نفسه بالنسبة
لأفراد الطبقة العاملة، حتى لو كانوا من البيض. وفيما يتعلق
بالمرأة في البلدان الصناعية المتقدمة، فإنها ما زالت بعيدة عن
مصادر القوة والنفوذ والاعتبار التي يتمتع بها الرجل، وليس كما
يقول لنسكي بأنها تكاد تكون مساوية للمكانة الاجتماعية للرجل.
وجدير ذكره في هذا الساق أن عدداً من الباحثين والدارسين في
ميدان علم الاجتماع، من الأمريكيين والأوربيين، قد تنبه إلى
مثل هذه الفجوات النظرية والميدانية التي توصل إليها لنسكي،
وهو ما سنأتي عليه لاحقاً.
صحيح إن أوضاع الطبقة
العاملة والزنوج وسكان أمريكا الأصليين والمرأة هي اليوم أفضل
مما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية، وذلك في مجالات
العمل والتعليم والخدمات الصحية، الا أن المساواة التي بشر بها
لنسكي، لم تتحقق، ويبدو أنها لن تتحقق أصلاً، حيث التمييز بين
الأعراق والأجناس والطبقات الاجتماعية وبين المرأة والرجل، ما
زال واضحاً ويمكن مشاهدته في كل شوارع وأحياء المدن الأمريكية.
أما عن وضع المرأة في
المجتمع الزراعي التقليدي، واعتبار مكانتها الاجتماعية منفخضة
ومرتبطة بمكانة الرجل، الأب والزوج، أو الأخ والعم، فإن لنسكي،
على ما يبدو لم يأخذ في الحسبان التطورات التي حصلت على حقوق
الملكية الزراعية التي أصبحت المرأة تتمتع بها على أثر قوانين
الإصلاح الزراعي التي شرعت في الهند، بعد الاستقلال، وفي
العديد من بلدان الشرق الأدنى والأوسط مثل مصر والعراق وإيران
وتركيا وسوريا وغيرها.
في محاولات أخرى اجتهد
جيلٌ لاحق من الاجتماعيين المتخصصين لوضع دراسات صُممت للإجابة
على أسئلة أكثر دقة وتفصيلاً فيما يتعلق بأوضاع المرأة في ظل
التنمية، وخاصة تلك التنمية التي حصلت في عدد من بلدان أوربا
الغربية أبان الثورة الصناعية. فمن المعروف أن الثورة الصناعية
فتحت الطريق واسعاً أمام التقدم الصناعي والتكنولوجي الذي لم
يشهد له العالم مثيلاً من قبل، مما أدى إلى إحداث سلسلة من
التغيرات التي عصفت بجوانب اجتماعية عديدة، منها التغيير في
النمط التلقليدي لسلوك ووضع المرأة في المجتمع في الكثير من
المجالات، وبضمنها التعليم الرسمي والعمل لقاء أجر خارج المنزل
والتخصص المهني.
وفي معرض الأجبة على سؤال
حول ما إذا كان انخراط النساء في مجال العمل لقاء أجر خارج
المنزل هو أحد النتائج المباشرة للثورة الصناعية، أجابت
الباحثة البريطانية بنجبك (Pinchbeck)[14]
بأن ذلك ليس صحيحاً البتة. فخروج المرأة البريطانية إلى ميدان
العمل لم يكن وليد الثورة الصناعية على وجه التعيين، وإنما كان
ذلك قد حدث قبل هذا التاريخ بزمن طويل. فظاهرة عمل المرأة
قديمة، طالما ارتبطت بأهتمام المرأة بشؤون أسرتها ومحاولتها
المساهمة بأي جهد للتخفيف من أعبائها وتحسين اوضاعها
الاقتصادية لضمان العيش الكريم. جاء هذا في الدراسة التي بحثت
فيها تأثير الثورة الصناعية على النساء المشتغلات خارج المنزل
لقاء أجر في إنكلترا للفترة من 1750 – 1850. وتستطرد الباحثة
لتثبيت ما توصلت إليه، من أن التأثير الأولي المباشر للثورة
الصناعية على أوضاع النساء في إنكلترا كان في الحقيقة سلبياً.
فقد سلبت الثورة الصناعية، بما أحدثته من تغييرات جوهرية
متسارعة في بنية المجتمع البريطاني آنذاك، المكانة الاجتماعية
والاقتصادية الآمنة للنساء، اللواتي لم يستعدن وضعهن الطبيعي
إلا بعد مضي عدة عقود من الزمن، وبعد أن استطعن اكتساب مهارات
وكفاءات ومؤهلات على صعيد التعليم الرسمي والعمل لقاء أجر خارج
المنزل، الأمر الذي مكنهن من التقدم في مسارات لم يسبق لهن أن
تقدمن إليها.
ومن المؤكد أنه كان
للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، التي أحدثتها الثورة
الصناعية، دور مهمٌ في دفع العديد من مؤسسات العمل إلى الاعلان
عن حاجتها لاستخدام أعداد متزايدة من الأيدي العاملة المؤهلة
والكفوءة، فكان أن تقدم العديد من النساء لملء أماكن العمل
الشاغرة، وتسخير امكاناتهن لتحقيق مكاسب فردية وأسرية
واجتماعية مهمة.
التنمية
والنساء في البلدان النامية:
لم يحصل حتى مطلع
الستينيات من القرن العشرين، أن ظهر اهتمام علمي واضح بدراسة
قضايا المرأة في البلدان النامية، الا أنه وبعد ذلك التاريخ،
أظهر عدد من الاجتماعيين والمتخصصين في فروع العلوم الاجتماعية
والسلوكية الحديثة[15]
اهتماماً بذلك، مما أدى الى تطوير خلاصات فكرية ونظرية مهمة في
هذا الميدان. كما أن ذلك التوجه ساعد على تطوير استراتيجيات
منهجية لا تقل أهمية عما سبقها من محاولات. ولا شك أن ذلك لم
يأت من فراغ، فقد توفرت له أسباب كثيرة منها: اشتداد مطابة
الحركت والمنظمات النسائية الوطنية والدولية، بضرورة توجيه
الاهتمام للمرأة وقضاياها الإنسانية العادلة. ورغبةً من
الباحثين، في هذا الميدان، للتحقق من مدى احتمالات تكرار تجارت
نساء المجتمعات الصناعية المتقدمة في البلدان النامية. والشعور
لدى البعض في كون التنمية عملية ذات خصائص قياسية معلومة،
وبالتالي يمكن دراستها تعقب آثارها في مختلف بلدان العالم
بطريقة محايدة علمياً.
ولعل واحدة من أهم
الخلاصات الفكرية في هذا المجال[16]،
هي أن تجربة النساء في البلدان النامية لا تشبه بالضرورة تجربة
النساء في البلدان الصناعية المتقدمة. ويصدق هذا بصورة خاصة،
على الاعتقاد الذي شاع بادئ ذي بدء، في أوساط المتخصصين
والمهتمين بشؤون النساء في البلدان الصناعية المتقدمة من أن
للتنمية آثاراً إيجابية ترتبط بتمكين النساء من تحقيق المزيد
من التحرر والتقدم على طريق تأكيد الحضور الذاتي والاجتماعي
والحضاري في المجتمع.
لقد شجعت الدراسات التي
أجريت لتقصي أوضاع النساء في البلدان النامية على توفير قناعة
مختلفة، هي ضد كل ما عدَّ إيجابياً وطبيعياً وتلقيائياً
ومتوقعاً[17].
فالتحولات البنائية التي ساهمت التنمية في البلدان النامية
بأحداثها تركت آثاراً تختلف عن تلك التي أحدثتها التنمية في
البلدان الصناعية المتقدمة. فقد ارتبطت التنمية في البلدان
النامية بانتشار ظواهر احتدم الصراع وانعدام الاستقرار
والمقاومة للتغيير.
ولتفسير ردود الفعل
السلبية هذه، عزا العديد من المتخصصين والمهتمين[18]
انتشار هذه الظواهر إلى التجربة المريرة والقاسية التي خبرتها
شعوب البلدان النامية، في مواجهة الاستبداد والقهر الداخلي،
والضغوط والنزعة إلى الهيمنة التي مارستها الشركات الاحتكارية
متعددة الجنسيات من خارج الحدود الوطنية.
ولا شك في أن العديد من
معوقات التنمية في البلدان النامية، ارتبط بالطبيعة المتشددة
للنظام القيمي السائد في هذه البلدان، أو بالتيارات الدينية
ذات التوجهات الايديولوجية الجامدة، أو بالموروث الحضاري
للسكان المحليين، أو بسبب التعصب الاجتماعي والحضاري المستمد
من الثقافات الفرعية لبعض الجامعات ذات الهوية العرقية أو
العنصرية أو الطائفية.
وهناك من الباحثين ممن ركز
على مسألة التوزيع غير العادل للامتيازات الاقتصادية
والتعليمية والتوظيفية بين الشرائح السكانية في المجتمع، مما
أدى إلى خلق سلسلة من المشاكل الجدية، وهدر أو تجميد الكثيثر
من الطاقات البشرية الفكوءة، ولا سيما في البلدان التي تميزت
بتزمت أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وكان من
نتائج ذلك أن ظلت الأغلبية من السكان في حالة فقر مقدع، فيما
استمرت الأقلية المختارة منهم تعيش حالة منالغنى المفرط.
ويمكن أن نضيف إلى ذلك،
تلك الفجوة الحضارية والاجتماعية الواسعة التي ظلت قائمة بين
سكان المناطق الحضرية وبين سكان المناطق الريفية. هذا فضلاص عن
ضعف الصلة أو العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وانعدام الرغبة
الصادقة لدى أغلبية حكومات البلدان النامية في إشراك مواطنيها
باتخاذ القرارات السياسية، أو حتى بإطلاعهم على ما تنوي
الحكومة اتخاذه من إجراءات.
وهنك عددٌ من الباحثين
والمتخصصين الغربيين[19]،
استهدف الإسلام على وجه التحديد وعدّه واحداً من أهم العوامر
المعيقة للتغيرات الإيجابية في بلدان العالم الثالث، وفي الوطن
العربي بخاصة. وقد أسس مثل هؤلاء الباحثين نظريتهم هذه على أن
بعض رجال الدين قاوم، في النصف الأول من القرن العشرين، عملية
التنمية أو التحديث الاجتماعي، وربطوا ذلك بالدين، وكأنه دين
لا يشجع العلم ولا يدعو إلى البحث عن سبل التقدم الحضاري
والاجتماعي، ولا يريد نشر العدالة والمساواة بين الناس.
إن أمثال هؤلاء "الباحثين"
وحين يعدون الإسلام واحداً من العوامل المعيقة للتنمية والنهوض
الحضاري في البلدان الإسلامية، فأنهم إما جهلة بالتراث
الإسلامي وبتأريخ الشعوب الإسلامية الت يقدمت للبشرية الكثير
من الإنجازات العلمية والحضارية، وأما يتجاهلون عن عمد،
المبادئ النيرة والسمحة التي جاء بها الدين الحنيف، وذلك بهدف
تكريس النط الاستغلالي لدولهم وشركاتهم متعددة الجنسيات، ومن
ثم الإبقاء على حالة التخلف وانعدام المساواة في مجتمعات بلدان
العالم الثالث.
التنمية والنساء في الوطن
العربي والبلدان المجاورة:
من خلال تناول الموقف من
عملية التنمية في الوطن العربي والبلدان المجاورة، ظهر أن هناك
رأيين مختلفين حول عملية التنمية. الرأي الأول، وهو الغالب بين
الباحثين، عدّها عملية إيجابية وضرورية للتقدم الاجتماعي،
بينما عدّها، أصحاب الرأي الثاني، سلبية، كونها أربكت المجتمع
ولم ترتبط بالمساواة بين الجنسين إطلاقاً.
والحق أننا نميل، من دون
تحفظ إلى الرأي الأول، الذي يؤكد أن التنمية، التي بدأت في بعض
البلدان العربية والمجاورة لها في السنوات الأخيرة من القرن
التاسع عشر وفي النصف الأول من القرن العشرين، كانت قد تحدت،
ومن ثم ساهمت في خلخلة النظام القيمي والايديولوجي الراسخ في
المجتمع. فهذا النظام الذي كان يستندُ من حيث المبدأ إلى فكرة
العزل الجنسي، أي الفصل بين النساء والرجال، ليمارس كل منهما
أنشطته الاجتماعية في عالمين متباعدين ومختلفين، فهذا النظام
كان قد ضعف وتغير بفعل التنمية.
لقد وصفت الباحثة مارسون[20]
مشاركة النساء المنحدرات من الطبقات العليا في مصر، من اللواتي
كن يتمتعن بعلاقة قرابية مننوع معين، كالأخوات والزوجات
والبنات وبنات الأخ والخ.... مع عدد من الوطنيين الأوائل، وصفت
مشاركتهن في في أحداث عام 1919، على انها ظاهرة تستحق الاهتمام
ويمكن عدّها جزءاً من الآثار الإيجابية لعملية التنمية. فقد
استخدمت أولئك النساء اللواتي توسمن أدواراً ريادية في حركة
تحرر المرأة آنذاك الغطاء الاجتماعي الذي وفره لهن الانتماء
القرابي لأولئك الرجال. فكان أن حققن تقدماً واسعاً وأكيداً
على طريق الدخول في الحياة العامة بصورة غير مسبوقة.
وطبقاً لهذه الدراسة فانه
قبل ذلك التاريخ قضت الأكثرية الساحقة من نساء مصر حياتها في
عالم معزول كلياً تقريباً عن عالم الرجال. ففي عالمهن المتجانس
والمعزول آنذاك، عملت أولئك النساء وتفاعلت وارتبطت ببعضها
البعض سلباً وايجاباً، محققات بذلك درجة ملحوظة من درجات
الاكتفاء الذاتي من النواحي الاجتماعية والحضارية من دون
الحاجة إلى خوض غمار المشاركة بعد تلكم المشاركات المبكرة في
أحداث عام 1919، فقد تشجعت أعداد متزايدة من النساء اللواتي
عبرن عن الرغبة في دخول الحياة العامة على نحو أوسع. وسرعان ما
أصبحن أولئك النساء نخبة رائدة عملت للصالح العام، وذلك من
خلال الانغماس في مختلف أنواع النشاط السياسي والثقافي
والاجتماعي، بهدف تقديم ما يمكن تقديمه للمجتمع من خدمات
وللحركة الوطنية في مصر من دعم وإسناد. ومما سهل على المرأة
المصرية قيامها بدور في الحياة العامة، هو أنها لم تكن، آنذاك،
منافسة للرجل على المناصب الحكومية بل مشاركة في الحياة
الاجتماعية السياسية. وهذا أدى إلى أن تنظر السلطات الحكومية
وأوساط اجتماعية مهمة، إلى حركة تحرر المرأة باحترام وألفة
ورعاية.
ولقد بحث آخرون[21]
في أثر التوسع الصناعي ووالتجاري على النساء في المطقة
العربية، وتوصلوا إلى نتيجة، هي أنه لم يكن شاملاً بالنسبة
للنساء، حيث انطوى على التميز الطبقي الواضح. فقد استفادت من
ذلك التوسع نساء الطبقات العليا والوسطى في ان يكون لهن دور
أوسع في الحياة العامة، في حين ظلت نساء الطبقات الفقيرة
محرومات من أي ميزة من ميزات التنمية.
وربط عدد آخر من الدارسين
والباحثين بين استمرار التصنيع والتحضر في المنطقة من جهة،
وارتفاع درجة حصول النساء على فرص في مجالات التعليم الرسمي
والعمل لقاء أجر خارج المنزل من جهة أخرى. وخلص هؤلاء إلى
القول، أنه بسبب التنمية، استطاع عددٌ متزايد من النساء الحصول
على مصادر للاستقلال الاقتصادي مما ساهم بتحريك المكانة
الاجتماعية التقليدية لهن في المجتمع.
ففي ليبيا مثلاً، خلص ديب
وديب[22] إلى
أنه لم يكن حتى مطلع الخمسينيات أي دور يذكر للنساء في
المجتمع، إلا أنه وبعد سنوات قليلة من ذلك بدأت النساء بالحصول
على فرص عمل مكنتهن من الدخول في مجال الخدمة العامة. وبحسب
نظرة هذين الباحثين فان النساء الليبيات وقعن تحت ضغط نوعين من
أنواع القوة المعارضة مع بعضها البعض: التقاليد الاجتماعية
والحضارية الموروثة من جهة، وقوى التنمية والتحديث من الناحية
الأخرى.
أما قبل ذلك فقد عاش
الرجال والنساء في عالمين مختلفين وغير متساويين. عالمان
تتفاوت فيها مقادير السلطة والقوة والهيمنة والاعتبار بطريقة
تجعل أولئك الذين يعيشون في كنفهما يقودون حياة مختلفة
ويتحسسون طعم الكثير منها بصورة جد مختلفة أيضاً.
الحقيقة، أنه ومن خلال
الملاحظة الشخصية المباشرة، يمكن القول أن المجتمع الليبي لم
يعد ذلك المجتمع الذي تنطبق عليه مثل تلك التفسيرات النمطية
الخاصة بنظام العزل الجنسي المطبق وما يتبعه من انعدام
المساواة ومختلف آيات التفرقة والتمييز بين الرجال والنساء.
فقد تحول المجتمع الليبي من مجتمع بدوي بسيط "لعله الأكثر
بداوة وبساطة بين المجتمعات العربية كلها" كما قال بذلك
الدكتور الوردي[23]،
إلى مجتمع حضري معاصر تتلمسُ فيه المرأة طريقها خطى راسخة..
محاطة بالرعاية والثقة والاهتمام الذي يوليه لها المجتمع، ولا
سيما مجتمع الرجال بكل رموزه على الصعيد الأسري والحياة
العامة.
صحيح أن المجتمع الليبي لا
يزال يتسمُ شكلاً بملامح تقليدية صارمة، حيث ينعدم حضور النساء
في الشارع والأماكن العامة، بعد انتهاء الدوام الرسمي في دوائر
الدولة والمدارس والمصانع... أو أن النساء يعزلن عن الرجال
لحظة دخولهن المنزل في حالة وجود ضيوف من غير الأقرباء
المقربين. وينطبق هذا حتى على العوائل الزائرة حيث يتم العزل
تلقائياً وفور دخور الدار.. إلا أن ذلك لا يمثل، بتقديرنا، غير
جانب يرتبط، كما يبدو، بشعور الليبين بالانتماء المعنوي
والأدبي لمقاييس المجتمع البدوي الذي انحدروا منه تواً، الذي
ما زال يرتبط بوعيهم وذاكرتهم الحاضرة، وبتراث الآباء
والأجداد، وبنضالهم الوطني التحرري ضد الاستعمار الإيطالي
والهيمنة الأجنبية.
وتتضح ملامح الرعاية
والثقة والاهتمام الذي تلقاه المرأة في ليبيا من خلال وجود
العديد من النساء، مدرسات وطبيبات وموظفات في دوائر الدول. وأن
ظاهرة الأعداد المتزايدة من الإناث في الجامعات الليبة لافتة
للنظر، إذ يشكلن أكثر من نصف عدد الطلبة الإجمالي.
ويتضح الاهتمام بدور
المرأة من خلال عدد من الدراسات الميدانية والتطبيقية التي قام
بها متخصصو ليبيون معاصرون، من الذين حصلوا على تأهيل علمي
عالٍ في مجال علم الاجتماع. ففي دراسة[24]
استهدفت رصد معالم ونماذج تطبيقية من التحديث الاجتماعي في
ليبيا، نجدُ، كما يقول الباحث، أن للتحديث دوراً نسبياً في
التأثير على المواقف الاجتماعية تجاه المرأة.. وأنَ هذه
المواقف اتسمت بتشجيع النساء على العمل خارج المنزل لقاء أجر،
والمشاركة في الحياة السياسية، والتقدم لتبؤ مواقع مهنية مهمة.
وكان الباحث قد توصل إلى نتائج دراسته من خلال دراسة معالم
ونماذج تطبيقة للتحديث الاجتماعي، ومقارنة ذلك بثلاثة مجتمعات
محلية، هي: بنغازي وتوكرة وسلوق. وقد اعتمد فيها على عينة
حجمها (100) شخص من كل مجتمع.
وفي إيران، توصل عدد
الباحثين إلى التأكيد على الأثر الإيجابي للتنمية، حتى في
مواجهة السياسات المترابطة والمنسجمة مع بعضها البعض الآخر،
والتي عملت قوى سياسية معينة بكل ثقلها على فرضها وتعميمها
وتطبيقها.. نقرأ بهذا الصدد[25]،
أنه وعلى الرغم من السياسات والبرامج والتوجيهات التي أصدرتها،
وعملت على تنفيذها، الحكومة الإيرانية بعد سقوط نظام الشاه عام
1979، لتقييد حرية النساء، وإجبار أعداد كبيرة منهن على
الاستقالة من مختلف مؤسسات الخدمة العامة، الا أن العدد المطلق
للنساء الإيرانيات، من المشتغلات خارج المنزل لقاء أجر، ازاداد
بشكل ملحوظ. وقد يصح التأمل في أن للحرب العراقية – الإيرانية،
المشتعلة آنذاك، دوراً في ذلك.
مقابل رأي أنصار الأثر
الإيجابي للتنمية على أوضاع النساء، في البلدان العربية
والمجاورة، نجد عدداً مهم من الباحثين والدارسين، يؤكد الأثر
السبي للتنمية. على سبيل المثال، يقول هؤلاء[26]
بأن حصول المرأة على فرص في مجال التعليم الرسمي والعمل خارج
المنزل لقاء أجر لم يرتبط بتحقيق هدف المساواة. بل أن غيرهم
مضوا إلى حد الإصرار على القول، بأن التنمية أو التحديث قد
ساهما بصورة مباشرة في ازدياد مستوى الانحدار الأخلاقي بين
النساء، وفي بروز ظواهر اجتماعية غير صحية في المجتمع.
من هذه الظواهر التي
يؤكدها هؤلاء الباحثون[27]،
ضعف الروابط القرابية، وزيادة حدة الصراع بين عدد متنوع من
المؤسسات الاجتماعية القائمة، كالعشيرة والعائلة من جهة،
والمدرسة والمنظمة السياسية من جهة أخرى. كما ساهمت التنمية
برفع درجة الحراك الاجتماعي وغيرها من الظواهر الاجتماعية.
بالمحصلة أدت كل هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع عدد النساء
المتحللات أخلاقياً في مدينة بيروت مثلاً، كما يقول هؤلاء.
التنمية والنساء: دراسات
اجتماعية متخصصة:
منذ تبلور الاهتمام بقضايا
المرأة في البلدان النامية، في مطلع الستينيات من القرن
العشرين، تتالت الدراسات العلمية المتخصصة للبحث في الجوانب
المتعددة ذات الصلة بالموضوع. فكان أن ظهر في البداية عدد من
الدراسات المقارنة على الصعيد القومي للبحث في أثر التنمية
الاقتصادية. (Economic Development) على النساء في الوطن
العربي والمناطق المجاورة.
ومن هذه الدراسات كانت
دراسة كولفير وأنجلويس[28]،
التي استخدما فيها تعدادات سكانية قومية ومسموح إحصائية دورية
أجريت في الخمسينيات ومطلع الستينيات لأختبار أثر التنمية
الاقتصادية على مشاركة النساء في قوة العمل في المراكز الحضرية
في (38) بلداً، بضمنها (16) بلداً عربياً وشرقياً مجاوراً.
وكان مفهوم التنمية الاقتصادية في هذه البلدان قد قيس باستخدام
مؤشرين منفصلين هما: (1) المعدل الفردي لأستهلاك الطاقة و(2)
نسبة العاملين من الذكور في القطاع الزراعي.
ثم جرى حساب درجة التنمية
من خلال جمع حاصل المؤشرين المذكورين. وعلى ذلك قسمت البلدان
التي شملتها لدراسة إلى ثلاث مستويات حسب مقياس يتكون من عشر
نقاط. ففي الطبقة الأولى (Class 1) التي أحتلت الجزء الأعلى من
المقياس، التي اسمت بمستوى عالٍ من التنمية الاقتصادية، وضع
عدد من البلدان الصناعية المتقدمة، الولايات المتحدة، كندا،
المملكة المتحدة، بلجيكا، استراليا، النرويج، هاواي، نيوزلندا،
سويسرا وفرنسا.
أما البلدان التي استمت
بدرجة أقل من درجات التنمية الاقتصادية، فقد وضعت ضمن الطبقة
الثانية (Class II)، الأرجنتين، اليابان، جنوب أفريقيا، تشيلي
إيطاليا، فنزويلا، كوبا، بورتوريكو، البرتغال، غانا
البريطانية، أسبانيا واليونان.. وتضمنت الطبقة الثالثة (Class
III) بنما، مصر، جامايكا، سنغافورة، كولمبيا، نيكاراغوا،
هاييتي وقد خلصت تلك الدراسة إلى أن مشاركة النساء في قو العمل
على الأصعدة الوطنية، تباينت تبايناً كبيراً بين تلك البلدان،
بغض النظر عن مستوى التنمية الاقتصادية فيها: بالمقابل فان
مشاركة الرجال في قوة العمل اتسمت بمستوى عال من الاستقرار
والانتظام. كما أكدت الدراسة على أن من الصعب تفهم معدل مشاركة
النساء في قوة العمل من دون الأخذ في الحسبان العلاقة
التاريخية بين النظام العائلي والنظام الاقتصادي القائم في أي
من تلك البلدان.
ففي ضوء النتائج الإحصائية
التي تم الحصول عليها من هذه الدراسة، فقد اقترحت اربعة أنماط
عامة لعمل النساء:
1) نمط البلدان
الصناعية المتقدمة.
2) نمط بلدان أمريكا
اللاتينية.
3) نمط بلدان البحر
الكاريبي.
4) نمط البلدان
الإسلامية من عربية وغير عربية.
ففي النمط الأول ظهر أن!
معدل مشاركة النساء في قوة العمل على الصعيد الوطني يتصف بأنه
عالٍ بسبب ارتفاع مستوى التنمية الاقتصادية مقروناً برغبة
النساء في تأمين مستوى معيشة أفضل. وقد ساعد في ذلك وجود نظام
عائلي مرن سَمَحَ، بل شجع، على دخول النساء في سوق العمل
بأعداد كبيرة.
وظهر، في النمط الثاني، أن
مشاركة النساء في قوة العمل عالية نسبياً بيد أنه لا بد من
ملاحظة أن ارتفاع نسبة المشتغلات منهن في مجال الخدمات
المنزلية، بدلاً من الدخول في ميدان البناء الكلي لقوة العمل.
ويتضح هذا أكثر من خلال ملاحظة انخفاض نسبة المشتغلات في مجال
العمل الإنتاجي.
أما في نمط بلدان البحر
الكاريبي، فان معدل مشاركة النساء يتصف بأنه عالِ، وذلك على
خلاف ما تم رصده في بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى. فقد ظهر أن
نسبة المشتغلات (في بلدان البحر الكاريبي) ترتفع على نحو بين
في ميدان العمل الإنتاجي، ويبدو أن ذلك يعود في جانب منه إلى
ارتفاع معدل الأطفال غير الشرعيين مقروناً بمستوى نمو اقتصادي
نشيط.
وفيما يتعلق بنمط البلدان
الشرقية الإسلامية، من عربية وغير عربية، فانه يتميز بأوطأ
معدلات مشاركة النساء في قوة العمل. ويأتي هذا بسبب الترويج
للزواج المبرك، والقناعة الموروثة، والتقليدية، في منع النساء
من العمل خارج المنزل، جنباً إلى جنب الرجل. انظر بهذا الخصوص
الجدول رقم (1).
وباستخدام التعدادات
السكانية ومسموح قوة العمل على الأصعدة الوطنية للمدة من
1950-1966 في أربعين بلداً من مختلف بلدان أنحاء العالم، حاول
دنتي[29]
(Denti) الترعف على أنماط المشاركة في قوة العمل، من حيث الجنس
والعمر ومنطقة السكن (ريف وحضر). وقد شملت دراسته ثلاثة بلدان
أفريقية هي: غانا، ليبيريا والمغرب، وبلدين متطورين هما:
الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، واثني عشر بلداً من بلدان
أمريكا اللاتينية هما: شيلي، كولومبيا، كوستريكا، الأكوادور،
السلفادور، غواتيماك، المكسيك، نيكاراغوا، بنما، بيرو،
بورتوريكو وفنزويلا، وتسعة بلدا آسيوية هي: يورما، سيرلانكا،
إندونيسيا، إيران، اليابان، كوريا الجنوبية، الفليبين، سوريا
وتركيا، وأربعة بلدان من أوربا الشرقية هي: بلغاليا، هنغاريا،
بولندا ورومانيا، وثمانية بلدان أوربية، هي: الدنمارك، فنلندة،
فرنسا، اليونان، النرويج، البرتغال، أسبانيا والسويد. وقد
قُسمت هذه البلدان إلى فئتين رئيسيتين حسب المستوى التنمية
الاقتصادية فيهان وهي: فئة البلدان الأكثر نمواً، وفئة البلدان
الأقل نمواً. كما حُدد مستوى التنمية الاقتصادية في سياق نسبة
الذكور المشتغلين في مجال العمل الزراعي.
وقد عُينت البلدان الأكثر
نمواً بتلك التي لم تتجاوز نسبة المشتغلين من الذكور منها في
القطاع الزراعي لـ45% فيما عُدت البلدان التي يشتغل فيها أكثر
من 45% من الذكور في القطاع لزراعي، من البلدان الأكثر نمواً.
كما أسقطت من التحليلات الإحصائية فئة الصبيان الذين تقل
أعمارهم عن خمسة عشر عاماً.
وفي هذه الدراسة تم التعرف
على خمسة أنماط رئيسية في مجال مشاركة النساء والحضريات في قوة
العمل، حسب عدد من الفئات العمرية المصنفة به:
النمط الأول: يضم فئة
البلدان الأكثر نمواً (ما عدا بلدان أوربا الشرقية) مثل
اليابان، كندا والولايات المتحدة. ويتميز هذا النمط بذروتين في
مجال المشاركة الاقتصادية لقوة العمل. تظهر الذروة الأولى في
الفئة العمرية من 20-24 سنة. فيما تظهر الثانية في الفئة
العمرية من 45-54 سنة.
النمط الثاني: يضم بلدان
أمريكا اللاتينية وعدد من البلدان الأوربية الأقل نمواً
وسريلانك. ويتميز هذا النمط با‘لى نسبة مشاركة في قوة العلم
التي تظهر في الفئة العمرية من 20-24 سنة، فيما تبدأ بذلك
بالانحدار على نحو منتظم.
النمط الثالث: يضم بلدان
أوربا الشرقية وفنلندا حيث ترتفع معدلات النشاط الاقتصادي
للنساء في عمر مبكر حتى تصل ذروتها في الفئة العمرية من 20-24
سنة، ثم تبدأ بالتنازل التدريجي حتى الفئة العمرية من 55-65
سنة، وهي فئة الإحالة على التقاعد.
النمط الرابع: يضم الهند،
إندونيسيا، برما، غانا وليبيريا. وفي هذا النمط تكون زيادة
معدل مشاركة النساء في قوة العمل متصاعدة بداءاً من الفئة
العمرية 15-19 سنة وصولاً إلى الفئة العمرية من 45-54 سنة. ثم
تأخذ بالانحدار بعد ذلك.
جدول رقم
(1)
معدلات مشاركة النساء في
المراكز الحضرية حسب مستوى التنمية والتاريخ النسبي
|
البلدان حسب
مستوى التنمية بالطبقة |
السنة |
معدلات مشاركة
النساء |
|
الطبقة (1)
الولايات
المتحدة الأمريكية |
1950 |
37 |
|
كندا |
1951 |
34 |
|
المملكة
المتحدة |
1951 |
43 |
|
بلجيكا |
1947 |
32 |
|
استراليا |
1954 |
34 |
|
النرويج |
1950 |
42 |
|
هاواي |
1950 |
37 |
|
نيوزيلندا |
1951 |
35 |
|
سويسرا |
1950 |
44 |
|
فرنسا |
1954 |
48 |
|
الطبقة (2)
مالطا |
1948 |
14 |
|
الارجنتين |
1947 |
32 |
|
البلدان حسب
مستوى التنمية بالطبقة |
السنة |
معدلات مشاركة
النساء |
|
اليابان |
1955 |
41 |
|
جنوب أفريقيا |
1946 |
42 |
|
تشيلي |
1952 |
40 |
|
إيطاليا |
1951 |
28 |
|
فنزويلا |
1950 |
31 |
|
كوبا |
1953 |
24 |
|
بورتوريكو |
1950 |
28 |
|
البرتغال |
1950 |
34 |
|
غانا
البريطانية |
1946 |
43 |
|
أسبانيا |
1750 |
24 |
|
اليونان |
1951 |
26 |
|
الطبقة (2)
بنما |
1950 |
38 |
|
مصر |
1947 |
12 |
|
جامايكا |
1953 |
45 |
|
سنغافورا |
1947 |
19 |
|
كولومبيا |
1951 |
35 |
|
البرازيل |
1950 |
29 |
|
البرغواي |
1950 |
41 |
|
الهند |
1951 |
14 |
|
السلفادور |
1950 |
46 |
|
جمهورية
الدومنيكان |
1950 |
26 |
|
الباكستان |
1951 |
3 |
|
نيكارغوا |
1951 |
29 |
|
هاييتي |
1950 |
73 |
|
إيران |
1956 |
10 |
المصدر: كولفيروك نجلويس،
1962، 373
النمط الخامس: يضم عدداً
من البلدان العربية والإسلامية الأخرى التي تتصف باوطأ معدلات
المشاركة الاقتصادية في قوة العمل وفي كل الفئات العمرية على
الإطلاق.
ويبين الجدول رقم (2)
معدلان مشاركة النساء الحضريات حسب المتسوى السائد للتنمية
الاقتصادية في تلك المجتمعات.
في ضوء مثل هذا التنوع
الكبير في معدلات النشاط الاقتصادي للنساء الحضريات في البلدان
المختلفة موضوع البحث، وحسب مستوى التنمية الاقتصادية خلص دنتي
إلى تأكيد دور العوامل الاجتماعية والحضارية التي تركز على
أهمية مكوث النساء في المنزل كزوجات وأمهات.
عموماً، فأن معدلات النشاط
القاتصادي للنساء تنخفض عن تلك التي يؤديها الرجال في كل
البلدان شملتها الدراسة. الا أن هذه البلدان اختلفت في هذا
المجال أيضاً، حيث ظهر أن معدلات النساء بالمقارنة مع معدلات
عمل الرجال في البلدان الأكثر نمواً، أفضل نسبياً من معدلات
عمل النساء في البلدان الأقل نمواً. وعليه بينما يصح القول أن
مستويات التنمية الاقتصادية مهمة في هذا الشأن، الا أن العوامل
الإجتماعية والحضارية لا تقل عنها أهمية لأحداث أثر نوعي وكمي
يمكن قياسه بسهولة.
ولعل أفضل مثل على مدى
تأثير العوامل الاجتماعية والحضارية في هذا المجال هو الذي
تجسد في البلدان الإسلامية التي تتميز بأوطأ معدلات المشاركة
الاقتصادية في قوة العمل على الإطلاق. ففي هذه البلدان يكون
الخوف والشك من الآثار المترتبة عن اختلاط النساء بالرجال،
خارج محيط العائلة أو الجماعة القرابية المعروفة، هو الذي
يساعد على تفسير ظاهرة من هذا النوع، الا وهي ظاهرة انخفاض
معدلات المشاركة أو الفعالية الاقتصادية للنساء في المناطق
الحضرية على وجه التعيين.
جدول رقم
(2)
معدلات النشاط الاقتصادي
للنساء الحضريات حسب الفئة العمرية للمجموعات المختارة من
البلدان التي شملتها الدراسة طبقاً للنمط التنمية الاقتصادية
|
النمط والبلد |
15-19 |
20-24 |
الفئات العمري |
55-65 |
65-فما فوق |
|
25-44 |
45-54 |
|
النمط الأول
أوربا ما عدا
أوربا الشرقية |
49 |
62 |
39 |
42 |
34 |
8 |
|
اليابان |
50 |
66 |
44 |
45 |
34 |
15 |
|
كندا |
39 |
54 |
33 |
37 |
26 |
7 |
|
الولايات
المتحدة |
31 |
48 |
42 |
50 |
38 |
11 |
|
النمط الثاني
بلدان أمريكا
اللاتينية |
28 |
35 |
53 |
47 |
27 |
11 |
|
البلدان الأقل
نمواً في أوربا ما عدا أوربا الشرقية. |
36 |
42 |
26 |
19 |
14 |
6 |
|
النمط الثالث
بلدان اوربا
الشرقية |
37 |
59 |
53 |
47 |
27 |
11 |
|
فنلندا |
46 |
67 |
61 |
59 |
44 |
9 |
|
النمط الرابع
الهند
وإندونيسيا |
17 |
25 |
32 |
31 |
22 |
10 |
|
برما، غانا،
وليبيريا |
28 |
32 |
37 |
43 |
39 |
20 |
|
النمط الخامس
البلدان
المسلمة |
9 |
10 |
10 |
11 |
8 |
5 |
المصدر: (دنتي، 1968: 539)
– النسب المئوية مقربة.
أما الباحثة السويدية
بوسيرب[30]
Boserup فقد شملت بدراستها الكلاسيكية عدداً من البلدان
النامية، بضمنها بعض البلدان العربية، ووصفت الأثر المباشر
للتنمية على أنه تسبب، فيما أسمته، بظاهرة فقدان المكانة
Status Loss ولكن المكانة الاجتماعية للنساء أخذت في التحسن
بعد ذلك نتيجة التمكن من الحصول على فرص في مجال العمل لقاء
أجر خارج المنزل. ومن خلال هذه الدراسة تعرفت بوسيرب على تنوع
معدلات نشاط النساء في أقاليم متعددة، حسب منطة السكن (ريفي أو
حضري)، وكما يُستدل على ذلك من الجدول رقم (3).
ففي هذا الجدول يظهر أن
معدل مشاركة النساء في قوة العمل في البلدان العربية واطئة في
كلا الجانبين، الحضري والريفي. في حين ظهرت نسب مشاركة النساء
في قوة العمل في المنتاطق الحضرية في بلدان أمريكا اللاتينية
مرتفعة، فيما ظلت منخفضة في المناطق الريفية. أما منطقة جنوب
شرق آسيا، فقد تميزت باترفاع معدلات مشاركة النساء في قوة
العمل في الريف، بينما ساتمرت كذلك على اترفاعها في المناطق
الحضرية. فمثلاً كان معدل مشاركة النساء في قوة العمل في
المدينة في الهند وأفريقيا واطئ وفي القرية عالي.
ومن الواضح أن الاختلاف في
معدل نشاط أو مشاركة النساء في قوة العمل لقاء أجر خارج المنزل
في بعض بلدان العالم الثالث، يرجعُ إلى التأثير السلبي المركب
والتقاليد المحلية وأنماط التفكير السائدة، والسلوك الحضاري
الغربي الجديد الذي فرضه ممثلوه على السكان المحليين من دول
الهيمنة الغربية في تلك البلدان.
جدول رقم
(3)
معدلات مشاركة النساء في
مجال العمل لقاء أجر خارج المنزل
حسب الأقاليم ومنطقة السكن
|
الاقليم |
معدل/ المدينة |
معدل/ القرية |
|
البلدان
العربية |
واطئ |
واطئ |
|
أمريكا
اللاتينية |
عالي |
واطئ |
|
جنوب شرق آسيا |
عالي |
عالي |
|
أفريقيا
والهند |
واطئ |
عالي |
ودرست نادية يوسف حجاج[31]
درجة الترابط بين مستويات التنيمة وأنماط تعليم وعمل السناء في
أمريكا اللاتينية والوطن العربي والمناطق المجاوة له في
السيتينيات من القرن العشرين. وكانت البلدان العربية والشرق
أوسطية التي شملتها الدراسة هي: مصر، سوريا، ليبيا، المغرب،
باكستان، إيران، وتركيا. أما بلدان أمريكا اللاتينية فهي:
شيلي، كولومبيا، كوستاريكا، الاكوادور، المكسيك وبيرو. وقد
استمدتْ الباحثة البيانات الإحصائية التي اعتمدت عليها لتحليل
النماذج من التعدادات السكانية الوطنية، منشورات الأمم
المتحدة، مثل الكتاب السنوي للسكان، منشورات منظمة العمل
الدولية ومنشورات اليونسكو.
وقد توصلت إلى وصف البلدان
التي شملتها الدراسة بأنها تتميز بمستوى متشابه للتنمية
الاقتصادية. وعلى سبيل المثال أظهرت الدراسة أن البلدان
العربية والمجاورة لها من جهة، وبلدان أمريكا اللاتينية من جهة
أخرى، تتصف بمستوى واطئ وزيادة متسارعة للساكن وارتفاع لمستوى
التحضير الاجتماعي، أي انتقال أعداد كبيرة من السكان للإقامة
والعمل في المدن. بيد أنّ بلدان هذين الإقليمين تتميز
باختلافات جوهرية في مجال البناء الاجتماعي وفي النظم الحضارية
السائدة. والجدول رقم (4) يشير إلى مثل هذه الاختلافات بين
الإقليمين.
يتضح من ذلك أنه، وعلى
الرغم من تشابه معدلات التنمية في كلا الإقليمين، الشرق أوسطي
والأمريكي اللاتيني، فان عدداً من الاختلافات الجوهرية تستمر
في الظهور. وعلى نحو أشبه ما يكون بالثابت، تميزت نساء البلدان
العربية وما جاورها بأعلى معدلات الأمية وأوطأ مستويات التعليم
الرسمي وأقل مشاركة في قوة العمل لقاء أجر خارج المنزل.
ولتسليط الضوء على أبعاد
هذه الظاهرة اقترحت الباحثة تفسيراً يرتبط بمفهوم شرف العائلة
التي يستمد عنصره الأساس من نظام قيمي ومعياري يميز البلدان
العربية والمسلمة الأخرى على وجه التعيين. وعليه، وبعيداً عن
مستويات التنمية، أو على نحو مستقل عنها، يمكن النظر إلى هذه
الظاهرة في ضوء تلك المفاهيم والأعراف السائدة.
وبما أن المجتمع المسلم
يؤكد مفهوم عذرية المرأة، وأن إقامة النساء لعلاقات غير
أخلاقية محرم دينياً، ومرفوض اجتماعياً، لأنه يسبب إحراجاً
كبيراً للعائلة ويعرض سمعتها للتجريح في المجتمع، ومن ثم، فإنّ
سلوكاً من هذا النع يبرزُ إقاع أي نوع من أنواع العقاب
بالمرأة، بما في ذلك القتل. وبرأي الباحثة فان مثل هذه
المفاهيم والأسباب ساهمت في منع العديد من النساء العربيات
خصوصاً، والمسلمات بصورة عامة، من العمل خارج المنزل لقاء أجر.
ويتم ذلك بهدف حماية النساء من إحتمالات اختلاط برجال قد لا
يبالون في تعريضهن لخطر الانزلاق الاخلاقي وما يترتب عليه من
تبعات اجتماعية ونفسية ثقيلة على العائلة.
جدول رقم
(4)
معدلات مشاركة النساء في
قوة العمل في القطاع غير الزراعي في عدد مختار من البلدان حسب
الإقليم (تعدادات 1860. البيانات تخص السكان فوق سن 15 سنة)
|
الإقليم |
معدل مشاركة
النساء |
|
أمريكا
اللاتينية
تشيلي |
31 |
|
كوستاريكا |
29 |
|
بيرو |
29 |
|
الاكوادور |
31 |
|
المكسيك |
26 |
|
المنطقة
العربية وما جاورها
مصر |
8 |
|
إيران |
15 |
|
المغرب |
11 |
|
سوريا |
8 |
|
الباكستان |
7 |
المصدر: من يوسف، ص20،
جدول 67. مبني على إحصاءات الكتاب السنوي للأمم المتحدة
للإحصاء، 1965، جدول رقم 8 ما عدا الباكستان، الكتاب السنوي
للأمم المتحدة للإحصاء، 1968، جدول 22.
أما دراند[32]
Durand فقد درس ظاهرة عمل النساء في (100) بلد، بضمنها عدد من
البلدان الإسلامية، العربية وغير العربية. وقد وجد في هذه
الدراسة أن مشاركة النساء في مجال العمل لقاء أجر خارج المنزل
تنوعت تبعاً لعدد معين من العوامل التي ميزت هذه المجتمعات عن
غيرها. وخلص دراند إلى القول بأن مشاركة النساء في قوة العمل
تحددت بمدى توازن مستويات التنمية على الصعيد القومي، أو بأية
درجة نمت وتوسعت القطاعات غير الزراعية في الاقتصاد الوطني.
ويوضح الباحث ذلك بالقول،
أنه كلما كان ذلك التوازن في مستوى التقدم بالتنمية الاقتصادية
مفقوداً، كان ذلك واحداً من الأسباب التي تحول، كما يظهر، من
دخول النساء في مختلف ميادين العمل خارج المنزل لقاء أجر، وهذا
هو الذي يميز المنطقة العربية والمناطق المجاورة لها، والتي لم
تستطع تحقيق درجة عالية في هذا المجال، أي مجال الأخذ بالتنمية
على نحو متوازن وهو ما يمس، بل يشمل مختلف الجوانب في النظام
الاقتصادي، وبالتالي النظام الاجتماعي القائم.
وفي دراسة أخرى شملت (61)
بلدا سيمنوف[33]
أن ارتفاع معدلات التنمية ارتبطت بصورة إيجابية بظاهرة ارتفاع
مشاركة النساء في قوة العمل خارج المنزل لقاء أجر. الا أن هناك
عدداً من العوامل المتداخلة، كما يقول الباحث. فارتفاع معدلات
الطلاق ساهم، كعامل، في بعض المجتمعات بزيادة الأثر الإيجابي
للتنمية، بقدر تعلقه بدفع أعداد أكبر من النساء للمشاركة في
قوة العمل. فيما ساهم عامل معدلات الولادات بتقليص تأثير
التنمية على مشاركة النساء في قوة العمل. هذه بعض الخصائص التي
تميز عدداً من المجتمعات العربية خصوصاً والمجتمعات المسلمة
عموماً، حيث ينخفض معدل الطلاق وترتفع معدلات الولادات مما
يجعل من الصعب على أعداد كبيرة من النساء الانخراط في سوف
العمل خارج المنزل لقاء أجر.
وقد توصل ستاندتج[34]
إلى نتائج مشابهة فيما يتعلق بانخفاض معدلات مشاركة النساء
العربيات في قوة العمل، محذراً من تأكيد دور الدين بحد ذاته في
هذا الجال. وطبقاً لهذه الدراسة، فان الدين يعد واحداً من
المقوقمات الرئيسة ضمن نظام متكامل للقيم والمعايير الفكرية
التي تؤدي دوراً ملحوظاً في التأثير بهذه الظاهرة أو تلك.
وفي دراسة الدكتورة زينب
محمد زهري[35]،
حول أثر التحول الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في ليبيا على
أوضاع النساء العاملات، تمَّ تسجيل عدد من الخلاصات المهمة.
منها أنه كان لهذه التحولات أثراً واضحاً في زيادة الطلب على
القوى العاملة النسائية، وبخاصة الأكثر تأهيلاً مهنياً منها.
كما كان لتلك التحولات تأثيرات بيّنة على المستوى التعليمي
للنساء، مما ساعد في زيادة عدد المتعلمات الراغبات في الانخراط
بالعمل خارج المنزل لقاء أجر. ولاحظتُ الباحثة ارتفاع عدد
المتزوجات، إلى جانب غير المتزوجات، في قوة العمل الوطنية.
وقد لاحظت الدراسة أن دخول
المرأة الليبيةالى ميدان العمل، هو ظاهرة حديثة، بدليل أن 65%
من النساء المشتغلات يقعن في الفئة العمرية من 15-39 سنة، فيما
تقل مدة عمل 82% منهن عن عشر سنوات. كما أن ارتفاع مستوى
التعليم بين النساء المشتغلات أدى إلى زيادة نسبة المؤهلات
منهن لتبوأ مواقع مهنية متقدمة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه
الدراسة اعتمدت على عينة تكونت من (600) امرأة، مثلت 14% من
مجموع القوى العملة النسائية في مدينة بنغازي حسب إحصاءات عام
1980.
وبهذا نأتي على ختام هذه
المراجعة المكثة والمنتظمة للدراسات والبحوث في مجال نساء
والتنمية، نأمل أن تكون ذات نفع لطلاب المعرفة بخاصة في ميدان
العلوم الإنسانية والاجتماعية منها على وجه الخصوص.
.............................
(*) كلية الاداب ـ جامعة بغداد
الهوامش:
....................
[1].
Comte, August, The positive Philosophy (London:
George Bell and sons, 19860.
[2].
Durkheim, Emile, The Division of Labor (New York:
Macmillan, 1933).
[3].
Spencer, Herbert, the principle of sociology (New
York: D. Appleton and Company, 1898).
[4].
Tonnies, Ferdinand, Community and society (Michigan:
Michigan State University Press, 1967).
[5].
Weber, Max, General Economic History (New York:
Collier – Macmillan, 1961).
[6]. W.
Pye (Boston: Little Brown and Company, 1970).
Weiner, Myron. "political Integration and Political
Development", PP. 62-75 in the developing Nations.
[7].
Coleman, James, S. "Conclusion, the political
systems of the developing Areas, edited by Gabriel
Almond James S. Coleman (Princeton: Princeton
University Press, 1960).
[8].
Huntington, Samuel P. "The change to change:
modernization, development and politics", PP. 25-61
in Comparative Modernization. A Reader, edited by
Cyril B. Black (New York: The Free Press, 1976).
[9].
Davis, Kinsley, Human society (New York: The
Macmillan company, 1949).
[10].
Lenski, Gerhard E, Power and privilege: A Theory of
Social Stratification (New York: McGraw – Hill Book
Company, 1966).
[11].
Duncan, Otis Dudley, "A socioeconomic index for all
occupations", PP. 139-161 in Occupation and Social
Status, Edited by Albert J. Reiss, Jr. et al.
(Gleneoc: The Free Press, 1961).
[12].
Moore, Wilbert, World Modernization: The Limits of
Convergence (New York: Elsever North Holland, Inc.,
1979).
[14].
Pinchbeck, Iry, Women Workers and the Industrial
Revolution, 1750-1850 (London: Frank Cass, 1977).
[15].
Lerner, Daniel, The Passing of Traditional Society:
Modernizing the Middle East, with the assistance of
Lucille W. Pevsner and an introduction by David
Reisman (London: The Free Press of Glenroe Collier –
Macmillan Limited, 1958).
[16].
Berger, Morroe, The Arab World Today (New York:
Doubleday Company, 1962).
[17].
Sharabi, Hisham, "Nationalism and revolution" in the
Arab World, the Middle East and North Africa: New
Perspectives in Political Science (New Nostrand
Company, Inc., 1966).
[18].
Dengler, Jan C. "Turkish women in the Ottoman
Empire: the classical age", PP. 229-244 in Women in
the Muslim World edited by Lois Beck and Nikki
Keddie (Massachusetts: Harvard University Press,
1982).
[19].Beck,
Lois and Nikki Keddie (ed.) "Introduction" PP. 134
in women in the Muslim World, edited by Lois Beck
and Nikki Keddie (Massachusetts: Harvard University
Press, 1982).
[20].
Marsot, Afaf Lutfi Al-Sayyid, "The revolutionary
gentle – women in Egypt". PP. 261-276 in women in
the Muslim World, editied by Lois Beck and Nikki
Keddie (Massachusetts: Harvard University Press,
1982).
[21].
Goode, William, World Revolution and Family Patterns
(New York: The Free Press, 1963).
[22].
Deeb, Marius Kand Mary Jane Deeb, Libya Since the
Revolution: Aspects of social and Political
Development (New York: Pracger special studies,
1982).
[23].
الوردي، علي، "راسة في طبيعة المجتمع العراقي: بحث
أولي لدراسة المجتمع العربي الكبير في ضوء النظرية
المعاصرة في مجال علم الاجتماع (بغداد، مطبعة العاني،
1965).
[24].
الهمالي، عبد الله عامر، التحديث الاجتماعي: معاطه
ونماذج من تطبيقاته (مصراته: الدار الجماهيرية للنشر
والتوزيع والإعلان، 1986).
[25].
Moghadam, Val, "Women, work, and ideology in the
Islamic Republic" International Journal of the
Middle East Studies, 20: 221-234, 1988.
[26].
Abandan – Unat, Nermin "The modernization of Turkish
women", The Middle East Journal 3: 291-306, 1978.
[27].
Khalaf, Samil, Prostitution in a changing society: A
sociological survey of legal prostitution in Beirut
(Beirut: Khyats, 1965).
[28].
Collver, Andrew and Eleanor Langlois, "The Female
Labor Force Participation In metropolitan areas: an
international comparison", Economic Development and
Cultural Change 10: 367-385, 1962.
[29].
Denti, Ettore, "sex – age patterns of Labor force
participation by Urban and rural population during
1950-1966", International Labor Review, 98: 525-550,
1968.
[30].
Boserup, Ester, Women's Role in Economic Development
(London: George Allen and Unwin Ltd., 1971).
[31].
Yousef, Nadia H. Women in Developing Societies,
(Berkeley: Institute of International Studies,
1974).
[32].
Durand, John D. The Labor Force in Economic
Development, A Comparison of International Census
Data, 1946-1966 (Princeton: Princeton University
Press, 1975).
[33].
Semyonov, M. "The social context of women's Labor
force participation: a comparative analysis",
American Journal of Sociology 86: 354-550, 1980.
[34].
Standing, Guy, Labor Force Participation and
Development (Geneva: International Labor
Organization, 1982).
[35].
زهري، زينب محمد، "المرأة العاملة في المجتمع الليبي
المعاصر"، (بنغازي: منشورات جامعة قاربونس، ص 231،
1988).