الحضارية «دراسات الحضارة والنهضة»

 الأربعاء : 21/04/2010

 

 

المرأة.. ودورها اللا منتهي

 

 

الدكتور إحسان الأمين(*)

(خاص للمعهد)

 

 

 

إذا كان الإنسان موجوداً مترامي الاطراف، مُتشعِّب الوجود، عظيم الغايات، رغم جسمه الصغير بين عالم الممكنات.. فإن الجزء الأنثوي في وجوده هو جزؤه الغاطس في الغيب، الممتد نحو الميتافيزيقيا، المتصل بعالم اللاّهوت، المتوشِّح بالحجاب والعزّ والجبروت.. إلا أنّ هذا الجزء - رغم خفائه - كان الأكثر تأثيراً وظهوراً في الحياة الإنسانية، وربّما ربط الكثير من الباحثين معظم السلوك البشري به، فكان الحاضر الغائب الذي يجرى في الإنسان مجرى الدم في عروقه.

هذا الدور المرموز والسحري للمرأة يمكن أن نحس بآثاره ونستشعر بنتائجه، إلا أنّه لا يمكن أن يدرك كاملاً أبداً، لأنّه "لا يمكن فهم الأُنوثة بصورة عقلانية، إذ أنّها لا متمايزة وبالتالي لا عقلانية، وليس بالإمكان سوى أن نستشعرها من خلال الحدس والإحساس ولكن لا من خلال العقل والمنطق أبداً". لذا يُقال: "الرجال لن يفهموا النِّساء أبداً".

إنّ كثيراً ممّن درسوا أبعاد المرأة في الحياة الإنسانية، ركّزوا على أدوارها كزوجة واُم، ولا شك أنّ لهذه الأدوار أهميّة وقدسيّة خاصّة، إلا أنّ الواقع يدلّنا على أنّ للمرأة أداءً سحرياً وحسّاساً ومتميزاً.. والمرأة، أيّاً كانت المرحلة التي تعيشها في حياتها، فهي تتأثر وتؤثر في حياة الآخرين ما لم يؤثر فيهم مخلوق عادي آخر، وهذا التأثير يبرز في مجارٍ ومجالات متعددة، وسنحاول هنا أن نستشرف بعضاً من عطاءات المرأة ونتأمل شيئاً مما يظهر من أدوارها الكبيرة:

1) المرأة: الوطن، الأُنس والسَّكَن:

المرأة للإنسان مثل الأرض، الوطن، المنبت والمرجع، وهي في نفس الوقت تعطي له الأمن، الحبّ، والرّحمة والإستقرار، لذا "لا يُلام المرء على حب أُمّه"(1)، كما لا يُلام المرء على حب وطنه.

المرأة، بأي لباس كانت، وفي أي دور لعبت، كانت مأوى الإنسان ومستقره، فإذا ما خرج الرجل يكافح ويجاهد في ميادين الحياة المختلفة يواجه صعوباتها ويخوض جولات معاركها.. إذا ما خرج الرجل ليكون بطلاً فإن المرأة هي عروس أحلامه التي لا تفارق عيناها عينيه ولا تغيب صورتها عن ذهنه.. وهو يكدّ ويعمل ويقاتل ويناضل لكي يرجع إليها ويهديها جوائز جولاته وهدايا صولاته وليجد عنها حلاوة الأمن بعد الخوف، ولذّة الفراغ بعد النصب. لذا كانت المرأة الأمل للإنسان، كما كانت تشكل: اُمّاً وزوجة وبنتاً، الدوافع المحفزة للعمل والكفاح لديه.

المرأة في حياة الإنسان: منطلق واُم(2)، وزينة وريحانة(3)، وأًُنس، ومتعة، وكما تدور الكواكب حول الشمس منجذبة إليها ومشدودة بها، كذلك الإنسان دار حول المرأة، وأينما كانت، كانت عشه، وأينما حلت كانت سكنه، وهي أوّلاً وأخيراً عشقه الدائم وحبه الذي لا تطفأ ناره، ولذا كانت المرأة دفء الحياة، كما كانت "عطر الوجود"(4)... وهكذا أرادها الله أن تكون دوحة خضراء مزهرة في صحراء حياة الإنسان القاحلة.

وكما جعل الله تعالى الليل للإنسان سكناً، جعل المرأة كذلك موضع سكون الإنسان المفعم بالحبّ والخير والبركة، إذ يقول جلّ وعلا: (ومِن آياتِهِ أن خَلَق لَكُم مِن أنفُسكم أزوَاجاً لِتَسكنوا إليها وجَعَل بَينَكم مودّة ورَحمَة...) (الرُّوم/ 21).

وإنما سُمّيت حواء حواءً لأنها كانت اُم الأحياء.. وسُمّينَ النساء نساءً لأن المرأة (حواء) كانت أنس آدم يوم هبط إلى الأرض ولم يجد له أنساً غيرها.

إذا كانت المرأة كذلك، منبع الأنس والسكون ومصدر الإستمرار والإستقرار للوجود الإنساني، فأية جناية أعظم وأية كارثة أكثر عندما تفقد المرأة سمات نسويتها وتفتقد الحياة نكهة أنوثتها؟ وأي شيء يسد هذا الخلأ ويملأ ذلك الفراغ عندما تتحول النساء إلى رجال أو أشباه رجال، وتعيش الدُنيا جفاف الرجولة وخشونتها دون لطف أنثوي أو نسمة نسوية؟

إن من أكبر مشكلات الإنسان المعاصر وأكثرها خطورة هي فقدانه للطمأنينة والإستقرار في حياته، وبالتالي باتت حياة الكثيرين تبتلى بالملل والكلل وتُهددها موجات القلق والإضطراب، حتى غدت تلك سمة العصر ومن أبرز ملامحه.

لقد امتلك الإنسان من وسائل الراحة ما لم يملكه الإنسان في أي عصر مضى.. رغم كل ذلك فإن هذا الإنسان الذي سخّر الأرض وما عليها ويطمع إلى تسخير الكواكب والنجوم، لم يستطع الإحتفاظ بهدوء ذاته وسكون نفسه، و"ماذا ينفع الإنسان لو كسب العالم كلّه وخسر نفسه؟

إن روح الإنسان لا تهدأ وقلبه لا يطمئن ولا يستكين إلا إذا اتجهت نحو بارئها ومبدئها، وخالقها وراعيها، ولا يمكن لأية عقيدة أو قضية أن تحل محل الإيمان بالله والحب له وفيه، لأن بهذا الإيمان فقط يمكن للروح أن تكون أبدية وللحب أن يكون خالداً.. ذلك الإيمان الذي يعطي للحياة بُعداً أبدياً وسرمدياً، يعطي الكفاح الدنيوي هدفاً لا ينفد وغاية لا تتناهى. والنفس لا تشعر بالأنس والسكون إلا في ظل المرأة: الأُم، الأصل، المصدر.. وهي اُمّاً سواء كانت بنتاً أو أختاً أم زوجة أو اُمّاً.

ألم تكن "فاطمة اُمّ أبيها" كما في الحديث الشريف عن النبي (ص)؟ لأن النبي كان يرجع من كفاحه وصراعه مع أصنام زمانه وطغاة أيامه، يرجع متعباً منهكاً متوزع الأفكار ومتشتت القوى... كان يرجع ليجد (الزهراء) البنت الصغيرة تنتظره وتستقبله لتهب له دفئاً وحباً.. بل قل أملاً وحياة.

2) المرأة: المدرسة الأُولى في الحياة:

خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، إذ هيّأ له أسباب التكامل وفرص الرُشد، من فطرة وعقل وإحساس مرهف وقلب سليم.. ولكي يكون الإنسان إنساناً يتميز عن سائر المخلوقات، فقد خصّه الله تعالى بالعقل وأكرمه بالعلم وسماه بالعاطفة والرحمة حب والخير والميل نحو الكمالات.

ولا يتوازن بناء شخصية الإنسان إلا بتوازن خصائصه الفردية وتعادل واستواء نمو ذاته، لكي لا يطغى جانب على جانب، ولا يميل إلى جهة دون اُخرى، فالحياة، كما تتطلب من الإنسان حكمة ترشده وعقلاً يهديه إلى انتخاب الطريق الأفضل والرأي الأصوب، كذلك تحتاج إلى المشاعر الإنسانية والعواطف الصادقة التي تحرك الإنسان نحو الحق وتحفزه بإتجاه الخير وتبعده عن كل قبيح من القول أو سيء من الفعل.

وشاء الله تعالى أن تكون المرأة "الأُم" مصنع الإنسان ومدرسة الرحمن، تتدفق فيها عاطفة الأمومة لتملأها دفئاً وحباً، وتزيدها تضحية وعطاءً من أجل جنينها ووليدها.. تحبه وتضمه إلى صدرها، وتغذيه من لبنها وروحها، وترعاه وتحرسه حتى يشب الطفل ويصبح قادراً على أن يشق طريقه في الحياة ويواصل دربه فيها بنجاح.

وشاءت حكمة الباري تعالى أن تكون الاُم المعلمة الأولى للانسان: بنظراتها وهمساتها، وخطراتها وخطواتها بدقات قلبها ولمسات أناملها، وترانيمها وحكاياتها، فالأم بالنسبة إلى الطفل: العالم كله، البيت، والسكن، والحياة.

إلا أن التعاليم قد يعوضها التعليم في المدارس، والمعلومات قد توفرها وسائل الإعلام، والكلمات قد يتعلمها الطفل من الشارع، سوى أن رشحات الحب والرحمة الإلهية لا يمكن أن يجد في غير الأم منبعاً لها..

فالأُم للإنسان معبد العشق للعاشق الولهان، الذي يتلوى في محرابه ليتهجى حروف الهيام في العشق الإلهي الذي لا بداية ولا نهاية له... إنه يرتل في هذا المعبد آيات الحب ويتمرس فيه على طقوس المودة ليخرج إلى الحياة يتعامل فيها مع كل ما في الوجود بوجد وشوق ولطف ورأفة.

المرأة إذن ملاك الرحمن ومظهر أسماء المودة والحنان، أعدها الرب لتكون وسيلة نجاته للإنسان ونهر بركاته لحياة هذا الخليفة المنتخب لولاية الأكوان.

ترى مَن ذا الذي يسد فراغ المرأة إذا غابت عن حياة الإنسان، وأي مجتمع سيكون لو غيب الدور الأنثوي لها؟

إن العالم حين يفقد المرأة من البيت، أو حيث تغتال الأُنوثة فيه، حين يفتقد الرحمة والمودة، أو يكسب الشدة والقسوة... إن العالم في هذه الأحيان سيواجه أجيالاً من البشر الممسوخين روحياً، المتوحشين الفاقدين لأنسنتهم البشرية، العدوانيين في تصرفاتهم الهمجية، وسيواجه العالم مزيداً من العنف والإرهاب ومزيداً من الحروب المدمرة والجرائم اليومية المتنامية.

لذا أية كارثة ستكون حين يفقد المجتمع المرأة، وأية جناية بحق الإنسان (ذكراً واُنثى) ستحل حين تفقد المرأة أنوثتها؟ أنوثتها الواهبة للحياة لونها الأزرق والأخضر؟

3) المرأة: منبع الإلهام

إذا قيل في السابق "وراء كل عظيم إمرأة"، فإن تلك المقولة انطلقت من عالم الوجدان لا البرهان، واستفيدت تلك الحكمة من سير التجارب لا مكتشفات العلم. أما إذا يقال اليوم إن الاُنوثة وراء كل إبداع، وأنها مصدر كل إندفاع، وأنها تمثل في حياة الإنسان ينبوع الحركة ومنبع الإلهام، فإن كل هذا لا يعد اليوم شعراً أو حكمة، بل عاد يستند إلى العلم وإنجازات التقدم في علمي النفس والإجتماع.

يقول بير داكو (عالم النفس الفرنسي) بهذا الشأن: "إن الاُنوثة ليست ضعفاً، إنها ليست عجزاً، وهي ليست كل ما حُكِي حول موضوعها...

فإن الأنوثة استطاعة في حد ذاتها.

والأنوثة تمثل مدخرة الشخصية.

والأنوثة هادئة بصورة آلية لأنها على نحو قوي، فهي موصولة بالواقع مباشرة، إنها في حالة التنصت على الأشياء والموجودات، ومرتبطة بالزمن.. بل يمكن القول إن الذكورة ليست مبدعة على الإطلاق، ذلك أن كل إبداعية تحدث في داخل الشخصية وإذن في دائرة القطب المؤنث. ولا يتصور المرء مثل مدام كوري أو مثل بيتهوفن يعبِّران في الخارج عن عمليهما دون أن يتركا أولاً للإلهام أن يتجمع، أو كذلك، هل يتصور المرء أن ثمة إمكاناً لوضع سطح بيت من البيوت على الفراغ؟

إن الذكورة والأنوثة متكاملان في الحياة، ولا يغني أحدهما عن الآخر، والعلاقة بينهما ليست علاقة تفوُّق وتسلُّط واستغلال، بل هي علاقة تمايز تحمل تكاملهما في تمايزهما، إ بتمايزهما يستيطعان أداء الأدوار الحياتية المختلفة، وبتمايزهما يشكلان زوجاً جميلاً ومبدعاً، والإختلاف في التكوين أكد حاجة بعضهما إلى البعض الآخر: حالة متكافئة في كونها حاجة أساسية لإستدامة الحياة رغم اختلاف نوع الحاجة وكمها. إلا أن توزع الأدوار هذا لا يعني عدم اختصاص بعضهما بصفات فريدة جعلت منه فريدا ورائعاً في بابه، وهكذا كانت الأنوثة تعني: الإلهام والإبداع في بابنا هذا، فيما كانت الذكورة لا تفعل سوى "التصنع سواء كان الأمر بصدد عمل فني رائع أم عمل فني هزيل... فليست الذكورة متصفة بالعبقرية على الإطلاق، إنها مجرد العالم المنفذ للأنوثة (أو للحياة الداخلية)"(6).

وطبيعي أن المقصود هنا هو جزء الأنوثة في الشخصية الإنسانية: رجلاً كان أم إمرأة، بناءً على النظريات الحديثة لعلم النفس، والتي تؤكد وجود هذين القطبين في كل نفس إنسانية، مع انسحاب أحدهما إلى الخلف وبروز الآخر، والذي يعطي الإنسان هويته الذكورية أو الأنوثية.

وهنا يأت دور المرأة: الأُم، فهي التي تغذي بروحها هذا الجانب الأنثوي في الإنسان، وهي التي تهذب وتربي فيه شخصيته، بقطبيها الموجب والسالب. وإذا كان مصدر الإبداع ومبعث الإلهام في الشخصية الإنسانية - رجلاً أم امرأة - هو قطبها الأنثوي، فإن دور المرأة في المجتمع الإنساني كان أيضاً نسخة من دور الأنوثة في ذات الإنسان. فإن المرأة، بنتاً أم اُماً أم شريكة حياة، هي التي تبعث في الإنسان قوة تحدي الظروف وتلهمه روح الكفاح من أجل الصمود والتقدم ومن ثم الخلق والإبداع.. لأنها تجتمع فيها عناصر المقاومة وتشع من روحها طاقة الإستمرار. إنها مجتمع الصبر والإنتظار في بودقة واحدة ولا عمل ولا أمل بدونها، ولذا خرج الأبطال يخوضون المعارك، وانطلق المبدعون يسجلون الإنتصارات بدفع من النساء وتشجيع منهن.

إذا كانت الأنوثة: نقطة الاستقرار في المجتمع البشري.

وإذا كانت الأنوثة: معبد الحب للإنسان.

وإذا كانت الأنوثة: مركز الإبداع ومنبع الإلهام للرجل والمرأة على السواء.

فلماذا تخجل المرأة من أنوثتها ولا تفتخر بها؟

ولمذا يحتقر الرجال النساء، ويوصفونهن بأسوأ الأوصاف؟

وكيف يجمع الرجال بين حاجتهم التكاملية والأساسية لوجود المرأة وبين استضعاف هذا الوجود وإضعافه؟

وبعد، ماذا يجني العالم حين ينحو بالنساء لأن يكن رجالاً، ولن يكن كذلك، بل أقصى ما يمكن أن يكن هو أن يصبحن رجالاً ممسوخين.

ولكن هل يمكن لكل الرجال أن يعطوا للوجود ما تهبه امرأة؟

إن الأنوثة كنز البشرية، كما إن الذكورة هي الأخرى ذخيرة لها، ولا يمكن للبشرية أن تتقدم إلا بالحفاظ على هذا الكنز والاستفادة من تلك الذخيرة بالشكل الطبيعي الذي هيأهما الله تعالى لذلك وسخر طاقاتهما باتجاه الوحدة والتكامل مع المجتمع. ولذا كان من الواجب أن تكون من أولويات برامج النساء: الحفاظ على أنوثتهن، بل تنمية تلك الأنوثة لتزهر وتثمر وتغني المجتمع بوجودها المبارك والمعطاء.

ويحتاج ذلك إلى مناهج تربوية سليمة، كما يحتاج إلى أن نعي الآثار المدمرة والخطيرة التي تتركها مناهج "تذكير الأنثى"، والتي قد تكون أحد الأسباب الرئيسية وراء أزمات الإنسان المعاصر وفقده للأمن والسلام وميله نحو العنف والعدوانية.

إن المرأة يجب أن تعتز أنها أنثى، بل يجب أن يكون ذلك مدعاة للتباهي والفخر، أليست هي واهبة الإنسان وجوده وشعوره بالحياة؟

 

 

..................

(*) كاتب وباحث من العراق، مدير معهد الأبحاث والتنمية الحضارية

 

الهوامش:
..........................

1)    قول مأثور.

2)    اُم الشيء: أصله.

3)    "المرأة ريحانة وليست قهرمانة" حديث مأثور.

4)    قول مأثور للسيد المسيح.

5)    بير داكو، المرأة: بحث في سيكولوجية الأعماق، ترجمة وجيه أسعد، الدار المتحدة للنشر، ص223-224.

6)    نفس المصدر، ص225-226.