الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

 الأربعاء: 25/08/2010
  

 

 

 

 

 

حجم عمليات غسل الأموال وسبل تقديره

 

بديعة لشهب

 

 

 

 

 

 

مقدمة

يتمثل الهدف الرئيسي لعمليات غسل الأموال(1)، في محاولة إضفاء الشرعية على العائدات المتأتية من الأنشطة الإجرامية، وذلك بتحويل السيولة النقدية المتولدة عن هذه الأنشطة إلى أشكال أخرى من الأصول، بما يساعد على تأمين تدفق هذه العائدات المالية غير القانونية وغير المشروعة، بحيث يمكن استثمارها أو استخدامها لاحقاً في أعمال قانونية تزيل عنها الشبهات ومخاطر المصادرة من قبل الأجهزة الأمنية والسلطات الحكومية المعنية.

وقد أدى النمو السريع الذي عرفته الأنشطة الإجرامية، خصوصاً التجارة غير الشرعية في المخدرات، وانتشار المراكز المالية الحرة، والعولمة الاقتصادية... إلى حدوث طفرة حقيقية في حجم وأساليب غسل الأموال، وهو الأمر الذي استدعى ضرورة العمل على إيجاد طرق وأساليب خاصة لتقدير ظاهرة غسل الأموال، حتى تتسنى معرفة مدى تأثيرها في الاقتصاد الدولي والاقتصادات الوطنية.

وفي هذا الإطار، يمكن التمييز بين اتجاهيين أساسيين:

يتمثل الأول في محاولة تقدير حجم الظاهرة اعتماداً على تقدير حجم عائدات المخدرات، أما الثاني، فيتعلق بمحاولة تقدير حجم الظاهرة، بالاعتماد على المعطيات الخاصة بمجموع عائدات الأنشطة الإجرامية.

أولاً: تقدير حجم عمليات غسل الأموال

اعتماداً على تقدير حجم عائدات التجارة غير الشرعية في المخدرات

من أهم محاولات تقدير حجم ظاهرة غسل الأموال، اعتمادا ًعلى تقدير حجم عائدات التجارة غير القانونية بالمخدرات، تلك التي اضطلعت بها مجموعة التدخل المالي الدولي (Groupe d'action financiere international – GAFI)(2) منذ 1990، ففي أول تقاريرها، عمل خبراء المجموعة في اتجاه تقدير حجم الأموال التي يتم غسلها في كل دولة من دول المجموعة، بغرض تجميع تلك الإحصاءات، والحصول على تقدير شامل لحجم تلك الأموال في مجموع  الدول الأعضاء، كخطوة أولية في اتجاه تقدير الحجم الكلي للأموال التي يتم غسلها على الصعيد العالمي.

وقد اقتصرت المجموعة المذكورة، في محاولتها تقدير حجم عمليات غسل الأموال، على تقدير حجم عائدات التجارة غير الشرعية بالمخدرات، من منطلق أن هذ1ه العائدات تمثل حوالي نصف العائدات الإجرامية(3)، وهو ما اتفقت عليه معظم المنظمات الدولية، رغم كون هذه النسبة تقل كثيراً عن 50 بالمئة في بعض الدول. ففي تايلاند مثلاً، تقدر عائدات ألعاب القمار، والتجارة غير الشرعية بالسلاح، وتهريب المهاجرين، والدعارة على وجه الخصوص، بحوالي 24 إلى 32 مليار دولار أمريكي في السنة، وهو مبلغ يعادل ميزانية الدولة، بينما لا تتجاوز عائدات التجارة غير الشرعية بالمخدرات مليار دولار فقط، ما يبرز أن هذا النشاط ليس سوى نشاط ثانوي في هذا البلد.

بينما نجد في دول ككولومبيا، أن التجارة غير الشرعية بالمخدرات تشكل المصدر من الزمرد، يتم تهريبه ليباع بشكل غير قانوني(4).

وفي محاولتها تقدر التدفقات المالية (Flux financiers) المتأتية من التجارة غير الشرعية بالم0خدرات، اعتمدت مجموعة التدخل المالية الدولي طريقتين، مباشرة وغير مباشرة(5).

1- التقدير المباشر (L'Evaluation directe)

يرتكز أسلوب التقدير المباشر على قياس تدفقات الأموال التي يتم غسلها، انطلاقاً من الإحصاءات المصرفية العالمية، وحسابات رأس المال الخاص بأرصدة المدفوعات، من خلال تحليل الأخطاء والحسابات الإحصائية التي تم إفالها. وقد أولكت مجموعة الدخل هذه المهمة إلى صندوق النقد والبنك الدوليين.

وبالفعل، فقد قام صندوق النقد الدولي بمحاولة لتقدير تدفقات الأموال التي يتم غسلها على المستوى الدولي، مستخدماً في ذلك طريقة لتقدير المباشر، وقد خلص إلى نتيجة مفادها أنه، على الرغم من أن الودائع المدرجة ضمن الحسابات المصرفية الدولية يمكن أن تشتمل على نسبة لا يستهان بها من الأموال المتولدة عن التجارة غير الشرعية بالمخدرات، إلا أنه لا يوجد أي إمكانية لفصل هذه المبالغ، التي لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من مجموع الودائع، حيث إن المعطيات الخاصة بالخصوم (Passifs)، ضمن الحسابات المصرفية، تعاني عدم وجود تغطية كافية لها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمصارف الموجودة في المراكز المالية الحرة (CFO).

2- التقدير غير المباشر (L'Evaluation indirecte)

يقوم أسلوب التقدير غير المباشر على فرضية مفادها أن التدفقات المالية الناتجة من التجارة غير القانونية بالمخدرات، تقابلها في الأصل تدفقات المخدرات نفسها. وتميز مجموعة التخدل بين ثلاثة أساليب غير مباشرة، لتقدير أهمية التدفقات المالية المتأتية من التجارة غير الشرعية بالمخدرات:

أ- تقدير حجم الإنتاج (أو البيع) العالمي من المخدرات

يعتمد هذا الأسلوب على تقديرات الإنتاج أو البيع، والتي تحتسب باستعمال سعر التجزئة. غير أن جزءاً فقط من المبالغ التي تم حسابها، يمثل العائدات الجاهزة للغسل، لذا، وجب تصحيح تقديرات الإنتاج، أخذاً في الاستهلاك المحلين وتقديرات الفاقد في سلسلة الإنتاج والتوزيع.

لقد قدرت الأمم المتحدة عائدات (Produits)(6) التجارة غير الشرعية بالمخدرات على المستوى الدولي، لسنة 1987، بحوالي 300 مليار دولا أمريكي.

وجاء في دراسة لجون د. ميلار (J. D. Maillard) سنة 1998، أن الأرباح السنوية للتجارة غير الشرعية بالمخدرات، في الوليات المتحدة الأمريكية وحدها، تقدر بحوالي 180 مليار دولار أمريكي، أي حوالي 120 مليار دولار أمريكي يتم غسلها سنوياً (7).

وبحسب الخبراء، فإن 50 إلى 70 بالمئة من عائدات المخدارت في أسواق كندا غير الشرعية تكون جاهزة للغسل وأعادة الاستثمار. وبافتراض أن 50 إلى 70 بالمئة من الأموال التي يتم غسلها في كندا متأتية من التجارة غير الشرعية بالمخدرات، يمكن القول إن حوالي 5 إلى 14 مليار دولار يتم غسلها سنوياً في هذا البلد(8)، إلا أنه يصعب عملياً الحصول على إحصاءات ذات مصداقية اعتماداً على هذا الأسلوب، وذلك لعدة أسباب، منها:

1) اختلاف نسب الأرباح بحسب نوع المخدر، فإذا رجعنا إلى التقديرات الأمريكية لأرباح إعادة البيع في الشوارع، نجد أن هذه الأرباح تقدر بحوالي 29 مليار دولار أمريكي بالنسبة إلى الكوكايين، و10 مليارات دولار أمريكي بالنسبة إلى الهيروين، و67 مليار بالنسبة إلى القنب. من جهة أخرى، تتحكم نسب الأرباح في طريقة الغسل نفسها، فالمنظمات التي تتحكم في تجارة الجملة، على سبيل المثال، تتولد لديها أرباح طائلة، ما يفرض عليها اعتماد أساليب جداً معقدة، وعلى مستوى عالٍ من الدقة، عن طريق دورات مالية بالغة التعقيد. أما بالنسبة إلى تجار التجزئة، الذين يقومون بإعادة البيع على مستوى الشوارع، فيمكنهم غسل عائداتهم باستعمال أساليب جداً بسيطة، عبر استبدال المخدرات بسلع، وبيع هذه الأجهزة للحصول على أموال سائلة مثلاً.

2) مع أن الجزء الأكبر من المخدرات يستهلك في الدول الصناعي، إلا أن كميات لا يستهان بها تستهلك داخل دول الإنتاج، الأمر الذي يجعل تقدير هذه الكميات أمراً صعباً.

3) كما أنه يصعب تقدير الكمية الكلية المنتجة من بعض أنواع المخدرات، على الصعيد الدولي، فبينما تنب بعض الأنواع في أنحاء مختلفة من دول العالم بشكل عشوائي، كالقنب مثلاً، تنتج أنواع أخرى من المخدرات (كالأمفيتامينات) داخل مختبرات سرية.

عموماً، يمكن القول إن طريقة التقدير المعتمدة على الإنتاج (أو البيع)، لا تمكن من تحديد حجم التدفقات المالية المتأتية من التجارة غير الشرعية بالمخدرات في كل دولة، والأمر الوحيد الذي يمكن تأكيده، هو كون أغلب هذه العائدات تتحقق على مستوى البيع بالتجزئة (إعادة البيع) داخل الدول الصناعية.

ب- تقدير الحاجات الاستهلاكية للمدمنين

يتم تقدير عائدات تجارة المخدرات في هذه الحالة، انطلاقاً من معرفة حجم احتياجات المدمنين منها، لكن يبقى لتطبيق هذا الأسلوب أيضاً العديد من العيوب، من أهمها أن أغلب المعلومات الخاصة باستهلاك المخدرات يتم الحصول عليها بواسطة أبحاث ميدانية، ذات مصداقية ضعيفة في معظمها، نظراً إلى أن الأمر يتعلق بنشاط غير شرعي، إضافة إلى كون عينات الأشخاص المستجوبين في مقر سكناهم، أو في المدارس، يمكن ألا تكون عينة معبرة عن مختلف فئات المدمنين.

ج- تقدير كميات المخدرات المصادرة

يتم الاعتماد على المعطيات الخاصة بكميات المخدرات المصادرة بالفعل، في محاولة لمعرفة الكمية للمخدرات الجاهزة للبيع، بالاستعانة بمُعامل مضاعف (Coefficient multiplicteur)، المقدر بحوالي 5 إلى 20 بالمئة، بحسب نوع المخدر المصادر، بمتوسط 10 بالمئة، ويعادل هذا المعامل نسبة المخدرات المصادرة من طرف السلطات.

وفي تقريرها الأول، خلصت مجموعة التدخل المالي الدولي إلى أنه باستعمال مختلف الطرق والأساليب المذكورة، تقدر المبالغ المتولدة عن تجارة المخدرات (الكوكايين والهيروين والقنب)، بحوالي 122 مليار دولار أمريكي في السنة في أمريكا وأوربا، وحوالي 50 إلى 70 بالمئة من هذه الأموال، أي ما يناهز 85 مليار دولار أمريكي في السنة، تكون جاهزة للغسل أو الاستثمار(9).

وقد استمرت المجموعة في محاولاتها لتقدير حجم ظاهرة غسل الأموال، وجاء في ذلك في تقاريرها اللاحقة، خصوصاً في تقريريها لعامي 1995-1996، و1996-1997، وذلك بالاعتماد على الطريقة نفسها التي عرضتها سنة 1990، والمتعلقة بمكيات المخدرات المصادرة في دول المجموعة، لكن أغلب الدول لا تتوفر على المعطيات الكافية لمساعدتها على الحصول على تقديرات ذات مصداقية(10)

ومن بين الأمثلة التطبيقية عن استعمال أسلوب التقدير غير المباشر، المعتمد على تقدير كميات المخدرات المصادرة، الدراسة التي قام بها ستينر (Steiner) في محاولة لتقدير حجم الأموال التي تم غسلها في كولومبيا ما بين 1900 و1995، انطلاقاً من تقدير حجم كميات المخدرات المصادرة بالفعل.

وقد اعتمد في ذلك طريقة حساب بسيطة، بخصم مجموع التكاليف من مجموع العائدات، كتكاليف نقل المخدرات من كولومبيا إلى أمريكا، وتكاليف التصنيع والتحويل باستعمال المواد الكيماوية، وكذلك مصاريف الفساد، وتكاليف القائمين على عمليات غسل الأموال التي يقدرها ستينر بحوالي 20 بالمئة من المبالغ الخالصة التي يرغب في غسلها، من عام 1990 حتى عام 1995 (انظر الجدول رقم [1]).

 

 

وبالطريقة نفسها، يم استخلاص الجدول رقم (2) المتعلق بحجم عائدات التجارة غير القانونية ي المخدرات (الكوكايين، الهيروين، الماريجوانا)، التي تعمل المافيا الكولومبية على غسلها.

 

 

يلاحظ من خلال الجدول رقم [2]، أن متوسط الأرباح الصافية، المتولدة عن التجارة غير القانونية بالمخدرات، المغسولة في الفترة الممتدة من 1990 إلى 1995، يقدر بحوالي 2.429 مليار دولار أمريكي، مع حد أدنى 2.239 مليار دولار سنة 1991، وحد أقصى 2.667 مليار دولار أمريكي سنة 1992.

وتمثل الأموال المغسولة، المتأتية من التجارة غير القانونية بالمخدرات ما يعادل 35 بالمئة من الصادرات الكولومبية لسنة 1992، وحوالي 34 بالمئة سنة 1993، و27 بالمئة سنة 1994، و24 بالمئة سنة 1995. وبمقارنة هذه النسب يلاحظ أنها انخفضت بشكل لافت، ومرد ذلك بالأساس إلى الانفتاح الذي عرفه الاقتصاد الكولومبي ونمو صادراته منذ 1994، لكن رغم الانخفاض الذي عرفته هذه النسب، تبقى جد مرتفعة(11).

ثانياً: تقدير حجم عمليات غسل الأموال

اعتماداً على تقدير الحجم الكلي لعائدات الأنشطة الإجرامية

بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، لسنة 1993، تحقق الجريمة المنظمة عائدات تتراوح بين 500 و1000 مليار دولار أمريكي في السنة، مع نمو سنوي يتراوح بين 10 بالمئة، و60 بالمئة. وتقدر الأموال الناجمة عن التجارة غير الشرعية في كل من المخدرات، والسلاح، والإنسان، إضافة إلى الجرائم المالية الكبرى، بحوالي 900 مليار إلى تريليون دولار أمريكي في السنة، أي ما يعادل ضعف تجارة النفط العالمية(12).

كما قدر صندوق النقد الدولي (Le Fond monetaire international)، سنة 1996، حجم المبالغ التي يتم غسلها على الصعيد الدولي بما يناهز 2 إلى 5 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي(13)، أي ما بين 590 مليار و1.5 تريليون دولار أمريكي. وتشير بعض الأدبيات إلى أنه تم اعتماد النسبة التي قدرها صندوق النقد الدولي، أي 2 بالمئة من الناتج المحلي العالمي، لحساب حجم الأموال التي تغسل في كل دولة من دول العالم على حدة. فبتطبيق نسبة 2 بالمئة على الناتج المحلي لكندا، على سبيل المثال، يصل حجم الأموال المغسولة في هذه الدولة إلى 17 مليار دولار أمريكي كل سنة. لكن على الرغم من اعتراف بعض السلطات المختصة بهذا الأسلوب، إلا أن الإحصاءات المحصل عليها تبقى بعيدة كثيراً عن الدقة(14).

كما جرت محاولات أخرى لتقدير حجم الأموال التي يتم غسلها على المستوى الدولي اعتماداً على تقديرات حجم عائدات الأنشطة الإجرامية التي تستنتج بدورها من تقديرات حجم الاقتصاد الخفي. ولإعطاء نظرة شاملة عن أهم طرق وأساليب قياس الاقتصاد الخفي يمكننا الاستعانة بالجدول الرقم [3]. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تقديرات الاقتصاد الخفي يمكن أن تتباين تبايناً كبيراً، تبعاً للطريقة المعتمدة في التقدير. ولا يمكننا الحديث عن طريقة "مثلى" لقياس حجم الاقتصاد الخفي، فكل أسلوب له جوانب قوة وضعف، ويخلص إلى رؤى ونتائج متفردة.

وقد أثبتت الدراسات المقارنة، أن تعدد أساليب قياس حجم الاقتصاد الخفي، واختلافها، قد يؤدي إلى استنتاجات شديدة التباين عن حجم الاقتصاد الخفي ونموه في بلد معين، في فترة زمنية محددة، الأمر الذي يفرض ضرورة توخي الحرص عند استعمال التقديرات التي تعتمد على طريقة واحدة في القياس، أو أثناء إجراء مقارنات بين حجم الاقتصاد الخفي في أكثر من دولة، أو دراسة حالة الاقتصاد الخفي في بلد معين عبر فترات زمنية مختلفة حينما تكون التقديرات مستخلصة باستخدام أساليب متنوعة(15).

 

 

على تقديرات ذات مصداقية، وكانت أحسن المعلومات المتوفرة تلك المتعلقة بالإحصاءات الخاصة بعدد العمليات المشبوهة المبلغ عنها في كل دولة من الدول الأعضاء والمبالغ المصادرة نتيجة لذلك (16).

وبالفعل، فأغلب وأحدث الإحصاءات المتعلقة بحجم عمليات غسل الأموال داخل الدول هي تلك المتعلقة بعدد العمليات المشبوهة المبلغ عنها في كل دولة، ومن بين الأمثلة على ذلك ما جاء في الجدول رقم [4].

 

 

يلاحظ من خلال الجدول رقم [4]، أن إجمال يعدد البلاغات من العمليات المشبوهة عرف انخفاضاً ملحوظاً خلال سنتي 2003 و2006، ويعزى التراجع الكبير إلى عدد البلاغات مكاتب الصرافة، بينما عرف ارتفاعاً بحوالي 13 بالمئة في سنة 2004، ويرجع ذلك بالأساس إلى ارتفاع عدد بلاغات البنوك(17)، ويمكن تفسير ذلك، على سبيل المثال، بزيادة الإقبال على غسل الأموال من خلال النظام المصرفي مقابل تراجع عمليات الغسل عن طريق مكاتب الصرافة. كما يمكن تفسير ارتفاع عدد البلاغات المقدمة من طرف البنوك لإدراكها لحجم المخاطر التي يمكن أن تنجم عن استغلالها من طرف غاسلي الأموال والتي يعد من أخطرها تلك المتعلقة بسمعة البنك.

هذا، وقد لاحظ خبراء مجموعة التدخل المالي الدولي بشكل عام، منذ الأشهر القليلة التي تلت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعاً ملموساً في أغلب الدول الأعضاء في المجموعة. وقد عزت المجموعة ذلك الارتفاع المفاجئ إلى سببين أساسيين، بتعلق الأول برد فعل مباشر على الأحداث، أي إحساس أكبر بخطر استعمال النظام المالي لأغراض إرهابية، أما الثاني، فيرتبط بانطلاق التعامل بالعملة الأوربية اليورو (Euro)، رغم أن مجموعة التدخل المالي الدولي اعتبرت أن السبب الأخير لم يكن له تأثير سوى على عدد البلاغات الخاصة بدول منطقة اليورو(18). علماً أن أغلب البلاغات كانت من خارج هذه المنطقة، الأمر الذي يبرز الأثر البالغ لأحداث 11 أيلول/ سبتمبر في الزيادة الملحوظة في عدد البلاغات المتعلقة بالعمليات المالية المشبوهة(19).

لكن رغم توافر الإحصاءات المعتمدة على البلاغات عن العمليات المشبوهة، يرى خبراء مجموعة التدخل أن التقديرات المعتمد على هذه الطريقة، متفاوتة جداً من دولة إلى أخرى، ما دفع بهم إلى التسليم بحقيقة مفادها، أن مثل هذه الإحصاءات لا يمكنها أن تقود، بحال من الأحوال، إلى إعطاء تقديرات دقيقة، فهي لا تمثل سوى جزء من الحجم الكلي للأموال التي يتم غسلها(20)، حيث إن المعطيات الخاصة بالمبالغ المصادرة أثناء التحقيقات والملاحظات، لا يمكن أن تفيد كقاعدة لتقدير مبالغ الأموال ذات الأصل الإجرامي، والتي دخلت بالفعل في دائرة النظام المالي الشرعي، إضافة إلى أن المعلومات المتعلقة بالبلاغات عن العمليات المشبوهة، لا تفيد بالضرورة أن هناك فعلاً عمليات غسل للأموال(21).

عموماً، رغم تعدد محاولات تقدير حجم ظاهرة غسل الأموال، بقيت هذه المحاولات متواضعة، وذلك راجع إلى عدد من الأسباب، من أهمها:

1) الطبيعة المستترة لعمليات غسل الأموال نفسها، فالأرباح متأتية من أنشطة إجرامية، وبالتالي لا توثق هذه العمليات ولا يعلن عن قيمة أرباحها، الأمر الذي يجعل عمليات غسل الأموال خارج نطاق الإحصاءات الاقتصادية الرسمية، كما هو الحال بالنسبة إلى مختلف أنشطة الاقتصاد الخفي.

2) صعوبة حصر كافة الأنشطة الإجرامية المرتبطة بعمليات غسل الأموال، نظراً إلى تعددها وانتشارها، إضافة إلى صعوبة الكشف عن مختلف الأساليب المتبعة في عمليات الغسل، للقدرة الفائقة للقائمين على عمليات الغسل، على استحداث أساليب جديدة ومبتكرة، تماماً كلما لاحظوا أن أساليبهم كشف من طرف السلطات المعنية بمكافحة ظاهرة غسل الأموال.

3) الطبيعة الدولية التي اكتسبتها عمليات غسل الأموال، لارتباطها بأنشطة الجريمة المنظمة الدولية، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى تقديرات ذات مصداقية حول حجم عمليات غسل الأموال على المستوى الدولي. فغاسلو الأموال يعملون على الاستفادة من الفروق بين البلدان، في ما يتعلق بأنظمة وقوانين مكافحة عمليات الغسل، ومن ضعف التعاون الدولي في هذا المجال، وكذا من الامتيازات التي تقدمها المراكز المالية الحرة.

4) أثناء محاولات تقدير حجم ظاهرة غسل الأموال، لا يؤخذ في الاعتبار تراكم حجم رأس المال الإجرامي الأصلي، فبحسب فيليب بروييه (Philippe Broyer)، الأموال المغسولة هي كذلك مصدر لدخول "عائدات"، ذلك أنه بعد استثمارها أو توظيفها، تولد أرباحاً جديدة(22).

5) قرار غسل الأموال مرتبط بصاحب الأموال نفسه، حيث يمكن لهذا الأخير المفاضلة بين غسل هذه الأموال أو استثمارها أو استهلاكها، بحسب تقديره لمدى ضرورة عملية الغسل. فوفقاً لبيار كوب (Pierre Kopp)، يمكن للمجرم الاحتفاظ بعائده الإجرامي في شكل أموال سائلة، وهو ما رمز إليه بـ(Yc).

لكن إمكانية استفادته من هذه الأموال ستكون محدودة(23)، نظراً إلى أنه لا يمكنه استعمالها في مختلف المعاملات التي يرغب في إتمامها، كما هو الحال بالنسبة إلى شراء بيت أو شركة مثلاً، وهو ما عبر عنه بيار كوب بالمُعامل (β) مع أن (1 <β> 0). ويعبر هذا المُعامل عن كون هذه الأموال محدودة الاستعمال. كما يمكن للمجرم أن يقرر غسل عائداته الإجرامية، ولإتمام هذه العملية يتوجب عليه الدفع لوسطاء وهو ما رمز إليه بيير كوب بـ(Z) باعتبارها (Z = z. YC)، وبما أن هناك احتمال (α) بأن تكشف العملية من طرف السلطات الرقابية عندما يضطر المجرم إلى دفع تكلفة مالية (غرامية مالية) (f). ويجمل بيار كوب مستويات المنفعة التي تعود على المجرم في مختلف الاحتمالات الممكنة كالآتي:

إذا قرر المجرم عدم غسل أمواله: U(Y1) = Yc-â YC

إذا غسل أمواله ولم يتم كشفه: U(YS) = YC-z. YC

إذا غسل أمواله وتم توقيفه: U(Ye) = YC-z. YC-f

إذاً المنفعة المتوقعة من عملية الغسل بالنسبة إلى الجرم تكتب كالتالي: E{U(Y)} = (1-α) U(YS) + αU Ye).

وبافتراض أن المجرم محايد بالنسبة إلى المخاطر، ويعلم الاحتمال (α) الذي يعني إمكانية توقيفه و(z) أي التكلفة التي عليه دفعها لغسل أمواله، فهو لا يقدم على عملية الغسل، إلا إذا كانت النتيجة (b) لهذه الاستراتيجية أكبر من (αf)، علماً بأن b = YC (α-z) > αf(24).

خلاصة رغم الصعوبات الملازمة لكل محاولات تقدير حجم الأموال التي يتم غسلها، المرتبطة بالأساس بعدم توفر غالبية الدول على معطيات كافية تساعدها على الحصول على تقديرات مقنعة، التي ترجع بدورها إلى الطبيعة المستترة والمعقدة لظاهرة غسل الأموال، إلا أنه يبقى من المفيد تتبع كل المحاولات في هذا الاتجاه، بغرض بلورة وتطوير أساليب أكثر دقة لقياس وتقدير حجم الظاهرة.

 

 

 

....................

(*) باحثة مغربية في العلوم الاقتصادية

 

 

المصادر:

..........

(1) يقصد بغسل الأموال "القيام بالعديد من المعاملات (Transactions) الهادفة إلى إخفاء (Dissimuler) الأصل (القذر) للعائدات المالية بغرض استعمالها من طرف من بحوزتهم دون الخضوع لأية متابعة قضائية أو عقاب"، مع ما يكتف هذا التعريف من عمومية ترجع إلى صعوبة تحديد الأنشطة المولدة "للأموال القذرة"، التي تعود بدورها إلى التباين الذي تعرفه تشريعات مختلف الدول بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي فيما يتصل بهذه الأنشطة. انظر: John MecDowell et Gary Novis, "Les Consequances du Blanchiment des capitaux et de la delinquence finaciere" Perspectives ecomoniques (Revue electronique du department d'Etat des Etats-Unis), vol. 6 no. 2 (mai 2001), <http://usinfo.state.gov/journals/ites/0501/ijef/Frtoc.htm>.

(2) أو فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية: (Financial Action Task Force FATF)، وقد أُنشئت في باريس سنة 1989، من طرف رؤساء دول أو حكومات مجموعة السبع (Groupe des sept [G7]) (ألمانيا، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، إيطاليا، اليابان، بريطانيا). وأسندت إلى هذه المجموعة منذ إنشائها مهمة فحص تقنيات واتجاهات غسل الأموال، وتحليل آثارها على الصعيد المحلي والدولي، والإعلان عن التدابير المواتية (المناسبة) لمكافحة الظاهرة. انظر موقعها على الإنترنت <http://www1.oecd.org/fatf/MLaundering>.

(3) "Rapport de GAFI sur le blanchiment de capitaux" Rapport I, Paris 7 fevrier 1990.

(4) Pierre Salama, "L'Econmie des narcodollars" Janvier 1999, <http://www.Attac.org/fra/cons/doc/inter5.htm>.

(5) "Rapport de GAFI sur le blanchiment de capitaux"

(6) تشير مجموعة التخدل المالي الدولية المكلفة بمكافحة غسل الأموال "GAFI" إلى أن التقدير حسب العائدات (Produits) يقصد به تقدير قيمة المبيعات غير الشرعية في المخدرات في المرحلة النهائية دون خصم الأرباح (Proits) فيقصد به حساب مجموع الأموال التي جنيت، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من تجارة المخدرات، ثم تخصم منها كل التكاليف، كتكلفة الحصول على المخدرات نفسها، وتكلفة المواد الكيميائية الأولية والأساسية، وتكلفة مواد التغليف، وتكاليف النقل، ومصاريف الفساد، وتكاليف المحامين...

(7) Bernard Castelli, "Les Impacts ubains du recyclage de l'argent de la drogue dans la region des Andes: Un Etat des lieux" Centre de recherché de l'Ile de France-LSSd, <http://www.unesco.org/most/drugcast.htm>.

(8) Samuel D. Porteous, "Etude d'impact du crime organise, points Saillants" Ministre des Travaux publics et Services gouvernementaux Canada, no. de cat S42-83/1998, <http://sbisrvntweb.uqac.ca/archivage/10979791.pdf>.

(9) "Rapport de GAFI sur le blanchiment de capitaux"

(10) Rapport du GAFI (VII) sur les typologies du blanchimment de l,agent (1995-1996, 28 juin 1996.

(11) Salama, "L'Economie des narcodollars"

(12) Intervention de J. Duthel de al Roche, "Droit et Defene" acte du colloque organize le 19 et le 20 Octobre 1999, P. 177.

(13) أوردت الفاينانشل تايمز في عددها الصادر بتاريخ 18 تشرين الأول/ أكتوبر 1994 أنه طبقاً للتقديرات التي تم الحصول عليها من المسؤولين في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، فإن حجم الأموال التي يتم غسلها على الصعيد الدولي تقدر بحوالي (500) مليار دولار سنوياً، أي يعادل 2 بالمائة من إجمالي النتائج المحلي العالمي. ولم يتم إعطاء أي أسسا لهذه التقديرات، ولربما كانت مستمدة من من التحديث غير الرسمي لإحصاءات "GAFI" القديمة. انظر: Peter J. Quirk, "Money Laundering: Muddying the Macro: Economy" finance and Development (March 1997), <http://www.worldbank.org/fandd/english/0397/articles/0110397.htm>.

(14) Porteous, "Etude d'impact du crime organize, points Saillants".

(15) فريديريك شنايدر ودومينيك إنستي، "الاختباء وراء الظلال: نمو الاقتصاد الخفي،" قضايا اقتصادية (صندوق النقد الدولي)، العدد 30 (آذار/ مارس 2002)، ص11 – 13.

 (16) Rapport du GAFI (VII) sur les typologies du blanchiment de Fargent (1995-1996) 28 juin 1996.

(17)   11erne Rapport d'activites annuel 2004, Cellule de Traitement des Informations Financieres (CTIF), Belgique, P. 17, <http://www.ctif-cfi.be/fr/ra/ra04/Chap3.pdf>.

(18) الدول أعضاء "GAFI" المنتمية إلى منطقة اليورو هي: ألمانيا، النمسا، بلجيكا، اسبانيا، فنلندا، فرنسا، اليونان، ايرلندا، إيطاليا، لوكسومبورغ، هولندا، البرتغال. وأغلب البلاغات الخاصة بهذه الدول كانت من طرف مكاتب الصرف.

(19) Rapport du GAFI sur les typologies du blanchiment de capitaux (2002-2003), GAFI (XIV), 14 fevrier 2003.

(20) Rapport du GAFI sur les typologies du blanchiment de l'argent (1996-1997), GAFI (VIII) fevrier 1997.

(21) Rapport du GAFI (VII) sur les typologies du blanchiment de l'argent (1995-1996), 28 juin 1996.

(22) Philippe Broyer, L'Argent sale dans les reseaux du blanchiment, pref de Pierre Lacoste, Economie et innovation (Paris; Montreal "Quebec"; Budapest: L'Harmattan, 2000), P.10.

(23) أغلب الدول تحدد سقفاً معيناً للأموال السائلة الممكن استعمالها في تسوية المعاملات.

(24) Pierre Kopp, "Criminalite financiere et blanchiment: Le Choix des armes", dans: Philipee Broyer, Jean-Paul Garcia et Raoul d'Estaintot, Criminalite financiere: Le Blanchiment de l'argent sale et le financement du terrorisme passent aussi pa les enterprises, sous la codir. De Ludovic Francois, Pascal Chaigneau et Marc Chesney: pref. jean-Luc Neyaut (Paris: Ed. D'Organisation, 2002), P. 4.

 

 

................

المصدر: مجلة بحوث اقتصادية عربية ، العدد 47 ، صيف 2009م : ص 73-87