|
السبت:
11/07/2009
الذكاء
العاطفي والمنظمات
د. بشرى هاشم محمد(*)
(خاص للمعهد)

تباين علماء النفس والإدارة في
تحديد جوهر القيادة، فبينما قلة من القادة يولدون، فإن كثيراً منهم
يمكن صناعتهم بالتعليم والتطوير بما يتناسب ومتطلبات كل مرحلة، وإيجاد
القادة الفاعلين لإدارة منظمات المستقبل.. وهنا نتساءل ما الذي يصنع
القادة؟ هل هو تفاوت مهاراتهم، أم أن هنالك شيئاً يجعل أياً منهم ينجح
في عمله، بينما يفشل آخر في شغل المنصب نفسه، أو أداء العمل نفسه ؟
وهنا نجيب بالقول "إن الحكم الفصل بين الأنموذجين في القيادة هو الذكاء
العاطفي ""Emotional Intelligence، إلى جانب المهارات الفنية، وسمات
أخرى مهمة في صناعة القادة.
وفي مضمار الخوض في موضوع "إدارة
العاطفة " في المنظمات، لا بد من الإشارة إلى ما قدمه (باسكال واثوس،
1986 : 12-13) في كتابهما "فن الإدارة" كمدخل يتكون من (7) سبعة
متغيرات أطلقا عليها "الآسات السبعة" Seven's، بإشارتهما إلى أن
الشركات الأمريكية تمتاز بالآسات الصلبة (Hard's) وهي (الهيكل،
والإستراتيجية، والأنظمة)، بينما تمتاز الشركات اليابانية بالآسات
الناعمة (Soft's) معبراً عنها بـ(المهارات، والملاك، وأهداف المرؤوسين،
والأسلوب)، ومن ثم فإن الآسات الصعبة لم تعد وحدها كفيلة بجعل العاملين
أكثر فاعلية من دون اشتراك الآسات الناعمة.
وموضوع العاطفة ليس حديثاً بمعناه
النفسي، إلا أن حداثته تبرز في توجه الباحثين والأكاديميين لمزاوجة
الأفكار بين العلوم المختلفة، ومن ثم لم تعد دراسته مقتصرة على العلوم
النفسية والاجتماعية، بل امتدت لتشمل العلوم الإدارية من بداية عقد
التسعينات- صعوداً، وذلك لعدم العثور على أية كتابات (قبل هذا العقد)
في موضوع الإدارة العاطفية وموضوعاتها الأخرى كـ(الاتصالات
العاطفية،والذكاء العاطفي ،...).
أولاً : الذكاء
العاطفي ... مدخل مفاهيمي
يعتري مفهوم الإدارة الشعورية
نوعاً من الضبابية، إذ يسميها البعض "الإدارة الحسية" أو "الإدارة
العاطفية" ، مع أن الموضوع يتعلق بالشعور وليس بالحس عند وصف "الذكاء
الشعوري" على وفق الاعتبارات الآتية (الجنابي والساعدي،2002: 10-11):-
1. مفردة الإحساس (Sense) ، بينما
الشعور(Emotion)، والأخيرة الأكثر اعتمادا لدى الباحثين والأكاديميين.
2. الحس يتعلق بالحواس التي هي
ذات جوانب فسيولوجية ، بينما يرتبط الشعور بعوامل نفسية.
3. إن الحس مدخلات لتعامل الفرد
مع بيئته، في حين يعد الشعور مخرجات أو مرحلة بين الإحساس والسلوك
(لأن الفرد يحس ثم يشعر).
وبالرغم من شيوع اعتماد
مصطلح" ألذكاء الشعوري " في الأدبيات والبحوث الإدارية فان Emotional
في قاموس الوافي الذهبي تعني عاطفي، وفي قاموس صخر الالكتروني للعام
2006 / 2007 تعني عاطفي – مثير للعاطفة ..، لذا سيتم اعتماد مصطلح
الذكاء العاطفي بدلاً من الذكاء الشعوري يقدر تعلق الأمر بهذه الدراسة
.
والذكاء العاطفي هو نسبة الذكاء
العاطفي (Emotional Quotient)، أكثر مما هو نسبة الذكاء العام
(Intelligence Quatient)، ويتعلق بـ "مشاعر الفرد ومهاراته الاجتماعية،
وقدرته على فهم ذاته وتنظيم نفسه، ودافعيته وقدرته على فهم المكونات
العاطفية للآخرين، والتعامل معهم، والتي تصب في نهاياتها بقدرة الفرد
وقابليته على إخضاع أهدافه الخاصة للأهداف العامة للفريق، وبما يؤمن
حالة من التوافق السلوكي"، أو هو تعبير عن "القدرة على خلق نتائج مثلى
في تعامل الفرد مع نفسه أولاً، ومع الآخرين ثانياً "، كما وإنه يؤشر
"القدرة على مراقبة شعورنا وشعور الآخرين، والتمييز بينهما، وتوظيف
نتائج التمييز كمرشد لتفكيرنا وأعمالنا وسلوكياتنا" (Mayer &
Salovey,1993:189)، أو "القدرة على إدراك المشاعر والتعبير عنها
واستيعابها بالتفكير، وتنظيم المشاعر الشخصية ومشاعر الآخرين"
(Cherniss,2001:4-7)، كما وإنه يشخص قابلية الفرد لأن يعمل في سبيل هدف
محدد، وأن يفكر تفكيراً ناضجاً، ويتعامل مع بيئته بنجاح"، في إشارة إلى
سمة النضج في التفكير.
وعُدّ الذكاء العاطفي "المقدمة
المنطقية لأي تدريب إداري"، وهو "شيء يُعلِّم الأفراد أنه موجود في
داخلهم"، أو "شيء يمكن تعلمه" على وفق (Golman,1998:98)، وهذا يعني أنه
كلما تطورنا تعلمنا من تجاربنا، وكلما نضجنا أصبحنا أكثر براعة في
التحكم بمشاعرنا، واندفعنا لتطوير تقمصنا العاطفي ومهاراتنا
الاجتماعية، وهذا يعني أننا نبني هذا النوع من الذكاء خلال حياتنا،
ونسميه أحياناً بـ "النضج"، وإنه يستند إلى العواطف، ومن ثم يجعل من
يتمتع به أقل إكتئاباً (اجتماعي)، وذو قابلية عالية للتوظيف، ويقيم
علاقات جيدة مع الآخرين بشكل يتفوق فيه على أقرانه.
ثانياً : التطور
التاريخي للذكاء العاطفي
"الذكاء" لفظة شائعة في مختلف
المجتمعات للحكم على القدرات العقلية للإنسان، وتعود أصول الكلمة إلى
الفيلسوف اليوناني "أرسطو"، بتمييزه بين الوظائف الانفعالية والخلقية
(Orexis)، والوظائف المعرفية والعقلية(Dianoia) التي تعني الذكاء، وهي
كمصطلح ظهر على يد الفيلسوف الروماني شيشرون (Cicerone) حينما عبّر عن
لفظة الذكاء Intelligence بكلمة لاتينية (Intelligentia)، وتعني لغوياً
"الفكري" Intellect ، و "الفهم" Understanding (المغربي، 330:1995)،
ويقال عند العرب "ذكى فلان أي سرع فهمه"، والذكاء "تمام الشيء" ومنه
"الذكاء في الفهم"، أي "التام والسريع القبول والفهم".
والذكاء على وفق ثورندايك
(Thorandik,1969) على (3) ثلاثة أنواع (الميكانيكي أو العملي، والمجرد،
والاجتماعي)، ويعبر الذكاء الاجتماعي Social Intelligence الذي أشار
إليه ثورندايك لأول مرة عام (1920) عن "قابلية الفرد على فهم الأشياء،
وامتلاك مهارة معالجة المشكلات بالألفاظ والرموز الرياضية"
(Walter,1968:72)، وهذا ما يجعل الذكاء العاطفي نوعاً من أنواع الذكاء
الاجتماعي، وعنصراً من عناصر رأس المال الاجتماعي (Social Capital).
ومنذ حوالي (2000) عام أشار
أفلاطون إلى أن "كل تعلم ذو قاعدة عاطفية"، ومنذ ذلك الوقت والعلماء
والفلاسفة والمعلمون عملوا على إثبات أهمية العاطفة، وكيف أن هذا النمط
من الذكاء يؤشر "قدرة الفرد على فهم الآخرين، والتعامل معهم" في إشارة
إلى المهارات التي تتيح للفرد التفوق والنجاح.
وفي عقد الخمسينيات تساءل إبراهام
ماسلو: كيف يمكن للأفراد أن يعززوا من قدراتهم (الجسدية، والعاطفية،
والروحية، والعقلية)، معبراً عن القدرات الكامنة عند البشر
(Salo,2002:1)، وخلال السبعينيات والثمانينيات ظهرت دراسات لتعريف
(العواطف، والذكاء) من قبل الأكاديميين، وبدأ تدريس موضوع "الذكاء
العاطفي" في المناهج الدراسية، إذ درَّس معلمو مدرسة (Grade) أساسياته
حتى عام (1978) إلى جانب موضوعات ذات علاقة كـ(التعلم الاجتماعي
والعاطفي، والتطوير الاجتماعي، والذكاء الشخصي) (Young,1996:2).
وفي عام (1985) كتب أحد طلبة كلية
"الفن البديل في أمريكا" أطروحة دكتوراه، تضمنت في عنوانها مصطلح
"الذكاء العاطفي"، بعد اعتماد المصطلح من قبل الكلية، وفي عام (1990)
عمل اثنان من الأساتذة الأمريكان هما John Mayer جون مايرو Peter
Salovey وبيتر سالوفي/رئيس قسم علم النفس في جامعة yally يالي على نشر
مقالتين أكاديميتين حاولا فيهما تطوير أسلوب علمي لقياس الفروق الفردية
في القدرات العاطفية للأفراد، وتوصلا إلى "أن بعض الأفراد أفضل من
غيرهم في التفكير، وفي تشخيص مشاعرهم وما يشعر به الآخرون، وحل
المشكلات ذات العلاقة بالقضايا العاطفية "، ثم طورا اختبارات لقياس
الذكاء العاطفي انتهت باستنتاج مفاده "إن العقود الأخيرة ستشهد تغيراً
في المعتقدات الخاصة بالذكاء والعواطف، لأن الأفراد بدأوا يرون أن
المشاعر ذات قيمة أكبر"، ونشرت مقالتهما التي تضمنت الاختبارات تحت
عنوان (Emotional Quatient) معرفين إياه (بالذكاء القابل للاختبار
العلمي).
إلى جانب ما ذكر، اقترن مصطلح
الذكاء العاطفي بأحد الكتاب من نيويورك وهو Daniel Golman "دانييل
غولمان"، إذ نشر مقالات حول الموضوع في مجلة (Popular Psychology)
وجريدة (نيويورك تايمز)، وفي نهاية عام (1994) وبداية عام (1995) خطط
لتأليف كتاب عن المعرفة الشعورية للقراءة والكتابة، وزار المدارس لتفحص
البرامج المعتمدة في تطوير هذه المعرفة، وقرأ كثيراً عن العاطفة (لا
سيما ما نشره Mayer مايرٍ و Salovey سالوفي)، وأصدر كتابه (الذكاء
العاطفي)عام (1995)، ثم حلل مع زملاء له أنموذجا كفوءاً للقيادة في
(188) شركة كان قادتها من اللامعين في أمريكا، وذلك بهدف تشخيص القدرات
التي تفضي إلى الأداء القيادي الفاعل في تلك الشركات ، ومديات تأثيرها
في المنظمة، بعد أن رتب القدرات على وفق التسلسل (الفنية الصرف
كـ[التخطيط الشامل والمحاسبة]، والإدراكية كـ[التفكير التحليلي]،
والتمييزية التي يهيمن عليها الذكاء العاطفي كـ[القابلية على العمل مع
الآخرين، والفاعلية في قيادة التغيير]، ثم طلب من قادة الشركات تحديد
القدرات التي تميز نمط القيادة في كل شركة، وبعد تحليله للبيانات
المستقصاة استنتج أن الذكاء العاطفي هو المحرك الأساس للأداء الفاعل
لجميع المستويات الإدارية، فضلاً عن دوره المهم في شغل المناصب
القيادية العليا في منظمات الأعمال، وإنه كلما ارتقى موقع الفرد في سلم
الهرم المنظمي برزت لديه قدرات الذكاء العاطفي، وزادت في فاعليته
(العنزي، 2002 : 129)، وذلك لأن هذا النمط من الذكاء موجود منظمي مهم،
ولابد من دعمه والارتقاء بقدراته.
ثالثاً : مهارات
الذكاء العاطفي
تنوعت مهارات الذكاء العاطفي ،
وتحددت في (Gardner,1983:10):-
1. الانسجام العاطفي: يبرز عند
الفرد الذي يجيد قراءة عواطفه، ولديه قابلية التعاطف مع الآخرين وتحسس
عواطفهم، وسماه (McCluskey,1997:3) الوعي الذاتي الذي يؤشر "القدرة على
تمييز العواطف وتسميتها، وإدراك العلاقة بين (العواطف، الأفكار،
السلوكيات)، والسبب الذي أجج العواطف، وما هي العواطف التي قادت إلى
السلوك".
2. الإدارة العاطفية: تجسد "قدرة
الفرد على ترفيه نفسه كـ(تخفيف التوتر بالمشي خارج موقع العمل مثلاً)،
وامتلاكه رباطة الجأش، ومن ثم لا تستطيع عواطف الغضب أن تقهره، ويتمكن
من إدارتها لتحقيق سلوك إيجابي".
3. الدوافع الشخصية : أي القدرة
على التكيف الاجتماعي، وتأجيل إشباع الحاجات والتأثير في الدوافع
بانتظار الحصول على الأشياء، بدلاً من الحصول عليها فور الشعور بالحاجة
إليها.
4. الإدارة الشخصية : أي قابلية
الفرد على معالجة المواقف التي يمر بها من دون التأثر بها، لتمتعه
بمهارات إخماد الصراع ، وتقليل حدة المواقف المتوترة.
وفي سياق الحديث عن مهارات الذكاء
العاطفي لدى قادة المنظمات، أشار الأكاديميون إلى:
أ- مهارة الاعتناق العاطفي:
تعبّر عن قدرة القائد على تفهم عواطف الأطراف الأخرى للموقف أياً كان،
والنظر للموقف من زاويتهم، والاستماع إليهم من دون تأثره بعواطفهم.
ب-مهارة التخاطب والاتصال:
تجسد قدرة القائد على إقامة علاقات جيدة مع العاملين، وإيصال مشاعر
الحماسة والإيجابية إليهم، وتعبيره عن اهتماماته الشخصية بأسلوب يمدهم
بالقوة.
ج- مهارة التعاون : أي التعاون مع
الآخرين لتحقيق أهداف مشتركة، والنهوض بالمسؤولية، وإدراك القائد
لعواقب القرارات والمهام التي ينهض بها.
د- معالجة الصراعات : القابلية على
معالجة الخلافات بين الأفراد بالاعتداد بالمهارات (أ،ب،ج) آنفة الذكر.
وليس ببعيد عما ذكر، عدَّ (العنزي،
2002 : 129) مهارات (فهم الذات، وتنظيم النفس، والدافعية، والتقمص
العاطفي، والمهارة الاجتماعية) عناصر للذكاء العاطفي، وتعبّر عن:
· فهم الذات: يمنح الفرد إحساساً
بهويته تجاه نفسه، وتتطلب فهماً عميقاً من الفرد لنقاط قوته وضعفه وما
يشعر به، وكذلك حاجاته ودوافعه، وفهم القيم والأهداف، والحيوية في أداء
العمل.
· تنظيم النفس: ضبط الفرد
لعواطفه، وسيطرته على المواقف الخارجية وتوجيهها لإيجاد بيئة عمل قائمة
على الثقة، وبعيدة عن الصراعات (وهذا عنصر مهم لأسباب تنافسية، لأن
المنظمات اليوم تعيش تحديات عديدة بحكم التقنيات المتسارعة)، وهذا
يبرّز الدور الذي يلعبه القادة القادرون على ضبط النفس في مواجهة تلك
التحديات، والتكيف مع تغيرات البيئة.
· الدافعية: الإنجاز هو سمة
الدافعية، لاندفاع الأفراد برغبة حقيقية بدلاً من الاندفاع لتحقيق مكسب
مادي أو مركز إداري مرموق، وذلك لأنهم يبحثون عن المبتكر من التحديات،
ويندفعون للتعلم، ويفخرون بالعمل ويعمدون لأداءه بأساليب مبتكرة لتطوير
أنفسهم والارتقاء بالمنظمة، مع الاعتبار لحقيقة أن المزاوجة بين
(الدافعية وتنظيم النفس) يجعل الفرد يتخطى الإحباط المنظمي ويرتقي
بأداءه.
· التقمص العاطفي: اعتماد القائد
عواطف الآخرين كإحساس له، ومحاولته إسعاد العاملين لجعل العمل ذي مغزى
(التفكير والاعتبار لمشاعر الآخرين)، وزادت أهمية هذا العنصر بعد
(التوجه نحو العالمية، وزيادة الاعتماد على فرق العمل، والحاجة
المتنامية للمواهب الإبداعية...)، كونها تؤدي دوراً مهماً في الارتقاء
بمهارات العاملين، واختصار وقت العمل.
· المهارة الاجتماعية: قدرة
القائد على إدارة العلاقات مع الآخرين، وإقامته علاقات اجتماعية لتوجيه
العاملين بالاتجاه الذي يريده، ويقود إلى الارتقاء بالعمل الفرقي داخل
المنظمة.
في إطار ما تقدم، يتضح أن الذكاء
العاطفي يبرز في مهارات متنوعة كـ(القدرة على التكيف، والسيطرة على
الذات، والاتصال الفاعل، والصراع على الإدارة، والتعاون والعمل
الفرقي)، وهذا يقودنا إلى معادلة الذكاء العاطفي:

الذكاء العاطفي=
رابعاً : إدارة
الذكاء العاطفي وأهميتها للمنظمة
دأب علماء الاجتماع على بحث علاقة
الذكاء العاطفي مع بقية وظائف المنظمة وأنشطتها كـ(القيادة، والأداء،
وفرق العمل، وإدارة التغيير، وتقويم الأداء،...) (Young,1996:4)،
داحضين ما شاع من أن العواطف تعيق عملية اتخاذ القرارات، وكذلك التركيز
على الأهداف المنظمية.
فقد أشار (McCluskey,1997: 1-2)
إلى أن تشكيل المهارات العاطفية أسهل في الطفولة حتى أواخر المراهقة،
وإن تدريس الذكاء العاطفي في المدارس يعلّم الطلبة شيئاً عن السلوك
الاجتماعي المرغوب مستقبلاً أثناء عملهم في المنظمة، وكيف أن تعاون
العاملين مع بعضهم البعض يرتقي بأداء المنظمة، وهذا إجمالاً تمهيد لخلق
إدارة عاطفة كفوءة على مستوى المنظمات.
أما (Salo,2002:4) فأكد على أن
دراسة مهارات الذكاء العاطفي وتقييمها، تظهر الارتباط الوثيق بينها
وبين أداء العاملين أولاً، والأداء الفرقي في المنظمة ثانياً، شريطة أن
تجسد هذه المهارات النظام القيمي للمنظمة (عدم تفوق العواطف على
أخلاقيات الوظيفة وقوانينها المرعية).
والذكاء العاطفي ربما يكون الحد
اللانهائي للارتقاء بالأداء المنظمي، وقد انصب اهتمام (Jones,1997) على
تحويل "العاطفة" إلى سلعة قابلة للتسويق (بيعه للشركات باعتماد وسائل
إعلان تمنح الامتياز لفكرة جذابة عاطفياً، وترتقي بسمعة الشركة)، كما
وأكدت (Beatty,1996:43) أن العاطفة يمكن أن تتحول إلى "منتج" ، فبينما
يجعل "الذكاء العام" الفرد طاقـــة تستثمر ويحصل نظير ذلك على عائد
(منحه الأجر أو المكافأة كبدل)، فإن "الذكاء العاطفي " يمنح الفرد
العامل فرص الترقية والتدرج في المراكز الوظيفية.
وهناك بعض الدراسات التي سعت
لتحليل الذكاء العاطفي ودراسته على وفق منظومة (SWOT)، وذلك بتحديد
نقاط القوة والضعف المرتبطة بالعوامل التي تحدده، والفرص والتهديدات
التي ترافق بعض المعدلات المنخفضة له، وأدركت بعض الوكالات في مجال
الصيرفة والأطعمة الجاهزة والفنادق والخطوط الجوية ووكلاء خدمة
السيارات أن صناعة العاطفة بالابتسامة عند تقديم الخدمة، كانت سبباً في
شيوع ثقافة التفاخر بالنفس في الشركات المتميزة بالأداء.
وأشار (العنزي،2002: 128) إلى إن
الأنماط الشخصية للقادة (شخصية اجتماعية لدرجة مفرطة، شخصية تتمتع بحسن
المعشر، شخصية صريحة وذات سيطرة مطلقة، شخصية سريعة الحركة أو منكمشة،
وهكذا،...)، سمات ذات تأثير في العاملين، وإن أكثر القادة فاعلية هم
الأعلى مستوى من حيث الذكاء العاطفي على وفق (Daniel Golman) دانييل
غولمان، من دون إهمال لبقية المهارات القيادية، وهذا ما يجعل الذكاء
العاطفي السمة الأكثر بروزاً في تسنّم الموقع الإداري (اختيار القادة)،
لأن الفرد المدرَّب جيداً ويتمتع بعقل تحليلي، وذو أفكار ذكية قد لا
يكون قائداً ناجحاً من دون التمتع بالذكاء العاطفي، وإن (90%) من
الاختلافات في السمات القيادية تعزى إلى عوامل الذكاء العاطفي الذي
يرتبط بقوة الأداء القيادي، وتوصل دافيد مكليلاند (David McClelland)
في دراسته إلى أن الأقسام التي يرأسها مديرون من ذوي القدرات الحاسمة
كـ(الذكاء)، تحقق عوائد تزيد بنسبة (20%) مقارنة بمن لا يتمتعون بهذه
السمة المميزة (العنزي ،2002 :129)، وهذا ما يدلل على العلاقة القوية
بين نجاح المنظمات وبين قدرة قادتها على إدارتها عاطفياً، متجسدة في
تمتعهم بمهارات الذكاء العاطفي، والذي يقود في المحصلة إلى تعزيز قيمة
المنظمة في صورة عائد اجتماعي.
ويؤكد اعتماد كبرى الشركات اليوم
على الأسلوب الفرقي في أداء مهامها على أهمية هذا النمط من الذكاء، ذلك
أن فريق العمل قد يحصل على الموارد المادية والبشرية...، ولكنه يفشل في
تحقيق أهدافه لافتقاره إلى "سمة المجموعة الذكية عاطفياً"، التي يتمتع
أفرادها بالإدراك الذاتي للحالة العاطفية، وحالات التفاعل بين الأفراد
وإجراءات العمل التي تعد جزءاً حاسماً من ذكاء المجموعة العاطفي، والذي
يرتقي بفاعلية الفريق، وهو ما يتم عبر تقييم أعضاء الفريق للذات،
والتماس مع ردود أفعال الآخرين (زبائنها، مجهزيها،
منافسيها...)،والاستجابة بقوة إلى التحديات العاطفية التي تواجهها
(يومياً)، والتي تهيئ لها مناخ عمل إيجابي، ومصادر للعمل مع العواطف
(Drusket & Wolff,2001:88).
وقد بدأت المنظمات تتنبه إلى
التداخل بين العواطف والمنطق لدحض ما شاع من أن هناك تقاطع بينهما، ذلك
أن فهم التداخل يعد مهماً، لان كليهما أمرٌ معقد جداً، ودراستهما مع
بعضها تهيئ فهماً أفضل للغة الاتصال بين العقل والعاطفة، لاسيما وأن
القلب يشعر بأفكار المرء، وإن العواطف أما أن تجند في خدمة الأفكار، أو
يكون للأخيرة اليد الطولى عليها، وهذا ما يوجب اعتداد المنظمة بمدخل
لتقدير العواطف وإدارتها (تنظيمها والسيطرة عليها)، لاسيما حين تبرز في
هيئة ردود أفعال مبالغ فيها تجاه أي نشاط من أنشطة المنظمة، وحينما لا
تؤمن المنظمة بأن العواطف هي علامة من علامات النضج والذكاء (Krone
& Morgan,2002:90-93) .
ويسترسل كرون ومورغان في إبراز
نتائج دراستهما للعواطف في المنظمات الصينية (Krone &
Morgan,2002:90-93) بالقول بأن حضارة الصين ما هي إلا نتاج للعلاقة بين
السياسات التي تعتد بها المنظمات الصينية وبين عواطف العاملين فيها،
وإن (القدرة على ضبط الذات) من بين الصفات التي يوسم بها قادة هذه
المنظمات، وإن العواطف قوى خطيرة تتطلب السيطرة، واستحضارها في المنظمة
يلقي على عاتق البيئة المنظمية وقيادتها مسؤولية احتوائها وإدارتها،
والعمل على بلورتها بطرائق تدفع العاملين إلى الأداء الفاعل، واعتماد
آليات لتفعيل العلاقة بين تفكير العاملين وعواطفهم، لكي لا تطغى
العواطف على المنطق والسلوكيات الصحيحة...، وأشار كروف ومورغان إلى هذه
النتائج حينما أكدا على تأثر مديري المنظمات الصينية بالتجارب العاطفية
السارة وغير السارة التي تعرضوا لها في عملهم، وتأثيرها في أسلوب
إدارتهم (اعتماد أسلوب الإدارة المنزلية بأسلوب متحضر)، وذلك بفسح
المجال للأقسام والعاملين فيها بتقديم أفكارهم (لمنع العواطف من التغلب
على الولاء المنظمي، وضبط النفس، واستقرار العاملين داخلياً وفي بيئة
العمل أيضاً)، مع إن البعض من تلك التجارب أفقدتهم بعضاً من توازنهم،
ولكنهم سعوا جاهدين لإعادته فكراً وجسداً وعاطفة، وذلك باعتماد منهجية
محددة في إدارة هذه العواطف، واستلهام العبر من تلك التجارب لقيادة
منظماتهم من خلال:
1) تهدئة الأعصاب وإعادة العواطف
إلى حالتها الطبيعية (تبرز في صيغة تحدي للقائد)، وهو ما يتطلب طاقة
كبيرة، والموازنة بذكاء بين العقل والجسد لتحقيق الاستقرار.
2) استعادة التوازن الداخلي
وتأمين الاستقرار العاطفي، بتجنب الحوادث التي تثير الانفعالات، وهنا
يظهر دور الذكاء القيادي في التكيف مع تلك التجارب والبيئة التي حصلت
فيها.
3) التعلم من تلك التجارب، وحفز
المرؤوسين على الاستفادة منها في تطوير أنفسهم والمنظمة (اعتماد
التشجيع الروحي والتحفيز عند الافتقار إلى أساليب التحفيز المادية)،
والعمل على إعادة التكيف مع البيئة المحيطة بهم.
ولابد من القول أن الجانب المشرق
للذكاء العاطفي في الارتقاء بالأداء القيادي والمنظمي، لا يجعلنا نغفل
عن التعرض إلى الجانب الثاني (السلبي) من دور الذكاء العاطفي، والذي
يعد تحدياً صعباً يواجهه قادة المنظمات، ويبرز في صيغ متعددة، إذ تشير
الوقائع إلى تعارض الولاء العاطفي مع الولاء المنظمي (في أحيانٍ
كثيرة)، لاسيما حينما يكون المناخ المنظمي غير محفز للعاملين، وهو ما
يبرز في:-
أ- تمحور العاملين من ذوي
القدرات المحدودة حول (سلوك أو خاصية) لا تحظى بقبول الإدارة، ولا
تنسجم مع قيم العمل (موظف يكلف بعمل خارج المنظمة ويستقل سيارة المنظمة
لأغراض شخصية، ويتفق مع زميله للتستر عليه)، فإذا وافق الزميل تحقق
الانسجام العاطفي بين الاثنين على حساب القيم المنظمية المتعارف عليها.
ب- شيوع قيم الولاء غير
الرسمي لمقاومة حالات عدم الرضا من قبل العاملين داخل المنظمة عن
(المهام الموكلة إليهم، الرواتب المدفوعة، عمليات التغيير التي تضر
بمصالحهم مثل تقليص عددهم على أثر الاستخدام المكثف للتكنولوجيا
المتطورة)، فتلك الحالات تنشئ روابط عاطفية قوية بين العاملين الذين
يشعرون بعدم الرضا، والتي قد تقودهم إلى التجاوز على القوانين، وبما
يحقق التضارب بين الولاء العاطفي ونظيره المنظمي.
ج- إن شعور أيٌ من العاملين
بـ(الظلم، أو الاضطهاد) نتيجة (شمول موظف آخر بالترقية بالرغم من
استحقاقه لها مثلاً) يثير فيه شعوراً (بالخوف المزمن، واليأس، وبأنه
مهما عمل فلن يحظَ بفرصة الترقية، أو يُمتدح من قبل رئيسه)، فهذا يقلل
لديه الشعور بكفاءة الذات وفهمها، ويفقده الثقة بقدراته ومستويات
أدائه، وسيوسم بالارتباك في السلوك والتفكير على أثر شعوره بالقهر،
وهذا إجمالاً يضعف مستويات أداءه واندفاعه للمشاركة في تحقيق الأهداف
المنظمية (Harlos & Pinder, 2002:267).
من كل ما تقدم تتضح أهمية إدارة
العاطفة في المنظمة، وكيف أن البيئة المنظمية يمكن أن تكون بيئة
تعلّم،وتحفز لتنمية عناصر الذكاء العاطفي لدى العاملين، والدور الذي
تلعبه القيادة في دعم تلك العناصر، ومراعاة انفعالات العاملين
وعواطفهم، وتمكينهم من إدراكها وإدراك عواطف الآخرين، وضبط أنفسهم
والاندفاع لأداء العمل، وجعلهم يؤمنون أنهم عناصر فاعلة في تحقيق
الميزة التنافسية لمنظماتهم، لاسيما وهي تواجه تحديات (العولمة،
والتطور التكنولوجي، وتغير رغبات الزبائن،...)، وإيمانهم وقادتهم بأن
منظمات العاطفة أصبحت اليوم مدخلاً إستراتيجياً يرتكز إلى توظيف الذكاء
العاطفي في خدمة الأداء المنظمي.
..................
(*) الكلية التقنية الإدارية/ بغداد
المصادر:
.................
أولاً :
المصادر العربية
1.
العنزي، سعد،(2002)، "الذكاء الشعوري السمة البارزة لشغل المنصب
الإداري المتميز"، مجلة الحكمة، ع(28)، آب.
2.
الجنابي، فارس عبد الله، والساعدي،مؤيد يوسف نعمة، (2002) ،"فاعلية
الذكاء الشعوري في بناء فريق العمل"،مجلة البحوث التقنية،آب.
ثانياً :
المصادر الأجنبية
1)
Cherniss,C.,(2001),"Emotional Intelligence & Organizational
Effectiveness", The Emotionally Intelligent Work place,pp(3-12).
2)
Drusket,V.U&Wolff,S.B.,(2001),"Building Emotional Intelligence of
Groups," Harvard Business Review, March.
3)
Fineman,S.,(2000),"Emotion In Organization",2nded.,SAG publishing,
London.
4)
Gardner,H.,(1983),"Frams of Mind: the Theory of Multiple
Intelligence", New York, Basic Books, Reved..
5)
Hein's, S.,"Definition & History of Emotional
Intelligence",htm,Homepage,pp(1-5).
6)
Mayer,J.D. & Salovey,p.,(1993),"The Intelligence of Emotional
Intelligence", Intelligence, Vol(17),No(4),pp(433-442).
7)
McCluskey,A.,(1997),"Emotional Intelligence In
Schools",Connected,St-Blais,Feb,pp(1-4).
8)
Mckenna,E.,(2000),"Business Psychology & Organizational Behavior", A
student HandBook, 3rded.,USA,Paylor & Francis Inc.
9)
Salo,P.,(2002),"Emotion What? Definition of History of Emotional
Intelligence", pp(1-4).
10)
Thordike, R.,(1989),"Measurement & Evaluation In psychology &
Education", John Wiley Eastern private.
11)
Waldon,V.R.,(2000),"Emotion In Organization", 2nded.,SAGE
publication Ltd.,London.
12)
Walter, M.,(1968),"Personality & Assessment",New York, John Wily &
So.
|