الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

 الإثنين: 15/06/2009
 

                                                               

دور الجامعة في إدارة الطاقة الفكرية

بين المنهجية الخطية والمنهجية اللاخطية في التطوير الاداري

 

الأستاذ الدكتور عاصم الأعرجي(*)

   (خاص للمعهد)

 

 

المقدمة والخلفية النظرية:

       يمكن النظر إلى الإنسان، بوصفه متخذ قرارات، على أنه وحدة طاقة فكرية وطاقة فسلجية ذات أبعاد محددة ومعينة إذا ما قيست بمدة زمنية محددة، فالطاقة الفكرية (المقدرة التفكيرية التي يمتلكها مخ الإنسان) توظف عادة في جمع المعلومات عن البيئة التي يتواجد فيها ذلك الإنسان وتوظيفها لبلورة وتحديد أهداف يراد تحقيقها بعد إجراء مفاضلات بينها لأغراض الاختيار بموجب سلم أسبقيات، كما توظف في بلورة وسائل بديلة يمكن عن طريقها تحقيق الهدف المختار وإجراء مفاضلات بينها لاختيار أحدها.

        فالهدف الرئيس لتوظيف الطاقة الفكرية هو الوصول إلى تبني وتحقيق أكثر الأهداف تفضيلاً بأقل الوسائل تكلفة.

        أما دور الطاقة الفسلجية (الطاقة الحركية للإنسان) فغالباً ما تظهر في عملية تنفيذ ما تم صياغته من قرارات مع أن لهذه الطاقة دوراً في تدعيم عمليات التفكير المفضية إلى صنع القرار هدفاً ووسيلة.

        تشير الدلائل إلى أن دور الطاقة الفكرية في المنظمات عامة في العصر الحاضر والمستقبل المنظور في تنامي مقابل دور الطاقة الفسلجية التي أصبحت تمارس بتزايد من قبل التكنولوجيا الممكننة المعاصرة والإنسان الآلي.

        إزاء هذا الدور المتنامي للطاقة الفكرية للإنسان في اتخاذ القرارات في المجتمع عموماً فإن تفعيلها وترشيد استثمارها واختزال الهدر والخطأ في توظيفها يمكن ان يؤدي إلى ترشيد عمليات اتخاذ القرارات من أفراد وتنظيمات المجتمع المعني، واختزال الخطأ في تحديد أهداف ووسائل تلك القرارات.

        وهنا تظهر احتمالية تحقيق تقدم منشود على المستويات الفردية والمنظمية والمجتمعية، هذا في الوقت الذي تشير فيه نتائج الدراسات إلى أن معدل ما يتم توظيفه بكفاءة من الطاقة الفكرية للإنسان عامةً لا يتجاوز 20% (Stewart 1995). فالمهمة إذن هي التعرف على حجم وطبيعة الطاقة الفكرية للإنسان تمهيداً لترشيد توظيفها في عمليات اتخاذ القرارات (Senge, 1990).

        وهذا مما دفع الكثير من المنظمات الرائدة في الدول الأكثر تقدماً إلى إنشاء وحدات خاصة فيها منذ مدة طويلة للقيام بالمهمة المذكورة لضمان ترشيد استثمار الطاقة الفكرية فيها (Sherman, 1994). كما أدى إلى اهتمام متميز من المختصين بوظائف مخ الإنسان بموضوع الطاقة الفكرية وطبيعتها منذ زمن (Jensen, 1995).

        وهكذا ظهرت الدعوات من الباحثين إلى إعادة النظر في تصميم المنظمات والمراكز الوظيفية على أساس طبيعة وأحجام الطاقات الفكرية المطلوبة لتحقيق الأهداف المتبناة بالدرجة الأولى (Agon, 1996; Webster, 1994; Andrew, 1997; Anthony, 1993).

        أما بصدد طبيعة الطاقة الفكرية للإنسان فقد أشار عدد من الباحثين (Coulson, 2004; Battro. 2000; Heltige, 2000; Hugdal, 2002) إلى أن هناك نمطين من هذه الطاقة:

·  نمط خطي linear يمارسه الجانب الأيسر لمخ الإنسان يتسم بالنمطية والرتابة، ويناسب التعامل مع البيئات ذات الحركية النمطية والرتيبة.

·  نمط لا خطي Non- Linear  يمارسه الجانب الأيمن لمخ الإنسان، ويناسب عمليات اتخاذ القرارات غير المبرمجة في البيئات ذات الحركية اللانظمية وغير الرتيبة (Pinchot & Pinchot, 1994; Abrecht, 2002).

        أشار (McCrone, 2000) إلى أن الجانب الأيسر من مخ الإنسان، يهتم بتفاصيل الظاهرة المعينة وجزئياتها، في حين أن الجانب الأيمن ينظر إلى الظاهرة نفسها بأطرها العامة وترابطاتها الخارجية. ومع أن الإنسان متخذ القرار يحتاج في حياته العملية إلى النمطين من الطاقة الفكرية الخطية واللاخطية على أساس أن جانباً من البيئة التي تحيط به تتسم تغيراتها بالرتابة والانتظام أي بالحركية الخطية (Linear Dynamics) في حين تتسم تغيرات الجانب الآخر باللارتابة واللانتظام أي بالحركية اللاخطية (Non- Linear Dynamics).

        تشير الدلائل إلى تزايد الحاجة في مختلف المنظمات المعاصرة إلى الطاقة الفكرية اللاخطية في اتخاذ القرارات. فمثلاً أشار كل من (Danke, 1990; Kiel, 1994; Abrecht, 2002; Pink, 2006) إلى تزايد ميل التغيرات الجارية في مختلف بيئات الدول نحو الحركية اللاخطية حيث تجسد ذلك بتزايد اللارتابة واللانمطية في علاقات وتغيرات عناصر الظواهر المحيطة بمتخذي القرارات في المنظمات مما يتطلب توظيف الطاقة الفكرية للجانب الأيمن لمخ الإنسان للتعامل معها.

        هذا وقد عبّر عن ذلك بوضوح (Pink, 2006) بالقول:

        "The Future Belongs to the Right Hemisphere of the Brain"

        إن المستقبل هو للجانب الأيمن لمخ الإنسان.

        عبّر عن ذلك أيضاً للدول المتقدمة بصورة خاصة (Drucker, 1993) حينما أشار إلى مرحلة  "التحوّل إلى ما بعد عصر الرأسمالية". أما في الدول النامية فقد عبّر عن توجهها المتزايد نحو التغييرات غير الرتيبة وغير النظمية, أي نحو الحركية اللاخطية, منذ مدة طويلة (Riggs, 1970) حينما أشار إلى أن هذه الدول تمر بمرحلة انتقالية (Transitional Stage).

        وأطلق على مجتمع الدولة النامية خلال هذه المرحلة بالمجتمع الموشوري (Prismatic Society) إذ تتجسد في تغيراته اللارتابة واللانظمية، وقد أكدّ تحوّل الدول النامية نحو المزيد من الحركة اللاخطية فيما بعد باحثون آخرون (Rostow, 1990; Zilibotti, 1995).

        وهكذا أصبح من أولويات متخذ القرار بصورة عامة تحسس البيئة التي يعمل فيها لتشخيص مستويات الميل فيها نحو الحركية الخطية والحركة اللاخطية ومن ثم تحديد ما ينبغي أن يوظف من الطاقة الفكرية الخطية للجانب الأيسر من المخ وما ينبغي توظيفه من الطاقة الفكرية اللاخطية للجانب الأيمن من المخ، إذ أن الخطأ في إجراء هذه الحسابات قد يؤدي  إلى ارتكاب خطأ من النوع الأول أو خطأ من النوع الثاني على المستوى الفردي أو المنظمي أو المجتمعي الكلي ومن ثمّ الهدر بالطاقة الفكرية.

        فالخطأ من النوع الأول يكون حينما توظف طاقة فكرية خطية لاتخاذ قرار في بيئة تتسم بالدرجة الأولى بالحركية اللاخطية إذ يعني ذلك جمع بيانات ناقصة وغير دقيقة عن الظاهرة المعنية وذلك لإغفال السمة اللاخطية فيها ومن ثم ترجمة تلك الظاهرة بعدّها  ذات ميل حركي خطي على خلاف الواقع.

        وبالطبع إن توظيف بيانات ناقصة وغير دقيقة في تحديد هدف ووسيلة قرار تعني تعظيم هوامش الخطأ فيه وما يمكن أن يترتب على ذلك من عدم تحقيق الأهداف الحقيقية المطلوبة، كما يعني هدراً للإمكانات المتاحة ومن ضمنها الطاقة الفكرية ذاتها.

        أما الخطأ من النوع الثاني فيكون حينما توظف طاقة فكرية لاخطية لاتخاذ قرار في بيئة تتسم تغيراتها بالدرجة الأولى بالحركية الخطية فيعني ذلك جمع بيانات ناقصة وغير دقيقة عن الظاهرة المعنية أيضاً لإغفال السمة الخطية فيها ومن ثم ترجمة تلك الظاهرة بعدّها تميل إلى الحركة اللاخطية خلافاً للواقع.

        وتظهر هنا أيضاً النتائج السلبية نفسها في القرارات المتخذة على المستويات الفردية والمنظميه والمجتمعية.

        وهكذا يمكن القول إجمالاً أن إغفال الموازنات المطلوبة بين طبيعية الطاقة الفكرية الموظفة من متخذ القرار (أفراداً أو جماعات أو منظمات) من جهة ومستويات ميل بيئة القرار المؤمل نحو الحركية الخطية أو الحركية اللاخطية، يمكن أن يؤدي إلى ارتكاب الخطأ من النوع الأول والخطأ من النوع الثاني وما يترتب على ذلك من نتائج سلبية وإعاقة للتقدّم على مختلف المستويات ذوات العلاقة الفردية والمنظمية والمجتمعية. فعلى المستوى الميداني تشير تقارير البنك الدولي المتتالية بجانب مصادر اخرى إلى بعض حالات التخلف هذه في قسم من الدول النامية خاصة ومن ضمنها بعض الدول العربية (Huntington, 1965; Waterston, 1978; Muhammad, 1988; World Bank, 2006; Waterston, 1978) إلى أن:  "الدول النامية مقبرة مرعبة من الخطط المميتة".

        "Developing Nations are Fearful Cemetery of Deal Plans"

        وبما أن المنهج الفكري السائد تقليدياً في اتخاذ القرارات في الكثير من هذه الدول هو المنهج الخطي، على الرغم من التحولات الجارية في بيئاتها نحو المزيد من الحركية اللاخطية، فإن حالات التخلف المذكورة يحتمل أن تكون ناتجة عن ارتكاب ما اصطلح عليه بالخطأ من النوع الأول. أي محدودية تفعيل وتوظيف المنهج الفكري اللاخطي بالمستويات المطلوبة في اتخاذ القرارات ورسم الخطط، وتوظيف المنهج الفكري الخطي بدلاً عن ذلك لاتخاذ قرارات في بيئات ذات الحركية اللاخطية.

فرضية البحث:

        تأسيساً على ما تقدم اعتمدت الفرضية الآتية لغرض الاختبار والتحليل:

 "ليس هناك تناسب فيما بين الطاقة الفكرية اللاخطية الموظفة في اتخاذ القرارات من جهة وبين مستويات الميل نحو الحركية اللاخطية في بيئة تلك القرارات في بعض الدول العربية والدول النامية".

مجتمع وعينة البحث:

        بما أن للجامعات دوراً أساسياً في تنمية الطاقات الفكرية وأنماط التفكير (خطية/ لاخطية) لدى الأجيال المتعاقبة لتهيئتهم لتبؤ مختلف مواقع اتخاذ القرارات في المنظمات الخاصة والحكومية في المجتمع، فقد ارتؤي اختيار عينة مقصودة هي جامعة بغداد وجامعة اليرموك من بين اجمالي الجامعات العربية وجامعات الدول النامية ضمن الإمكانات البحثية المتاحة لأغراض اختبار فرضية البحث، كما تم اختيار القيادات الجامعية خاصة (العمداء ونوابهم ورؤساء الأقسام)، لتأثيراتهم المميزة على المسيرة العلمية ضمن مواقع عملهم ومن ثم على توجهات الطلبة المنهجية الفكرية عموماً، لأغراض جمع البيانات المطلوبة. فكان مجموع الموجود منهم ميدانيا وقت اجراء المسح الميداني في جامعة بغداد (130) استجاب منهم لأسئلة البحث (22) من العلوم الإنسانية و(31) من العلوم الطبيعية، أما الموجود منهم ميدانياً في جامعة اليرموك فكان (49) استجاب منهم (26) علوم إنسانية، و(11) علوم طبيعية.

ومع ان مدة اخذ هذه العينات وتحليل اجاباتها امتدت من 1991ولغاية  1994 (الاعرجي1991, Alaraji 1995) الا ان ارتباط مدلولاتها بتيارات التحول المستمرة والمتصاعدة نفسها إلى الوقت الحاضر جعل توظيفها لأغراض البحث الحالي مبرراً علمياً.

منهجية البحث:

        تم اعتماد منهجاً ميدانياً في جمع البيانات لاختبار الفرضية البحثية من خلال استبانة تم اشتقاق أسئلتها من مصدر علمي ذي علاقة (Agor, 1986)، وقد اشتملت هذه الاستبانة على أربعة أسئلة كرس السؤال الأول للاستفسار عن مستويات اعتماد التفكير اللاخطي من العينتين.

        أما السؤال الثاني فيهدف إلى الاستفسار عن مستويات وجود العوامل المستدعية لاعتماد منهج التفكير اللاخطي في بيئة العمل.

        أما السؤال الثالث فيحوي على ثمانية خيارات يختار منها القيادي الجامعي أربعة فقط. فتفضيله للخيارات (1أ) (1ب) (1جـ) (1د) يؤشر امتلاك المستجيب مقدرات تفكير ذاتية خطية عالية، واختيار (2أ) (2ب) (2جـ) (2د) يؤشر امتلاك المستجيب مقدرات تفكير لاخطية ذاتية عالية، أما الاختيار من الجانبين فيمثل ميلاً في امتلاك مقدرات التفكير من هذا الجانب أو من ذاك.

        ويهدف السؤال الرابع إلى التحري عن المعوقات الميدانية أمام توظيف المنهج اللاخطي في اتخاذ القرارات(*).

        عرضت الاستبانة على ثلاثة من أعضاء الهيئة التدريسية من ذوي الاختصاص لأغراض التحكيم وأجريت في ضوء ذلك التعديلات المطلوبة على فقراتها.

        كذلك تم اختبار الاتساق الداخلي للاستبانة باستخدام مقياس كرونباخ ألفا إذ جرى الاختبار من خلال عشرة من أعضاء هيئة التدريس في كل من جامعتي اليرموك وبغداد ممن سبق أن شغل مواقع قيادية جامعية (عميد، نائب عميد، رئيس قسم) وكانت النتيجة 88% إذ تُعد هذه النسبة مقبولة في البحوث العلمية في التخصصات الإنسانية.

محددات البحث:

1.  قد لا تمثل العينة المقصودة المختارة إجمالي الجامعات العربية الاخرى أو جامعات الدول النامية في مجال موضوع البحث الحالي ومدلولاته تمثيلاً دقيقاً.

2.  لا يتم تطوير وتنمية الطاقات والأنماط الفكرية لدى الأجيال عن طريق التعليم الجامعي فقط، مع أن هذا التعليم يؤدي دوراً رئيساً، إذ يشاركه في ذلك المجتمع والعائلة..الخ.

3.    قد لا تعكس معطيات الحقبة الزمنية التي أجريت فيها المسوحات الميدانية بدقة واقع حقب زمنية لاحقة.

 

التحليلات والنتائج:

        أظهرت إجابات أفراد العينتين عن السؤال الثالث مستويات امتلاكهم للطاقات الفكرية الخطية وللطاقات الفكرية اللاخطية.

 

جدول (1)

مستويات امتلاك أفراد العينتين للطاقات الفكرية الخطية واللاخطية

الجامعـــة

النسب المئوية لامتلاك الطاقات الفكرية

علوم طبيعية

علوم إنسانية

لاخطي

خطي

لا جواب

لاخطي

خطي

لا جواب

جامعة بغداد

35.43

46.67

17.9

42.0

42.1

15.9

جامعة اليرموك

40.91

59.09

-

42.64

57.36

-

 

        يظهر من الجدول (1) تفوق مستويات امتلاك مقدرات التفكير اللاخطي في العلوم الإنسانية (42%) على العلوم الطبيعية (35.43%) في جامعة بغداد على خلاف الحال بالنسبة لمقدرات التفكير الخطي في التخصص نفسه.

        كذلك يظهر الجدول (1) تفوّق العلوم الإنسانية في امتلاك الطاقة اللاخطية (42.64%) على العلوم الطبيعة (40.91%) في جامعة اليرموك على خلاف مقدرات التفكير الخطي في التخصص نفسه .

        أما بصدد المقارنة بين الجامعتين فتشير النسب في الجدول (1) إلى تفوّق جامعة اليرموك في العلوم الطبيعية في مقدرات التفكير اللاخطي (40.91%) وفي العلوم الإنسانية (42.64%) على جامعة بغداد في المجالين على التوالي (35.43%) و(42.0%) على خلاف ما عليه الحال في مقدرات التفكير الخطي.

        وبالصيغة الإجمالية يمكن القول بتفوق الميل لصالح التفكير اللاخطي في جامعة اليرموك مقارنة بجامعة بغداد على خلاف الميل لصالح التفكير الخطي إذ يحتمل أن يعزى ذلك إلى الميل التقليدي نحو المركزية في النظام التعليمي الجامعي في العراق والميل التقليدي نحو اللامركزية في النظام التعليمي الجامعي في الأردن.

        وإذا ما قورنت مستويات امتلاك الطاقة الفكرية الخطية بمستويات امتلاك الطاقة الفكرية اللاخطية في الجامعتين وفي الاختصاصين إجمالاً يظهر تفوّق المنهج الخطي على المنهج اللاخطي إذ يمكن أن يؤشر ذلك في ضوء التحولات المتزايدة نحو الحركية اللاخطية في بيئات اتخاذ القرارات في الدول النامية عموماً، ظهور بعض احتمالات هوامش الخطأ من النوع الأول في الممارسات الميدانية للخريجين الذين سبق تهيئتهم الفكرية في ضوء توجهات بعض القيادات الجامعية (عمداء، نواب عمداء رؤساء أقسام) السابقة.

        ومن ناحية أخرى أظهرت إجابات أفراد العينتين مستويات الاعتماد والتوظيف الفعلي للطاقات الفكرية اللاخطية في مقابل مستويات الحاجة الميدانية لذلك وكما هو موضح في الجدول (2) الآتي:

 

جدول (2)

مقارنات مستويات التوظيف الفعلي لطاقة التفكير اللاخطي مع مستويات الحاجة الميدانية لذلك

الجامعة

مستويات التوظيف الفعلي

مستويات الحاجة الفعلية

علوم طبيعية

علوم إنسانية

علوم طبيعية

علوم إنسانية

جامعة بغداد

49.05

50.95

53.43

46.57

جامعة اليرموك

54.71

45.29

48.30

51.70

 

        يظهر من الجدول (2) أن مستوى توظيف الطاقة الفكرية اللاخطية (49.05%) هو أقل من مستوى الحاجة لهذه الطاقة (53.43%) في العلوم الطبيعية في جامعة بغداد. فإذا ما أدى هذا الموقف بمتخذي القرارات إلى توظيف طاقة فكرية خطية، إذ أن مستوى امتلاكهم لها (46.67%) يفوق مستوى امتلاكهم للطاقة اللاخطية (35.43%) كما يشير الجدول (1)، فهذا يعني احتمال ارتكاب أخطاء من النوع الأول من الخريجين ميدانياً.

        أما في العلوم الإنسانية في جامعة بغداد فيشير الجدول (2) إلى أن مستوى التوظيف الفعلي للطاقة الفكرية اللاخطية (50.95%)، أي أعلى من مستوى امتلاكها (42.0%)، في حين أن مستوى الحاجة لتوظيف هذه الطاقة هو (46.57%). ويعني ذلك احتمال ارتكاب أخطاء من الخريجين ناتجة عن محدودية المعرفة بالمنهجين الفكريين ومحدودية المعرفة بالمواقع التي تتطلب هذا المنهج أو ذاك.

        بجانب ما تقدم يشير الجدول (2) إلى أن مستوى التوظيف الفعلي للطاقة الفكرية اللاخطية في العلوم الطبيعية في جامعة اليرموك (54.71%)، أي أعلى من مستوى امتلاكها البالغ (40.91%)، ويفوق مستوى الحاجة الفعلية (48.30%).

        يعني كل ذلك احتمال ارتكاب الخريجين بعض الأخطاء الناتجة عن محدودية معرفتهم بماهية المنهجين الخطي واللاخطي ومواقع الحاجة لكل منهما.

وأما في العلوم الإنسانية في جامعة اليرموك فيشير الجدول (2) إلى تفوّق مستوى الحاجة للطاقة الفكرية اللاخطية (51.70%) على مستوى التوظيف الفعلي لهذه الطاقة (45.29%) إذ يمكن أن يؤدي مثل هذا الموقف بمتخذ القرار إلى توظيف طاقة فكرية خطية كبديل، إذ أن مستوى امتلاكها (57.36%) يفوق مستوى امتلاك الطاقة الفكرية اللاخطية (42.64%) كما يشير الجدول (1)، وهذا يعني بروز احتمال ارتكاب الخريجين أخطاء من النوع الأول.

        وبما أن مستوى التوظيف الفعلي للطاقة اللاخطية (45.29%) يفوق مستوى امتلاكها في العلوم الإنسانية في جامعة اليرموك، كما يشير الجدولان (1) و(2), يمكن القول باحتمال ارتكاب الخريجين أيضاً بعض الأخطاء الناتجة عن محدودية المعرفة بماهية المنهجين الخطي واللاخطي ومواقع الحاجة لكل منهما أيضاً.

        في ضوء النواقص المشخصة في مستويات امتلاك وفي مستويات التوظيف الفعلي للطاقة الفكرية اللاخطية، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من احتمالات ارتكاب أخطاء من النوع الأول في ممارسات الخريجين, تظهر الحاجة إلى التعرف على المعوقات الميدانية المحتملة في تنمية وتوظيف هذه الطاقة. وهنا جاءت إجابات أفراد عينتي البحث عن السؤال الرابع بصدد مستويات وجود المعوقات الميدانية كما يوضح في الجدول (3).

 

جدول (3)

مستويات وجود معوقات إزاء تنمية وتوظيف الطاقة الفكرية اللاخطية في البيئة الجامعية

الجامعة

عدم استحسان الآخرين في الدائرة

التمسك العالي بالبيروقراطية

عدم استحسان الجمهور

عدم استحسان القيادات

المداخلات البيئية

أسباب أخرى

جامعة بغداد

علوم طبيعية

7.00%

40.00%

17.00%

-

20.9%

15.1%

علوم إنسانية

14.7%

42%

14.7%

2.6%

17%

9%

جامعة اليرموك

علوم طبيعية

12.2%

13.2%

10.79%

14.21%

16.23%

33.37%

علوم إنسانية

15.25%

13.70%

13.31%

16.43%

16.22%

25.09%

       

يظهر من الجدول (3) أن مستوى التمسك بالبيروقراطية في جامعة بغداد يأتي بالدرجة الأولى في إعاقة تنمية وتوظيف الطاقة الفكرية اللاخطية أما في جامعة اليرموك فقد كانت مجموعة "الأسباب الأخرى" في الدرجة الأولى من المعوقات.

        أما في الدرجة الثانية في جامعة بغداد فتأتي "المداخلات البيئية" وكذلك الأمر لدى جامعة اليرموك.

        أما في الدرجة الثالثة فيأتي "عدم استحسان الجمهور" في جامعة بغداد في حين يأتي عدم استحسان القيادات في جامعة اليرموك.

        وبالدرجة الرابعة يأتي "مجموعة الأسباب الأخرى" في جامعة بغداد، بينما يأتي "التمسك بالبيروقراطية بالدرجة الرابعة في جامعة اليرموك.

        أما أضعف المعوقات فكان "عدم استحسان الآخرين في الدائرة" في جامعة بغداد وفي جامعة اليرموك أيضاً.

        مع أن هناك بعض التوافق بين مستويات بعض المعوقات لتنمية وتوظيف الطاقة اللاخطية في الجامعتين إلا أن التباين البيئي وخاصة ما يتعلق بمعظم المعوقات هي الحالة الغالبة، بجانب ذلك أن للعامل الوراثي تأثيراً أيضاً في تحديد مستويات امتلاك الطاقة الفكرية اللاخطية (Agor, 1996) إذ يمكن أن يكون لهذا العامل تأثيرات متشابهة في عينتي البحث.

الاستنتاجات:

1.  إن مستوى التوظيف الفعلي للطاقة الفكرية اللاخطية في العينتين يقارب الوسط.. وبالمقارنة مع ما يغلب ان يكون سائداً في الحقب الزمنية السابقة فيمكن القول بأن المسيرة الحالية موازية من حيث الاتجاه للمسيرة العالمية في التحرك نحو المزيد من توظيف الطاقة الفكرية اللاخطية (Daneke, 1990; Kiel, 1994; Abrecht, 2002; Pink, 2006).

2.   رغم أن هناك دلائل تؤشر باحتمال أن محدودية امتلاك وتوظيف الطاقة الفكرية اللاخطية كانت وما زالت مزامنة للمحدوديات في ما تم انجازه من عمليات تنمية في البيئة المبحوثة (Waterston, 1978; World Bank, 2005-2006).

3.  وجود درجات من التفاوت فيما بين مستويات امتلاك المقدرات الفكرية اللاخطية من جهة ومستويات الحاجة والتوظيف الفعلي لها من جهة أخرى، يؤشر أن تحديد الأوزان التي تعطي إلى المنهج اللاخطي يكون في ضوء ما تفرضه المقدرات والمبادرات الذاتية والفردية لما متاح من أعضاء هيئات التدريس الجامعية اكثر من ان يكون على أساس مبرمج وموحد وشامل بحيث يعكس الاحتياجات الميدانية الفعلية.

4.  إن درجات التباين البسيط نسبياً بين مستويات امتلاك الطاقة الفكرية اللاخطية في مقابل مستويات توظيفها الفعلي وفي مقابل مستويات الحاجة الفعلية لها وكما هو موضح في الفقرتين (2-3) المذكورتين آنفاً، يؤشر أن الأخطاء المحتملة من النوع الأول في الممارسات الميدانية للخريجين، إضافة إلى أن الأخطاء الناتجة عن محدودية المعرفة بالمنهجين الخطي واللاخطي، محدودة نسبياً.

التوصيات:

        رغم أن مستويات الأخطاء من النوع الأول بجانب تلك الناتجة، عن الجهل في المنهجين الخطي واللاخطي المحتملة في ممارسات الخريجين محدودية نسبياً كما هو موضح سلفاً، إلا أنها وعلى نطاق جيل كامل قد تكون نتائجها السلبية بأحجام تعيق بعض الشيء عمليات التنمية في الدول النامية المعنية، مما يتطلب إعطاء الموضوع المزيد من الاهتمام من القيادات الجامعية المعنية.

        وهنا تبرز أهمية تبني البرمجية الموحدة والشاملة في تحديد الأوزان المطلوب إعطاؤها للمنهج اللاخطي، إذ يمكن أن يتم ذلك من خلال تحديد مفردات ومصادر المساقات الجامعية، وكذلك من خلال اختيار وتسمية أعضاء هيئات التدريس، ومن خلال صياغة وبلورة أساليب إعطاء المحاضرات للطلبة وطرق التعامل معهم، بغية تحقيق أعلى درجة ممكنة من التناغم فيما بين هذه المتغيرات وفيما بينها وبين المسيرة الأشمل في العالم نحو إعطاء أوزان مناسبة لدور الطاقة الفكرية اللاخطية وعدم التمسك غير المبرر بأولوية دور الطاقة الفكرية الخطية كما جرى تقليدياً. فالتأكيد على الحوار العلمي وطرح البدائل واعتماد الشفافية والمرونة في التعامل مع المتغيرات البيئية ذات العلاقة في العملية التدريسية والتربوية الجامعية يمكن أن يساعد في تنمية ثقافة جامعية مناسبة لتوليد المزيد مما مطلوب من طاقات فكرية لا خطية مطلوبة لدى الأجيال الجديدة.

 

ملحق رقم (1)

نموذج استبانة مسح ميداني

 

        أعزائي القيادات الجامعية الكرام.

        أرجو التفضل بالإجابة على الأسئلة التالية حيث ستوظف إجاباتكم لأغراض البحث العلمي فقط وستعامل بالموضوعية والأمانة المعهودة في الأوساط الجامعية الرصينة.

س1:   ما هي مستوى اعتمادكم للمنهج اللاخطي عادة في أداء مهامهم الجامعية التعليمية، اشر إحدى الدرجات السبع التالية:

(1 – 2 – 3 – 4 - 5 – 6 - 7)

س2:   ما هو مستوى وجود كل من العوامل التالية في مجال مهامكم التعليمية الجامعية عادةً:

العوامل المستدعية

مستويات وجودها

1

2

3

4

5

6

7

حالة عدم التأكد

 

 

 

 

 

 

 

قلة السوابق

 

 

 

 

 

 

 

صعوبة التنبؤ

 

 

 

 

 

 

 

محدودية كم المعلومات المتاحة

 

 

 

 

 

 

 

محدودية دقة ووضوح المعلومات المتاحة

 

 

 

 

 

 

 

محدودية الوقت المتاح لأداء المهام

 

 

 

 

 

 

 

صعوبة المفاضلة بين البدائل المتاحة

 

 

 

 

 

 

 

س3:   ماذا تفضل في تنظيم (الكلية/ القسم العلمي) الذي ترأسه وفي العمل الذي تقوم به في مركزك القيادي الجامعي؟ يرجى تحديد تفضيلك بتأشير واحد من كل زوج من الأزواج التالية: أي اختيار أما (1أ)، أو (2أ)، وأما (1ب) أو (2ب)... وهكذا.

 

رقم الخيار

منهجية العمل

طرق حل المشاكل واتخاذ القرارات

طبيعة العمل

نوع ونمط التنظيم

1

- اعتماد النماذج والخطط

- استنباطي

- حل المشكلة عن طريقة تجزئتها وبعد ذلك تناول كل جزء على حده وبالتدرج مستخدماً المنطق

- دقيق تخصصي

- مفصل

- ذا طابع تنفيذي

- متكرر

- تنظيم هرمي

- محدد وثابت

2

- اعتماد التقديرات الموقفية التي تتزامن مع الظاهرة أو المشكلة المعنية.

- اعتماد التجدد وعدم التقيد بالسوابق

- استقرائي

- حل المشكلة عن طريق النظر إليها ككل متكامل والتفاعل معها بصورة إجمالية

- غير نمطي

- عام/ غير تخصصي

- وضع مسارات عامة

- مهام متغيرة ومتجددة

- تنظيم مرن وقابل للتغير بسهولة

 

س4:   ما هي مستويات وجود معوقات تنمية وتوظيف الطاقة الفكرية اللاخطية في بيئة عملك؟

المعيقات

مستويات الإعاقة

1

2

3

4

5

6

7

عدم استحسان الآخرين في الدائرة

 

 

 

 

 

 

 

التمسك بالبيروقراطية

 

 

 

 

 

 

 

عدم استحسان الجمهور

 

 

 

 

 

 

 

عدم استحسان القيادات

 

 

 

 

 

 

 

المداخلات البيئية

 

 

 

 

 

 

 

أخرى

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الهوامش:
.........................

* خبير تطوير المنظمات والقوى العاملة جامعة عمّان العربية للدراسات العلياالمملكة الأردنية الهاشمية

* ينظر الملحق رقم 1 نموذج استبانة المسح الميداني.

References: 

  1. Abrecht, Karl. Brain Power, Personnel Management Source, Vol. 56, Issue, 11, Nov. 2002, P. 38.

  2. Agor, H. Weston, Intuition in Organization: Leading and Managing productivity, Newbury park, sag, publication, Inc. 1989.

  3. Agor, H. Weston, The Logic of Intuition: How top executive make important Decisions, Organizational Dynamics, winter, 1986.

  4. Al-Araji, Asim, Developing University Leadership Decisions in Intuitive Perspective, Journal of Administration and Economics, Almostanseriah University – Baghdad, 1991.

  5. Al-Araji, Asim, The Logic of Intuitive Decision Making: A Perspective in Developing Countries, Indian Journal of Public Administration, Vol.XLI, No.2, April/ June 1995. 

  6. Andrew, Alex. M. The decade of the brain further thoughts, Kybernetes, Vol. 26. No. 3, 1997, PP. 255-264.

  7. Anthony, W. et al., Picturing the future: using mental Imagery to Enrich Strategic Environment of Assessment, Academy of management executive, Vol. 7, No. 2, 1993, PP. 43-55.

  8. Battro, Antonio, M., Half A Brain is Enough: the story of Nico, Cambridge University press, 2000.

  9. Coulson, S. Lovett, C. Handedness hemispheric asymmetries, and comprehension, Cognitive Brain Research, 2004, PP. 275-288.

  10. Daneke, Gregory, A., A science of public administration? Public administration review, May, June, 1990, PP. 383-389.

  11. Drucker, Peter, Post – capitalist Society, Butterworth, Heinemann, 1993.

  12. Hellige, J. B. All the kings horses and all the kings men: putting the brain back together again: current directions in Psychological science, 2000, PP. 21-25.

  13. Hugdahli, K. & Davidson, R., The Asymmetrical Brain, MIT, Press, (A Brad ford Book) 2002.

  14. Huntington, Samul P., Political Development and political Decay, world Politics. Vol. XV11, No. 3. April, 1965.

  15. Jensen, E. Brain – Based Learning and teaching, sanding, CA., Turning point 1995.

  16. Kied, Douglas, L. Managing chaos and complexity in Government, A new Paradigm of Managing change, innovation, and Organizational renewal, Jassy- Bass Pub, San Francisco, 1994.

  17. McCrone, John, Right Brain or left Brain Myth or Reality, the New scientist RBI Limited 2000. P. 17.

  18. Muhammad, Faqir, Public Administration: Prevailing Perception and Priorities, International Review of Administrative Science, Vol. 45, No. 1, 1988, PP. 3-36.

  19. Pinchot, G& Pinchot, E. The End of Bureaucracy and the Rise of the Intelligent Organization San Francisco, CA. Berrett, Koehler, 1994.

  20. Pink, Daniel H. A whole New Mind: Moving from the information age to the Conceptual Age. Riverhead Hardcover, 2005.

  21. Riggs, Fred W (ed.) Frontiers of development Administration, Duke University Press Baltimore 1970.

  22. Rostow, WW. The stages of Economic Growth: A non- Communist Manifesto, Cambridge University Press Cambridge 1990.

  23. Senge, P. M. The Fifth Displine: The Art and Practice of the Learning Organization, New York, Doubleday, 1990.

  24. Sherman, S. Leaders Learn to Head the Voice within Fortune Magazine, Aug, 22, 1994, PP. 92-100.

  25. Stewart, T.A. Getting Real About Brain Power Fortune Magazine, Nov. 27, 1995, PP. 201-205.

  26. Waterston, Albert A. Development Planning: lesson of Experience, Bultimore, Md. Johns Hopkins University Press 1988.

  27. Webster, Gordon, Whole – Brain Project management for all, Industrial and commercial training, Vol. 26. No. 11. 1994, PP. 22-31.

  28. World Bank, Trends in Developing Economies, By the international Bank for reconstruction and development, New York, 2005-2006.

  29. Zilibotti, F. A Rostovian Model of Endogenous Growth and under development traps, European E economic Review, Vol. XXX1X, 1995, PP. 1569-1602.