الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

 السبت: 24/01/2009

    

تطبيقات نظرية الفوضى في المنظمة

أ.م. أسيل حمدي عثمان

 

يظهر في ظل العولمة واقتصاد اللاتأكد التحدي في أن تكون قائدا لمنظمة. فما المطلوب من القائد لتنظيم نفسه والعاملين معه وتحفيزهم؟ يواجه معظم المديرين اليوم تحديات مثل تحسين المبيعات وتقليل التكاليف وتطوير خدمة الزبون، وفي الوقت نفسه الابقاء على العاملين بإنتاجية عالية في بيئة منظمية يظهر بها اللاتأكد داخليا وخارجياً. ففي الأوقات العصبية، على المدير أن يركز على المستقبل والرؤية وتميع الفريق في تقويته. إذن، ما علاقة إدارة الفوضى بما سبق؟ الآتي سيوضح ذلك.

نظرية الفوضى Chaos Theory:

وهي نظرية مثيرة للجدل ومعقدة بشكل كبير. تمت استعارتها في عالم الإدارة من حقول الفيزياء والرياضيات. والهدف منها هو التعامل مع هياكل الاضطراب والنظم المعقدة وغير المتوقعة.

ظهرت كلمة Chaos وتلفظ keios استنادا إلى قاموس اوكسفورد في عام 700 ق.م. وكان الشاعر الاغريقي هيود اول من أطلقها. في البدء، كانت chaos تعني لا شيء سوى الخلاء والفراغ غير المحدود، حيث كانت الكلمة تعبر عن خاصة الفوضى غير المرغوبة.

وتعرف في المعاجم بأنها الاضطراب أو الاهتياج. أما المراجع العلمية فتعرفها على أنها العشوائية غير المرغوبة. وقد عبر المؤرخ والكاتب الامريكي هنري أدافر عن المعنى العلمي chaos بقوله (الشواش غالبا ما يولد الحياة، بينما النظام يولد العادة).

جاءت جذور نظرية الفوضى في أعمال Edward Lorenz. وهو عالم أرصاد جوية. كان يقوم بمحاكاة أنماط الطقس على الحاسوب. وقد كان حاسوبه بذاكرة محدودة. وبعد إكماله لإنموذج معين، أراد أن يغطي جميع البيانات التي لم تستوعبها ذاكرة حاسوبه فاستخدم القيم بثلاثة أرقام بدلا من ستة أرقام، وقد كانت المفاجأة أن النتائج كانت مختلفة تماما مما أظهره حاسوبه من قبل. وظهرت الرسوم بشكل الفراشة. ومن هنا جاء هذا المصطلح (تأثير الفراشة Butterfly Effect) والذي يشير إلى التعقيد غير المتوقع. ففي النظم الفوضوية مثل المناخ العالمي والاضطراب بالغ الصغر ي النظام قد يقود إلى تغييرات كبيرة في النظام ككل، أي أن المقدمات البسيطة قد تعود إلى سلوك معقد. فنظرياً من المحتمل أن الارتفاع الطفيف في الحرارة في البحر على شواطئ بيرو Peru يشكل تغييرات طفيفة في الهواء الذي يقود إلى تغيير المناخ في شمال أمريكا وأوربا.

استفاد من هذه النظرية العالم العربي محمد النشائي في تحديد قيم الثوابت الطبيعية في الكون. يقول النشائي عن نظريته "أنها مساهمة في إعادة اكتشاف علم قديم اسمه (الفوضى المحدودة). وباختصار ما تراه فوضويا له قوانين ويمكن التنبؤ بتطوراته في حدود معينة، في حين أن هناك أشياء لا يمكن التنبؤ بها، وهذا ليس عجزا منا، ولكن لأنها مصممة بحيث لا يمكن التنبؤ بها. فالفوضى تشتمل على النظام والنظام يتضمن الفوضى داخله. ولكي يوجد عقل يستوعب كل هذا لا بد أن يكون بحجم الكون نفسه لكي يتطابق معه، أي لكي يضعه في عقله".

للنظرية علاقة بالإجراءات الطبيعية التي يعبر عنها معادلات رياضية لا يمكن حلها إلا من خلال الحاسوب. ويعبر عن النظم الفوضوية بمعادلات غير خطية يظهر فيها أن التغير البسيط في عامل يمكن أن يؤدي إلى تأثير غير متناسب وأحياناً كارثي في العوامل الأخرى. إن المعادلات غير الخطية تُظهر الثغرات والتعقدات وكل أنواع الاضطراب.

ومن سمات نظرية الفوضى:

1.  التحسس للأوضاع الأولية.

2.  عدم الغاء الوقت Time irreversibility

3.  تأثيرات غريبة.

4.  صيغ صغيرة.

5.  التشعب.

 

نظرية الفوضى في المنظمة:

تكمن جاذبية نظرية الفوضى في فكرة أن المنظمات نظم معقدة التكيف، ولها مسؤوليات مشابهة لتلك التي تظهر في الطبيعة من حيث مراحل مختلفة في الاستقرار والفوضى، وعلى المدير أن يكون يقظا في تحقيق ميزة من هذا التعقد.

يعتقد المنظرون في الإدارة أن المنظمات هي منظم ديناميكية غير خطية. ولها سمات الظواهر الطبيعية نفسها من حيث التعقد وعدم التوقع. ولكي يتمكن المدير من تهيئة المنظمة لتغير متوقع وباستمرار، عليه مشاركة العاملين لخلق المستقبل، والفائدة هي الحصول على مواهب الأفراد العاملين للوصول إلى إيجاد الحلول التي تأتي بفائدة للزبائن. فهنا تدور القيادة كلها حول خلق التغيير. فعلى المدير أن يحدد ما هو المرغوب إنجازه؟ أي تكون لديه رؤية واضحة. مثال ذلك تقليل وقت التسويق 25%، ون الضروري لنجاح الرؤية أن يتحرى المدير عن رؤيته باستمرار بوضوح ومباشرة مع العاملين، وذلك ليسهل عليهم استنباط قيمة هذه الرؤية ودورهم في تحقيق النجاح إذ أن خلق الفريق من خلال مشاركة العاملين بمشاكل المنظمة هو الذي يحقق النجاح.

يحقق تفويض الصلاحيات الافتراض الضمني أن القائد وحده الذي يعطي القوة للأفراد، ولكن الواقع يقول أن العاملين هم أقوياء بأنفسهم ودور القائد هو تجنيد قوتهم لتحقيق الرؤية المستقبلية للمنظمة، وعلى القائد أن يجهز الفريق بموارد النجاح مثل المعلومات ومعايير صنع القرار وحسابات واضحة وأدوات العمل والمكان. وعلى القائد أيضا البقاء بالقرب من الفريق وتحديد الصعوبات التي يواجهونها وتأطيرها أو تحجيمها. وإن البقاء بالقرب من الفريق لا يعني مراقبة العمل بل يعني وضع كل الفريق على الطريق الصحيح لتحقيق النجاح. ون المهم استغلال جميع الفرص لتقييم أداء الفريق ومكافأته على تحقيقه إضافة القيمة للزبون.

وبالرغم من صعوبة توقع مخرجات النظام على المدى البعيد إلا أن التعامل مع التغيرات يوميا، وبكفاءة سيؤدي إلى نتائج ناجحة. إن وظيفة الإدارة هي إزالة الفوضى والتعقيد، فإذا لم يستطع المدير السيطرة على أي شيء وانعدمت قدرته على فرض النظام، فهل هناك مجال للإدارة؟ وهل هناك ضرورة للمدير؟ إن المدير الناجح سيخطط للتغيرات المتوقعة في البيئة. وإن هدفه لن يقتصر على مجموعة نتائج، بل على سلسلة سيناريوهات احتمالية، يستطيع من خلالها إيجاد رد فعل سريع بوقت قصير مستقبلاً. وكمثال على أن التغير الصغير قد يقود إلى تغيرات كبيرة في المجتمع ككل، ما حصل مع شركة IBM للحاسبات. ففي سنة 1980، كانت شركة IBM إحدى أهم الشركات العملاقة في العالم في مجال الحواسيب، رأت الشركة أنه قد يكون هناك سوق للحاسبات الشخصية لوجود مبيعات جيدة لشركات Apple وAtari وشركات صغيرة أخرى.

وقبل أن تقدم شركة IBM منتجاتها من الحاسبات الشخصية، احتاجت إلى نظام جديد لتشغيل الاسطوانة new disk operating system، لأن النظام الذي لديها مصمم للحاسبات الكبيرة.

وللبحث عن نظام التشغيل الجديد وصلت إلى اتفاقية مع (بيل غيتس) الذي كان يملك شركة صغرة لنظم التشغيل DOS. قام غيتس بالاتفاق مع شركة IBM للحصول على حقوق الملكية على كل نظام DOS تم بيعه. وافقت شركة IBM اعتمادا على أنه لن يتم بيع الكثير من الحاسبات الشخصية. وماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبحت مايكروسوفت (شركة بيل غيتس) إحدى الشركات الكبرى في العالم، وحققت شركة IBM خسائر كبيرة غير متوقعة، فضلا عن خسارة موقعها كشركة كبيرة ومسيطرة على السوق.

ومن الشركات التي طبقت نظرية الفوضى في الإدارة هي شركة W. L. Gore، وهي شركة تصنيع المواد ذات التقنية العالية والمنتجات الجراحية المتطورة في مجالها من خلال الهندسة المتقدمة. يقول مديرو الشركة عن شركتهم: أنها بيئة فوضوية تماماً ولا يسيطر مفهوم الإدارة فيها وهم لا يحبون كلمة (مدير) ومبدؤهم (استغن عن الإدارة وتخلص من جميع الموظفين)، إنها ثقافة الشركة التي أثبتت بعد مرور 50 عاماً على تأسيس الشركة أنها ثقافة ناجحة.

فالتسلسل الوظيفي في الشركة يكاد يكون مستوياً تماماً، ولا يوجد من يأمر أي شخص بأداء أي عمل، ويتم الوصول إلى القرارات عن طريق الاتفاق، وليس عن طريق الأوامر العليا من خلال عملية ديمقراطية، وليس عن طريق التعيين من الأعلى، ويعد تقييم الزملاء مهماً من حيث مستويات الرواتب والتقدم الوظيفي. أما دوائر الأعمال وأقسامها فلن يسمح لها أن تنمو فوق الحد. وبمجرد أن يصل القسم إلى حجم معين فإنه يقسم إلى اثنين، ويظل الروتين في حده الأدنى، والفرق تنظم نفسها ذاتياً.

وعلى المدير أن يقنع الآخرين بأفكاره، ويشرح المنطق الذي يستند إليه قراره. أي أن تنظيم شركة W. L. Gore أساس البناء على منطق شبه ديمقراطي. ومن خلال رؤية أولية مفادها أن أي شخص يساهم في نمو الشركة، وإن أي شخص هو مساهم في الشركة، أي إنها شراكة. وقد اتبعت شركات Google وSemco وWhole Foods هذه السياسة. ولكن يجب القول أن التسلسل الاداري الافقي يمكن أن يكون مربكا للمديرين التنفيذيين، فحين تتشكل الفرق وتندفع من كل مكان، فإن الوضع سيكون فوضوياً للغاية، فهل لدى القادة الجرأة على التعامل مع هذا الوضع؟ على المدير أن يكون لديه الاستعداد للتخلي عن سلطته، ولكن بالنسبة لكثير من الناس يعد التنازل عن السلطة أمراً مخيفاً.

إذاً مما سبق نخلص إلى أن جميع المنظمات البشرية هي عبارة عن نظم تحدث فيها تغيرات، وفي خضم هذه التغيرات التكنولوجية الحالية ونظام العولمة، يجب على المنظمة أن يكون لديها المرونة لمواكبة هذه التيغرات من خلال الرغبة في تعلم أشياء جديدة وعدم التمسك بالآراء المسبقة، وإنما الانفتاح على افتراضات جديدة. فما كان مناسباً للماضي قد لا يكون مناسبا للمستقبل. لذلك، من الضروري الاستمرار بالتعلم، أي تكون المنظمة تعلمية، فالبيئة تتغير باستمرار بكل أبعادها وتجبر المنظمة على أن يكون لديها رد فعل تجاه هذه التغيرات من خلال تحديد استراتيجيات البقاء التي يجب تطويرها باستمرار استجابة للمتغيرات في الظروف البيئية.

يمكن تلخيص نظرية النظام System Theory في ظل نظرية الفوضى بالآتي:

- يوجد اتصال بين أجزاء النظام بعضها مع البعض الآخر.

- للنظام بيئة، يكون أحد أجزاء النظام في الأقل متصل بها.

- تتغير النظام باستمرار.

- لا يمكن التنبؤ بسلوك النظام من سلوك أجزائه.

- جميع النظم لها السمات نفسها.

- ليس من الممكن للمديرين السيطرة على ما يحدث للنظام.

- تكون المنظمة المتدهورة خاملة وتضمحل حتى أنظمتها الفردية.

- تشكل كثرة الرقابة عائقاً أمام الابداع والانتاجية.

- تعمل المنظمة ككل بشكل مختلف عن أجزائها.

- لا تستطيع الاجزاء متفرقة أن تعمل ما تعمله المنظمة ككل.

- المنظمات الكفوءة لديها شبكة اتصالات واسعة.

- كل جزء له دور خاص، ومجموع الأجزاء تؤدي إلى العمل الكلي.

- تتأثر النماذج الفكرية عن البيئة المحيطة للمنظمة بالافتراضات الشخصية عما نفهمه تجاه البيئة ورد الفعل إزاءها والتي قد تكون خاطئة أحيانا.

- يتطلب العمل مع الآخرين معرفة أن الآخرين لديهم نماذج فكرية مختلفة وعلى المدير بناء رؤية عامة مشتركة مع العاملين في البيئة والأهداف المرغوبة.

- لا يوجد شيء ثابت، فالأمور تتغير باستمرار (أي أن التغير المستمر هو الثابت الوحيد).

- تكون العلاقات بين العناصر في النظام المعقد قصيرة المدى. ولكن المعلومات التي تمر خلال النظام تكون متبادلة ومحدثة.

- الحدث الصغير قد يكون له تأثيرات كبيرة، أو لا يؤثر على الاطلاق.

- الطاقة والمعلومات هي مدخلات ومخرجات ثابتة لأي نظام، لذلك فإن أي نظام في حالة تدفق مستمر في محاولة للوصول إلى حالة التوازن.

- الأجزاء لا تحتوي الكل.

- أية منظمة معقدة وأجزاء النظام تجعل النظام معقداً.

- كل نظام قابل للتكيف، لذا فالمنظمة تتغير.

- لا يمكن توقع المستقبل.

-يمكن التنبؤ بالمستقبل بوضع عدة خطط وسيناريوهات؛ أي يمكن وضع خطة للاحتمالات المختلفة، ولكن لا يمكن معرفة أي منها سيتم استخدامه على وجه التأكيد.

وتبدو معظم المشاكل معقدة بسبب تداخل عدد من العوامل غالبا، لأن النظام مهيكل بطريقة معينة استنادا إلى ما جرى في الماضي. وإذا نظرنا للأمور من وجهة (السبب والأثر) فلا تستطيع ملاحظة الأسباب الحقيقية، ومن ثم، لا يمكن تقديم الحلول المناسبة، ولكن باستخدام التفكير المنظم System Thinking، تستطيع تحديد المشاكل الفعلية والحلول المنطقية لها.

 


 

المصادر
.......................................

1. Has Chaos theory found any useful application in the social sciences, Allison Brown.

http://people.brandeis.educ/

2. نظرية الفوضى في قيادة الأعمال، صحيفة الاقتصادية الألكترونية، 2008:

www.aleqt.com

3. نظرية الكارثة، رينيه ثوم، ملتقيات الصداقة الثقافية، 2008.

www.alsdaqa.com

4. نظرية الفوضى Chaos theory 2006.

www.haythoo.net

5. Chaos, Conflict and courage.

www.tacticalpartnership.com.au

p 1-6

6. Bringing your firm through chaos, a real measure of leaders success.

Mimi Baclilek. 2008

democralchronicle.com

7. What is chaos and complexity

Mark Hillon, 2000

www.horsesenseatwork.com

8. Chaos Theory

www.answers.com

9. محمد النشائي ونظرية الفوضى

http://lit.ches-ua.edu

www.sis.gov.eg/ar/pub