الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

 السبت: 3/1/2009

 

ترويج قضايا الخصخصـة

(تجارب عالمية) /1

 

 

د. نحمده عبد الحميد ثابت(*)

 

 

المقــدمـة:

       يعدّ موضوع الخصخصة أحد الموضوعات المهمة على المستوى العالمي، سواء من الناحية الإدارية أو الاقتصادية، نظراً للركود الاقتصادي العالمي، ومعاناة الدول النامية بوجه خاص من التضخم الركودي stagflation ، ولجوء الدول المتقدمة للتضافر فيما بينها لتدعيم مصالحها الاقتصادية بالعديد من الاتفاقيات الدولية مثل الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)، لفتح الأسواق العالمية للتصدير من الدول المتقدمة، وتحديد المواصفات العامة للجودة (ISO) كشرط أمام الدول النامية لتصدير المنتجات المصنعة للدول الأوربية والأمريكية،واتفاقية بازل للرقابة المصرفية.

ومع التسليم بدور هذه الاتفاقيات، في تطوير الاقتصاد الدولي، إلا أن الدول النامية تبقى في هذا المعترك كمصدر للمواد الخام، وسوق للمنتجات المصنعة، ومع معاناة الدول النامية من العجز في الموازنات العامة، وتراكم الديون الخارجية، وتزايد البطالة، وضعف التصدير، وزيادة وارداتها، تصبح جهود الخصخصة حينئذ جهداً مكمماً ومكتوما، في تفعيل التنمية الاقتصادية، وتدعيم العدالة الاجتماعية وتصبح البيئة الاقتصادية والاجتماعية غير مواتية لكي تؤتي الخصخصة ثمارها الإيجابية، في وقت أصبحت الخصخصة لزاماً على الدول النامية كأحد الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي تمهيداً لعملية إعادة جدولة ديونها طبقاً للقواعد المعروفة لنادي باريس ونادي لندن، وكأهم الحلول المطروحة على المستوى العالمي لعلاج أوجه الخلل في الهياكل الاقتصادية وللارتقاء بمستويات الكفاءة والأداء، وهو ما يؤخذ به في كثير من دول العالم، على اختلاف مستوى تقدمها الاقتصادي،وتفاوت النظم المتبعة لديها.

وليس ثمة خلاف في أن عملية الخصخصة ليست بالأمر اليسير ولا يمكن إنجازها في عجالة، مهما بلغ مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي أو التطور الإداري، فهي عملية معقدة وذات أبعاد وآثار سياسية واقتصادية واجتماعية، وتشريعية، ويجب أن تؤخذ الظروف والمتغيرات البيئية الوطنية بعين الاعتبار عند رسم استراتيجية الخصخصة، وإعداد برنامجها التنفيذي، وهناك قناعة عالمية بأن تجارب الخصخصة لا يمكن نقلها بحذافيرها من دولة إلى إخرى، لذا تبقى التجارب والخبرات العالمية دروساً واعدة بالاستفادة منها في ضبط وتوجيه برامج الخصخصة في المستقبل.

أهمية الترويج لقضايا الخصخصة في الدول النامية:

1- تكتنف فكرة الخصخصة في الدول النامية شكوك كثيرة في جدواها بالنسبة لمحدودي ومعدومي الدخل، حيث يسود تصور عام وفهم شائع أن الخصخصة تعني بصورة مباشرة زيادة الأسعار وأن ترفع الدولة يدها عن التوجهات الاجتماعية المعتبرة في رسم وتنفيذ السياسات الاقتصادية والإصلاحات الهيكلية، لذا بات الترويج لقضايا الخصخصة أمراً جد ضروري، لتصحيح الإفهام الخاطئة، ولتوضيح الصورة الصحيحة.

2- تعاني معظم الدول النامية من ضعف هياكلها الاقتصادية، ومعاناتها من مشاكل تعاظم الديون الخارجية، وارتفاع نسب البطالة، وانتشار البطالة المقنعة، وضآلة نشاط البحوث والتطوير في مشروعاتها الصناعية، وارتفاع نسب الأمية، وانخفاض مستويات الادخار والاستثمار المحلي، وضعف البنية الأساسية، وكلها مشاكل متراكمة ومعقدة، وإذ ذاك فإن السير في طريق الخصخصة هو أمر محفوف بالمخاطر بالنسبة للدول النامية، رغم حتميته، لذا فإن الأمر يحتاج إلى الترويج لقضايا الخصخصة لتهيئة المواطن لاستقبال كل مرحلة من مراحل الخصخصة في إطارها الصحيح.

3- أن الترويج ينطوي على عملية اتصال إقناعي يستهدف التأثير على القطاع السوقي المستهدف، بقصد استمالة استجابات سلوكية معينة، ونحتاج في كل مراحل برنامج الخصخصة إلى جهد ترويجي لإحداث هذا التأثير، وكذلك لملاحظة ردود الفعل التي تنعكس على برنامج الخصخصة، حتى يمكن استقباله والتعامل معه، وإحداث تأثير إيجابي ومرغوب في الوقت المناسب، وليس أن تُترك الأمور على عواهنها.

4- تمثل قضايا الخصخصة قضايا خلافية واسعة الجدل بين أطراف ووجهات نظر متعددة ومتباينة (المواطنون، المستثمرون الأجانب، المستثمرون المحليون، مجالس إدارات الشركات، العاملون، الحكومة،البنوك،  المجالس النيابية والتشريعية....إلخ)، لذا فإن احتمالات التشويش وإثارة الخلافات والجدل والاعتراضات والقلاقل حول كل مرحلة من مراحل برنامج الخصخصة هو أمر غالب، لذا نحتاج إلى بذل جهود ترويجية عالية ، درءاً للشائعات ولإحداث تهيئة مناسبة لاستقبال كل مرحلة من المراحل استقبالا مناسباً،فضلاً عن أهمية توصيل رسالة صحيحة للقطاع السوقي المستهدف بالترويج، مع إحداث تهيئة عامة لدى المواطنين المترقبين لما تحدثه الحكومة من تغييرات فيما يمس شغاف حياتهم.

وعلى سبيل المثال، فإن قضية تملك الأجانب للأصول المعروضة للبيع وجذب الاستثمار الأجنبي، تحتاج إلى جهد ترويجي كبير لتوصيل صورة صادقة، وإحداث استجابات سلوكية مرغوبة من المستثمر الأجنبي للاستثمار في دولة نامية، بينما يرى المواطنون في ذلك تفضيلاً للأجنبي على حقوق المواطنة، فكيف يمكن إحداث شفافية وتأثير إيجابي قوي، وبيان أن المستثمر الأجنبي إذا أحسنا اختياره وترغيبه يأتي ومعه استثمارات مالية مباشرة، وتكنولوجيا حديثة، وأساليب إنتاجية وتسويقية وإدارية داعمة للتنمية الاقتصادية.

 

أهداف البحث:

  يسعى هذا البحث إلى تحقيق هدفين،هما:

1-  تقديم أهم الدراسات السابقة في الخصخصة، وبصفة خاصة تلك التي تتناول أو تشير إلى ما يتعلق بالترويج لقضايا الخصخصة، وإبراز التجارب السابقة في هذا الصدد، لدول مختلفة في توجهاتها الاقتصادية.

2-  تحديد أهم عوامل النجاح الأساسية في الترويج لقضايا الخصخصة، مع بيان كيفية الاستفادة منها بالنسبة للاقتصاد المصري.

 

المبحث الأول

إستراتيجية الخصخصة

 المفهوم، ومقومات الفعالية:

1/1 الخصخصة .. ما هي؟ ..  ولماذا؟        

الخصخصة Privatization هي مجموعة من السياسات المتكاملة التي تستهدف التحويل بشكل جزئي أو كلي لمؤسسات إنتاجية أو خدمية تملكها الدولة إلى القطاع الخاص، لتفعيل آليات السوق وتحقيق الميزات التنافسية، والاستفادة بمبادرات القطاع الخاص، من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

ولا تقتصر الخصخصة على مجرد البيع الجزئي أو الكلي لوحدات مملوكة للدولة إلى القطاع الخاص، وإنما هي رؤية متكاملة للتصحيحات الهيكلية ولكيفية إدارة الاقتصاد القومي بكفاءة أعلى وبفعالية أكبر، لكونها تشمل ثلاثة مستويات متداخلة ومعقدة لعملية الخصخصة (عفيفي، 1993: 5 –  6&Guislain, 1997:10 – 12  )، وهي:

·  مستوى المؤسسة.

·  مستوى القطاع الاقتصادي أو الصناعة.

·  مستوى الاقتصاد الوطني ككل.

والترابط العضوي بين هذه المستويات الثلاثة، يستوجب وجود انسجام وتناغم فيما بين السياسات المتبعة فيها، ودون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالاً تلقائياً من مستوى معين إلى مستوى آخر، خاصة فيما يتعلق بمجالات نقل قرارات الاستثمار إلى القطاع الخاص، ودرجة تحويل المخاطر إليه، وضمان عدم الرجوع عن قرارات الخصخصة.

بيد أن كثيراً من الخطوات المتسارعة التي تمت من قبل لتوسيع دائرة الخصخصة كانت ردود أفعال للأزمات المالية التي كانت تعاني منها الحكومات. مثلما حدث في بدايات الخصخصة في عقد الثمانينيات في شيلي (Tucker, 1998: 5 – 7) ، وكذلك في خصخصة شركة Nippon Telegraph and Telephon (NTT) في عام 1985 (Sueyoshi,1998:45 -61)، وكذلك مثلما يحدث في عدد من الدول النامية.

 (Dyck, 2001: 59 -65) حيث تصبح يد الخصخصة مغلولة في العمل لتفعيل المنافسة ودور القطاع الخاص في التنمية، كما تصبح الخصخصة رد فعل دون أن تكون استراتيجية.

وقد حدث ذلك إثر التدهور الكبير ا لذي طرأ على البيئة الاقتصادية العالمية، وما نجم عنه من مشكلات اقتصادية عامة، تواجه الدول النامية، مثل الانخفاض الشديد في أسعار السلع التصديرية، والصدمة البترولية، وتدهور معدلات التبادل التجاري في صالح الدول المتقدمة، وارتفاع أسعار الفائدة الدولية الاسمية والحقيقية، وانكماش التدفقات المالية، وتصاعد النزعة الحمائية في البلاد الصناعية بالإضافة إلى التباطؤ الملموس في معدلات النمو، مما أبرز الخصخصة كأسلوب للتصحيحات الهيكلية لإستعادة معدلات مقبولة ومعقولة للنمو الاقتصادي (النجار، 1988: 19).

وينبغي أن نشير إلى ضرورة تكامل برنامج الخصخصة مع توجهات التصحيحات الهيكلية للاقتصاد القومي (عاشور، 1996: 5 & هندي، 1995: 3 & (Coes,1998: 525- 532، لتوفير مناخ اقتصادي ملائم وآليات اقتصادية مساندة، حتى تؤتي الخصخصة ثمارها، إذ ليست الخصخصة هدفاً في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لزيادة كفاءة استخدام الموارد الاقتصادية بما يؤدي إلى زيادة معدلات التنمية الاقتصادية، وتفعيل قواعد العدالة الاجتماعية، حتى تتفرغ الدولة إلى أدوارها الأساسية التي يمكن أن تترك للقطاع الخاص مثل الدفاع والأمن وإدارة السياسات الاقتصادية الكلية.

وقد أظهر التحليل الاقتصادي للمشروعات العامة في العديد من دول العالم أن ملكية الدولة للمشروعات العامة أصبح عبئاً على مؤشرات النمو والبطالة والتضخم وحجم الدين الخارجي، والعجز في الموازنة العامة للدولة، والخلل فيميزان المدفوعات (عفيفي، 1993: 7 – 11& هندي، 1995: 3 – 6 &

Levac and Woldridge, 1997: 25 )   & Zahra and Hansen, 2000: 83-86).

وهذا هو مفتاح الإجابة على سؤال: لماذا.. الخصخصة؟ بعدما تبين أن مستوى الأداء الإجمالي للمشروعات العامة أقل من المستهدف في خطط التنمية لدى أغلب دول العالم، وأن كثيراً من هذه المشروعات يتصف بضخامة الخسائر وبتفاقم المشكلات، وبالمسئولية في أخفاق الاقتصاد القومي لدى العديد من البلدان عن تحقيق أهداف التنمية، وعدالة التوزيع، وإهدار ما تقدمه الدولة من دعم لهذه المشروعات بدافع كسب التأييد السياسي من الناخبين والجماهير، وقد أدى ذلك إلى استمرار التبعية الاقتصادية إثر زيادة حجم الديون الخارجية وتحقيق معظم المشروعات العامة لعائد سلبي أو عائد موجب يقترب إلى الصفر، في ظل هيكل اقتصادي كلي تشيع فيه المشرعات العامة،  وإذ ذاك تم اكتشاف الحقيقة المريرة، وهي أن العلاج يكمن في إزالة التشوهات الهيكلية للاقتصاد الكلي، وأغلبها معوقات تتعذر على الإصلاح، وتحتاج إلى المعالجة بصورة جذرية (النجار، 1988: 18 –30 &
Dyck, 2001: 58 -61 & Zahra, 1993: 319 –324& Zahra ,  2000 : 83– 86 ) ).

وقد توافق مع هذه الأحداث الاقتصادية ونتائجها في كثير من دول العالم، انتشار تيار جارف من خصخصة الشركات، ففي الفترة من 1980 وحتى عام 1992 تم خصخة أكثر من 15000 شركة منها 3800 عملية خصخصة في دول تقترض من البنك الدولي، 85% من هذه العمليات في اقتصاديات اشتراكية سابقاً، في كل من أوربا وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية، أما في عقد التسعينيات، فقد زاد عدد الشركات المخصخصة زيادة كبيرة عبر دول العالم، وأصبحت الخصخصة نهجاً يعم كل المناطق الجغرافية في العالم على اتساعها، واختلاف نوعيات القطاعات الاقتصادية التي تمت فيها (Zahra, 2000: 86).

ولا غرو أن السبق في الخصخصة كان من نصيب الدول الصناعية الكبرى، التي يغلب على اقتصادها الطابع الرأسمالي مثل انجلترا وفرنسا، رغبة منها في زيادة انتاجية إدارة شركاتها العامة، وبحثاً عن أساليب أكثر فعالية، أما في الدول النامية، فقد تبلورت الخصخصة نتيجة رد فعل منها للتخلص من مشروعاتها العامة الخاسرة، ولمراقبتها عن كثب لما يحدث في اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى (ماهر، 2002: 23، الحناوي، 1998: 19-21).

بيد أنه لم يثبت بعد أن مجرد التخصيصية أو تغيير الملكية سيؤدي بمفرده إلى تحسين الكفاءة في استخدام الموارد، وإدارة المؤسسات، ذلك أن لتشجيع القوى التنافسية في الأسواق، دور مماثل إن لم يكن أكبر
 86- 83   Zahra, 1999: 36-38 &Zahra, 2000:  &  نيليس وكيكيرى، 1988: 104 -105).

وتلك قضية أعقد كثيراً وتحتاج إلى وقت أطول مما يحتاجه مجرد تغيير المالك، إذ يتطلب ذلك تصحيحات هيكلية كبيرة على مستوى الاقتصاد الكلي، وتغييراً في السياسات المالية والنقدية، وكلها تستدعي تنفيذاً على مراحل وخطوات متسلسلة، بل وتحتاج إلى جهد غير عادي لترويجها في ظل مقاومة من أولئك الذين استفادوا من السياسات السابقة أو أولئك الذين ركنوا إلى ما اعتادوا أن يجدوه في المشروعات العامة من فوائد ومنافع، وهذا ما يدعونا إلى إعطاء أهمية خاصة لترويج عملية الخصخصة وكيفية حل المشكلات الترويجية التي تجابهها مقترنة بقضايا تقليل العمالة في الشركات محل الخصخصة، وتصحيح أوضاع الشركات الخاسرة، وإنشاء وتطوير سوق رأس المال النشط، وتحديد أساليب وطرق الخصخصة، وتقييم الشركات والأصول.

1-2 مقومات فعالية برنامج الخصخصة:

تتمثل مقومات فعالية برنامج الخصخصة في ضرورة التحليل الموقفي للظروف الاقتصادية والاجتماعية نحو الخصخصة، على مستوى الدولة، وعلى مستوى القطاع وعلى مستوى الشركة كأساس لتحديد الأهداف المطلوب تحقيقها، وكذلك للوقوف على طبيعة القيود والعقبات التي يمكن أن تواجه التنفيذ، ولكي يمكن تهيئة البيئة وتحديد الدعائم الأساسية للنجاح في الترويج لبرنامج الخصخصة، ثم يتم بعد ذلك تحديد خصائص المشروعات التي سيتضمنها برنامج الخصخصة، ثم اختيار الطريقة الملائمة للخصخصة (Zahra, 2001: 83-103 &Dyck, 2001: 59 – 84)، ثم نقوم بالجدولة الزمنية للطريقة الملائمة التي وقع الاختيار عليها.

1 /2/1 التحليل الموقفي للمحيط البيئي نحو الخصخصة:

فعملية الخصخصة، وبصفة خاصة في الدول النامية, وفي الدول التي عاشت زمناً طويلاً في الاشتراكية لا ينبغي أن تتوقف عند تحويل ملكية المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، وإنما يجب أن تكون جزءاً من التصحيحات الهيكلية في البنيان الاقتصادي والاجتماعي القومي، وأن تنطلق من التحليل الموقفي للمحيط البيئي الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي وللنظم التي تؤثر فيها كنقطة ارتكاز لتهيئة البيئة المناسبة لتنفيذ برامج الخصخصة.

ففي الدول النامية والدول التي يغلب على اقتصادها التوجه الاشتراكي، نجد أن عملية الخصخصة وتنفيذ برامج واسعة للإصلاح الاقتصادي، تواجه مصاعب كبيرة، حيث يصاحب عملية الخصخصة مشاكل تقليل العمالة Downsizing Manpower وزيادة الأعباء المالية على المواطنين، وانخفاض مستويات المعيشة، مما يجعل القبول الاجتماعي والسياسي للخصخصة في هذه الظروف محفوفاً بالمخاطر، بعدما تعود المجتمع استخدام سياسات إعادة توزيع الدخل باستخدام دعم الأسعار، وملكية الدول للقطاع العام لحماية المجتمع من شرور الاحتكارات الخاصة والتفاوت الشديد في توزيع الدخل(Zahra, 2001: 83 – 88 & Zahra and Others, 2000: 509 – 515 ) .

1/2/2 تحديد الأهداف من الخصخصة :

يعتبر الهدف أو الأهداف المنشودة من برنامج الخصخصة المعيار الأساسي، الذي به يتم تقييم فعالية البرنامج، وهو في نفس الوقت أساس المفاضلة بين الأساليب البديلة للخصخصة وأساس صياغة وتوجيه الحوافز إلى الخصخصة، في المحيط البيئي لها وتبين تجارب العديد من الدول أن الأهداف الأساسية للخصخصة تتركز في هدف رفع الكفاءة وتوسيع نطاق المنافسة وتحسين إدارة التنمية في الاقتصاد القومي، وهدف تقليل عجز الموازنة المالية للدولة، وهدف توسيع وتنويع قاعدة الملكية وتنمية المواطنة، ثم الأهداف السياسية.

وينبغي الحرص على المواءمة والتناسق بين أهداف البرنامج، حتى لا يحدث تعارض فيما بينها، وذلك بوضع سلم للأولويات بين هذه الأهداف، كما ينبغي أن نستقي أولويات هذه الأهداف في ظل التحليل الموقفي للمحيط البيئي نحو الخصخصة.

ففي هدف رفع الكفاءة وتوسيع نطاق المنافسة وتحسين إدارة التنمية في الاقتصاد القومي، في مجالات الانتاج والتسويق وإدارة الموارد البشرية والتمويل والاستثمار والتكنولوجيا، فإن ذلك تظهر آثاره في كمية الإنتاج وجودة الإنتاج، وفقاً لدرجة المنافسة، بيد أن ربط هذا الهدف بالتصدير، يُظهر الآثار الايجابية للخصخصة بصورة أفضل (Zahra & Hansen : 2000 : 100 – 103 ) ، ومن الممكن أن يتحقق في ذلك نجاحات أكبر، إذا تم إعطاء أولوية أو تيسير لصغار المستثمرين أو للعاملين بالمشروعات نفسها عند اكتتابهم في شراء المشروعات المعروضة للبيع.

ويمكن في الوقت نفسه استخدام كل أو بعض حصيلة البيع لإيجاد استثمارات جديدة، توفر فرص عمل متزايدة، ثم يتم بيع هذه الاستثمارات الجديدة للقطاع الخاص، ليتم تدوير هذه الاستثمارات مرة أخرى وفق أولويات الاستثمار التي تظهر في خطط الدولة، كما أن الحصيلة المتحققة من بيع المشروعات تساهم في زيادة قدرة الدولة على خدمة الديون الخارجية لمحاولة التخلص من التبعية الاقتصادية.

أما الأهداف السياسية فيناط بها الحد من استغلال المال العام للمصالح الشخصية، والحد من ضغوط النقابات العمالية التي لا تستند إلى حسابات التكلفة والعائد، بل وتضيف أساساً لعلاقة إيجابية بين العمال والإدارة (Cuervo & Villalonga, 2000: 581 – 586)

1/2/3 تحديد القيود والعقبات التي يمكن أن تواجه التنفيذ، وإمكانيات التغلب عليها:

فبرنامج الخصخصة يجب أن يأخذ في الحسبان القيود والعقبات التي يمكن أن تعوق الخصخصة، وهذه القيود غالباً ما تقبع في البيئة المحيطة، وتتمثل في المعارضة السياسية لفكرة أو أساليب التوسع في الخصخصة بدعوى الحفاظ على استقلالية الدولة، إلى جانب المعارضات التي تبديها نقابات العمال، وكذلك قيود الحاجة إلى تغيير الأنماط القيادية العليا في الشركات المخصخصة من الفكر الإداري التقليدي، إلى فكر القيادة التحويلية، وهو ما يحتاج إلى إحلال لقيادات عليا جديدة محل القيادات العليا التي عاشت زمناً بعيدة عن توجهات أسواق رأس المال ودورها في إدارة الشركات بفعالية كبيرة (Cuervo&Villalonga, 2000, 581– 585) .

بل إن (Johnson and others; 2000: 572 – 585)  يرون أن المراحل الأولى للخصخصة سوف تنزع بقدر كبير إلى أن تكون بفعل القيادات الإدارية والتأثير السياسي وتواجد تأثير قوي لنقابات العمال، تعديلاً بسيطاً لفكرة المؤسسات العامة، كما أن فكر المؤسسات العامة سوف يتواجد كذلك في المراحل التالية للتوجه الجديد للخصخصة، حتى تصقل تجارب الخصخصة أنماطاً وقواعد عمل جديدة تتلاءم مع فكر الخصخصة المتطور.

1/2/4 تحديد الدعائم والتوجهات الأساسية لنجاح الترويج  لبرنامج الخصخصة:

يحتاج الترويج لبرنامج الخصخصة إلى مجموعة من الأنشطة التسويقية التي تستخدم للاتصال بالمستهدفين بالترويج لبرنامج الخصخصة، وإمدادهم بالمعلومات، وإثارة اهتماماتهم بالبرنامج، وإقناعهم بقدرته على إشباع حاجاتهم وفهم رغباتهم، وذلك بهدف دفعهم إلى اتخاذ قرار بالتعامل معه ثم استمرار هذا التعامل بصورة إيجابية في المستقبل مع ملاحظة ردود الفعل التي تنعكس على طبيعة العلاقة ونوعيات وتأثير المحفزات للتعامل مع برنامج الخصخصة من الأطراف ذوي العلاقة جميعاً.

والترويج الفعال يدفع المستهدفين ببرنامج الخصخصة إلى قبول
البرنامج والتعامل الفعلي معه عبر مراحل مختلفة يطلق عليها الهرم الترويجي (Zikmund&Michael,1984)،وهي مبينة في الشكل التالي:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

1/2/5 تحديد خصائض المشروعات التي سيتضمنها برنامج الخصخصة:

       تختلف خصائص المشروعات التي سيشملها برنامج الخصخصة، وفقاً للظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للدولة، وبصفة خاصة قدرات وإمكانيات القطاع الخاص في الدولة، وتجدر الإشارة إلى أن تحديد هذه الخصائص سوف ينعكس على اختيار الطريقة المناسبة للخصخصة، وفي منظور معاصر لتجربة كندا، كانت خصائص المشروعات التي يسهل خصخصتها هي
((Levac and wookdridge ,1997:25-30:

أ‌- المشروعات التي تحقق قدراً من الربحية،أو تكشف بياناتها أن وضع التشغيل فيها بعد الخصخصة سيكون مطمئناً في تحقيق أرباح.

ب‌- نوعية المشروعات ومدى أهميتها من الناحية الاستراتيجية القومية، بما يحافظ على الأمن القومي.

جـ-  أن تكون المشروعات المقترح خصخصتها من قطاعات اقتصادية عديدة.

د- نوعية المشروعات بالنسبة لتطوير حياة المواطنين، وتوفير احتياجات حياتهم المباشرة، على أن يكون نصيب الدولة في رؤوس أموالها أقل.

 ووفقاً لهذه الخصائص قامت الحكومة الكندية بخصخصة الكثير من المشروعات بدءا من منتصف الثمانينيات في مجالات الكهرباء ومشروعات تجارة الترانزيت والنقل بالسكك الحديدية وكذلك الشركات القابضة في مجالات اقتصادية متعددة.

 وقد خصصت كندا وزارة خاصة لشؤون التخصيص لتقرر القطاعات الواجب تحويلها وتشرف على مراحل التحويل وتقدر أصول المرافق العامة الواجب تحويلها، وطرق بيعها إلى الشركات الخاصة.

 أما في تجربة كرواتيا حيث تم فيما بين عامي 1992، 1994م، وفي خلال ثلاث سنوات خصخصة ما يقرب من 85% من المشروعات العامة وقد كانت خصائص المشروعات التي يتم إدراجها إلى الخصخصة، تتمثل في الجوانب الآتية (Martin and Grbac, 1998:95-99):

أ‌-  المشروعات التي تعمل أو لديها استعداد أن تعمل بصورة تنافسية.

ب‌- المشروعات الصغيرة من حيث حجم العمالة، وهي في الاقتصاد الكرواتي التي لا يزيد عدد عمالها عن 250 عامل، أو المشروعات الكبيرة التي يسفر عن       خصخصتها حد أدنى من تخفيض العمالة.

جـ- المشروعات التي يتوقع لها - من خلال نتائج أعمالها- أن تتمتع باستقرار اقتصادي، وعدم التدهور في أسواقها أو في الطلب على منتجاتها.

د-  المشروعات التي لها شكل قانوني نظامي.

هـ- المشروعات التي يفضل مستهلكوا منتجاتها أو خدماتها أن يتم خصخصتها.

وفي بعض البلدان يوجد جو سياسي عام، يقبل ويشجع فكرة الخصخصة مثلما حدث في دول أوربا الشرقية (بولندا- تشيكوسلوفاكيا- هنغاريا)، وحيث الحكومات لا تواجه ضغوطاً سياسية ذات قيمة، مما جعل هذه الحكومات تخطو خطوات جدية وسريعة لبلورة الفكرة ووضعها موضع التطبيق.

حيث عاشت هذه الدول ردحاً طويلاً من الزمان كدول شيوعية، لذا وضعت بُعدين فحسب للحكم بخصخصة المشروع.

 (Park, 1998: 44-52 &Spicer and others , 200:630-640)

أ‌-  البعد الخارجي لعلاقات المشروع وانعكاسه على كل من الاقتصاد الكلي والمجتمع من حيث حجم المشروع ومساهمته في حل  مشاكل البطالة.

ب‌- البعد الداخلي للمشروع من حيث درجة كفاءته وفعاليته التشغيلية في الاندماج في المنافسة العالمية وقدرته على الصمود. 

وقد أنشأت كل من بولندا وتشيكوسلوفاكيا صناديق أسمتها Privatization Funds  ويساهم فيها كل المواطنين كل حسب ثروته على ألا تتعدى نسبة شراء الأسهم حداً معيناً (voucher System) وفي تشيكوسلوفاكيا يساهم في الخصخصة عدد كبير من المواطنين الممولين الذين قادوا الأنطلاقه الأولى في الخصخصة، أما في هنغاريا فقد سُمح للشركات الأجنبية أن تتملك الشركات الحكومية بنسبة 100% وكانت الدولة قد لجأت كلياً إلى القروض وا لاستثمارات الأجنبية.

وقد اتبعت دول أوربا الشرقية أسلوب الصدمة في الخصخصة أو ما يعرف بالتوجه الضخم إلى الخصخصة للتخلص من المشاكل المتراكمة إثر الاقتصاد الشيوعي.

وحتى تنهج نهجاً جديداً لنيل ثمار الخصخصة ولتحقيق دفعة قوية وسريعة للإصلاحات الاقتصادية القومية ، وعلى سبيل المثال فإن أكثر من 1800شركة في تشيكوسلوفاكيا قد تم خصخصتها في أقل من أربع سنوات أما في روسيا فإن أكثر من 1500 شركة متوسطة وصغيرة قد تم خصخصتها في سنتين.

أما في مصر، تسترشد الشركات القابضة في اختيار الشركات المرشحة للخصخصة بالمعايير التالية:

1-  تعطى الأولوية للشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تحقق أرباحاً وتعمل في أسواق تسودها المنافسة، ولا تحتاج إلى إعادة هيكلة جزئية كانت أو كلية. ويفضل أيضا عدم حاجة هذه الشركات إلى استثمارات لمعالجة أي تأثير ضار من نشاطها على البيئة.

2-  أن يكون الاستثمار في هذه الشركات ذا جدوى اقتصادية، ويحقق فائضاً في التدفقات النقدية، هذا بالإضافة إلى أن المؤشرات الأساسية تظهر قوة مراكزها المالية.

3-  أن يكون معدل العائد المحقق خلال السنوات القليلة السابقة للبيع مجزياً للمستثمرين، وأن تكون نسبة الديون إلى قاعدة الملكية مقبولة، كذلك يراعى أن تعكس المؤشرات المالية المعبرة عن استخدم الأموال والطاقات، كفاءة واضحة في التشغيل.

4-  أن تتمتع بيئة العمل لهذه الشركات بالاستقرار، فلا تتمتع بالاحتكار، وتعمل في سوق تتوافر فيه المنافسة.

5-  يجب ألا تكون الشركات المختارة متمتعة بأية مزايا خاصة منحتها لها الحكومة ويمكن أن تتوقف مستقبلاً.

6-  أن يكون حجم المشاكل الاجتماعية الموجودة في الشركة محدوداً وتتمتع بعلاقات عمالية طيبة ومستقرة.

  ومن هنا فإنه يمكن القول أن الصعوبات التي تواجه الخصخصة تندرج فيما يلي:

 صعوبات سياسية: حيث قد تثير الخصخصة خلافاً سياسياً بين الحكومة والمعارضة، وهذا ما يحدث كثيراً في الدول التي عاشت زمناً في كنف الرأسمالية، وغالباً ما تتضاءل هذه الصعوبات في الدول التي عاشت في كنف الشيوعية.

وقد قامت حكومة انجلترا باللجوء إلى فكرة السهم الذهبي (ماهر، 42:2002) للتخفيف من الصعوبات السياسية حيث تتمكن الحكومة من خلال هذا السهم الذهبي، حضور الجمعيات العمومية ويحق لها التصويت، كما يحق لها تعين ممثل في مجلس الإدارة (ليس من الموظفين العموميين، ولكن من رجال الأعمال) وقد يحق لها أحياناً الاعتراض في الأحوال الطارئة والخطيرة على بعض القرارات، إذ يكون السهم الذهبي هو عين الدولة داخل الشركات التي تم خصخصتها وتريد الدولة أن تستمر رقابتها على نشاطها.

ومن الصعوبات السياسية أيضاً  :

     ‌أ-  السرعة في التنفيذ: حيث تفضل الدول التي عاشت في كنف الرأسمالية أن التريث في الخصخصة يعطي نتائج أفضل، بينما تفضل الدول التي عاشت في الشيوعية أن يتم التحويل بأسلوب الصدمة، والخصخصة على نطاق واسع تخلصاً من الأعباء المالية والإدارية التي تثقل كاهل الدولة دونما نظر إلى الاعتبارات الاجتماعية بصورة جوهرية.

     ‌ب-  الســيادة والأمن القومي(Corrales, 1998:24-51)  حيث كانت ثمة معارضة قوية في الأرجنتين لخصخصة بعض القطاعات لتعلقها بالسيادة والأمن القومي مثل الصناعات الحربية، والنقل بالسكك الحديدية ولولا الدعم المباشر من رئيس الجمهورية وموافقة البرلمان وتوفيره للإطار القانوني للخصخصة لما تم خصخصة محطات الإذاعة وشركات الكهرباء والغاز والنقل بالسكك الحديدية والخدمات الهاتفية وشركة الطيران والمصارف المركزية في المقاطعات كما تم فتح الأبواب أمام الاستثمارات الأجنبية.

     ‌ج-  الجهات التي ترسو عليها عمليات البيع، والأسعار التي تباع بها المشروعات العامة.

ففي المكســيك (Ramirez, 1998:421-430) حيث سوق رأس المال مغلق، وهناك عدد قليل من الرأسماليين يحتكرون شراء المشروعات العامة، ولوجود مشاكل في تقييم المشروعات لجأ رئيس المكسيك إلى عقد اتفاقات كثيرة مع أمريكا وكندا لجذب الاستثمارات الأجنبية مع تحديد نسبة معينة لشراء الأسهم لا يمكن تجاوزها، إلى جانب المحاولات لتصحيح مشاكل تقييم المشروعات بهدف إبعاد شبهه الاحتكار عن عمليات الخصخصة.

· الصعوبات القانونية والتشريعية: حيث تحتاج عمليات الخصخصة إلى إلغاء بعض التشريعات القائمة، وتعديل البعض الآخر في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والمالية وخاصة فيما يتعلق  بجذب الاستثمارات الأجنبية وقوانين العمل والتأمينات الاجتماعية والضرائب.

·  الصعوبات الإدارية: وهي تنحصر في:

-  العقليات الإدارية التقليدية دون الاهتمام بتدعيم القيادات الإدارية التحويلية.

-  مقاومة المسئولين الإداريين لأفكار الخصخصة ودفعهم للنقابات العمالية للسير في نفس الاتجاه حرصاً على مصالحهم دون إعطاء الأولوية للمصلحة العامة.

-  العاملون غير المنتجين وانتشار البطالة المقنعة بوجود جيوش من العاملين الذين تتضاءل أحجام جهودهم ونتائجها لأن النظم الوظيفية توفر للعامل ضماناً كاملاً بصرف النظر عن نتيجة عمله.

· الصعوبات المالية: وهي تتعلق بكيفية تمويل الخصخصة فهل يتم ذلك بقروض داخلية وخارجية أم بجذب رؤوس الأموال الأجنبية وما هي الطرق المناسبة لظروف الدولة في تحويل المشروعات العامة إلى القطاع الخاص.

· صعوبات أخرى: مثل نوعية القطاع الذي ينتمي إليه المشروع، وحجم المشروع ذاته، وهيكل السوق الذي يعمل فيه المشروع، ومدى تهيئة البيئة المناسبة لتنفيذ برامج الخصخصة، وبوجه خاص البيئة الأساسية والأجهزة المساندة في الدولة وما تقدمه من خدمات.

1/2/6 اختيار الطريقة الملائمة للخصخصة:

 يرى (هندي، 1995: 20)،  أن اختيار الطريقة الملائمة للخصخصة، مقيد بمتغيرين هما: الهدف من الخصخصة، وخصائص المشروع الذي يتضمنه برنامج الخصخصة، من حيث تحليل بيئية المشروع بما فيها من فرص وتهديدات، ومستوى الأداء الداخلي بما فيه من نقاط قوة وضعف بحيث ينتهي البحث إلى طريقة إعادة التأهيل للمشروع في برنامج الخصخصة.

 فإذا كان الهدف من الخصخصة هو توسيع قاعدة الملكية الخاصة وتنمية المواطنة، وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، فقد يكون الإحلال Displacement  للقطاع الخاص محل دور الدولة في أداء النشاط هو أحد الطرق المناسبة للخصخصة على أن يتم ذلك بشكل تدريجي، وذلك مثلما يحدث في كثير من دول العالم في مجالات الصحة العامة، والتعليم وخدمات النظافة وتأمين الشركات (خدمات أمنية)، وخدمات الاستشارات القانونية والمحاسبية والاقتصادية، وإذا كان الهدف من الخصخصة هو الاستفادة من الخبرات التقنية والإدارية في الخارج فقد تكون عقود الإدارة طريقة مناسبة للخصخصة وذلك مثلما حدث في عقود الإدارة في الفنادق المصرية في منتصف الثمانينات، وإذا كان الهدف هو تحسين الكفاءة وكسب تعاون العاملين إلى جانب الإدارة،فإن بيع الشركة للعمال والإدارة قد تكون طريقة مناسبة.

أما من حيث خصائص المشروع الذي يُراد خصخصته فإن دراسة السوق والمتغيرات البيئية المحيطة، وتحليل نقاط القوة والضعف في أدائه، والتنبؤ بظروف المشروع مستقبلاً يعد مفتاحاً للوقوف على طريقة تأهيله المناسبة إلى الخصخصة بيد أنه لا ينبغي أن نغفل تحديد وتوضيح الخطوات التنفيذية للخصخصة مع وجود جدولة زمنية للخطوات المحددة.

وينبغي أن تنوه إلى أن الشركات التي يمكن أن تكون محلاً للخصخصة تندرج تحت إحدى المجموعات الثلاث التالية (الحناوي، 1998: 53، ماهر، 2002: 72-73):

أ‌-   شركات ناجحة، وتقدير مستقبلها يبشر بالاستمرار لها في النجاح،ويتوافر فيها مقومات جذب للمستثمرين، وأفضل طرق الخصخصة لها هي البيع بقدر ما يتوافر لها من مقومات الجذب.

ب‌-  شركات خاسرة، ولكن يمكن إعادة هيكلتها Restructuring وتأهيلها لتسير في طريق النجاح والربحية، وينبغي ألا يتم عرضها للبيع إلا بعد إعادة الهيكلة والتأهيل حتى تتحول إلى طريق الربحية ويتوافر فيها مقومات جذب المستثمرين.

جـ-  شركات خاسرة ومستقبلها يعد باستمرار الخسارة، وهذه مصيرها إلى التصفية.

 

المبحث الثاني: طرق الخصخصة

Methods of Privatization

للخصخصة طرق مختلفة، ولكل منها مزاياها وعيوبها، ويعتبر اختيار الطريقة المناسبة من أهم عناصر نجاح عملية الخصخصة، ويرى الباحث أن هذا الاختيار يتوقف بدوره على عدد من الاعتبارات، مثل أهداف الخصخصة، حجم الشركات التي سيتم خصخصتها، مدى تطور الأسواق المالية، خصائص المشترين والمستثمرين، التركيبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدولة من جهة، وطبيعة النشاط الذي تمارسه المؤسسات العامة التي يراد خصخصتها من جهة أخرى.

ويري ( Zahra,2000:86-88)أن ثمة استراتيجيات ثلاث رئيسية للخصخصة وهي:

·  الإنهاء الجزئي أو الكامل لملكية الدولة Full or Partial Divestment

·  العقود الإدارية Management Contracts   

·  امتياز الإيجار أو الإلزام Leases or Granting of Concessions  

       ويضيف (ماهر،117:2002) نقلاً عن (Sovas,E.S. 1982)  في كتابة
 Privatizing the Public Sector  الصادر عن Chattem House  الاستراتيجية الرابعة المستخدمة بصفة خاصة في الدول النامية وبعض الدول المتقدمة وهي الإحلال Displacement     

2/1  الاستراتيجية الأولى:

وهي الإنهاء الجزئي أو الكامل لملكية الدولة Full or Partial Divestment   وتتمثل في عدد من الاختيارات مثل:

* الاكتتاب العام: وذلك بأن تقوم الدولة بطرح أسهم المؤسسة العامة التي تنوي تحويل ملكيتها في السوق أو جزء منها للاكتتاب العام من قبل المساهمين، وهذه الطريقة كما يرى (Zahra, 2000:87)  هي الأكثر شيوعاً في عملية الخصخصة، ولهذه الطريقة متطلبان رئيسيان وهما:

أ-   أن تشكل المؤسسة المطروحة للبيع فرصة استثمارية مغرية للقطاع الخاص.

ب- أن تتواجد سوق مالية متطورة.

ولهذه الأسباب ربما يكون نجاح هذه الطريقة محدوداً بالنسبة لمعظم الدول النامية.

·   بيع المؤسسة العامة لإدارتها (لمديري المؤسسة): Management Buy Out ويمكن استعمال هذه الطريقة في المؤسسات الصغيرة أو المؤسسات التي لم يمض على قيامها وقت، يعطيها قبولاً عاماً لدى الجمهور والمستهلكين.

· البيع المباشر: حيث يمكن بيع المؤسسة العامة لشركة قائمة لها الرغبة في توسيع استثماراتها أو لمستثمر أو مجموعة من المستثمرين.

·  البيع للعاملين أو للعملاء وهي طريقة مستخدمة من المملكة المتحدة (Cragg and Dyck,1999) ، حيث بيعت بعض الشركات للعاملين وبيعت الأراضي المملوكة للدولة للمزارعين ولمربيى الماشية.

وقد يتم البيع لقاء قيام المشترين بأن يتحمل الديون الرأسمالية للشركة، فيتم إعطاؤهم الشركة هبة أو هدية Donation ليترك لهم أن ينتشلوها من مشاكلها التسويقية أو الإنتاجية أو العمالية التي تصرف نظر المشترين عن شرائها.

كما قد يتم تصفية الشركة حينما يحل بها العسر المالي الفني أو القانوني بصورة مستحكمة Technical Insolvency legal Insolvency فتبدو مفلسة ولا أمل في أن يتحسن حالها مستقبلاً، فينصرف عنها المشترون متشائمين من سوء أحوالها ومستقبلها فيتم تصفية أصول الشركة بالبيع Liquidation .

 

2/2 الاستراتيجية الثانية:

وتتمثل في العقود الإداريةManagement Contracts ، حيث يتم الإبقاء على ملكية الشركة، مع تحويل العمليات والأنشطة الإنتاجية والخدمية للقطاع الخاص أو شركات أجنبية للاستفادة من خبرات الشركات المتخصصة في الإدارة والتشغيل، وهو ما تم بإسناد كبرى الفنادق  المصرية إلى شركات أجنبية بعقود إدارة، للتخلص من خسائر التشغيل، ولتطوير أسلوب الإدارة فيها وهي طريقة مفضلة من حيث القدرة على إتمام الدولة لهذه النوعية من العقود بشروط تفاوضية جيدة، وفي نفس الوقت إتاحه الفرصة للشركات للاندماج والتعامل مع حقائق العولمة الاقتصادية والمنافسة المفتوحة (Zahra, 2000).

2/3 الاستراتيجية الثالثة:

هي امتياز الإيجار أو الإلزامLeases or Granting of  Concessions  فحق الامتياز هو حق تمنحه الدولة أو القطاع العام أو المؤسسة العامة، لاستغلال موارد معينة أو إنتاج سلعة أو بيعها أو أداء خدمة مقابل أن يدفع القطاع الخاص إيجاراً لهذا الحق، وقد ينصب حق الامتياز على إيجار الأصول المادية الملموسة المملوكة لمؤسسة عامة، وذلك بهدف إذكاء روح المنافسة بين القطاعين الحكومي والخاص، وإتاحة الفرصة  لتطوير السلع والخدمات المقدمة للمواطنين، مثلما حدث في إعطاء حق امتياز تشغيل مرافق الطاقة والمياه في كوت ديفوار وغينيا، والنقل البري في النيجر، وإدارة المواني في نيجيريا، وكذلك مثلما حدث لحق امتياز تشغيل مرفق الاتصالات والسكك الحديدية في الأرجنتين (Zahra, 2000:88-89).

وهناك أنواع خاصة من عقود الامتياز مثل:

أ‌-  أسلوب الإنشاء والتشغيل والتملك حيث تمنح الدولة القطاع الخاص المتعاقد حق تملك المشروع دون تحديد مدة، مقابل دفع مقابل حق الامتياز.

ب‌-  أسلوب الإنشاء والتشغيل والنقل حيث تمنح الدولة القطاع الخاص حق الامتياز لفترة زمنية محددة، لبناء وتشغيل مشروع، ثم ترجع أصوله عند نهاية فترة الامتياز إلى ملكية الدولة.

 ويستعمل هذا الأسلوب غالباً لتطوير مشروعات جديدة في البني التحتية من قبل القطاع الخاص، حيث لا يتوافر تمويل كاف لدى الدولة، في ظروف كبر حجم التمويل المطلوب مع الحاجة لتقديم خدمات ضرورية للمواطنين، كما يراد تخفيف الأعباء المالية عن الدولة، لتتفرغ لأعبائها السيادية الأساسية بفعالية أكبر.

وقد يتم إعطاء حق الامتياز بإلزام Granting or Mandate  بعض الشركات الخاصة أو الأفراد لتقديم منتجات معينة أو خدمات معينة لقطاعات جماهيرية لتحقيق بعض المكاسب الاجتماعية والسياسية مقابل المنح المالية التي تقدمها الدولة للقطاع الخاص لقاء هذه الأنشطة مثلما يحدث في بناء المساكن الشعبية في مصر أو الكوبونات Vouchers  أو Grantsالمخصصة للدعم للحصول على سلع استهلاكية معينة أو خدمات معينة أو إلزام الشركات الخاصة بدفـع مقـابل حصة الـدولة في التأمينـات عن العاملين لديها وقد يتم إجبار الشركات الخاصة على أن تؤمن لعامليها تأميناً صحياً أو تأميناً تقاعدياً لدى شركات التأمين الصحي أو الاجتماعي الخاصة مثلما حدث في التأمينات الاجتماعية عن الشركات الخاصة في شيلي (Zahra, 2000:89)

2/4 الاستراتيجية الرابعة:

وهي الإحلال Displacement وهي استراتيجية مستخدمة في الدولة النامية وبعض الدول المتقدمة، حينما تنصرف الدولة بتأثير الضغوط الاقتصادية والسياسية، عن تقديم خدمات معينة بإهمال تقديم هذه الخدمات أو السلع Default فتتقدم الشركات الخاصة لتقتنص نصيباً متزايداً بمرور الزمن للاستثمار في تقديم هذه السلع والخدمات بصورة أفضل لتحل محل الدولة في هذا الصدد مثلما يحدث في خدمات النوادي الرياضية وخدمات التعليم العام والتعليم الجامعي وخدمات النقل العام بين المحافظات في مصـر.

وقد يحدث نوع من التعايش الثنائي بين كل من القطاعين الحكومي والخاص في تقديم السلعة أو الخدمة للمواطنين Accomodation مثلما يحدث في تقديم الخدمات الصحية في مصر، سعياً لأداء خدمات صحية أفضل، ونوعاً من إعطاء  فرصة أكبر للمواطنين محدودي الدخل في الانتفاع بقدر أكبر من الخدمات الصحية الحكومية.

كما قد يحدث نوع من تنظيم العلاقة بين الأجهزة الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، بإعطاء فرصة أكبر للقطاع الخاص بتحمل بعض المسئوليات والأدوار التي تحتاج إلى وقت وجهد متخصص وذي تكلفة، على أن يتحمل المواطن تكلفة الانتفاع بهذه الخدمة ويتم ذلك من خلال الحد من أو إلغاء أو تعديل القوانين أو أدوار الأجهزة الحكوميةDeregulation مثلما حدث في مصر حينما تم إسناد مسئولية المراجعة الفنية النهائية للرسومات والمستندات الهندسية والفنية اللازمة لاستخراج تراخيص البناء أو الهدم أو التعلية عن طريق المكاتب الهندسية الاستشارية المتخصصة التي تحدد المحافظة سجلاً بها، ليكون اعتماد أي منها دليلاً لدى الحي على الصلاحية الفنية اللازمة لاستخراج الترخيص. 

 

.......................

(*) أستاذ إدارة الأعمال المساعد قسم الاقتصاد الإسلامي كلية الشريعة والدراسات الإسلامية

.................

 المصدر : بحث مقدم للمؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي المنعقد بكلية الشريعة – جامعة أم القرى – مكة المكرمة

المحرم 1425هـ