الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

 الأحد: 28/12/2008

 

الفساد الاقتصادي

أنواعه. أسبابه. آثاره وعلاجه (2)

 

د. عبد الله بن حاسن الجابري*

  

المطلب الرابع

علاج الفساد الاقتصادي

 

يتناول هذا المطلب علاج الفساد الاقتصادي في الفكر الوضعي والإسلامي كل في فرع مستقل على النحو التالي:-

  الفرع الأول : علاج الفساد  في الاقتصاد الوضعي.

  الفرع الثاني : علاج الفساد في الاقتصاد الإسلامي.

 

الفرع الأول

علاج الفساد في الاقتصاد الوضعي

 

يرى أنصار نظرية الاختيار العام أنه يمكن تخفيض الفساد بالتقليل من الفرص المتاحة لجني الريع ، وذلك بالتحرر الاقتصادي، والحد من قوة الدولة من خلال مزيج من الإصلاحات الاقتصادية كالخصخصة وإزالة الرقابة على الأسعار، وعلى القطاع المصرفي، وإزالة المعونات وتخفيض التعريفات الجمركية وأشكال الرقابة الأخرى على التجارة والتوقع هو أنه بتخفيض حجم القطاع العام والتدخل المباشر في النشاط الاقتصادي وتخفيض فرص جني الريع يقل الفساد ( world  Bank. 1997b )

ويمكن للإصلاح الاقتصادي أن يكون له نتائج عكسية على الفساد ولا سيما في الأجل القصير. فمثلاً في غياب قوة الإجبار في الإصلاحات الضريبية المخصصة لزيادة الإيرادات الحكومية يمكن أن يزيد الحوافز على الممارسات الفاسدة . كما أن الخصخصة في غياب إجراءات تنظيمية قوية فعالة ذات إمكانية كبيرة لتوليد مستويات عالية من السعي لجني الريع الاقتصادي ولا سيما في الاحتكارات الطبيعية، ويشير المنتقدون للإصلاح الاقتصادي إلى الحاجة إلى مصادر جديدة للدخل والعمالة خارج نطاق القطاع العام لتخفيض حوافز سلوك جني الريع من ناحية ، وللإصلاحات السياسية لتوفير بيئة مؤسسية يمكن من خلالها معالجة الفساد من ناحية أخرى.  (White: 1996, Kong 1996)

وهذا الإصلاح يستلزم في نظرية الاختيار العام مزيداً من الرقابة المحكمة والتنظيم الصارم لهذه الإصلاحات حتى لا يكون المنتفع النهائي من هذه الإصلاحات النخبة التي تنتمي للدولة.

وعلاوة على ذلك ، فإن غياب الفرص الاقتصادية البديلة يحد من مجال تخفيض الفساد إذا ما ظل القطاع العام المصدر الأساسي للدخل والعمالة الرسمية ( World Bank, 1997a )

أما مدخل الجماعية فيرون إمكانية الحد من الفساد بخلق المؤسسات الديمقراطية الجديدة، كالمشرعون المنتخبون، ولجان البرلمانات المنتخبة والمؤسسات الرقابية ونحوها، لأن هذه الإصلاحات السياسية تساهم في خلق بيئة أكثر حفزاً في تخفيض الفساد لأنها تزيد استجابة السياسية لرغبة أفراد المجتمع  (little, 1996)

ويرد على هذا الرأي بأنه رغم أن المنافسة السياسية تقدم نخباً سياسية جديدة يمكن أن تتخذ تصرفات جادة ضد الفساد، إلا أن هذا لا يمنع من اتخاذ تلك النخب لنفسها مزيداً من الفرص لجني الريع، كما بدا ذلك في القارة الأفريقية .

وعلاوة على ذلك فليس هناك ارتباط معنوي بين الحقوق والعمليات الديمقراطية والفساد، كما أثبت ذلك  (Johnston) في دليله الإحصائي. ويضاف إلى ما سبق فإن هناك الكثير من الأمثلة لبلدان زاد الفساد، مما يعني أن هذه المؤسسات والوكالات لا يكتب لها النجاح في مقاومة الفساد إلا بتنظيم الأفراد لأنفسهم تنظيماً فاعلاً، وهو ما يطلق عليه   (Johnston)مفهوم التقوية الاجتماعية، ويقصد بها نطاق الموارد الاقتصادية والسياسية المتاحة للمواطنين المدنيين كأساس لمقاومة الفساد المنتظم أو الممتد.

وعليه فالمظاهرات الجماهيرية ضد السياسيين الفاسدين كثيراً ما دفعت السلطات إلى إزالة هؤلاء الفاسدين من أمكانهم ومراكزهم في بعض الدول كما حدث لحكومة نظير بوتو في باكستان ، وكولردي ميلو في البرازيل .

ولكن هذه المظاهرات ليست حلاً جذرياً للمشكلة وخصوصاً عندما يكون الفساد ممتداً، وإنما قد تفضى إلى غياب مؤقت لها، ولكن سرعان ما تظهر على السطح

من خلال قنوات أخرى . لذا لا بد من دعم هذا المبادرات بإيجاد منظمات ومشروعات وشبكات داخل المجتمع المدني يمكن من خلالها مراقبة سلوك الأفراد الرسميين وزرع الثقة الجماهيرية فيما يقوم به موظفو الدولة الرسميون من واجبات ووظائف. ورغم كل ذلك فليس كل المنظمات داخل المجتمع على وتيرة واحدة في مكافحة الفساد، فقد يكون بعضها قوة دافعة لمكافحة الفساد، ومع ذلك فإن هناك مجموعات أخرى من هذه المنظمات منتفعة منه ومن ثم تقاوم التغيير، لذا يقترح البعض تدعيم هذا الأمر وتكميله بواسطة تدخلات مؤسسية .

 

مدخل الأشواك المتعددة:-

تقوم جهود مكافحة الفساد وفقا لمدخل الأشواك المتعددة على مجموعة من الإصلاحات السياسية والتشريعية والمؤسسية . وأما السياسية فكتقوية آليات إمكانية المحاسبة والرقابة على استخدام الموارد، وتحسين شروط تشغيل المستخدمين، وعدم محاباة الأقارب في التعيين ونحو ذلك. وأما التشريعية فكإصلاح النظام القانوني، بحيث يتضمن عقوبات وكذا صلاحيات كافية لردع الفساد ومن ذلك الحقوق الإجبارية للملكية والحقوق التعاقدية الإجبارية وكذا إجراءات تحسين الهيئة القضائية وجعلها أكثر مصداقية ونزاهة. وأما المؤسسية فكإنشاء وكالة لمقاومة الفساد ، وكذلك محاكم خاصة لمراجعة حالات الفساد، وإعلان ملكية الأصول لكل السياسيين والمستخدمين المدنيين . ولكن نجاح هذه الوكالات المتخصصة في مكافحة الفساد يتوقف على مجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية وأشكال أوسع يفرضها الفساد في دول معينة، فعندما يكون الفساد ممتداً فإن تلك الوكالات يمكن أن تلعب دوراً محدوداً ، يتوقف على قوتها في البحث والاستقصاء والإجبار والذي يحد منه نفوذ السياسيين المؤثرين والمستخدمين المدنيين المتلبسين بالفساد. فكما يرى  (Little, 1996)أن نجاح مقاومة الفساد يعتمد على الإرادة  السياسية، وهذا غير متوفر في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب التهديد المحتمل الذي تواجهه المؤسسة السياسية والبيروقراطية.

 

العوامل الخارجية :

يحظى الفساد المؤسسي بتأييد كبير من ممثلين خارجيين وخصوصاً ما نحى المعونات الخارجية. ويمكن تخفيض الفساد بالإصلاح المؤسسي والذي لا يكون فاعلاً في تحقيق ذلك كالإصلاحات السياسية وإنما قد يكون ملائماً ربما في دول لا يكون الفساد ممتداً فيها أو يكون بها قوانين ووكالات لمحاربة الفساد، أو تأييد جماهيري واسع، لأن حكومات هذه الدول غالباً ما تأتي عن طريق التصويت الحر والعملية الديمقراطية، ولهذا فإنها تكون خاضعة للمساءلة والمحاسبة من الجمهور.

وبعض المراقبين حذرين من الفاعلية المحتملة للإصلاحات السياسية والمؤسسية، طالماَ أنها ستصل إلى مدى محدود في بلاد يكون الفساد فيها متجسداً في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية. ولكل هذه الأسباب فإن هدف استئصال الفساد في هذه البلاد قد يكون صعباً. صحيح أنه يمكن الحد منه إلى مستويات مقبولة وغير عائقة للاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

ولذا فقد أدت محدودية الإصلاحات السياسية والمؤسسية مجتمعه إلى نمو الاعتراف بأهمية القوى الدولية كسبب من أسباب الفساد إلى استجابات دولية متنوعة.

ولما كان فساد المؤسسات في الدولة المصدرة من أحد عوامل انتشاره في الدول المستوردة، فإن هناك الكثير من الجهود الدولية المبذولة والمكملة للإصلاحات السياسية والمؤسسية في البلدان المستوردة . ومن أهم المبادرات الحديثة في الشأن مبادرة دول الاتحاد الأوربي  “ O.E.C.D” ومع ذلك فهناك الكثير من الشركات الأمريكية المتورطة في تقديم رشاوي لمسئولين أجانب، مما يجعلها مرتكبة لجرائم طبقاً لقوانين الممارسات الفسادية الخارجية على مدار أكثر من عقدين.

وإضافة على ما سبق فهناك مبادرات مماثلة على المستوى الإقليمي داخل الاتحاد الأوربي وأمريكا اللاتينية تمثلت في اتفاقيات دولية متعددة الأطراف، الهدف منها الرقابة على الفساد سواء كان وطنياً أو دولياً، من خلال اتفاقيات دولية لتبادل المعلومات والتعاون في الإجراءات القانونية لمحاكمة المتورطين في الفساد.

كما أن لمنظمة الشفافية الدولية دوراً بارزاً في محاربة الفساد الدولي من خلال إجراءات متنوعة، لعل أحدثها تقديم المتعاقدين المحتملين والموردين للسلع والخدمات لا قرارات موقعة من قبلهم بعدم تقديم رشاوي تتصل بالعقود الرسمية. وفي الوقت نفسه تلتزم الحكومة نفسها بقواعد الشفافية، وذلك بمنع وقبول الرشاوي بواسطة المسئولين العموميين . وفي بعض الدول هناك مجموعات وطنية تعمل على تحقيق ذلك من خلال التزام المنتمين للحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.وأخيراً يمكن القول بأن جميع النظريات تتفق على صعوبة القضاء على الفساد (وخصوصاً الممتد) لكن يمكن التخفيف منه وذلك الإرادة الصادقة لمكافحة الفساد، وذلك يستلزم مجموعة من الإجراءات والإصلاحات تختلف من نظرية لأخرى، فوفقاً لنظرية الاختيار العام يكون التخفيف من الفساد بتقليل الفرص المتاحة لجني الريع، وذلك بالتحرر الاقتصادي والحد من احتكار الدولة ونحو ذلك . هذا إلى جانب تأمين الفرص الاقتصادية . وفي المذهب الجماعي يكون التخفيف بالإصلاحات السياسية وذلك بخلق المؤسسات الديمقراطية والمؤسسات الرقابية والبرلمانات المنتخبة ونحو ذلك.

أما نظرية الأشواك المتعددة فيكون التخفيف بمزيج من الإجراءات والإصلاحات السياسية والتشريعية والمؤسسية، بل وكل الأنظمة التي تولد الفساد فالإصلاح السياسي يكون بتقوية الآليات ومؤسسات الرقابة على استخدام الموارد وتحسين ظروف العمل ونحو ذلك.

وأما التشريعي فيكون بإصلاح القانون الجنائي والمدني وتحسين كفاءة الهيئة القضائية وماشابه ذلك .

وأما المؤسسي فيكون بوجود أنظمة للرقابة والمراجعة،وكذا وكالة خاصة لمقاومة الفساد.

وأما العوامل الخارجية للفساد فيكون التخفيف من حدتها بإصلاح مؤسسي وسياسي من شأنه الحد منه إلى مستويات معقولة بحيث لا يعوق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.

كما يمكن الاستعانة ببعض المنظمات الدولية التي من شأنها تقديم المعونات لمؤازرة الإصلاحات الديمقراطية، وإقامة اقتصاديات أكثر قدرة على المنافسة والأخذ بتوجيه إداري أفضل ومن هذه المنظمات منظمة الشفافية الدولية .

 

الفرع الثاني

علاج الفساد في الاقتصاد الإسلامي

يقوم علاج الفساد في الإسلام على مجموعة من الأسس والمعايير الاقتصادية، لعل أهمها :-

(1) حسن الاختيار في التعيين، أو ما يمكن أن نطلق عليه معايير التخصيص الأمثل للموارد البشرية، .. يقول تعالى " قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين" (القصص الآية – 26).ومن السنة هناك الكثير من الأحاديث التي يصعب سردها هنا فهي أكثر من أن تحصى، ولكني سأكتفي هنا بواقعة صغيرة يمكن من خلالها استنتاج بعض تلك المعايير فعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ألا تستعملني ؟قال : فضربني بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ( صحيح مسلم بشرح النووي. ج12 ص209) ومن هذا الحديث يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قصد بالأمانة المتطلبات الأساسية والحد الأدنى  من كفاءة الأداء ، والمهارات الذهنية والعقلية التي تتطلبها الوظيفة التي طلب الصحابي أن تسند إليه. ولما كان الرسول عليه السلام ببعد نظره وجد أن المهارات والقدرات الذهنية والاستعداد النفسي والعقلي غير متوافرة لدى هذا الصحابي فإنه قال له " إنك أمرؤ ضعيف" بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصد أن ما لدى هذا الصحابي من مهارات وقدرات أقل نسبياً مما تتطلبه الوظيفة العامة، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام – ببعد نظر – يعطي تقديراً خاصاً للموارد النادرة نسبياً، وأنه كان حريصاً على استغلال هذه الموارد أفضل استغلال ممكن. وهذا من شأنه تحقيق المجتمع الإسلامي لأعلى إنتاجية ممكنة.

فإذا افترضنا- جدلا – أنه عليه الصلاة والسلام أخذته جوانب العطف والشفقة في تولية الوظائف والمهام، وتغاضى عن جانب المهارات والقدرات المتوافرة لدى الأفراد المختلفين، فإن الأمر سينتهي به إلى وضع بعض الأفراد في وظائف تتطلب مهارات وقدرات أكثر مما لديهم، مما يعني أن هؤلاء الأفراد سيقومون بأداء بعض الجوانب الوظيفية ومهامها التي تتفق مع مهاراتهم، والبعض الآخر من جانب الوظيفة لن يقوموا بأدائه لعدم توفر المهارات اللازمة لهذا الأداء.وحيث أن عدم أداء هذا الجزء من الوظيفة يضيع على المجتمع الإسلامي جني مكاسب هذا الأداء، فإن المنفعة الاجتماعية لن تكون عند حدها الأقصى. ومن هنا يكون هذا المجتمع معظماً للمنفعة. وحيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدر مهارات وقدرات هذا الصحابي تقديراً صحيحاً، مما يعني أنه عليه السلام كان حريصاً على استثمار القدرات والمهارات البشرية لدى أفراد المجتمع الإسلامي بطريقة صحيحة، مما يجعلنا نستنتج أن " المجتمع الإسلامي الكفء، والذي يأخذ بأفعال وأقوال وتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم يتميز بالتخصيص الأمثل للموارد البشرية ويمكن أن نسمي هذا المجتمع بالمجتمع الإسلامي الكفء" . ولما كان المجتمع الإسلامي الكفء يحقق التخصيص الأمثل للموارد، فإن انحراف المجتمع الإسلامي الفعلي عن المجتمع الإسلامي الكفء هو الذي يؤدي إلى انخفاض مستوى إنتاجية عناصر الإنتاج عن مستوى الإنتاجية المتحقق في ظل التخصيص الأمثل للموارد للمجتمع الكفء. وبمقدار انحراف المجتمعات الإسلامية عن المجتمع الإسلامي الكفء يكون انحراف الناتج القومي المحتمل . وهذا الانحراف ينجم عن التصرفات السلوكية المنحرفة عن السلوك الإسلامي الرشيد ، وينجم عن التصرفات السلوكية المنحرفة انتشار المحاباة والمجاملة في إسناد الوظائف وتخصيص الموارد وتوزيع الدخول.

وقد ساد المجتمع الإسلامي الكفء في عهد الخلفاء الراشدين أيضاً فلم يؤثر عنهم المحاباة والمجاملة، كما لم يؤثر عنهم الإسراف في استخدام موارد المجتمع الإسلامي، بل إن الموارد الاقتصادية المتاحة للمجتمع كانت تخصص في أفضل استخداماتها لصالح المجتمع ككل . ولهذا حققت الدولة الإسلامية في عهودها الأولى معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي في المجالات الاقتصادية المختلفة سواء كانت زراعية أو صناعية أو تجارية .

(2) ومن المعايير الهامة التي يقرها الإسلام المبدأ الاقتصادي الذي يقرر المساواة بين الأجر والإنتاجية، حتى لا يكون هناك إثراء بلا سبب، ولا يكون هناك غبناً في الأجر، وهي من صور الفساد في المجتمعات المعاصرة فعندما يعرف الفرد مقدماً أن الأجر الذي سيتقاضاه يعادل إنتاجيته الحقيقية ( الإنتاج الحدي النقدي/ مستوى الأسعار أو سعر المنتج الذي يساهم فيه )فإن جهده واهتمامه سينصرف إلى زيادة إنتاجيته بهدف زيادة أجره ، وإذا اختل هذا المبدأ فإن الحرص على الحصول على المال من مصدر آخر غير العمل سيزيد وسيشتهر حصول الأفراد على دخول لا تستند إلى العمل .ولهذا فإن الإسلام أقر مبدأ المحاسبة للعمال وسؤالهم عن مصدر هذا المال حيث أن ثروة الفرد في الإسلام إما أن تأتي من الإرث أو مدخراته المتراكمة ، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه – وهو خليفة – يحاسب الولاة حساباً شديداً ، فيحصى ثروته قبل العمل وأثناء العمل فإذا ظهرت زيادة غير مبررة بسبب غير مشروع أخذها منه وردها إلى بيت المال.وقبله كان عليه السلام يحاسب عماله ويناقشهم، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه استعمل رجلاً على الصدقة فلما جاء قال هذا لكم وهذا أهدى إلى فقام عليه السلام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال " ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدى إلى ألا جلس في بيت أمه أو أبيه فينظر أيهدي له أم لا ، لا يأتي أحد منكم بشئ من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيراً فله رغاء أو بقرة فلها خوار أو شاة .. اللهم هل بلغت ، اللهم بلغت ، (سنن أبي داود . جـ3 ص135).

وقد أكدت هذه المبادئ السابقة أيضاً وصية الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه لأحد عماله حيث قال له " ثم أنظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة أو أثرة فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة . وتوخ فيهم أهل التجربة والحياء .. فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً وأقل في المطامع إشراقاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً .. ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغني لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو تلموا أمانتك ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية ( نهج البلاغة ، 1416هـ / 1996م ، ص 634).

(3) فإذا ما أضيف إلى ذلك الرقابة الداخلية لدى المسلم ، والمتمثلة في ضميره الحي المرتبط بالله عز وجل في كل أموره الظاهرة والباطنة ، وإدراكه التام لرقابة الله عز وجل له في السر والعلن، كما قال تعالى: " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون . الزخرف الآية 80 وقوله أيضاً: "وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور " الملك الآية (13).

فإن هذا يدفع المسلم إلى البعد عن الممارسات الفسادية أيا كان نوعها ، وإن غاب عن أعين الناس أو أعين السلطة وأجهزة الأمن، لأنه يدرك أنه مراقب من خالقه محاسب على أعماله السرية والجهرية وعليه فإن هذه الرقابة تعتبر أسلوباً وقائياً هاماً في النظام الإسلامي لمكافحة الفساد، وهذا ما لم تركز عليه السياسات الوضعية .

 الخاتمــــــة:- 

وفي نهاية هذا البحث يمكن أن نصل إلى النتائج التالية :-

(1) وقوع الفساد الاقتصادي في القطاع العام والخاص على حد سواء، إلا أن الموظف في القطاع العام أكثر عرضه للفساد من غيره لبعده عن المساءلة، وأمنه من الرقابة ، بخلاف الموظف في القطاع الخاص الأكثر المساءلة إما من مديره مباشرة أو من مالك المشروع أو مجلس الإدارة ونحو ذلك .

(2) وجود الفساد في كل المجتمعات المتقدمة والنامية، إلا أنه أكثر شيوعاً في المجتمعات النامية، لما تتسم به من خصائص معينة تجعلها أكثر سهولة لجني الريع منها أكثر من غيرها كضعف الرقابة والمؤسسات ونحو ذلك.

(3) تعدد صور الفساد واختلافها من بلد لأخر، إلا أن أشدها خطورة هو الفساد المنظم.

(4) تنوع أسباب الفساد، وهذه الأسباب بعضها يعود لعوامل داخلية، والبعض الآخر منها يعود لعوامل خارجية، وهذه العوامل لا تقل أهمية عن سابقتها في الآونة الأخيرة، إن لم تكن أكثر أهمية منها في أحيان أخرى.

(5) علاج الفساد في الأنظمة الاقتصادية الوضعية يكون بتقليل الفرص المتاحة لجني الريع، وذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية والسياسية ونموها.

(6) دور الإرادة الصادقة في مكافحة الفساد، ولكن هذه الإرادة  غير كافية إن لم يرافقها مجموعة من الإجراءات والإصلاحات السياسية والاقتصادية المختلفة للمعالجة .

(7) دور الوازع الديني أو الرقابة الداخلية لدى الفرد المسلم في منع الفساد قبل وقوعه، وهذا الأمر يعد من الإجراءات الوقائية لمكافحة الفساد في الإسلام وهو ما أغفلته الدراسات الاقتصادية الوضعية.

(8) أن هناك مجموعة من الآثار الاقتصادية الكلية التي يحدثها الفساد وهذه الآثار تتمثل في:

أ‌)  إعاقته للنمو الاقتصادي.

ب‌)  إخلاله بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة، وتخفيضه للطاقة الضريبية للمجتمع ككل.

ج)  سوء تخصيص الموارد العامة للمجتمع.

د)   تدهور أسعار الصرف وما يترتب على ذلك من عجز ميزان المدفوعات واستمراريته.

هـ)  تضليل المستثمرين في سوق الأوراق المالية.

وقد توصل البحث إلى التوصيات التالية :

1-  أن الحاجة ما زالت ملحة لمزيد من الدراسات حول أسباب الفساد (وخصوصاً العوامل الدولية ) لما لها من أهمية في العصر الحاضر، وتقديم الحلول لها وخاصة الإسلامية.

2-  الدعوة ( وخصوصاً في الدول النامية) إلى توفير قدر كبير من الشفافية في القوانين والتنظيمات المختلفة ، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو قضائية أو إدارية ، التي من شأنها الحد من انتشار الفساد.

3-  غرس الوازع الديني لدى الأفراد في المجتمع الإسلامي من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وهذا يكون باستضافة العلماء المتخصصين في علوم الشريعة والاقتصاد من خلال برامج وندوات متعددة، يتم فيها تسليط الضوء على هذا الداء الفعال وعواقبه الدنيوية والأخروية وأثاره السيئة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية على الفرد والمجتمع.

4-  تفعيل أجهزة المساءلة مع إشراك أصحاب الأعمال والمواطنين فيها، ومعاقبة من يثبت إدانته بالفساد معاقبة سريعة وقاسية .

 

 

 ..........................................

* أستاذ في قسم الاقتصاد الإسلامي - جامعة أم القرى

 

المراجـع
.....................

أولاً : المراجع العربية :

- القرآن الكريم.

(1) الأموال. العدد 6 سبتمبر ، 2000م ، ص 76.

(2) تقرير عن التنمية في العالم، 1996م ، ص 124.

(3)  أبو داود ( سليمان بن الأشعث). سنن أبي داود. الطبعة (بدون)، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1408هـ / 1988م، جـ3، ص135.

(4) الشريف الرضى، نهج البلاغة، شرح وتعليق محمد عبده. الطبعة (بدون)، مؤسسة المعارف، بيروت، 1416هـ/ 1996م، ص634,

(5)  كيتجارد، روبرت. السيطرة على الفساد، ترجمة د. علي حسين حجاج. مراجعة فاروق جراز. الطبعة (بدون)، دار البشير، عمان، الأردن،ص19

(6) كوفمان ، دانيال وآخرون. الفساد والتنمية . التمويل والتنمية ، مارس 1998م / ص7.

(7) مسلم (مسلم بن الحجاج) صحيح مسلم بشرح النووي . الطبعة الثانية، دار احياء التراث العربي ، بيروت، لبنان ، 1392هـ / 1972م، ج12،ص634.

(8)  مورو،باولو. الفساد ، الأسباب والنتائج . التمويل والتنمية، مارس 1998م،ص.ص.11 – 13.

ثانياً: الإنجليزية:

1-  Ades, A. and R. Di Tella, 1996, “The Causes and Consequences of corruption: A Review of Recent Empiricol Contribution” IDS Bulletin, Vol. 27, No. 2, PP. 6-11.

2-  Johnston, M. , 1997, “What can be done about Entrenched Corruption?” Paper presented to the Ninth Annual Banl Conference on Development Economics, The World Bank, Washington DC., 30 April – 1 May.

3-  Khan, M. H, 1996, ‘A typology of corrupt transactions in Developing Countries’ IDS Bulletin, Vol. 27, No. 2, PP. 12-21.

4-  Kony, T.Y : 1996, “Corruption and its Istitutional Foundations: The Experience of South Korea: IDS Bulletin, Vol. 26, No. 2, PP. 48-55.

5-  Little, W., 1996, “Corruption and Democracy in Latin America,” IDS Bulletin, Vol. 26, No. 2, PP. 64-70.

6-   Rose – Ackerman, S. 1978, “Corruption: A Study in Political Economy, New-York Academic press.

7-  White, G., 1996, ‘Corruption and market Reform in China, IDS Bulletin, Vol 27, No. 2, PP. 40-47.

8-  World Bank, 1997 a, Helping Countries Combal Corruption: The Role of the World Bank, Washington Dc, : the World Bank.

9-  World Bank, 1997 b, World Development Report 1997: The State in a Changing World, New York: Oxford University.

.................

 المصدر : بحث أعدّ للمؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي, في كلية الشريعة - جامعة أم القرى بمكة المكرمة