الحضارية «دراسات الادارة المعاصرة»

الثلاثاء: 04/11/2008


التعليم عن بعد في ضوء الواقع التعليمي

أ. د. تيسير الآلوسي

تتزايد أهمية التعليم في الخطط الستراتيجية للبلدان التي تستجيب لحق الإنسان في التعليم العالي وفي التطلع للعيش في عصر سيبقى الأميون خارجه؛ ولتعزز أهمية العلوم في تحسين العيش الإنساني صار لابد من ولوج زمن المعارف والتكنولوجيا الحديثة من أوسع أبوابها.. غير أن ظروفا معقدة تعترض التجاريب التعليمية وأنماط إيصال المعارف والعلوم لطالبيها ومن ذلك أمور تتعلق بخلل بنيوي في أشكال التعليم ومنها ما تحاول هذه المحاضرة التركيز عليه نقصد تحديدا التعليم الأحدث في آلياته أي التعليم الالكتروني ودوافع وجود هذا النمط وأهميته ومردوده الحقيقي وإمكان استخدامه لحل مشكلات كتلك التي يعيشها بلدان كبلدان الشرق الأوسط: مثل العراق أو الدول المغاربية أو مصر وغيرها من البلدان النامية فضلا عن بلدان المهاجر.
هناك أسئلة متعددة: أولاها هل يوجد خلط بين المصطلحات بطريقة تشويشية؟ مثلا الخلط بين اصطلاح التعليم عن بُعد والتعليم الالكتروني؟ لماذا الخلط أو التشوّش؟ ألا يشير إلى نقص في التعرف إلى المصطلح بما يتجه نحو إصدار أحكام غير موضوعية على أنماط التعليم قبل التعرف إلى حقيقتها ومكنوناتها؟ وثانيها سؤال ما علاقة البلدان العربية والشرق أوسطية بالتعليم الالكتروني تحديدا من بين أنماط التعليم عن بُعد؟ وما الحواجز التي إنْ وُجِدت تعترض فعليا هذا النهج التعليمي؟ وهل سيكون مفيدا أن نقارن بين فكرة التعليم عن بُعد والالكتروني في بلدان الغرب المتطورة وبلداننا؟ وما النتائج التي سنستفيد منها بهذه المقارنة؟ وتطبيقيا لماذا تعدد مشروعات جامعات التعليم عن بُعد؟ وهل هذا توجه صائب؟
وبدءا لابد من تعريف موجز سريع للتعليم عن بُعد والتعليم الالكتروني منه تحديدا.. فالتعليم عن بُعد نمط ليس جديدا واستخدم نظام المراسلة والانتساب على أنْ يُجري الاختبارات التقويمية بطرائق متعددة منها التقليدي ومنها البحثي وتقديم أوراق العمل وما إليها ومنها اعتماد الامتحانات المفتوحة... وأحدث أنماط التعليم عن بُعد هو التعليم الالكتروني وهو التعليم الذي يستخدم شبكة الأنترنت [World Web Wide]، حيث تنهض الجهة التعليمية بمهامها عبر توظيف موقع خاص بها لعرض مفرداتها التعليمية أو برامجها المعينة المخصوصة بها. ويكتسب الطلبة هنا معارفهم عن طريق استخدام الكومبيوتر الشخصي بتوظيف إمكانات الاتصال والتغذية الاسترجاعية Feedback. ومن المؤكد أن التعليم هنا يتم على وفق جداول زمنية محددة وبالتزام برنامج تعليمي مرسوم بتخطيط مدروس، ليصل الطالب إلى هضم ما تعلمه وقدرة استخدامه له. وطبعا تتعدد برامج التعليم الالكتروني سواء منها ما يخص تعدد المستويات وتنوعها في الدراسات الجامعية الأولية والعليا أم الدورات التدريبية السريعة المتخصصة والمحددة الهدف...
إنَّ للتعليم تحديدا منه التعليم العالي بيئة محددة تتمثل في التدريسي والطالب والإدارة التعليمية والبرامج العلمية وهي في التعليم الالكتروني لا تخرج عن هذه المكونات وإن صارت بحاجة لسمات خاصة بها.. فبيئة التعليم الالكتروني هي:
1. الأستاذ المحاضر: الذي ينبغي أن يكون ملمّا فضلا عن معارف تخصصه، باستخدام التكنولوجيا الحديثة والتعامل مع الانترنت وتفاصيل توظيف البريد الالكتروني وما يلحق بمثل هذه التطبيقات العملية...
2. طلبة التعليم الألكتروني: بما ينبغي فيهم من خبرات أو مهارات التعلـّم الذاتي من جهة ومعرفة التعامل مع الكومبيوتر والإنترنت...
3. الكادر الفني والإداري المتخصص والمتمكن من البرامج الخاصة بعمل الكومبيوتر والانترنت من مثل:
[TCP/IP networking, Data communications networking- LAN & WANS, WWW, E-mail, FTP sever expertise. Operating system programs used on sever (Unix, Lynix, windows NT, …)]
ويمكن هنا أن توجّه خطط تدريبية أولية وسريعة أو مركزة لصالح كل من التدريسي والطالب ليتمكنا من ولوج عالم التعليم الالكتروني والخلاصة الأهم هنا هو وجوب وجود خبراء بناء الخطط والبرامج العلمية وتحويلها لصيغ تدخل في التعليم الالكتروني...
4. التجهيزات الاتصالية الأساس حيث إيجاد موقع خاص بعمل الأساتذة وتجهيز موادهم العلمية والاختبارات التقويمية وموقع لعمل الطلبة لأخذ المعلومات وتبادل المناقشات العلمية وإجراء الاختبارات المفروضة عليهم...
إنَّ سر النجاح لا يكمن في الانتقال المطلق بانبهار ينسينا أهمية التعليم المنتظم التقليدي، بل يكمن في الدمج بين أنظمة التعليم في أفضلياتها وإزاحة السلبي فيها... فعلى سبيل المثال تقول إحدى الدراسات إنَّ الطالب يفقد التركيز التام بسبب الملل من وجوده مع مادته منفردا بعد نحو 20 دقيقة ولكن الأمر سيختلف عند وجوده مع طلبة آخرين ومع التدريسي.. وهذه إشارة لأهمية أن يكون الجميع في بيئة مشتركة توفر الأجواء التي تنمّي التركيز والتفاعل الإيجابي لاكتساب المعلومة.. ونذكـّر هنا بأن ليست الجامعة مؤسسة الكترونية الوسيلة بالتمام والكمال فلابد من وجود أرضية مكتبية مستقرة ومفردات أنشطة كذلك كما أن التخصصات والعلوم ليست جميعها مما يمكن أن يدرّس بطريقة التعليم الالكتروني. إذ على سبيل المثال يمكن تدريس اللغات والعلوم الإنسانية تصل لنسبة 100% الكترونيا لكن ذلك غير ممكن بالنسبة ذاتها مع بعض العلوم بل غير ممكن نهائيا مع أغلب العلوم التطبيقية الصرفة...
نشير هنا إلى محور آخر للتعليم الالكتروني تلك هي المميزات التي تسم طبيعته ومكوناته:
1. يتوافر لمن لا يستطيع الدخول للتعليم المنتظم التقليدي سواء بسبب العمر أو بسبب الانشغال بعمل للمعيشة... ويوسّع فرص القبول والاستجابة لحق التعليم لجميع طلبته...
2. والتعليم الالكتروني يعالج أمورا من نمط عدم القدرة على توفير عدد الأساتذة والمباني والفصول الدراسية بسبب كلفتها...فأنظمة التعليم التقليدي لها قدراتها الاستيعابية وتـُجري اختبارات أو مسابقات للقبول تستبعد مئات الطلبة بسبب ضغوط الحجم أمام قدرات الاستيعاب من مثل مشكلة ازدحام القاعة إلى الحد الذي لا يمكن فيه الوصول لجميع الطلبة بالفائدة المرجوة كاملة..
3. الاستثمار الأمثل لعامل الوقت في نقل المعلومة للطلبة بسبب استخدام الكومبيوتر والإنترنت وما يتميزان به من سرعة ودقة... ويمكن لهما أن يعملا في وقتين مختلفين حيث يسجل المحاضرة في وقت ويسترجعها الطالب في وقت آخر أو يحضرها في وقتها لو تمكن من استعادتها كليا أو جزئيا على وفق حاجته في وقت آخر.. وبهذا فالتعليم هنا والمحاضرة مفتوحة الوقت 24 ساعة...
4. عامل الجغرافيا وحواجز الحدود والأمكنة: حيث لا يجب أن يكون الطالب والأستاذ في مكان أو قاعة واحدة وكل يمكنه أن يكون في مكان وجوده الشخصي مثلا في البيت.. ويمكن للأستاذ أن يكون في بلد والطالب في بلد آخر.. وهذا العامل مهم في مسألة جذب الطاقات العلمية المميزة من دون الحاجة لمتعلقات من نمط التأشيرات والسفر والإقامة والسكن والمتطلبات الأخرى مما قد لا يمكن توفيره... في حين يمكن للأستاذ أن ينشر محاضرته نصيا أو صوتيا أو بصريا...
5. المواد التعليمية يتم تحديثها باستمرار وتتطور وتنمو مباشرة في ضوء آخر التطورات العلمية الجارية في أقاصي المعمورة..
6. توفير حيوية التفاعل بين أطراف العملية التعليمية (الأستاذ والطالب والمنهج) وتنشيط عملية التفاعل باستمرار..
7. تقبّل العملية إلى جانب التسهيلات التي توفرها في اكتساب المعلومة ونقلها وتثبيتها لدى الطالب...
8. ميزة الاتساع في التعليم المتخصص والموجه لهدف مطواع أو مرن بحسب حاجة المجتمع والطلبة يمحو الأمية المعرفية ويسابق زمن المعلوماتية وما بعد الأتمتة...
9. إمكانات التعديل والتطوير في البرامج تتطلب كلفا أقل وسرعة أفضل ووسائل أسهل...
10. التعليم الالكتروني يستجيب لأوضع وحاجات مختلف الأعمار والإمكانات (كما في الاستجابة لذوي الاحتياجات الخاصة) ويستجيب من جهة أخرى لطبيعة الحاجة المعرفية وخصوصيتها...
11. يكافح التعليم الالكتروني أمراض إدمان الإنترنت لغايات سلبية...
12. يصل أماكن نائية لا يمكن أن تصلها خدمات التعليم التقليدي بسهولة ويخترق الظروف المعقدة الصعبة كما في الظرف العراقي على سبيل المثال لا الحصر.. ويتم شرح هذا المثل تفصيلا..
13. الاستجابة للحاجة فور ظهورها من دون الحاجة لصرف جهود مركبة ومعقدة لتوفير أسس نقل المعلومة وإعداد الكادر..
14. توفير فرص التعاون وتبادل المعلومات بتسهيلات يوفرها التعليم الالكتروني فقط...
ما علاقة البلدان العربية والشرق أوسطية بالتعليم الالكتروني تحديدا من بين أنماط التعليم عن بُعد؟ وما الحواجز التي إنْ وُجِدت تعترض فعليا هذا النهج التعليمي؟
يلزمنا التفكير بأهمية انضمام البلدان الشرق أوسطية إلى النظام العالمي من جهة التعليم والتطورات التي جرت فيه بشكل جدي وجوهري.. وتتأكد يوما فآخر مسارات هذا التفاعل لا عبر الرغبة المجردة أو التخطيط العابر، بل عبر قوة تداخل النظام العالمي وعلاقة شعوب المنطقة بالمتغيرات العاصفة عالميا... إنَّ بلدان هذه المنطقة ذات كثافة سكانية عالية ومثالنا في مصر وفي البلدان المغاربية وهي ذات بنية تحتية متأخرة ومحدودة بظروف أولويات بناء في مجالات عديدة منها الشؤون الخدمية الأساس ما يتطلب إيجاد حلول سريعة لقضية توفير البنى التحتية المناسبة للتعليم وأفضل حل هنا يكمن في توظيف التعليم الالكتروني على صعيد معالجة أمر الأبنية التحتية التي لا تقف عند حدود المباني والتجهيزات بل تتجه بقوة مؤثرة في قضية هجرة العقول العلمية وعدم إمكان عودتها سريعا (مثال العراق) ولا حل لمثل هذه المشكلة إلا بصيغة التعليم الالكتروني... وعليه فمشروعات هذا النمط من التعليم لا ينبغي أن تظل بجهود فردية أو جماعية محدودة بل ينبغي دعم هذه الجهود وتفعيلها بالتنسيق بين إدارات التعليم في بلدان الشرق الأوسط وبين هذه المشروعات التي تمتلك برامجها العلمية الرصينة وقدراتها العلمية التدريسية الكفوءة وإداراتها الفاعلة وقدراتها الانتاجية كون المشروعات النوعية كهذه هي حل مثالي حاليا لمشاكل التبطل والتعطل ولمشكلات أخرى...
ولمزيد من حديث عن الصعوبات التي تعترض تطبيق التعليم الالكتروني يمكن الإشارة إلى:
أ- صعوبات تخص الطلبة:
1. كما في إشكالية أو صعوبة الانتقال والتحول من الصيغ التقليدية للتعليم إلى الصيغ الحديثة له تحديدا التعليم الالكتروني.
2. الصعوبة المرتبطة بإشكالية تطبيق التعليم الالكتروني في بعض التخصصات العلمية من مثل تدريس لغة بعينها أو علوم تطبيقية...
3. صعوبات تتعلق بتوفير أجهزة الكومبيوتر للطلبة وشبكة الانترنت ذاتها لجمهور واسع من أبناء بلدان الشرق الأوسط...
4. وجود تجاريب تعليم الكتروني تعتريها الثغرات والخلل كضعف خبرات التدريسيين أحيانا أو الإدارات والجهاز الفني.
ب- صعوبات تخص التدريسيين وإدارات التعليم:
1. من مثل مجابهة مصاعب التعامل مع طلبة لم يعتادوا طرائق التعلم الذاتي أو التعامل المناسب مع الإنترنت.
2. مجابهة مصاعب تخص عدم التأكد من قدرات الطلبة وكفاءتهم في استخدام الكومبيوتر.
3. مصاعب تخص تعقيد بعض المواد العلمية وعدم مرونتها بيد التدريسي لإيصالها للطلبة بطريقة مناسبة.
4. صعوبة تخص الكلفة المالية وبشكل أشمل المادية للتعليم الالكتروني عندما يكون موجها لعدد أو حجم محدود من الطلبة.
5. تعقيدات قضية حقوق الملكية الفكرية وطبع المواد ونشرها إنترنيتيا.
لماذا خيار التعليم الالكتروني في المستوى الجامعي تحديدا؟
يتجه التعليم الجامعي إلى الجوانب المعرفية العلمية البحتة، حيث التركيز على امتلاك المعلومات، وعلى العمليات المنطقية مع استقلالية نسبية عن أمور تخص تطوير القيم والاتجاهات والمُثل، فالأكثر أهمية ومركز الجهد للجامعة يكمن في تنمية المهارات والكفايات الوظيفية المهنية. وطبعا يعمل التعليم الجامعي على تطوير مهارات تحديد المشكلات وحلها، وعلى التفكير النقدي الإبداعي، عبر اكتساب تلك المهارات المعرفية التي تُمنح للطلبة. إن تلك المهارات المعرفية هي وسائل وأدوات وليست منتجا جامدا ونهائيا، وحين يتعلم الطلبة وسائل الحصول على المعارف والعلوم عند الحاجة إليها، وبوجود المهارات المنطقية العقلية للإبداع والتفكير، يكون التعليم الجامعي قد قدم الخدمة الجوهرية الأساس للطلبة ليس لمتابعة التعلـّم حسب بل وللمشاركة في حل المعضلات وتوفير قدرات العمل والإنتاج الاجتماعي الأوسع والأكثر تقدما واستجابة للحاجات المستجدة في الحياة العامة.
إن إحساس طلبة الجامعات بأن التعلم شئ مرغوب فيه ويمتلكون العلاقة الودية الحية معه، وأنه يوفر وسائل مهمة لتحسين ظروف حيواتهم وطبيعة أعمالهم، إنَّ ذلك يشير إلى أهمية التعليم الجامعي وتطويره والانتقال به لمستويات فنية تستجيب للحاجات المعاصرة المولودة في المجتمعات الإنسانية ومنها تلك التي تحيا في بلدان الشرق الأوسط.. فالتعليم الجامعي هو الذي يلبي حاجات الفرد التكيفية والإبداعية، وحاجات المجتمع عندما تكون الخطط والوسائل قادرة على خلق الإنسان المتمكن من مجابهة عالمه بموضوعية وثبات، وبقدرة على التكيف مع ظروف محيطه المتسارعة في متغيراتها.
إنَّ التعليم الإلكتروني الذي نحن نتحدث عنه اليوم المبني على الشراكة بين أطرافه، هو الذي يوفر الأجواء المناسبة الجديدة للإقبال على اكتساب العلوم والقدرات الإبداعية ومواصلة المثابرة في تنميتها وتطويرها، بخلاف الطرق التقليدية في التعليم التي صارت سببا للنفور من التعليم واستعجال التوجه لوظائف هامشية لا تستجيب لمتطلبات الحياة المعاصرة والمشاركة في بنائها بقدر ما تلبي رغبات أو حاجات محدودة تبقي على الإنسان بعيدا عن قيم التطور وطبيعة العالم المعاصر. وسيجد هؤلاء أنفسهم يوما خارج عالم اليوم لا الغد عندما يواجهون ظروفهم بلا أدوات التعايش مع عالمهم الجديد.
إنَّ التعليم الإلكتروني هو الوسيلة الأنجع استعدادا لعالم مختلف نوعيا سيفصل بين وجودين استهلاكي لا يملك لا إمكانات ولا حقوق التعايش ومنتج يتفاعل مع المستجدات بمقدار مرونته في التعاطي مع تلك المتغيرات التي صرنا قاب قوسين أو أدنى منها..

عن: المدى