الحضارية «دراسات الادارة المعاصرة»

السبت: 01/11/2008


الفساد الاقتصادي

عماد صلاح عبد الرزاق الشيخ داود

عندما يتحدث أو يكتب في مجال الفساد الاقتصادي فلابد لمن طرح الفكرة للمناقشة أن يجعل صورة (الفقر) أمامه نتيجة رئيسة لتفاعل الفساد مع المال، لذلك فإن الكثير من الباحثين تناولوا مسألة الفساد الاقتصادي جنباً إلى جنب مع موضوع الفقر. حيث بانعدام المبادئ والأخلاق والعدالة وتفاقم الرشوة والعمولة تتدهور الاقتصاديات في ظل فسادها ويؤدي ذلك إلى انتشار آفة الفقر. لهذا شخص البرفسيور د. ديفيد جولد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بتسبرج، والدكتور خوزيه امارو ريسي الأستاذ المساعد للعلوم السياسية في جامعة سييتون هول (الخبيران لدى البنك الدولي) في دراسة عن أثر الفساد الاقتصادي على الدول النامية إلى أن بعض المجتمعات استطاعت التغلب على الفساد في الدول المتقدمة إلا أنه الظاهرة لا زالت متفاقمة في عالم الجنوب العالم الأكثر فقراً ومعاناة من ضنك العيش. مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات اقتصادية في تلك الدول مخالفة لمتطلبات الواقع الفعلي وبذلك تسود الفوضى كل مظاهر الحياة(1).
لقد عرفت العلاقة بقبول المفاوض فائدة عند إبرامه عقداً ما لقاء سعيه في إتمامه الصفقة بشروط مجحفة (بمعنى أنه يخون أمانته بعَدّهِ مؤتمناً على حق عام فينحاز إلى الآخر ولا يراعي مصلحة الطرف الذي يمثله) بأنها آلية (العمولة Commission) التي هي الصورة والمفهوم الذي يتجلى نمط الفساد الاقتصادي باستخدامه(2). حيث من خلال هذه الآلية ونمو التجارة الدولية والأعمال أصبح أسلوب الفساد الاقتصادي خير من يأتي بنفع كبير إلى العديد من الشركات (خصوصاً متعددة الجنسية) باستخدامها هذا الأسلوب للفوز بالعقود على حساب منافسيها (ذلك طبقاً لم تشير إليه تقارير صندوق النقد الدولي الصادرة عام 1998م)(3). لهذا نلاحظ بأن صحيفة اللوموند الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 17/3/1995 تشير إلى أن حجم الرشاوى (العمولات) المدفوعة للخارج من قبل شركات فرنسية للعام 1994م يقدر بـ (10 بليون ف.ف). وذلك نقلاً عن تقرير سري للحكومة(4).
ضمن هذا السياق لمفهوم الفساد الاقتصادي ومفهوم العمولة نجد أن من أوضح الأمثلة لإغناء الموضوع يكون من خلال الإشارة إلى أنموذج التسلح، ففي هذه الصورة من صور الفساد الاقتصادي تشير إحدى أوراق صندوق النقد الدولي إلى أن الفساد في العالم يرتبط بنوعية البيروقراطية في كل دولة ومستوى أجور القطاع العام وسلطة حكم القانون وتوفر المصادر الطبيعية ودرجة المنافسة الاقتصادية. ثم ينتقل بعد ذلك التقرير ليشير إلى أن منتجي الأسلحة في العالم يلجؤون إلى تقديم عمولات (غير قانونية) لأجل كسب العقود في كثير من البلدان وحتى في بلدانهم(5). ويقدر خبراء الصندوق أن هنالك أكثر من (15%) من عوائد صفقات التسلح تذهب لتغطية هذه العمولات(6) وأن لهذه العمولات الأثر السلبي على الدول المستوردة لزيادة النفقات وأثراً إيجابياً على الدول المصدرة لإمكانية التصدير. وبما أن الدول الأكثر استيراداً للسلاح في العالم هي دول العالم الثالث (الأكثر فقراً)(كما أشرنا سلفاً) والتي ينمو إنتاجها بمعدل (5%) سنوياً نلاحظ أن إنفاقها العسكري يزداد بمعدل(7%) ونسبة من هذه الإنفاقات تذهب كعمولة طبقاً للآراء الواردة أعلاه مما يمتص القدرات المتاحة لتلك البلدان في التطور(7).
إن لهذا الإنفاق العسكري لدول الجنوب الأثر على ميزانيات الدول المصدرة للسلاح الأمر الذي يحث الأخيرة إلى دفع العمولات لجني الفوائد، لذلك نرى أن تقريراً لمكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي أوضح بدراسة (لبيان ذلك الأثر) حول مبيعات السلاح إلى أن وقف هذه المبيعات يؤدي إلى فقدان (ثلاثمائة وخمسين ألف) فرصة عمل للعمالة الأميركية، فضلاً عن أن كل (مليار دولار أميركي) يأتي من صادرات السلاح يوفر (اثنتين وأربعين ألف فرصة عمل) على أساس أن متوسط برنامج المبيعات هو (8.2 مليار دولار) سنوياً. الذي بدوره (أي المتوسط المذكور) يحقق فائضاً في ميزان المدفوعات الأميركي يصل إلى (560 مليون دولار) وكذلك يحقق (160 مليون دولار) وفراً في تكاليف إنتاج الأسلحة(8).
مما تقدم يتضح لدينا مقدار مكاسب الدول المصدرة للسلاح سواء أكانت الولايات المتحدة أو غيرها ومقدار خسائر عالم الجنوب نتيجة الكثير من شركات التسلح بالعقود عن طريق دفع العمولات التي قدرها صندوق النقد الدولي بـ (15%) من عوائد كل صفقة كما أشرنا.
وفي نقطة الضوء ذاتها يشير تقرير لمنظمة الشفافية الدولية (Ti) إلى أنها تشخص عالم الجنوب. هو الأكثر إصابة بمرض الفساد الاقتصادي أو أشكال الفساد الأخرى نتيجة لسياسات الدول الكبرى وشركاتها(9). جدير بالذكر أن شركات صناعة وتسويق الأسلحة بغية تحقيق أعلى نسب في الأرباح لا تتوانى عن دفع الرشاوى والعمولات لكبار الموظفين في البلدان التي تجهزها، أو حتى لرؤوس النظم السياسية التي تتجنس بجنسيتها إذا تطلب الأمر. فشركة (نورثروب Northrop) الأميركية قامت في 1971م بدفع عمولة مقدارها ((2.3)مليون دولار). لجنرال في سلاح الطيران البرازيلي لحث دولته على طلب شراء طائرات حديثة من الشركة المذكورة، في فترة كان قرار سابق لرئيس الإدارة الأميركية (طبق منتصف الستينيات من القرن المنصرم) يحظر تصدير الأسلحة إلى دول أميركا اللاتينية مما أفسح المجال للشركات الأوروبية بالدخول إلى ميدان تسليحها، الحالة التي جعلت الشركات الأميركية تخسر تلك الأسواق، وقد تعهدت تلك الشركة للجنرال المذكور بأنها ستعمل على تغيير قرار الرئيس الأميركي في ذلك، وفعلاً قامت الشركة بدفع مبلغ (خمسة وسبعين ألف دولار) كتمويل لحملة الرئيس الأسبق (ريتشارد نيلسون) الذي بدوره أصدر قراره في 5/حزيران/1973م بالسماح بإتمام الصفقة، التي أظهرت الأوساط المهتمة فيما بعد أن ذلك المال ذهب لتغطية نفقات الدفاع عن المتهمين في فضيحة وترغيت(10). الأنموذج الذي يعطي الدليل الواضح على الفساد المتأصل في هذه الصفقات.
جدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي يشير في إحدى تقاريره إلى أن العمولات المذكورة تتم جدولتها ضمن رسوم ضرائب تلك الشركات الدافعة لها، وأن طبيعتها الجرمية تنتفي في حال دفعها لموظفين في دول أخرى تقتضيها مصالح تلك الشركات.
يذكر ان كل هذا يعود إلى الكتمان الذي يحيط تلك العقود مما يؤدي إلى فقدانها للشفافية المطلوبة ويجعل اللعبة محصورة بين المجهز وسلطات الاستيراد (الفاسدة) التي يساعد على زيادة فسادها حجت تلك الصفقات من الرقابة الكمركية والضرائبية(11). أن الآليات الفاسدة والسرية للعقود المشار إليها خلقت حالة من عدم الاستقرار في العالم أجمع نتيجة لتزايد أعداد الصفقات، الأمر الذي جعل مجلس الكنائس في ألمانيا (خامس أكبر دولة في العالم تصديراً للسلاح) ينتقد مثل تلكم الصادرات إلى الدول الأخرى خصوصاً الفقيرة، التي بلغت قيمتها أكثر من (مليار مارك) عام 1998م وتصاعدت لتبلغ (2 مليار مارك) عام 1999م حيث ترى الكنائس (انطلاقاً من رؤيتها الإنسانية) أن سرية هذه الصفحات يجب أن تحارب وتطالب الكنائس بشفافية أكثر في هذا المجال وترى أن استعار (تصعيد) عمليات التسلح في دول الجنوب بزيادة الصادرات إليها يمثل تبذيراً لموارد تلك البلدان(12). لهذا أيضاً يشير تقرير الشفافية الدولية (Ti) لسنة 1999م إلى أن سرية كسب العطاءات ورشوة الموظفين العموميين للحصول على العروض يؤدي إلى إشاعة الفساد في دول الجنوب من قبل الدول التي تتعامل بالفساد لتسويق عروضها ومنها الولايات المتحدة بشركاتها في المقام الأول ثم تليها الشركات الفرنسية فالصينية فالألمانية(13). وأن جيشاً من كبار الموظفين في (مائة وست وثلاثين) دولة يتقاضون بشكل منظم رشاوى من تلك الشركات حتى أن (وليم ويلي) وزير التجارة الأميركي أورد أنه خلال الفترة من أيار/97 حتى نيسان/98/ تم اكتشاف الرشاوى في أكثر من (ستين) عقداً أبرمتها الشركات الأميركية خارج الحدود وصلت قيمتها إلى ((ثلاثين) بليون دولار أميركي)(14). وفي صميم الموضوع يشار إلى أن القضاء الفرنسي نتيجة لشكوى مقدمة له استدعى في نهايات عام 2000م (نجل الرئيس ميتران)/ ومستشاره في الوقت ذاته (أبان فترة حكمه) للشؤون الأفريقية (جون كريستوف ميتران)، وقرر احتجازه بإصدار الأمر القضائي للشرطة لاستجوابه عن تعاونه من تاجر الأسلحة / (بيير فالكون) بعقد صفقات لبيع الأسلحة إلى أنغولا خلال فترة حكم والده وأن (جون كريستوف) متورط بكون هذه الصفقات غير مشروعة وقيامه بالتهرب الضريبي عنها وعمليات فساد مالي كبير(15) على أن القضاء قد أطلق سراحه بكفالة مما يشير إلى أن الاتهام قائم ضده(16) حتى بعد إطلاق سراحه.
من هذا كله نجد أن المصروفات العسكرية في أقطار الجنوب منذ سنة 1980م بلغ متوسطها ما مقداره (25%) من المجموع العالمي للإنفاق مما دعا إلى تشجيع آلية الفساد في هذه الدول وتسهيله من خلال سوء الإدارات الحكومية فيها وبروز الدكتاتوريات الاستبدادية وضعف أنظمة الرقابة والمحاسبة، وذلك نتيجة النزعة التسليحية ونشوب الكثير من المنازعات في عالم الجنوب التي كانت تضحياته البشرية أفدح من خسائره الاقتصادية مما أضاف لعالم الجنوب معاناة وأشكالاً مختلفة من الفقر والحرمان ما زال عالم اليوم يعاني منها(17).
ومن صورة الفساد الاقتصادي عبر التسلح، ننتقل إلى صورة أخرى يتوضح فيها الفساد الاقتصادي هي نشاطات وانتشار شبكات مافيا المخدرات كواحد من نشاطات (الجريمة المنظمة) التي أصحبت تشكل قوة اقتصادية هائلة يستطيع أطرافها بسطوتهم المالية إفساد حكومات بأكملها نتيجة لما ترتكز في أيديهم من أموال ضخمة (مئات البلايين من الدولارات). يذكر أن أطراف هذهِ المافيا يستخدمون آليات العمولة والرشوة والإفساد وسيلة لتمرير أعمالهم غير الشرعية، وإذا لم تنجح هذه الآلية وتضاربت مع نزاهة الموظفين الشرفاء، لجأت هذه الفئات إلى استخدام آلية القوة والقتل العمد لتمرير أعمالها تلك.
لهذا بات معروفاً أن هنالك مقاطعات من أقاليم كثيرة في العالم يديرها بارونات المخدرات (Drug Barons) لا يجرؤ حتى رجال الشرطة على ولوجها، ساعدت سطوتهم على أن يصبح الإفساد الاقتصادي للمؤسسات المالية والهيئات الاقتصادية عملية ماكرة وخبيثة يقومون بالإعداد لها. لا بل أصبحت هنالك العديد من النظم المالية تعتمد على ذلك المال القذر الوارد من دولارات المخدرات ومشروعات إجرامية (كالقمار، والدعارة، وتجارة الرقيق الأبيض، والأسلحة غير المرخصة)(18) لتستخدم في أنشطة أخرى (كالسياحة والفنادق والمصارف) في عملية يطلق عليها اليوم (عملية غسل المال القذر)(19) أو (غسل العملة)، وذلك حتى تستطيع خلايا الإجرام أن تمارس أعمالاً لها تأثير مهم في قطاعات الاقتصاد الرئيسية. وبسبب هذا التداخل في العلاقات مع المصارف الدولية والشركات يصبح التحقيق في، ومقاضاة مسألة تهريب المخدرات أمراً بالغ الصعوبة. حيث يستطيع المجرمون الانتقال ونقل ملكياتهم إلى جهات قضائية صديقة أو إلى دول تحمي مصارفها السرية عمل أولئك المجرمين(20) جدير بالذكر أن هنالك أموالاً قدرت بـ(عشرة بلايين دولار أمريكي) طبقاً لتقرير صحيفة الأوبزرفر البريطانية، تورطت فيها بنوك نيويورك وشبكة مؤسسات مالية أميركية وبريطانية، جاءت من غسيل أموال عصابات الجريمة المنظمة التي تم تحويلها عبر إنشاء عدد من الشركات القانونية والحسابات المصرفية وأعمال أخرى مثل إدارة المراقص الليلية(21). إلى ذلك تشير بعض الدراسات الاقتصادية بأن تقديرات أعمال (غسيل الأموال) للعام 1998م فقط بلغت (10%) من الناتج المحلي لجمهورية التشيك و(7.3%) من الناتج المحلي لبريطانيا و(25%) من الناتج المحلي للعالم بأسره.
وتختلف قيمة الأموال المغسولة حسب الدول والمناطق حيث تقدر لذات الفترة المذكورة بحوالي (سبعة عشر مليار دولار أميركي في كندا) و(عشرين مليار دولار أمريكي في المكسيك) (وثمانية وأربعين مليار دولار اميركي في الولايات المتحدة الأميركية) و(خمسمائة مليار دولار أميركي في سويسرا) وما يقارب (واحداً وثلاثين تريليون دولار أميركي في العام بأجمعه) وذلك طبقاً للتقرير الاقتصادي لبنك دبي الوطني المنشور في كانون الثاني للعام (2000م)(22).
لقد تحولت مافيا الجريمة المنظمة إلى قوة تتحكم في اقتصادات وسياسات بلدان عدة بحكم آليات الفساد المتحكمة فيها، حتى أصبحت توصف بأنها حكومة الظل في تلك البلدان التي منها على سبيل المثال دول أوربا الشرقية (المنهارة بعد الحروب الباردة)، حيث وعدت هذه الدول شعوبها بنقلهم إلى مجتمع الرفاهية حال زوال نظمها السياسية الاشتراكية، وسرعان ما سادت في تلك المجتمعات مفاهيم الاقتصاد الحر للسوق، والخوصصة، ثم مالبثت أن ازدهرت فيها مافيات الجريمة المنظمة المتزامن معها تحكم الممولين، ليظهر التسول والبغاء (كناتج عرضي) في الشوارع إضافة للسرقة لتسهيل اللقمة(23) بدلاً من الرفاهية المزعومة.
لذلك نرى في دراسة للأنموذج الأمريكي ـ الروسي (كمثال عن الحالة المذكورة) أن وكالة رويترز للانباء نقلت عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (F.B.I) في الولايات المتحدة الأميركية أنه تم استجواب (لوسي ادواروز) (المسؤولة السابقة في بنك نيويورك) وشريكها (بيتر برلين) صاحب شركة بنكس الدولية، لتورطهم في عمليات غسيل للأموال غير المشروعة (ونقلها من روسيا إلى الولايات المتحدة الأميركية من خلال بنك نيويورك) قدرت ببلايين الدولارات الأميركية، ونتيجة الاستجواب المذكور كانت أن وافق المشتبه بهم تسليم مبلغ (تسعة ملايين دولار)(24) كانت بحوزتهم إلى السلطات الفيدرالية.
بعد ذلك صدرت أحكام بحق كليهما حسب ما أعلنه القاضي (لورينت كاسبر) في ندورة قانونية حول الفساد عقدت من نهايات عام 2000م ويفتح هذا التحقيق الطريق أمام احتمال قيام السلطات بالطلب من المصارف التدقيق في كيفية اجراء هذه التحويلات، ويعتقد أن الجزء الأكبر من هذه الأموال مصدره الشركات التجارية الروسية التي حاولت التهرب من دفع الضرائب والكمارك (يمتلكها أثرياء روس) هرب الكثيرون منهم من روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تجنباً لدفع الضرائب فيما يشكل الجزء الآخر من هذه النقود نشاطات إجرامية حسب تأكيد دوائر التحقيقات الأميركية. يذكر أن (لورينت كاسبر) القاضي الفيدرالي اعتزم تقديم طلب في تعقب اصول تلك الأموال وكان (كاسبر) قد أبدى شكواه علناً في السابق من هشاشة تعاون السلطات الروسية والأميركية في تعقب مصدر هذه الأموال(25).
لقد انتشرت جريمة غسل العملة بشكل واسع وأصبحت ظاهرة تؤخذ بالحسبان لما لها من أثر على اقتصاديات الدول واهتمت الكثير من المنظمات الحكومية وغير الحكومية بهذه الجريمة، وقد عد(غسيل العملة) من أهل صور الجريمة المنظمة(26). كما أن الجمعية العامة للشرطة الجنائية الدولية في دورتها (66) في نيودلهي/1997م أوصت بإعداد بيانات إحصائية لتعزيز التعاون الأولى الجنائي في (مواجهة غسل العملة) في كل مراحلها(27).
من هنا يتضح كيف أن للسلوك الفاسد لعصابات الجريمة المنظمة أثراً على اقتصاديات البلدان وكيف يتم نقل الأموال غير المشروعة مما يجعل الكثير من الشعوب تنوء تحت وطأة الفقر(الإمكانية خفض قيمة العملة واختلال البنية الاجتماعية للدولة وحدوث فجوة بين الأغنياء والفقراء) وما تروجه تلك العصابات من مخدرات وعمليات غير مشروعة تسلب الكثيرين حقوقهم في الحياة(28).
وبعد أن تناولنا صورتين من صور الفساد الاقتصادي، لابد أن نركز الضوء على صورة ثالثة وأخيرة، نتناول فيها كيف يستهل الفساد الاقتصادي، في أوجه أخرى، حق الإنسان في العيش ويهدد البناء البشري في أبسط مقومات استمراره في الحياة. ويجعل أولئك المدافعين عن هذا الحق في العيش سُرّاقاً له. ولإيضاح الصورة بشكلها الناصع نورد بعض الأمثلة عن ذلك.
فطبقاً لما أشار إليه مساعد سكرتير عام الأمم المتحدة للشؤون العلمية، المدير الأسبق لمنظمة (F.A.O) الأغذية والزراعة الدولية (29) (كمثال أول) في تحديده لمدى الفساد في بعض برامج المعونة الأميركية، نراه يروي أنموذجه في ذلك من خلال الحديث عن أحد تلك البرامج الخاصة بزراعة الرز في مصر، حيث يذكر أن إجمالي مبلغ المعونة وقدره (ستة عشر مليون دولار أميركي) المعد توظيفه لخدمة المشروع ذهب نصفها للرواتب وللزيارات إلى الولايات المتحدة الأميركية ولإنشاء بعض البنايات، دون أي زيادة تذكر في إنتاج محصول الرز(الذي أنشئ البرنامج أصلاً لزيادة غلته). الأمر الذي جعله يلفت الأنظار إلى أنه دائماً ما تنفق المبالغ كلها على وجوه يعلم الله حقيقتها ويترك حال المشاريع والبلدان أفقر مما كانت عليه قبل الشروع بتنفيذها(30). هذا المثال يمكن أن يوضح الأثر السيء للفساد إذا ما تم ربطه بشكل آخر من أشكال مافيات الإغذية يوضحه الواقع المصري أيضاً في معاناته من ذلك إبان نهايات عقد الثمانينيات في القرن المنصرم حيث أشارت بعض الجهات المعنية بالفساد إلى أن وزارة الحصة الألمانية (الاتحادية في حينه) اكتشفت شحنات من الألبان (المجففة) الملوثة بالإشعاع في موانئها تحاول بعض الجهات تصديرها إلى بعض بلدان عالم الجنوب من بينها مصر، وقد أعلنت في حينها وزيرة الصحة الألمانية أن ذلك العمل قد ضبطته السلطات هنالك وهو عمل غير أخلاقي ومؤذ للبيئة والصحة، إلا أن الموضوع يأخذ (الفساد) فيه صورته الكاملة بحقيقة ما ناقشه الكاتب المصري (عصام رفعت) في موضوعه الصحفي حول تلك الصفقة حيث أشار إلى عدة أركان في الموضوع منها:
الركن الأول: أن المشكلة تكمن في فتح الجهات المسؤولة عن الاستيراد إمكانية استيراد البضائع بلا ضوابط للمستوردين، مما أدى إلى تواطؤ (الشخص) المستورد مع المصدر لتسويق شحنات غير صالحة للاستهلاك البشري الغاية من ورائه الربح السريع.
الركن الثاني: انعدام حقل التخصص للمستوردين مما فتح المجال أمام كل مغامر باحث عن الربح (مشروع أم غير مشروع) حتى وإن كان المتاجرة بسلامة وأرواح الأبرياء.
الركن الثالث: انتفاء وجود العقوبة القانونية الرادعة في القانون المصري حيث أن العقوبة لا تتجاوز (6 ـ 3) سنوات سجن، وغرامة من (100-1000) جنية مصري وهي عقوبة ليست ذات معنى تجاه تهديد شعب بأكمله في صحته.
الركن الرابع: الكشف عن ما وراء المستورد من الموظفين العموميين الذين يسهلون له الحصول على شهادات سلامة الصفقات المزورة وإصدار الفواتير المزورة أيضاً. ما كان همهم من وراء ذلك إلا الإثراء على حساب الغير(31).
إن المثالين سالفي الذكر يوضحان مدى تأثير الفساد الاقتصادي على واقع المجتمع المصري كأنموذج للدراسة يمكن القياس عليه بالنسبة لباقي الدول (خصوصاً في عالم الجنوب) ومدى أثرها السيء على المجتمعات.
والنتيجة أسوأ من التي أشرنا لها، نجد أن الكاتب (كراهام هانكوك Graham Hancock) يعرض لكيفية الفساد من خلال محاربة الجوع، ففي كتابه (لوردات الفقر) ـ (Lords of Ppverty) يشير المؤلف لمشروع الجوع (Hunger Project) لإعلانة البلدان المنكوبة وإزالة الجوع في العالم، حيث يذكر طبقاً لمعلومات (المكتب العلمي لمعلومات العون) أن منظمات الغوث الإنساني تسلمت من خلال فترة عام واحد مبلغاً يزيد عن (سبعة ملايين دولار أميركي)، دفع منها فقط (واحد وعشرون ألف دولار) على شكل منح لمنظمات إغاثة وأنفق المبلغ الباقي في الولايات المتحدة الأميركية تحت بنود:
(تسيير النجدة)، (التسجيل)، (الاتصالات)، (إدارة المعلومات). واللافت للنظر في الأمر أن قوائم الهواتف فقط كانت تزيد قرابة العشرين مرة عن ما دفع من منح للإغاثة (نصف مليون دولار قوائم هواتف).
كما ذكر المؤلف أيضاً أن منظمات العون المسيحي العالمية الأميركية لم ترسل لأثيوبيا التي جمعت لها (ثمانية عشر مليون دولار) كمساعدات (سنتا واحداً)(32)، الأمر الذي يتضح معه عظم الهوة التي يوجدها الفساد في الحياة الشعوب الفقيرة. لهذا ذهبت دراسة أجريت في المغرب حول (مشاكل الفقر) حددت (إشاعة الفساد) كأحد خمسة أسباب تجعل الفقر يستشري في المجتمعات ألا وهي بالإضافة للفساد، (النمو الديموغرافي، التحولات الاقتصادية العالمية، ضعف النمو الاقتصادي، وأسباب اجتماعية أخرى).
ونجد ضمن الدراسة المذكورة بأن معطيات البحث الوطني الذي أعدته وزارة التوقعات الاقتصادية والتخطيط لعام 1999م في المغرب حول مستوى معيشة الأسر، يثبت أن عدد فقراء المغرب في حالة ارتفاع مستمر وصل إلى (ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة) خلال العشرية الأخيرة من القرن المنصرم، لهذا يذهب الكاتب والصحفي المغربي (محمد أديب السلاوي) الذي أورد تلك المعطيات في مؤلفه [(أطفال الفقر) أحد عدة مؤلفات للكاتب ناقش فيها (قضايا الفساد)] أن شريحة الكبرى من مجتمع المغرب تعيش على عتبة الفقر ودخلها اليومي لا يتعدى (دولاراً أميركياً واحد) حسب تصريحات الوزير الأول المغربي (عبد الرحمن اليوسفي)، ويذهب المؤلف إلى أن هذا المقدار من الدخل لا يؤمن قوت يومٍ واحد للفرد وبذلك يتجلى (تعريف الفقر)(33). ويربط الكاتب بين الفقر والفساد(الأخلاقي، والسياسي، والإداري، والاقتصادي) وانعكاسات ذلك على المجتمع وخصوصاً على الطفولة وتهديده لحقوق الإنسان من أمن صحي وغذائي ومائي(34). وتأسيساً على ما ورد ترى الدراسة أن فيما سلف كله انتهاكاً للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمنصوص عليها في ديباجة العهد ومواده (7 ـ 1) و(10 ـ 3) و(11) و(13) التي يهددها الفساد في صحة تطبيقها على أبناء البشرية(35).
من هذا كله يتضح ما للفساد الاقتصادي من خطر يستوجب الوقوف عليه وتعريض المسؤولين عنه للمساءلة دوماً لكي تظهر الصورة جلية خالية من كل شائبة للفساد التي باستشرائها تزداد معاناة الناس اقتصادياً.

الهوامش
ــــــــــ
(1) نقلاً عن حمدي فؤاد، الفساد في الدول النامية، مجلة الأهرام الاقتصادي، العدد 840 في 18/2/1985.
(2) د. أحمد رفعت خفاجي، جرائم الرشوة في التشريع المصري والقانون المقارن، م س ذ: 483.
(3) Vio tanzi / corruption around the world/Washington/ IMF/ May. 1998/ p.7.
(4) Ibid. p.7.
(5) Sanjeev Gupta & others/ corruption & military spending/ Washington/ IMF/ Feb 2000/ pp 2-4.
(6) Vito Tanzi / corruption around the world / po. Cit. p. 7.
(7) د. سامي منصور/ تجارة السلاح والأمن القومي العربي، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1991م: 232.
(8) المصدر نفسه: 240-241.
(9) عبد الله إمام، الفساد ظاهرة قومية، صحيفة الرأي الأردنية، العدد 10634 في 21/10/1999.
(10) د. سامي منصور، م س ذ: 266.
(11) Sanjeev Gupta / corruption and Military spending/ op .cit pp. 4-6.
(12) إذاعة صوت ألمانيا العربية من كولونيا، الساعة 10.30 مساءً بتوقيت بغداد، يوم 18/12/2000.
(13) (Ti) News letter/April 2000.
(14) فهمي هويدي، صحيفة اللواء الأردنية، 28/6/2000م.
(15) إذاعة لندن B.B.C، العربية، 22/12/2000م، الساعة 12.10 بعد منتصف الليل، بتوقيت بغداد.
(16) إذاعة لندن B.B.C، العربية، 27/12/2000م، الساعة 9.10 مساءً، بتوقيت بغداد.
(17) يوليوس ك. نيريري وآخرون، التحدي أمام الجنوب، تقرير لجنة الجنوب، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ديسمبر 1990م: 105-107.
(18) نلاحظ أن الموضوع يتداخل فيما بين الفساد الاجتماعي والاقتصادي مما يدل على أن الفساد وإن تعددت تعاريفه يُشكل في أحيان كثيرة حالة واحدة هي عكس الحالة السوية لمناحي الحياة الإنسانية إن صح التعبير.
(19) عملية غسل العملة: هي تحويل أموال تم الحصول عليها بطرق غير قانونية من خلال طرف ثالث لإخفاء مصدرها(انظر: د. كاظم نزار الركابي، أميركا أهم مركز لغسيل الأموال في العالم، بغداد، صحيفة العراق البغدادية، العدد 6974، في 21/1/2000م.
(20) الأمم المتحدة، الفساد في الحكومة، د. نادر أحمد أبو شيخة (مترجم)، عمان، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 1994: 11- 13.
(18) نلاحظ أن الموضوع يتداخل فيما بين الفساد الاجتماعي والاقتصادي مما يدل على أن الفساد وإن تعددت تعاريفه يُشكل في أحيان كثيرة حالة واحدة هي عكس الحالة السوية لمناحي الحياة الإنسانية إن صح التعبير.
(19) عملية غسل العملة: هي تحويل أموال تم الحصول عليها بطرق غير قانونية من خلال طرف ثالث لإخفاء مصدرها. (انظر: د. كاظم نزار الركابي، أميركا أهم مركز لغسيل الاموال في العالم، بغداد، صحيفة العراق البغدادية، العدد 6974، في 21/1/2000م.
(20)الأمم المتحدة، الفساد في الحكومة، د. نادر أحمد أبو شيخة (مترجم)، عمان، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 1994م: 11-13.
(21) ظافر إبراهيم، فضائح بالجملة عن علاقة المافيا بالمسؤولين الأميركان والبريطانيين، صحيفة القادسية البغدادية، 23/10/1999.
(22) انظر في ذلك: د. كاظم نزار الركابي، الولايات المتحدة أهم مركز في العالم لغسيل الأموال، صحيفة العراق البغدادية، العدد 6974، 21/12/1999.
(23) ممدوح علوان، صحيفة الرأي الأردنية، العدد 10693، في 19/12/1999.
(24) Ruters. 15. Fel. 2000.
(25) اليزابيث أولسون، عملية روسية لغسيل الأموال، صحيفة الشرق الأوسط، 17/11/2000.
(26) طبقاً لمشروع الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة لمحاربة الجريمة المنظمة (م/1).
(27) تتم مراحل عملية غسل العملة في عملية معقدة تتطلب استخدام العديد من الوجوه، حيث يقوم كل وجه بدور في مرحلة إخفاء الأموال داخل وخارج البلاد. ومراحل غسل العملة هي: الإيداع لدى البنوك، التوظيف، التمويه، الدمج.
(28) انظر في ذلك، عبد الوهاب التحافي، غسل الأموال جريمة إخفاء أشياء متحصلة من جريمة، صحيفة الثورة البغدادية، 12/6/2000.
وكذلك: عصام الدين الأحمدي، ظاهرة غسيل الأموال وآثارها الاقتصادية وأهم الجهود العالمية والمحلية المبذولة لمكافحتها، مجلة اتحاد المصارف العربية، العدد 237، المجلد 20، أيلول 2000: 109.
(29) أ. د. مصطفى الجبلي، من مصر العربية.
(30) جمال زيادة، مافيا الاستيراد ضد تطوير الزراعة، القاهرة، مجلة الأهرام الاقتصادية، العدد 943، شباط 1987م.
(31) عصام رفعت، مافيا المستوردين وعصابات الموظفين، القاهرة، مجلة الأهرام الاقتصادي، العدد 843، في 11/3/85: 9.
(32) نقلاً عن: صحيفة الجمهورية البغدادية، 29/5/1994.
(33) الفقر: هو حالة الفقر الذي لا يتجاوز دخله دولاراً أميركياً في اليوم، أو ذلك الذي لا يستطيع تأمين قوته اليومي.
(34) سعيدة شريف، الفقر والطفولة المغربية، (عرض لكتاب الصحفي محمد أديب السلأوي، أطفال الفقر، صحيفة الشرق الأوس العدد 8026 في 18/11/2000.
(35) نشرة المنتدى، العدد 91، إبريل 1993م: 4-7.
المصدر: الفساد والإصلاح، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق.