رجوع للصفحة الرئيسية اتصل بنا

الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»  

 الاحد: 23/12/2007


مدخل إلى إستراتيجية العمليات
العمليات كسلاح تنافسي

د. جمـال الدبّاغ(*)
(خاص للمعهد)

تتعامل إدارة العمليات/ الإنتاج مع عمليات تنتج سلعاً وخدمات تستخدم في الحياة اليومية، وتعد العمليات أنشطة أساسية تقوم المنظمات بها لبلوغ غاياتها. إن أية منظمة سواء أكانت عامة أم خاصة، خدمية أم تصنيعية ينبغي أن تدير عملياتها لإضافة قيمة لزبائنها، وباختيار الأساليب والاستراتيجيات المناسبة يتمكن المديرون من تصميم العمليات وتشغيلها لتحقيق الميزة التنافسية للشركة.
وإذا أرادت أية عملية فهم دورها في المنظمة التي هي جزء منها، فعليها أن تجيب عن سؤالين:
1. ما هي المشاركة التي تتوقع أن تكون لها ضمن الأعمال ـ أي دورها؟
2. ما هي أهداف الأداء الخاصة التي يمكن للأعمال من خلالها تقييم مساهمة العملية في طموحاتها الإستراتيجية؟
ولكلا الموضوعين أهمية بالغة في أية عملية، فبدون إدراك دورهم ضمن الأعمال لا يمكن للأشخاص الذين يديرون العملية أن يتأكدوا من أن يساهمون فعلاً في النجاح طويل الأمد للأعمال. وعلى المستوى العملي لا يمكن معرفة فيما إذا كانت عملية ما ناجحة أم لا إذا كانت أهداف الأداء الخاصة التي تقيس النجاح غير واضحة.
أولاً/ ما هي العملية؟
تمثّل العملية أي نشاط أو مجموعة أنشطة تأخذ واحداً أو أكثر من المدخلات، وتحوّلها وتضيف قيمة لها، وتقدّم واحداً أو أكثر من المخرجات إلى زبائنها.
قد يتساءل البعض عن سبب الاهتمام بـ [العمليات] كوحدة للتحليل وليس الأقسام أو حتى الشركة، والجواب أن النظرة العملياتية للشركة أكثر صلة بالأسلوب الفعلي لقيام الشركة بأعمالها. إن الأقسام عادة ما يكون لها مجموعة أهداف خاصة بها، ومجموعة موارد ومقدرات لبلوغ تلك الأهداف، والمديرون والموظفون مسئولون عن أداءهم. إن بعض العمليات مثل إعداد الفواتير ستتم بالكامل ضمن القسم (قسم المحاسبة). ويمكن أن يكون مفهوم العملية أكثر اتساعاً، حين يكون لها مجموعة أهداف خاصة بها تشمل تدفق العمل عبر حدود القسم، ويتطلب موارد من أقسام عديدة، ونجد مثل هذه الحالة في تطوير المنتج والذي يتضمن تنسيقاً بين الهندسة والتسويق والعمليات.
النظرة العملياتية: من المهم للمنظمات تبني النظرة العملياتية لأن العمليات تقف وراء فاعليتها. وللحصول على فهم أفضل للعمليات لنلقي نظرة إلى ما يحدث في وكالة للإعلان، لو افترضنا أن زبوناً اتصل بالوكالة حول حاجته إلى إعلان، فحينها ستجمع المعلومات الضرورية وتقدم إلى فريق التصميم الإبداعي وفريق تخطيط وسائل الإعلام لإعداد الخطط المفصلة للوكالة ولوسائل الإعلام التي يوافق الزبون عليها، كما وتقدّم المعلومات إلى قسم الحسابات لإعداد الفواتير. إن فريق التصميم الإبداعي يمرر تصميم الخطط المفصلة إلى فريق الإنتاج الذي سيقوم بإعداد الخطط المفصلة النهائية للنشر وتقديمها إلى وسائل إعلام مختارة على وفق الجدول الذي طوًره فريق وسائل الإعلام ووافق الزبون عليه. إن فرق التصميم ووسائل الإعلام والإنتاج ترسل ساعات عملها وتفاصيل مصاريفها إلى قسم الحسابات الذي سيعد قائمة الحساب ويرسلها إلى الزبون للدفع.
العمليات المتداخلة:
يمكن تجزئة العمليات إلى عمليات فرعية والتي يمكن بدورها أن تتجزأ إلى عمليات أصغر، فمثلاً [إعداد تصميم لإعلان] يعد عملية ضمن عملية التصميم الإبداعي مما يمكن معه وصف هذه العمليات بأنها متداخلة، ومن المفيد عزل أي جزء من العملية عن الأجزاء الأخرى منها لأسباب:
1 ـ قد لا يمكن عملياً لشخص أو قسم واحد القيام بأجزاء العملية كافة.
2 ـ قد تتطلب أجزاء مختلفة من العملية مهارات مختلفة، فالمهارات المطلوبة للتصميم المبدع لإعلان مثلاً تختلف تماماً عن التخطيط الفاعل لوسائل الإعلام.
3 ـ يمكن أن يقدّم أحد أجزاء العملية خدمات يتطلب اتصالاً معقولاً بالزبون والذي يتطلب مهارات واتجاهات خاصة من العاملين، في حين أن جزءً آخر منها يمكن أن يكون غير ملحوظ من الزبون.
4 ـ تصمم بعض أجزاء العملية للعمل الروتيني، في حين أن الأجزاء الأخرى من العملية تعد على وفق احتياجات الزبون.
علاقات الزبون ـ المجهز:
تصمم العمليات بما يحقق التركيز على الزبون، وتقدّم العمليات مخرجات ـ خدمات يمكن أن تأخذ شكل المعلومات غالبا ـ إلى زبائنها، وكل عملية وكل فرد في المنظمة له زبائن، بعضهم خارجيون يمكن أن يكونوا مستخدمين نهائيين أو وسطاء (مثل الصانعين والمؤسسات المالية أو محلات التجزئة) يشترون الخدمات أو المنتجات النهائية، وبعضهم زبائن داخليون يمكن أن يكونوا عاملين أو عمليات تعتمد على مدخلات من عاملين أو عمليات أخرى لغرض القيام بالعمل. إن كلاً من العمليتين الداخلية والخارجية ينبغي أن تصمم وتدار في ظل استحضار الزبون في الذهن، ويبقى السؤال المستمر للمديرين كافة: هل أن العملية تحقق أو تتجاوز توقعات الزبون؟
وبشكل مماثل فإن أية عملية وأي شخص في المنظمة يعتمد على المجهزين، فالمجهزون الخارجيون يمكن أن يكونوا منظمات أعمال أو أفراد يقدّمون موارد وخدمات ومنتجات ومواد أولية تغطي احتياجات الشركة، فمثلاً تحتاج وكالة الإعلان إلى قروض مصرفية، ومعدات مكتبية، وحواسيب، وبرمجيات، وعاملون جدد لدعم احتياجات عملياتها عبر الزمن. كما أن للعمليات مجهزين داخليين يمكن أن يكونوا عاملين أو عمليات يقدّمون معلومات مهمة أو مواد أولية. إن فهم علاقات الزبون – المجهز ما بين العمليات مهم للمديرين لكي يكونوا فاعلين.
ثانياً/ دور إدارة العمليات في المنظمات
يتجلى هذا الدور في تحويل مدخلات الشركة إلى منتجات أو خدمات تامة، وتشمل المدخلات الموارد البشرية (مثل المديرين والعاملين)، والتسهيلات والمعالجات (مثل المباني والمعدات)، بالإضافة إلى المواد والتقنية والمعلومات. وأما المخرجات فهي المنتجات والخدمات التي تنتجها الشركة، ويظهر الشكل الآتي عملية التحويل:

يُعد التحويل في المصنع تغييراً مادياً للمواد الأولية إلى منتجات، مثل تحويل الجلد والمطاط إلى أحذية خفيفة، والبلاستيك إلى لُعب، و يتجلى التحويل في الخطوط الجوية في النقل الكفء للمسافرين وأمتعتهم من موقع لآخر، وفي المستشفى يتم تنظيم الموارد مثل الأطباء والإجراءات الطبية والأدوية لتحويل المرضى إلى أصحاء.
إن إدارة العمليات مسئولة عن تنسيق الموارد المطلوبة كافة لإنتاج المنتج النهائي، وهذا يشمل تصميم المنتج، وتحديد الموارد المطلوبة، وترتيب الجداول والمعدات والتسهيلات، وإدارة الخزين، ومراقبة الجودة، وتصميم الوظائف لصنع المنتج، وتصميم أساليب العمل. إن إدارة العمليات مسئولة أساساً عن مظاهر عملية تحويل المدخلات إلى مخرجات كافة، وعملية التحويل هذه تتغير باستمرار بهدف التكيف للتغيرات في البيئة وخاصة في الاستجابة للتغذية الراجعة من الزبون.
ثالثاً/ الاختلافات بين منظمات التصنيع والخدمة
يمكن تقسيم المنظمات إلى مجموعتين واسعتين:
• منظمات التصنيع.
• منظمات الخدمة.
وهناك اختلافان رئيسان بين هاتين المجموعتين:
1. تنتج منظمات التصنيع منتجاً مادياً ملموساً يمكن خزنه قبل الحاجة إليه، وبالمقابل تنتج منظمات الخدمة منتجاً غير ملموس لا يمكن إنتاجه مسبقاً.
2. في عمليات التصنيع معظم الزبائن ليسوا على اتصال مباشر بالعملية، ويكون الاتصال معهم من خلال الموزعين وتجار التجزئة، فمثلاً الزبون الذي يشتري سيارة من معرض السيارات لا يكون على اتصال مع مصنع السيارات. ولكن من المعتاد في منظمات الخدمة أن يكون الزبائن موجودين أثناء تقديم الخدمة، والمستشفيات والجامعات ومحلات الحلاقة أمثلة لمنظمات الخدمة التي تقدّم خدماتها للزبائن حين وجودهم.
إن الاختلافات بين منظمات التصنيع والخدمة ليست واضحة كما يمكن أن تبدو، وهناك الكثير من التداخل بينهما، فمعظم الصانعين يقدّمون خدمات كجزء من عروضهم، والعديد من شركات الخدمة تصنع منتجات مادية تقدّمها لزبائنها أو يستهلكوها أثناء تقديم الخدمة، فمثلاً صانع الأثاث يمكن أن يقوم بشحنها وتجميعها، وبالمقابل يمكن لمحلات الحلاقة أن تبيع منتجات العناية بالشعر، ويُظهر الشكل الآتي الاختلافات بين منظمات التصنيع ومنظمات الخدمة والذي يركّز على بُعدي درجة ملموسية المنتج ودرجة الاتصال بالزبون:

في منظمات الخدمة المحضة (الصِرفة) يكون بعض أجزاء العملية ذا اتصال قليل بالزبون في حين أن أجزاء أخرى ذات اتصال عالٍ به، فالأولى يمكن النظر إليها كـ [غرفة خلفية]، لو لاحظنا مثلاً العمليات في مطعم الخدمة السريعة حيث تعد خدمة الزبون والاتصال به جزئين مهمين من الأعمال، ومع ذلك فإن قسم الدجاج ليس له علاقة مباشرة بالزبون ويمكن أن يدار مثل عملية التصنيع. وبشكل مماثل فإن الخدمة الصحية تعد عملية خدمة ذات اتصال عالٍ بالزبون ولكن المريض غير موجود في أجزاء معينة مثل المختبر حيث يتم تحليل العينات.
وبالإضافة إلى التصنيع المحض والخدمة المحضة هناك شركات لها بعض الخصائص المميزة لكل نوع من التنظيم، ويصعب على هذه الشركات أن تحدد لنفسها فيما إذا تعد منظمات تصنيع أم منظمات خدمة، لاحظ مثلاً مكتب بريد وهو ذي اتصال قليل بالزبائن ورأسمال كثيف ولكنه يقدّم خدمة، ولهذا تسمى مثل هذه المنظمات بالمنظمات شبه التصنيعية quasi-manufacturing.
مثال
تعد شركة الخدمة البريدية الأمريكية(www.usps.com) مثالاً جيداً للمنظمات شبه التصنيعية، فهي تقدّم خدمة سريعة، وتوصل الرسائل والطرود بموثوقية. إن مخرجاتها غير ملموسة ولا يمكن خزنها، في حين أن معظم قرارات العمليات التي تتخذ في الشركة مماثلة لتلك التي تتخذ في التصنيع. ويلاحظ أن الاتصال بالزبون قليل ورأس المال كثيف، فللشركة أسطولها من سيارات النقل، وتستخدم أجهزة متطورة في فرز الرسائل والطرود البريدية وتتبع طلبات الزبائن، ومن الاهتمامات الرئيسة جدولة عدد كافٍ من العاملين في أوقات الذروة كما هو الحال في تخطيط جداول التجهيز. لاحظ أنه على الرغم من أن مخرجات الشركة (خدمة) فإن مدخلاتها تشمل العمل والتقنية والآلات، وإن مسؤولية إدارة العمليات تتجلى في إدارة تحويل هذه المدخلات إلى المخرجات المطلوبة، وإن الإدارة المناسبة لوظيفة إدارة العمليات تبدو حاسمة لنجاح الشركة.
رابعاً/ سلاسل القيمة
تنتج معظم الخدمات والمنتجات من خلال سلسلة من أنشطة الأعمال المترابطة، وإن النظرة العملياتية مفيدة لفهم كيفية إنتاج الخدمات أو المنتجات، ولماذا من المهم التنسيق بين الوظائف، ولكن هذه النظرة لا تسلّط الضوء على الفوائد الإستراتيجية للعمليات، والتي تتجلى في أن العمليات ينبغي أن تضيف قيمة لزبائنها. إن العمل التراكمي لعمليات الشركة يُعد سلسلة قيمة تمثّل سلسلة عمليات مترابطة تنتج منتجاً أو خدمة، وإن مفهوم سلسلة القيمة يمكن أن يُرى على مستوى النشاط، فكل نشاط يمثّل عملية ستضيف قيمة للأنشطة اللاحقة. إن إضافة مفهوم سلاسل القيمة إلى مفهوم النظرة العملياتية مهم بسبب أن العمليات تبدو كمستهلك للموارد، وتحتاج إلى تقييم ليس فقط على وفق القيمة التي تضيفها بل وأيضاً ما يتعلق بمقدار العاملين والمديرين والمعدات والتسهيلات والمواد الأولية والخدمات والأرض والطاقة التي تستهلكها لتكوين تلك القيمة.
إن مفهوم سلاسل القيمة يعزز الترابط بين العمليات وأداء الأعمال، والربط الضعيف في السلسلة يعرّض القيمة التي تقدمها تلك السلسلة إلى الخطر، كما أن هذا المفهوم يركّز الانتباه أيضاً على نوع العمليات في سلسلة القيمة، فمثلاً العملية الجوهرية هي سلسلة أنشطة تجهّز قيمة إلى زبائن خارجيين، وتتفاعل هذه العمليات مع الزبائن الخارجيين وتبني علاقات معهم، وتطوّر خدمات ومنتجات جديدة، وتتفاعل مع المجهزين الخارجيين، وتنتج الخدمة أو المنتج للزبون الخارجي، ومن الأمثلة بهذا الصدد تصميم سيارة جديدة، والشراء عبر الانترنيت. ومن الأنواع الأخرى من العمليات ما يدعى بعملية الدعم والتي تقدم موارد ومدخلات مهمة إلى العمليات الجوهرية ولذلك تبدو أساسية لإدارة الأعمال، ومن الأمثلة الموازنات المالية، وعمليات استقطاب العاملين، والجدولة. ومن الممكن أحياناً أن يكون هناك نقاش حول ما يمكن أن يكون جوهرياً وما يمكن أن يكون داعماً، وعموماً إذا كانت العملية تستخدم مباشرة في الخدمة أو المنتج للزبون الخارجي فتعد عملية جوهرية. ومن العمليات الجوهرية:
1 ـ عملية العلاقات مع الزبون، ويشار إليها أحياناً بإدارة العلاقة مع الزبون.
2 ـ عملية تطوير خدمة/ منتج جديد.
3 ـ عملية إنجاز الطلب.
4 ـ عملية العلاقة مع المجهز.
وبالطبع فإن اياً من هذه العمليات الجوهرية تنطوي على عمليات متداخلة ضمنها.
خامساً/ ما هي إدارة العمليات؟
يشير مصطلح إدارة العمليات إلى تصميم وتوجيه ورقابة العمليات التي تحوّل المدخلات إلى خدمات ومنتجات تقدم إلى زبائن داخليين وخارجيين. وبكلام أوسع تشكّل إدارة العمليات الأساس لجميع الأقسام في المنظمة لأن تلك الأقسام تتكون من العديد من العمليات.
إدارة العمليات كوظيفة:
حين ينمو حجم المنظمة ينبغي إنشاء العديد من الأقسام تتحمل المسؤولية عن مجموعة محددة من العمليات، وهذه الأقسام غالباً ما تُنظّم على وفق الوظائف (وتدعى أحياناً المجالات الوظيفية)، وتُعد العمليات واحدة من وظائف متعددة ضمن المنظمة، وكل وظيفة متخصصة، ولها معرفتها ومهاراتها الخاصة، ومسؤولياتها الأساسية، وعملياتها، وقراراتها. وبغض النظر عن كيفية رسم الهيكل التنظيمي تبقى الأقسام والوظائف متداخلة مع بعضها، وهناك العديد من الوظائف تتجاوز حدود القسم ولذلك يبدو من الأساسي أن يكون هناك تنسيق واتصال فاعل لبلوغ الغايات المنظمية.
وفي المنظمات الكبيرة يكون قسم العمليات (أو الإنتاج) مسئولاً عادة عن التحويل الحقيقي للمدخلات إلى خدمات أو منتجات نهائية. إن المحاسبة تجمع وتلخّص وتفسّر المعلومات المالية، ويُعنى التوزيع بحركة وخزن ومناقلة المدخلات والمخرجات، و تطوّر الهندسة تصاميم الخدمة والمنتج وطرق الإنتاج، وتضمن المالية وتستثمر الموجودات الرأسمالية للشركة، وتوظّف إدارة الموارد البشرية العاملين وتدرّبهم، ويولّد التسويق الطلب على منتجات الشركة.
إدارة العمليات كمجموعة من القرارات: يُعد اتخاذ القرار مظهراً أساسياً لأنشطة الإدارة كافة، ومنها إدارة العمليات. وعلى الرغم من اختلاف خصائص كل موقف فإن اتخاذ القرار يتضمن الخطوات الأساسية ذاتها. إن بعض القرارات تبدو إستراتيجية بطبيعتها وأخرى تكتيكية، وتتميز القرارات الإستراتيجية بأنها أقل هيكلة وذات نتائج طويلة الأمد، في حين أن القرارات التكتيكية أكثر هيكلة، وروتينية، ومتكررة، وذات نتائج قصيرة الأمد. في المستوى الإستراتيجي ينهمك مديرو العمليات في تطوير مقدرات جديدة والحفاظ على المقدرات الموجودة لتحقيق أفضل خدمة لزبائن المنظمة الآن وفي المستقبل، ويصمم أولئك المديرون عمليات جديدة ذات تطبيقات إستراتيجية، كما وينهمكون بعمق في تطوير وتنظيم سلاسل القيمة التي تربط المجهزين الخارجيين والزبائن الخارجيين بالعمليات الداخلية للشركة، وغالباً ما يكون مديرو العمليات مسئولون عن معايير الأداء الأساسية مثل الكلفة والجودة، وهذه القرارات لها تأثير استراتيجي لأنها تؤثّر في كل عملية تقوم الشركة بها للحصول على ميزة تنافسية.
إن قرارات مدير العمليات ستعكس إستراتيجية المنظمة، وإن الخطط والسياسات والأنشطة سيتم ربطها بتلك التي في مجالات وظيفية أخرى لكي تكون ساندة لغايات المنظمة وأهدافها، ويتم تسهيل هذه الارتباطات من خلال النظرة العملياتية للشركة، ومن المهم الإدراك بأن الإدارة الفاعلة للأشخاص ورأس المال والمعلومات والمواد تُعد حرجة في نجاح أية عملية. وكما هو معروف في إدارة العمليات ينبغي أن تكون هناك نقطتان حاضرتان في الذهن:
1 ـ إن أي جزء في المنظمة وليس وظيفة العمليات فقط ينبغي أن تصمم وتشغّل العمليات، وتتعامل مع قضايا الجودة والتقنية والأفراد.
2 ـ إن أي جزء في المنظمة له هويته الخاصة به ومع ذلك يرتبط بالعمليات.
سادساً/ اتجاهات وتحديات في إدارة العمليات
هناك العديد من اتجاهات الأعمال لها تأثير كبير في إدارة العمليات وأهمها تحسين الإنتاجية، والمنافسة العالمية، والتغير التقني، وقضايا البيئة والأخلاق والتنوع:
1 ـ تحسين الإنتاجية: تُعد الإنتاجية مقياساً رئيساً للاقتصاد والصناعة والشركات والعمليات، وتعرَّف الإنتاجية بأنها قيمة المخرجات ( الخدمات والمنتجات ) المنتَجة مقسومة على قيم موارد المدخلات (الأجور، وكلفة المعدات، وما شابهها) المستخدمة:

              المخرجات
الإنتاجية= ـــــــ
              المدخلات

ومن المفيد التمييز بين تحسين الإنتاجية في قطاعيْ الخدمات والتصنيع، فمثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية ازداد التوظيف في قطاع الخدمات بسرعة تجاوزت قطاع التصنيع ولكن الإنتاجية في قطاع الخدمات كانت أوطأ، مما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وقد واجهت بلدان صناعية أخرى مثل اليابان وألمانيا المشكلة ذاتها. ولكن هناك بعض الإشارات للتحسين، فاندفاع الاستثمارات عبر الحدود الوطنية يمكن أن يحث باتجاه زيادة الإنتاجية من خلال تعريض الشركات إلى منافسة أعظم، كما أن الاستثمارات المتزايدة في تقنية المعلومات مِن قِبل مقدّمي الخدمة سيزيد من الإنتاجية أيضاً.
وتُقاس إنتاجية العمليات من خلال العديد من المقاييس التي تبدو تقديرات تقريبية، فمثلاً يمكن قياس قيمة المخرجات من خلال ما يدفعه الزبون أو ببساطة بعدد الوحدات المنتَجة أو الزبائن الذين تمت خدمتهم، كما أن قيمة المدخلات يمكن أن تقدّر من خلال كلفها أو ببساطة بعدد ساعات العمل.
وينتقي المديرون عادة مقاييس متعددة ويراقبون الاتجاهات لاستكشاف المجالات التي تحتاج إلى التحسين، فمثلاً سيقيس المدير في شركة تأمين إنتاجية المكتب من خلال عدد وثائق التأمين التي أصدرها الموظف أسبوعياً، وسيقيس المدير في شركة لفرش السجّاد إنتاجية العامل بعدد الأمتار المربعة للسجّاد الذي يتم تركيبه في كل ساعة، والملاحظ أن كلاهما يقيس إنتاجية العمل والذي يمثّل مؤشراً لمخرجات كل شخص أو ساعة عمل، وهناك مقاييس مماثلة يمكن استخدامها لقياس إنتاجية المكائن، كما ويمكن أن يكون هناك قياس لـ إنتاجية متعددة العوامل حيث يمكن أن تكون المدخلات مجموع العمل والمواد الأولية والكلف الأخرى.
1 ـ المنافسة العالمية: تقبل منظمات الأعمال حقيقة أن نجاحها يعتمد على وجوب أن تنظر من منظور عالمي إلى زبائنها ومجهزيها ومواقع تسهيلاتها ومنافسيها. إن معظم المنتجات في الوقت الحاضر تُعد مكونات عالمية من مواد وخدمات من أنحاء مختلفة من العالم، فالفكرة تنطلق من بلد، ويتم إعداد التصاميم في بلد آخر، وتُصنّع المكائن في بلد ثالث، ويتم الإنتاج في بلد رابع، والبيع في أنحاء مختلفة من العالم.
وتؤثّر المنافسة العالمية القوية في الصناعات في أي مكان في العالم، فمثلاً واجه الصانعون الأمريكيون تراجعاً في حصصهم المحلية والدولية في أسواق الحديد والمكائن والكيمياويات، كما وتواجه المصارف وشركات الطيران والخدمات الاستشارية الضغوط الدولية ذاتها التي يواجهها الصانعون. وبغض النظر عن أي مكان من العالم تكون فيه وتواجه منافسة دولية فإن التحدي هو إنتاج خدمات أو منتجات يمكن أن تنافس في السوق العالمية، وتصميم عمليات تدعم ذلك.
2 ـ التغير التقني السريع: من الاتجاهات المهمة في إدارة العمليات التغير التقني المتسارع، حيث يوثّر في تصميم خدمات ومنتجات وعمليات جديدة. إن العديد من الفرص الجديدة تأتي من التطورات في تقنية الحاسوب ومنها مثلاً الإنسان الآلي والأشكال المختلفة من تقنية المعلومات. إن التجارة الإلكترونية تغيّر بشكل مثير العديد من عمليات البيع والشراء، ولقد ظهر الانترنيت كوسيلة أساسية لربط الشركات داخلياً ولربطها خارجياً مع زبائنها وشركائها الاستراتيجيين ومجهزيها المهمين، وشبكة الحاسوب هذه لها بريد الكتروني عالمي وقدرات لتبادل البيانات عبر العالم. إن المعدل المثير للفرص التقنية يسبب إمكانية هائلة ولكن تحديات في الوقت نفسه أيضاً. كيف يمكن استخدام التقنية الجديدة لتحقيق أقصى منفعة؟ كيف ينبغي إعادة تصميم العمليات؟ أضف إلى ذلك إن إدخال أية تقنية جديدة ينطوي على خطر، ويعتمد اتجاه العاملين نحوه على كيفية إدارة التغيير، والخيارات الصحيحة والإدارة الفاعلة للتقنية يمكن أن تعطي للشركة ميزة تنافسية.
3 ـ القضايا الأخلاقية والبيئية وتنوع قوة العمل: تواجه منظمات الأعمال تحديات أخلاقية أكثر مما سبق، وقد زادت شدة بالحضور العالمي المتزايد والتغير التقني السريع، وبدأت الشركات بعمليات جديدة، ولها مجهزون وزبائن أكثر في بلدان أخرى. وتنشأ المشاكل الأخلاقية حين يمكن القيام بالأعمال على وفق قواعد مختلفة، فبعض البلدان أكثر حساسية من بلدان أخرى بخصوص – مثلاً – الرشوة، والتمييز ضد القاصرين والمرأة، والحد الأدنى من الأجور، والفقر، وأماكن العمل التي تفتقر إلى شروط السلامة، وحقوق العاملين، وفي مثل هذه الحالات ينبغي على المديرين أن يقرروا فيما إذا كان بإمكانهم تصميم وتشغيل العمليات أم لا والتي يمكن أن تفي بالمعايير المحلية أو تتجاوزها. أضف إلى ذلك أن التغيير التقني يطرح موضوع حماية البيانات وخصوصية الزبون، مثل ما يحصل عبر الانترنيت حيث تكون منظمات الأعمال في العالم الالكتروني بعيدة جغرافياً عن زبائنها، وتكون الشهرة بالثقة أكثر أهمية.
لقد اقترح أحد الباحثين مدخلاً أكثر أخلاقية لمنظمات الأعمال حين:
* تتحمل مسؤوليات تتجاوز إنتاج السلع والخدمات،
* تساعد في حل مشاكل اجتماعية مهمة،
* تستجيب إلى دائرة أوسع من المساهمين لوحدهم،
* يكون لها تأثيرات تتجاوز مجرد العمليات التجارية في السوق،
* تخدم العديد من القيم الإنسانية التي تتجاوز الاقتصاد.
وأما القضايا البيئية مثل النفايات السامة، وتسمم مياه الشرب، وتلوث الهواء، والاحتباس الحراري فإنها تحظى باهتمام متزايد. كان العديد من الناس في الماضي ينظرون إلى المشاكل البيئية كقضايا تتعلق بنوعية الحياة، ولكن مع مطلع القرن الحالي أصبحت النظرة إلى تلك القضايا على أنها تتعلق بالبقاء، وتزايد الاهتمام ببيئة نظيفة صحية.
وتتحمل الشعوب الصناعية عبئاً خاصاً لأنها تمثّل 25% فقط من شعوب العالم ولكنها تستهلك 70% من الموارد كافة، وإن 7 شعوب فقط بضمنها الولايات المتحدة واليابان تنتج نصف الإنتاج العالمي تقريباً من غازات البيوت الزجاجية. وتنفق الولايات المتحدة وبعض الشعوب الأوربية الآن 2% من نواتجها المحلية الإجمالية على حماية البيئة، ويتوقع البيئيون أن ذلك الإنفاق سيتزايد مستقبلاً.
التحدي واضح: أصبحت الاعتبارات الأخلاقية والبيئية وتنوع قوة العمل جزءً من مهمة أي مدير، وحين يتم تصميم العمليات وتشغيلها سيأخذون بالحسبان الاستقامة، واحترام الفرد، واحترام الزبون، مع مقاييس للأداء أكثر تقليدية مثل الإنتاجية والجودة والكلفة والربح.
سابعاً/ خارطة الطريق لعمليات تنافسية:
غالباً ما تتجاوز العمليات حدود الشعب والأقسام في المنظمة، ومع ذلك فإن لها خصائص عامة محددة إذا ما تم فهمها فبالإمكان استثمارها لتحقيق ميزة بغض النظر عن الوظائف، ويوضح الشكل الآتي خارطة الطريق لعمليات تنافسية في مجالَيْ الخدمة والتصنيع:


ويمكن من خلال الشكل الإشارة إلى وجود أربعة أقسام رئيسة:
القسم الأول: التنافس بالعمليات/ مرّت آنفاً أهمية النظرة العملياتية لمنظمات الأعمال ودمجها مع مفهوم سلاسل القيمة، ولا بد من إطار يربط الخصائص المميزة لتشغيل العمليات في المستويات كافة باستراتيجيات الشركة وأهدافها، وبذلك يتم تحديد الأسلوب الذي من خلاله تضيف العمليات القيمة إلى الخدمة أو المنتج انطلاقا من فكرة أن التصميم والتشغيل الفاعل للعمليات يتطلبان درجة عالية من خدمة الزبون سواء أكان زبوناً داخلياً أم خارجياً.
القسم الثاني: تصميم العمليات وتحسينها/ بعد أن تم وضع إطار لفهم كيف أن الخصائص المميزة للعمليات تضيف قيمة فإن خارطة الطريق تقودنا إلى كيفية تصميم العمليات الجديدة وتحسين العمليات الموجودة.
القسم الثالث: تصميم سلاسل القيمة/ في ضوء مفهوم سلسلة القيمة والتركيز على العمليات في داخل الشركة فإن خارطة الطريق تأتي بنا إلى النقطة التي نحصل فيها على فهم أفضل لكيفية توظيف هذين الجانبين معاً في عالم الأعمال، ويمكن أن يتسع ذلك ليشمل العمليات الخارجية للشركة.
القسم الرابع: تشغيل سلاسل القيمة/ إن النقطة الأخيرة في خارطة الطريق مهمة مثل النقطة الأولى لأنها توجّه الآليات المتاحة لتشغيل سلاسل القيمة بمستوياتها الكفوءة.
النتائج:
تقودنا خارطة الطريق في النهاية إلى النتائج، والتي تتكون من خدمات أو منتجات تقدّمها الشركة، والعوائد التي تحصل عليها من السوق، والتغذية الراجعة من الزبائن الخارجيين. وبالإضافة إلى الخدمات أو المنتجات للزبائن الخارجيين فإن النتائج تشمل معايير الأداء مثل المعايير المالية، ومعايير أداء الخدمة أو المنتج، وملاحظات الزبون لخبراتهم، وتشمل المعايير المالية الأرباح، والعائد على الموجودات، والعائد لكل سهم، وهذه المعايير مهمة لأن المساهمين يُعدون مكونات أساسية للشركة، وينبغي أن يُؤخذوا بالحسبان في جميع قرارات تصميم وإعادة تصميم العمليات الرئيسة.
إن مقاييس الأداء مهمة لزبائن الشركة الخارجيين لأنهم يتنافسون على أساس الكلفة والجودة والوقت والمرونة، وإن المعايير الفعلية التي تتبعها الشركة يمكن أن تكون مختلفة في ضوء كون الشركة خدمية أم صناعية، ويمكن أن يكون هناك عدد منها يعطي الشركة وسيلة لتحديد كيفية حدوث الأشياء بالارتباط مع احتياجات الزبائن الخارجيين.
وأخيراً فإن ملاحظات الزبائن تُعد نتائج مهمة جداً لأن الشركة لا ترغب في خسارة زبائنها، وهذه المعايير غالباً ما تُجمع بأساليب مختلفة ومنها استطلاعات السوق (بالبريد والهاتف والبريد الالكتروني)، وجماعات التركيز على السوق، وبطاقات التغذية الراجعة من الزبون والتي يملأها بعد انتهاء الصفقة مباشرة. إن المعلومات حول المعايير المالية، ومعايير أداء الخدمة/ المنتج، ومعايير ملاحظة الزبون تتبع مستوى إستراتيجية الشركة.
وفي الواقع إن النتائج تبدو مشتركة للعديد من العمليات التي تبلغ ذروتها في أداء الشركة.


ٍSources
1. Krajewski, Lee J. and Ritzman, Larry P., (2005), Operations Management: Processes and Value Chains, 7th Ed., (Upper Saddle River, New Jersey: Pearson – Prentice Hall), Chapter 1.
2. Reid, R. Dan and Sanders, Nada R., (2002), Operations Management, (Danvers, Massachusetts: John Wily & Sons), Chapter 1.