الحضارية «دراسات الإدارة المعاصرة»

 الأربعاء: 01/06/2011
  

 

 

 

الثقافة التنظيمية والإبداع الإداري

 

 

بسام بن مناور العنزي

 

 

 

 

 

سيتم استعراض الكتابات النظرية حول موضوع الدراسة من خلال :

أولاً: الثقافة التنظيمية:

تعد الثقافة التنظيمية عنصراً أساسياً في المنظمات المعاصرة يفرض على القادة ومديريها أن يفهموا أبعادها وعناصرها الفرعية لكونها الوسط البيئي الذي تعيش فيه المنظمات، فالثقافة التنظيمية نتاج ما اكتسبه العاملون من أنماط سلوكية وطرق تفكير وقيم وعادات واتجاهات ومهارات تقنية قبل انضمامهم للمنظمة التي يعملون فيها، ثم تضفي المنظمة ذلك النسق الثقافي لمنسوبيها من خصائصها واهتماماتها وسياساتها وأهدافها وقيمها ما يحدد شخصية المنظمة ويميزها عن غيرها من المنظمات. ولاستيعاب دراسة مفهوم الثقافة التنظيمية وللاستفادة منه في حياة العاملين والمنظمات سيتطرق الباحث في هذا الجانب إلى مفهوم الثقافة التنظيمية وخصائصها وأهميتها وعلاقتها بالعمل وأنواعها ومكوناتها ووسائل تطويرها وتكوينها.

مفهوم الثقافة التنظيمية:

يعتبر مفهوم الثقافة من المفاهيم الشائعة في علم الأنثروبولوجيا حيث تعامل معه علماء الأنثروبولوجيا قبل مائة عام، ومع ذلك فقد اختلفوا في تحديد معناها. وفي عام 1952م جمع العالمان الأنثروبولوجيان كروبر وكلكهون ما يقارب من مائة وستة وأربعين تعريفاً لمفهوم الثقافة حيث شملت هذه التعاريف حقولاً متعددة مثل التاريخ، علم النفس، علم الوراثة وبعض الحقول الأخرى.

ولقد كان من بين هذه التعاريف تعريف تايلور الذي يرى من خلاله أن الثقافة كلُّ معقد يشتمل على مجموعة من المعلومات والمعتقدات والفن والقانون والأخلاق والعادات وأي قدرات أخرى اكتسبها الإنسان بحكم عضويته في المجتمع  (هيجان، 1412هـ: 11). وعندما نتكلم عن الثقافة في الأنثروبولوجيا فإننا نشير إلى نماذج من السلوك والتطور الموجود في المجتمع والتي تعكس معلومات وأفكاراً وقيماً وطقوساً لهذا المجتمع.

ولمفهوم الثقافة في علم الأنثروبولوجيا عدة خصائص تمثل الأركان الأساسية لمفهوم الثقافة، وهذه الخصائص هي:

1-    الثقافة عبارة عن نماذج.

2-    الثقافة شيء يمكن تعلّمه.

3-    الثقافة شيء قابل للانتقال بين المجتمعات.

4-    الثقافة شيء يتحرك.

5-    وأخيراً تكمن الثقافة في الرموز التي يوجدها الإنسان.

وقد انبثق مفهوم الثقافة التنظيمية في الأساس من أدبيات الإدارة والسلوك التنظيمي وهذا يرجع إلى ظهور المنظمات الحديثة وتزايد مشكلتها التنظيمية (النعمي، 1418هـ: 20). ولم يتوصل علماء التنظيم إلى تعريف محدد لمفهوم الثقافة التنظيمية وإنما طوروا كثيراً من التعاريف التي يغلب عليها التداخل وإن كان بعضها يكمل بعضاً، وقد استخدم مفهوم الثقافة التنظيمية كمظلة تؤوي الكثير من المفاهيم الإنسانية مثل القيم والنماذج الاجتماعية والقيم الأخلاقية والتكنولوجية وتأثيراتها (هيجان، 1412هـ: 11).

وفي بداية الثمانينيات الميلادية ظهر ما يسمى بنظرية الثقافة التنظيمية وفحوى هذه النظرية أن لكل منظمة ثقافتها الخاصة بها وهذه الثقافة تتكون من الجوانب الملموسة للمنظمة والقيم ثم الافتراضات الأساسية التي يكونها الأفراد حول منظماتهم وبيئتها الخارجية (سويري، 1421هـ: 32). فالجوانب الملموسة أو المرئية أو المشاهدة في المنظمة هي من صنع الإنسان وهي من أكثر المستويات رؤية ويستطيع الفرد مشاهدتها أو لمسها بنفسه وتعرضها المنظمة بوعي أو بدون وعي، وتوجد في البيئة المادية المحيطة مثل تصميم المبنى والمكاتب وهذا الجانب مرئي ولكنه لا يعبر بشكل دقيق عن ثقافة المنظمة. أما الافتراضات الأساسية التي يكونها الأفراد حول منظماتهم وبيئتها الخارجية حيث ينبع نمط الإدارة إلى حد بعيد من الافتراضات التي تفرضها عن الكيفية التي تؤدى بها الأعمال وهي التي توجه السلوك فعلياً وترشد أعضاء المنظمة إلى كيف يفهمون ويفكرون ويشعرون حيال الأشياء أو الموضوعات، وهي التي توفر الإطار أو المقدمة المنطقية التي تبنى عليها القيم، وعليه تفهم الافتراضات الأساسية على أنها داخلية أو ضمنية في الإنسان وهي أكثر مستويات الثقافة التنظيمية خفية وبالطبع ليس من السهل ملاحظتها وتتطلب دقة وعناية في البحث. وعليه أصبحت القيم هي الجوهر الأساسي للثقافة التنظيمية (هيجان، 1412هـ: 7).

ومن هذا المنطلق يرى هيجان (1412هـ: 12) أن الثقافة التنظيمية تعبر عن  القيم التي يؤمن بها الأفراد في منظمة ما، وهذه القيم تؤثر بدورها في الجوانب الإنسانية الملموسة من المنظمة وفي سلوك الأفراد.

ويرى الكبيسي (1998م: 70) الثقافة التنظيمية بأنها مجموعة من المعاني المشتركة والتي تشمل القيم والاتجاهات والمشاعر التي تحكم سلوك أفرادها.

إلا أن القريوتي ( 2000م: 286) يرى أن الثقافة التنظيمية منظومة المعاني والرموز والمعتقدات والطقوس والممارسات التي طُورّت مع الزمن وأصبحت سمة خاصة للتنظيم والسلوك المتوقع من الأعضاء.

ومن هنا يرى الباحث أن الثقافة التنظيمية مجموعة من القيم التي يؤمن بها الأفراد داخل المنظمات والتي تحكم سلوكهم وتؤثر على أدائهم للأعمال المنوطة بهم. وهذه القيم تشمل: (القوة، الصفوة، المكافأة، الفاعلية، الكفاءة، العدالة، فرق العمل، النظام).

خصائص الثقافة التنظيمية:

تستمد الثقافة التنظيمية خصائصها من خصائص الثقافة العامة في المجتمع من ناحية، ومن خصائص المنظمات الإدارية من ناحية أخرى. ويمكن تحديد خصائص الثقافة التنظيمية فيما يلي:

الإنسانية:

رغم أن الدوافع الفطرية للمجتمع تجعل الإنسان لا ينفرد بتكوين المجتمعات، إلا أن الإنسان بقدراته العقلية على الابتكار، والتعامل مع الرموز واختراع الأفكار التي من شأنها إشباع حاجاته وتحقيق تكيفه مع بيئته، وانتقاء القيم والمعايير التي تحدد سلوكه أصبح الكائن الوحيد الذي يصنع الثقافة ويبدع عناصرها ويرسم محتواها عبر العصور، والثقافة بدورها تصنع الإنسان وتشكّل شخصيته (وصفي، 1981: 85). والثقافة التنظيمية لها سمة الإنسانية فهي تتشكل من المعارف والحقائق والمدارك والمعاني والقيم التي يأتي بها الأفراد إلى التنظيم، أو التي تتكون لديهم خلال تفاعلهم مع التنظيم (Ott, 1989, 46).

الاكتساب والتعليم:

الثقافة ليست غريزة فطرية ولكنها مكتسبة من المجتمع المحيط بالفرد، فلكل مجتمع إنساني ثقافة معينة محددة ببعد زماني وآخر مكاني، والفرد يكتسب ثقافته من المجتمع الذي يعيش فيه، والأوساط الاجتماعية التي يتنقل بينها سواء في الأسرة والمدرسة ومنظمة العمل. ويتم اكتساب الثقافة عن طريق التعليم المقصود أو غير المقصود، ومن خلال الخبرة و التجربة، ومن خلال صلاته وعلاقاته وتفاعله مع الآخرين (الساعاتي، 1998: 74).

والثقافة التنظيمية مكتسبة من خلال تفاعل الفرد في المنظمة بعامة أو في أي قسم أو إدارة منها بصفة خاصة، فيتعلم من رؤسائه ومن قادته أسلوب العمل، والمهارات اللازمة لعمله، والطريقة التي يتعاون بها مع زملائه، ومن خلال هذا التفاعل يكتسب الأفكار والقيم وأنماط السلوك المختلفة التي يشبع من خلالها طموحاته ويحقق من خلالها أهدافه وأهداف المنظمة (كيث، 1976: 33).

الاستمرارية:

تتسم الثقافة بخاصية الاستمرار، فالسمات الثقافية تحتفظ بكيانها لعدة أجيال رغم ما تتعرض له المجتمعات أو المنظمات الإدارية من تغيرات مفاجئة أو تدريجية (جلبي، 1996، 73). ورغم من فناء الأجيال المتعاقبة، إلا أن الثقافة تبقى من بعدهم لتتوارثها الأجيال، وتصبح جزءاً من ميراث الجماعة.

ويساعد على استمرار الثقافة قدرتها على الإشباع وتزويد الأفراد بالحد الأدنى من التوازن. وهذا الإشباع هو الذي يدعم استمرار العادات والتقاليد وطرق التفكير والأنماط السلوكية، ويؤدي الإشباع إلى تدعيم القيم والخبرات والمهارات.

والثقافة التنظيمية رغم تواجدها لدى الأفراد إلا أنها تستمر في تأثيرها على إدارة المنظمات الإدارية حتى بعد زوال جيل من العاملين، وذلك لانتقالها من جيل إلى آخر متى كانت قادرة على إشباع حاجات العاملين، وتحقيق أهداف المنظمة التي يعملون فيها. ويترتب على استمرار الثقافة تراكم السمات الثقافية وتشابكها وتعقدها (إسماعيل، 1982: 145).

التراكمية:

يترتب على استمرار الثقافة تراكم السمات الثقافية خلال عصور طويلة من الزمن، وتعقد وتشابك العناصر الثقافية المكونة لها، وانتقال الأنماط الثقافية بين الأوساط الاجتماعية المختلفة. وتختلف الطريقة التي تتراكم بها خاصية ثقافة معينة عن الطريقة التي تتراكم بها خاصية ثقافة أخرى. فاللغة تتراكم بطريقة مختلفة عن تراكم التقنية، والقيم التنظيمية تتراكم بطريقة مختلفة عن تراكم أدوات الإنتاج، بمعنى أن الطبيعة التراكمية للثقافة تلاحظ بوضوح العناصر المادية للثقافة أكثر منها في العناصر المعنوية لها (الساعاتي، 1998: 93).

الانتقائية:

أدى تراكم الخبرات الإنسانية إلى تزايد السمات الثقافية والعناصر المكونة لها بصورة كبيرة ومتنوعة وتعجز معها الأجيال البشرية عن الاحتفاظ بالثقافة في ذاكرتها كاملة. هذا فرض على كل جيل أن يقوم بعمليات انتقائية واسعة من العناصر الثقافية التي تجمعت لديه بقدر ما يحقق إشباع حاجاته وتكيفه مع البيئة الاجتماعية والطبيعية المحيطة بها. لذا يرى قمبر وزملاؤه أن المجتمع الإنساني "يتميز بقدرته على انتقاء الخبرة من رصيدها المتراكم عبر الأجيال مكوناً بها رأس المال الذي يتعامل به الإنسان في انتقاله من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة الاجتماعية" (قمبر، 1989: 133).

إن الخبرات التي مرت بها المنظمات الإدارية تشكل تراكماً ثقافياً يخضع لعمليات انتقاء للعناصر الثقافية التي يتأثر بها القادة والعاملون في تلك المنظمات. فكل قائد ينتقي من العناصر الثقافية ما يزيد في قدرته على التكيف والتوافق مع الظروف المتغيرة التي تواجه المنظمة التي يعمل فيها (العتيبي، 1999: 24).

القابلية للانتشار:

يتم انتقال العناصر الثقافية بطريقة واعية داخل الثقافة نفسها من جزء إلى أجزاء أخرى، ومن ثقافة مجتمع إلى ثقافة مجتمع آخر. ويتم الانتشار مباشرة عن طريق احتكاك الأفراد والجماعات بعضها ببعض داخل المجتمع الواحد، أو عن طريق احتكاك المجتمعات بعضها ببعض. وهذا الانتشار يكون سريعاً وفاعلاً عندما تحقق العناصر الثقافية فائدة للمجتمع، وحينما تلقى قبولاً واسعاً من أفراد المجتمع لقدرتها على حل بعض مشكلاتهم أو إشباع بعض حاجاتهم. وبصفة عامة تنتشر العناصر المادية للثقافة بسرعة أكبر من انتشار العناصر المعنوية لها (إسماعيل، 1986: 95).

والثقافة التنظيمية تنتشر بين المنظمات الإدارية وداخل الوحدات الإدارية بالمنظمة الواحدة، كما أن انتقال الهياكل التنظيمية والإجراءات والأنماط القيادية يتم بصورة أسرع من انتقال المفاهيم والاتجاهات والعادات السلوكية وغيرها مما يتصل بأنماط السلوك التنظيمي.

الثقافة:

تتميز الثقافة بخاصية التغير استجابة للأحداث التي تتعرض لها المجتمعات وتجعل من الأشكال الثقافية السائدة غير مناسبة لإشباع الاحتياجات التي تفرضها التغيرات الجديدة، فيحدث التغير الثقافي بفضل ما تضيفه الأجيال إلى الثقافة من خبرات وأنماط سلوكية، وبفضل ما تحذفه من أساليب وأفكار وعناصر ثقافية غير قادرة على تحقيق التكيف للمجتمع (الساعاتي، 1998: 97).

ويحدث التغير في كافة العناصر الثقافية مادية ومعنوية، غير أن إقبال الأفراد والجماعات وتقبلهم للتغير في الأدوات والأجهزة والتقنيات ومقاومتهم للتغيير في العادات والتقاليد والقيم، جعل التغير الثقافي يحدث بسرعة في العناصر المادية للثقافة، وببطء شديد في العناصر المعنوية للثقافة، مما يتسبب في حدوث ظاهرة التخلف الثقافي (جلبي، 1996: 57).

التكاملية:

تميل المكونات الثقافية إلى الاتحاد والالتحام لتشكل نسقا متوازناً ومتكاملاً مع السمات الثقافية يحقق بنجاح عملية التكيف مع التغيرات المختلفة التي تشهدها المجتمعات (إسماعيل، 1986: 38).

ويستغرق التكامل الثقافي زمناً طويلاً ويظهر بشكل واضح في المجتمعات البسيطة والمجتمعات المنعزلة، حيث يندر تعرض ثقافتها إلى عناصر خارجية دخيلة تؤثر فيها أو تتأثر بها، في حين يقل ظهور التكامل في ثقافة المجتمعات الحركية المنفتحة على الثقافات الأخرى، حيث تساعد وسائل الاتصال، ودور وسائل الإعلام في انتشار العناصر الثقافية من جماعة لأخرى، ويؤدي ذلك إلى إحداث التغير الثقافي وفقدان التوازن والانسجام بين عناصر الثقافة، وبصفة عامة يرى جلبي "أن التكامل الثقافي لا يتحقق بشكل تام لأن المجتمعات معرضة لإحداث ذلك التكامل" (جلبي، 1996: 76).

تلك مجموعة من الخصائص الأساسية التي تشترك فيها الثقافة الإنسانية رغم تنوعها. وعلى الرغم من أن الثقافة التنظيمية تتفق مع تلك الخصائص، إلا أن لها بعض السمات التي تميزها باعتبارها ثقافة فرعية للمنظمات الإدارية تشكل مدارك العاملين والمديرين، وتزودهم بالطاقة الفاعلة وتحدد أنماط سلوكهم. وتنفرد الثقافة التنظيمية بالخصائص التالية(Ott, 1989, 50).

1-    أنها توجد في المنظمات الإدارية بشكل يماثل الثقافة المجتمعية.

2-    أنها تتمثل في القيم والمعتقدات والإدراكات والمعايير السلوكية وإبداعات الأفراد وأنماط السلوك المختلفة.

3-    أنها الطاقة التي تدفع أفراد المنظمة إلى العمل والإنتاجية.

4-    أنها الهدف الموجّه والمؤثر في فاعلية المنظمة.

أهمية الثقافة التنظيمية:

لقد أصبحت الثقافة التنظيمية جانباً مقبولاً وذا أولوية في كثير من المنظمات المعاصرة فالكثير من المديرين يعطون الأولوية والاهتمام الكافي للثقافة التنظيمية في منظماتهم لأنهم يعتبرونها من أهم المكونات الأساسية للمنظمة حيث إنها تحدد نجاح المنظمة إلى حد كبير كما أنها تخلق ضغوطاً على الأفراد العاملين بها للمضي قدماً للتفكير والتصرف بطريقة تنسجم وتتناسب معها. وتكمن أهمية الثقافة التنظيمية في المنظمات في الأوجه التالية:

أولاً: هي بمثابة دليل للإدارة والعاملين، تشكل لهم نماذج السلوك والعلاقات التي يجب اتباعها والاسترشاد بها.

ثانياً: هي إطار فكري يوجه أعضاء المنظمة الواحدة وينظم أعمالهم وعلاقاتهم وإنجازاتهم.

ثالثاً: العاملون بالمنظمات لا يؤدون أدوارهم فرادى أو كما يشتهون، وإنما في إطار  تنظيمي واحد. لذلك فإن الثقافة بما تحويه من قيم وقواعد سلوكية تحدد لهؤلاء العاملين السلوك الوظيفي المتوقع منهم، وتحدد لهم أنماط العلاقات فيما بينهم، وبينهم وبين المراجعين والجهات الأخرى التي يتعاملون معها. كما أن ملبسهم ومظهرهم واللغة التي يتكلمونها، ومستويات الأداء، ومنهجيتهم في حل المشكلات تحددها ثقافة المنظمة وتدربهم عليها، وتكافئهم على اتباعها.

رابعاً: تعتبر الثقافة التنظيمية من الملامح المميزة للمنظمة عن غيرها من المنظمات، وهي كذلك مصدر فخر واعتزاز للعاملين بها، وخاصة إذا كانت تؤكد قيماً معينة مثل الابتكار والتميز والريادة.

خامساً: الثقافة القوية تعتبر عنصراً فاعلاً ومؤيداً للإدارة ومساعداً لها على تحقيق أهدافها وطموحاتها. وتكون الثقافة قوية عندما ما يقبلها غالبية العاملين بالمنظمة ويرتضون قيمها وأحكامها وقواعدها ويتبعون كل ذلك في سلوكياتهم وعلاقاتهم.

سادساً: الثقافة القوية تسهل مهمة الإدارة والمديرين، فلا يلجأون إلى الإجراءات الرسمية أو الصارمة لتأكيد السلوك المطلوب.

سابعاً: تعتبر الثقافة القوية ميزة تنافسية للمنظمة إذا كانت تؤكد على سلوكيات خلاقة كالتفاني في العمل ولكنها قد تصبح ضارة إذا كانت تؤكد سلوكيات روتينية، كالطاعة العمياء، والالتزام الحرفي بالرسميات.

ثامناً: ثقافة المنظمة تعتبر عاملاً مهماً في استجلاب العاملين الملائمين فالمنظمات الرائدة تجذب العاملين الطموحين. والمنظمات التي تبني قيم الابتكار والتفوق وتستهوي العاملين المبدعين، والمنظمات التي تكافئ التميز والتطوير ينضم إليها العاملون المجتهدون الذين يرتفع لديهم دافع ثبات الذات.

تاسعاً: تعتبر الثقافة عنصراً جذرياً يؤثر على قابلية المنظمة للتغيير وقدرتها على مواكبة التطورات الجارية من حولها. فكلما كانت قيم المنظمة مرنة ومتطلعة للأفضل، كانت المنظمة أقدر على التغيير وأحرص على الإفادة منه، ومن جهة أخرى كلما كانت القيم تميل إلى الثبات والحرص والتحفظ قلت قدرة المنظمة واستعدادها للتطوير.

عاشراً: تحتاج ثقافة المنظمة -كأي عنصر آخر في حياة المنظمات- إلى مجهودات واعية تغذيها وتقويها وتحافظ على استقرارها النسبي ورسوخها في أذهان العاملين وضمائرهم واتباعهم لتعليماتها في سلوكهم وعلاقاتهم (الرخيمي، 1421هـ: 58).

الثقافة التنظيمية وعلاقتها بالعمل:

تؤثر الثقافة التنظيمية على جوانب عديدة من نشاط العاملين في المنظمة. كما تؤثر في نوع التعليم الذي يبغيه الفرد والجهد الذي يبذله في العمل، والطريقة التي يتعاون بها مع أقرانه ورؤسائه، والعلاقات الإنسانية في العمل. ويبرز تأثير الثقافة التنظيمية على العمل في الجوانب التالية (كيث، 1976: 31):

أ- الحرية:

وهي أن يشعر الفرد بالحرية في أداء عمله والاستقلالية الذاتية بحيث لا يبدي الفرد أي مقاومة في الانضمام إلى فريق العمل مع زملائه لإنجاز عمل ما.

ب- المساواة:

وتستلزم أن يقف العاملون جميعاً على قدم المساواة وأن تكون لهم جميعاً حقوق وامتيازات متساوية. ولا تتجاهل المساواة الفروق الفردية في النواحي العقلية والانفعالية والاجتماعية، وبالتالي تعد المساواة من أقوى عناصر الثقافة التنظيمية التي تقف خلف أداء العاملين في المنظمات.

وهناك فكرة أخرى ترتبط بالمساواة ألا وهي الإنصاف والعدالة، التي يقف الناس من خلالها متساوين، ويحصلون على حقوقهم دون تفرقة، وخاصة فيما يتعلق بقوانين العمل وأنماطه في المنظمات بصفة عامة.

ج – الأمن:

يشكل الأمن الوظيفي هاجساً لكل موظف، إذ يخشى الموظف دائماً مجابهة كبر السن أو التقاعد دون أن يؤمّن على حياته اقتصادياً. إن تحقيق الأمن الاقتصادي يوفر للعامل حقه في الفرص المتكافئة للعمل بكفاية وإخلاص وضمان الأمن، والأمان من أية خسائر خارجة عن نطاق إمكاناته.

أنواع الثقافة التنظيمية:

للثقافة التنظيمية العديد من الأنواع تختلف من مكان إلى آخر حسب التقسيم الذي يتم استخدامه، كما أن أنواعها تختلف من منظمة إلى أخرى ومن قطاع إلى آخر ومن أبرز أنواعها ما يلي:

1-    الثقافة البيروقراطية (Bureaucratic Culture) في مثل هذه الثقافة التنظيمية تتحدد المسؤوليات والسلطات فالعمل يكون منظماً والوحدات يتم بينها تنسيق، ومسلسل السلطة بشكل هرمي وتقوم على التحكم والالتزام.

2-    الثقافة الإبداعية (Innovative Culture) وتتميز بتوفير بيئة للعمل تساعد على الإبداع ويتصف أفرادها بحب المخاطرة في اتخاذ القرارات ومواجهة التحديات.

3-    الثقافة المساندة (Suppoative Culture) تتميز بيئة العمل بالصداقة والمساعدة فيما بين العاملين فيسود جو الأسرة المتعاونة، وتوفر المنظمة الثقة والمساواة والتعاون ويكون التركيز على الجانب الإنساني في هذه البيئة.

4-    ثقافة العمليات (Process Culture) ويكون الاهتمام محصوراً في طريقة إنجاز العمل وليس النتائج التي تتحقق، فينتشر الحذر والحيطة بين الأفراد والذين يعملون على حماية أنفسهم. والفرد الناجح هو الذي يكون أكثر دقة وتنظيماً والذي يهتم بالتفاصيل في عمله.

5-    ثقافة المهمة (Task Culture) وهذه الثقافة تركز على تحقيق الأهداف وإنجاز العمل وتهتم بالنتائج وتحاول استخدام الموارد بطرق مثالية من أجل تحقيق أفضل النتائج بأقل التكاليف.

6-    ثقافة الدور (Role Culture) وتركز على نوع التخصص الوظيفي وبالتالي الأدوار الوصفية أكثر من الفرد. وتهتم بالقواعد والأنظمة،                كما أنها توفر الأمن الوظيفي والاستمرارية وثبات الأداء                        (آل حسن، 1422هـ: 5).

كما أن هناك بعض الرواد والمهتمين في مجال الإدارة يقسمون الثقافة التنظيمية السائدة إلى قسمين هما:

أ‌-     الثقافة القوية (Strong Culture).

ب‌-   الثقافة الضعيفة (Weak Culture).

ويشيرون إلى أن هناك عاملين أساسيين يحددان درجة قوة ثقافة المنظمة هما:

1-    الإجماع (Consensus) أو مدى المشاطرة (ٍShared ness) لنفس القيم المهمة والحيوية في المنظمة من قبل الأعضاء. وتكون الثقافة قوية كلما كان هناك إجماع أكبر من الأعضاء على القيم والمعتقدات الحيوية في ثقافة المنظمة أو مشاطرة أوسع للقيم الحيوية. ويعتمد مدى الإجماع أو المشاطرة على عاملين هما:

-     تنوير وتعريف العاملين وإطلاعهم على القيم السائدة في المنظمة وكيف يتم العمل.

-     نظم العوائد والمكافآت فإذا ما منح الأعضاء الملتزمون بالقيم والعوائد والمكافآت فهذا يساعد الآخرين على تعلم القيم وفهمها.

2-    الشدة (Intensity) وتشير إلى مدى قوة تمسك الأعضاء في المنظمة بالقيم والمعتقدات المهمة. وتزداد ثقافة المنظمة قوة بتزايد شدة وقوة تمسك العاملين بالقيم والمعتقدات الحيوية. (آل حسن، 1422: 50).

القيم المكونة للثقافة التنظيمية في المنظمات:

من خلال الرجوع إلى الأدبيات في مجال الثقافة التنظيمية اتضح أن هناك مجموعة من القيم التي تشكل ثقافة المنظمات والتي تؤثر بدورها في سلوك الأفراد. وقد اتضح أن كلاً من فرانسيس، وودكوك أفضل من تناول هذا الجانب بالبحث. لذا سوف تقتصر هذه الدراسة على بعض القيم التي تناولها هذان الباحثان (فرانسيس وودكوك، 1416: ص40).

أ- القوة:

إن الإدارة الناجحة هي التي تتحمل مسؤولية تحديد مستقبل المنظمة، ومن ثم فهي تتبنى قيمة القوة التي تدعو المديرين إلى إدارة المنظمة بفاعلية من خلال إدراكها لمقاومة الأفراد للسلطة في المنظمة، والعمل على التقليل من تأثير إكراههم أو إجبارهم على قبول السلطة ما يؤدي إلى التغلب على مشكلات المقاومة المتأصلة عند الأفراد نحو التنظيم. وتكتسب القوة من أربعة مصادر هي: الملكية، والمعلومات، والجاذبية، والمكافأة والعقاب. ويتم اكتساب هذه المصادر الأربعة للقوة والحفاظ على تهيئة الظروف الخاصة بالاهتمام والاحترام، والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة واللازمة للسلطة الفاعلة.

ب- الصفوة:

تتطلب القيادة الإدارية الفاعلة، مجموعة كبيرة وعالية من القدرات والكفاءات النادرة نسبياً، التي تتوفر في الصفوة. ولذا تعد الصفوة –كقيمة- خياراً صعباً إذ يتم اختيارهم وفقاً لعدة معايير منها: تحديد الكفاءات، واستخدام المعايير الموضوعية، وتقصي سجل السلوك، والتعرف على قيم المرشح تجاه الإدارة وتقييم الكفاءات الفعلية للمرشح، واستكشاف دوافع المرشح.

ج- المكافأة:

إن المنظمة الناجحة هي التي تتبنى قيمة المكافأة وتقوم بتحديد معايير النجاح ومكافأته. والإدارة الناجحة تستخدم أنظمة الثواب والعقاب من أجل توحيد جهود المنظمة في اتجاه رفع مستوى الأداء. ولما كانت المكافأة تؤثر تحت ظروف معينة في الأساليب التي يتصرف بها الأفراد في بعض أمورهم، فإنه يمكن استخدام قوة المكافأة لاجتذاب العاملين القادرين، وإبراز الإمكانات المناسبة، وتشكيل السلوك، وتوحيد الجهود من أجل تحقيق أهداف المنظمة.

د- الفاعلية:

تتبنى المنظمة قيمة الفاعلية في التوصل إلى صنع واتخاذ القرارات المناسبة، والحد من الصراعات الشخصية والالتزام بتقييم المعلومات للتأكد من فاعليتها عند اتخاذ القرارات. ومن هنا يهتم القادة والإداريون بفاعلية البناء التنظيمي، وجمع وتنظيم البيانات الصحيحة والمعلومات الدقيقة من مصادرها المختلفة من أجل فهم المشكلات التي تواجه المنظمة واقتراح بدائل مناسبة لحلها.

هـ - الكفاءة:

تتبنى المنظمة الناجحة قيمة الكفاءة في أداء العمل بطريقة صحيحة وإكساب العاملين اتجاهات إيجابية نحو العمل الجاد. والمنظمات ليس لديها خيار إذا أرادت النجاح وتحقيق الأهداف، إلا أن تعمل على تطوير قيم الثقافة التنظيمية والتزام مديري الإدارات العليا التزاماً تاماً بقيمة الكفاءة من أجل الأداء الفاعل وتوجيه الأفراد إلى تحسين العمل وإتقانه، مع ملاحظة أن الكفاءة تتوقف على التكيف مع القرارات. حيث ثبت أن المشاركة في صنع القرارات لها أثرها في تنمية كفاءة القيادات الإدارية في المستويات الدنيا من التنظيم وتزيد من إحساسهم بالمسؤولية وتفهمهم لأهداف المنظمة.

و – العدالة:

تدرك المنظمات الناجحة أن رضا العاملين وشعورهم بالعدالة في المعاملة والرواتب والمكافآت يعد حافزاً للأداء الفاعل. لذا تتبنى هذه المنظمات قيمة العدالة التي تتطلب من المديرين والقادة أن يعاملوا جميع العاملين معاملة واحدة بهدف الحصول على ولائهم وانتمائهم، والالتزام بواجباتهم من أجل حصولهم على حقوقهم بطريقة تتوافر فيها العدالة والمساواة.

ز – فرق العمل:

تنجز الجماعة المتميزة بالديناميكية، والفاعلية، والقيادة الرشيدة أهداف المنظمة من خلال فرق العمل بصورة أكثر فاعلية من فرد له موهبة أو مجموعة من الأفراد العاديين. لذا تتبنى المنظمات الناجحة (قيمة فرق العمل) انطلاقاً من أهمية تلك الفرق في تعويض جوانب الضعف الفردية بجوانب القوة لدى أعضاء الفريق، وبناء الإجماع والالتزام، وإثارة الدافعية للعمل وجذب انتباه شاردي الذهن من الأعضاء المشاركين، وتجنب حدوث الأخطاء. وهذا يتطلب اختيار فرق العمل بعناية وتبصر وتروٍ من أجل الصالح العام للمنظمة، ومن أجل إيجاد توازن أفضل بين المهارات الشخصية والأنظمة المهنية، ومن أجل تلاحم مجموعة الأفراد المتقاربين في أهدافهم ولديهم المهارات الأساسية للعمل الجماعي.

ح- القانون والنظام:

تطوّر كل جماعة إطاراً من القوانين التي تنظم تصرفاتها، وتوفر القواعد الأساسية للسلوك المقبول. وتمارس المنظمات نفوذاً كبيراً على سلوك موظفيها من خلال تلك القوانين. لذا فالمنظمة الناجحة هي التي تبتكر نظاماً مناسباً من قواعد السلوك التي تتناسق بدورها في منظومة من القوانين. لذا فإن معظم المديرين يدركون الأهمية الأساسية للقانون في تنظيم سلوك العاملين بالمنظمة.

وهذه القيم التنظيمية التي تمت مناقشتها تؤثر تأثيراً بالغاً على أداء العاملين حيث إن قيم القوة والصفوة والمكافأة تؤثر في ممارسة المديرين للصلاحيات والسلطات. أما قيم الفاعلية والكفاءة والكفاية فتؤثر بوضوح في أداء المهمات والواجبات. بينما تؤثر قيم العدالة وفرق العمل والقانون والنظام  في سلوك الأفراد وعلاقاتهم الإنسانية داخل المنظمة (النعمي، 1418هـ: 29).

وسائل تطوير وتكوين وتغيير الثقافة التنظيمية:

هناك أربع وسائل لتكوين ثقافة المنظمة أو تغييرها وتطويرها:

أ- مشاركة العاملين:

إن أول وسيلة حساسة لتطوير أو تغيير ثقافة المنظمة هي النظم التي توفر المشاركة للعاملين؛ فهذه النظم تشجع العاملين على الانغماس في العمل. ما ينمي إحساساً بالمسؤولية إزاء نتيجة الأعمال ومن الجانب النفسي يزيد التزام الفرد.

ب- الإدارة عمل رمزي:

إن ظهور أفعال واضحة ومرئية من قبل الإدارة في سبيل دعم القيم الثقافية يعتبر الوسيلة الثانية لتطوير الثقافة. فمثلاً العاملون يريدون معرفة ما هو مهم وإحدى الوسائل لذلك هي مراقبة وسماع السلطة والقيادة العليا بعناية حيث يتطلع العاملون إلى أنماط وأفعال الإدارة والتي تعزز أقوالها وتجعل الأفراد يصدقون ما تقوله.

ج- المعلومات من الآخرين:

إذا كانت الرسائل الواضحة من المديرين تعتبر عاملاً مهماً في الثقافة فكذلك الرسائل الثابتة المتوافقة مع العاملين الزملاء؛ فشعور الفرد مثلاً بأن زميله مهتم به ويعطيه الانتباه الكامل يشكل نوعاً من الرقابة على الفرد. وهذا ما يؤدي إلى تكوين تكامل اجتماعي قوي للواقع عن طريق تقليص التفسيرات المختلفة.

د- نظم العوائد الشاملة:

ونظم العوائد لا يقصد بها الجانب المادي فقط بل إن هذه النظم تشمل التقدير والاعتراف والقبول. كما أنها تركز على الجوانب الذاتية (Intrinsic) والعمل والشعور بالانتماء للمنظمة.

وبخصوص تغيير ثقافة المنظمة فهناك من يرى صعوبة كبرى في ذلك لأنه متى ما تم تأسيس المبادئ الأساسية لثقافة التنظيم المتمثلة في؛ أخلاقيات العمل (Work Eithics)، القيم التنظيمية (Organizational Values)، الاتجاهات العامة لمنسوبي التنظيم (Attitudes) الأنماط السلوكية (Behavioral Norms) توقعات أعضاء التنظيم (Expectations) فإنه في هذه الحالة يصعب تغييرها إلا عند حدوث تغييرات وتحولات جوهرية (Radical Shifts) في بيئة العمل الخارجية. (حريم، 1997: 451).

ثانياً:  الإبداع الإداري:

يتميز العصر الحالي بالتغيرات المتسارعة وثورة المعلومات والانفجار المعرفي والتكنولوجي، الأمر الذي نتج عنه العديد من المشكلات التي تواجهها المنظمات المعاصرة، حيث يتطلب حل هذه المشكلات استخدام طرق جديدة إبداعية ونبذ الطرق والإجراءات القديمة، ولا يتم ذلك إلا بإيجاد الأشخاص المبدعين وتوفير الوسائل المناسبة التي تساعد على إيجاد طرق جديدة وحلول إدارية سريعة. ومن هنا اعتبر الإبداع الإداري أحد المكونات الإدارية الأساسية للمنظمات الإدارية. ولتوضيح الإبداع الإداري سيتطرق الباحث في هذا الجانب إلى مفهوم الإبداع الإداري ومراحل العملية الإبداعية، ومستويات الإبداع الإداري والسمات الشخصية للمبتكر والمبدع، والعوامل التي تساعد على تنمية الإبداع الإداري إضافة إلى معوقات الإبداع الإداري.

مفهوم الإبداع الإداري:

يعتبر الإبداع شكلاً من أشكال النشاط الإنساني. وقد ظل هذا الموضوع لفترة طويلة محوراً للتناول الفلسفي والأدبي والفني غير أن الاهتمام به بشكل علمي لم يبدأ إلا مع بداية الخمسينيات من القرن العشرين حيث كان الإبداع موضوعاً رئيساً في علم النفس. وقد ارتبط موضوع الإبداع في الماضي بالمنافسة بين الدول الغربية أثناء الحرب العالمية الثانية. أما في عصرنا الحاضر فقد ارتبط بالتسابق التقني بين الدول في مختلف المجالات (الدهان، 1992م: 177).

ورغم كثرة ما كُتب عن الإبداع والعملية الإبداعية ومقوماتها وخصائص الإبداع إلا أنه لا يزال هناك غموض يحيط بالموضوع بل إن العلماء الذين تعرضوا بالدراسة لبعض جوانب الظاهرة الإبداعية لا يكادون يتفقون على تعريف واحد للإبداع ولم يبدأ الاهتمام الجاد بدراسة الإبداع بطريقة علمية ومنهجية إلا في أواخر القرن التاسع عشر. واختلاف العلماء في فهم المقصود بالإبداع وعدم اتفاقهم على تعريف واضح ومحدد هو في حد ذاته مؤشر على تعقد الموضوع.

وجاء في لسان العرب أن الإبداع من (بَدَعَ) و(بَدَعَ الشيء) أو ابتدعه يعني أنشأة الشيء وبدايته أولاً.

والإبداع في المعجم الوسيط هو من بدعه بدعاً أي أنشأه على غير مثال و(بدع) صار غاية في صنعته، خيراً كان أو شراً. والابتداعية تتسم بالخروج في الأساليب القديمة عن طريق استخدام أساليب جديدة (فضل الله، 1406: 79).

الإبداع من الناحية العلمية هو ظاهرة معقدة جداً ذات محاور وأبعاد متباينة وعديدة وهذا بسبب تعقد الظاهرة الإبداعية نفسها، وتعدد عناصرها ومقوماتها إضافة إلى اختلاف المجالات التي انتشر فيها مفهوم الإبداع وكذلك اختلاف اجتهادات العلماء والباحثين واختلاف اهتماماتهم ومناهجهم العلمية والثقافية ومدارسهم الفكرية، فمنهم من ينظر إليه على أساس أنه عملية (Process) ومنهم من ينظر إليه على أساس السمات والخصائص التي تميز المبدعين، ومنهم من ينظر إليه على أساس أنه منتج ( Product). وهذا كله أدى إلى عدم وصول العلماء والمهتمين إلى تعريف محدد ودقيق للإبداع الإداري. وعلى الرغم من هذا فإنه يمكننا حصر معظم التعاريف الخاصة بالإبداع الإداري في عدة محاور هي:                      (عساف، 1994: 269):

1-    في هذا المحور ينظر للإبداع من زاوية كونه عملية (Process) وبناء عليه يمكن تعريف الإبداع بأنه عملية ينتج عنها عمل جديد يرضي الجماعة وتقبله على أنه مفيد.

2-    يرتكز هذا المحور على الإنتاج الإبداعي وحل المشكلات. وبناء عليه يمكن تعريف الإبداع الإداري بأنه يسعى لتحقيق إنتاج يتميز بالجدة والملاءمة وإمكانية التطوير.

3-    يركز على السمات والخصائص أو القدرات التي تميز الأفراد المبدعين وهناك طائفة من بعض الباحثين تركز على سمات معينة من المخاطرة والاستقلال، وهناك طائفة أخرى تركز على سمات معينة مثل الطلاقة والأصالة.

4-    يركز على الإمكانات الإبداعية والاستعدادات النفسية الكامنة للإبداع ويعرف الإبداع أنه الاستعداد الكامن للتفوق أو التميز.

5-    ويركز على المراحل الأساسية التي يمر بها العمل الإبداعي والذي يتم من خلال أربع مراحل: مرحلة الإعداد، مرحلة الاختمار، مرحلة الإشراق، ومرحلة التحقق. وقد يسبق هذه المراحل مرحلة إحساس المبدع بالمشكلة (الحقباني، 1418هـ: 12).

ويعرف الإبداع بأنه: استجابة محدثة وأكثر جدوى وكفاءة وفاعلية لمنبه قام في البيئة الاجتماعية والثقافية ويتأثر بالبيئة الخارجية. ويكون من عدة عمليات متراكبة معقدة يتم من خلالها التأثير وتغير في السلوك ومن ثم التطبيق ويتطلب الإبداع الأصالة والمرونة والتحديث وقدراً من الطلاقة والتوسع ليتمكن من النظر في البدائل والاحتمالات. (بامية، 1986: 69).

ويعرف العواجي الإبداع بأنه: عملية نسبية تقع بين مرحلة المحاكاة والتطوير إلى مرحلة الابتكار الأصيل. والإبداع قد يكون إبداعاً فنياً أو إنتاجياً أو تنظيمياً وقد يكون عملاً فردياً أو جماعياً، وهو حالة مستمرة تحدث في جميع مراحل حياة الإنسان وجوانب الحياة. (العواجي، 1406: 995).

وقد عرف الإبداع بأنه الذات في استجابتها عندما تُستثار بعمق وبصورة فعلية أو العملية التي يتميز بها الفرد عندما يواجه مواقف ينفعل بها ويعايشها بعمق ثم يستجيب لها. (الشبيني، 1997: 88).

وقد عرف النمر الإبداع الإداري بأنه مجموعة من العمليات التي يستخدمها الإنسان بما هو متوافر لديه من قدرات وبما يحيط به من مؤثرات للتوصل إلى فكرة أو أسلوب يحقق النفع للمنظمة التي يعمل بها. (النمر، 1992: 102).

ويعرفه العديلي بأنه الأفكار غير المسبوقة التي تؤدي إلى زيادة فاعلية العلاقات الوظيفية ورفع معدلات الأداء الوظيفي. (العديلي، 1406: 35).

وقد عرف الحقباني الإبداع بأنه جميع العمليات التي يمارسها الفرد داخل المنظمة، وتتسم بالأصالة والطلاقة والمرونة والمخاطرة والقدرة على التحليل والخروج على المألوف سواء للفرد نفسه أو للمنظمة التي يعمل بها، والحساسية للمشكلات التي تنتج عن التفاعل مع البيئة المحيطة (الحقباني، 1418: 15).

كما عرف الإبداع الإداري بأنه قدرة الموظف على الإنتاج بأسلوب عمل جديد أو فكرة جديدة، أو حل مميز لمشكلة ما حيث يتم هذا الإنتاج بقدر من الطلاقة الفكرية والمرونة الذهنية والأصالة والقدرة على التحليل والربط والحساسية للمشكلات. (العنقري، 1422: 15).

ومن هذا المنطلق يمكن تعريف الإبداع الإداري بأنه أسلوب إداري يعتمد على العنصر البشري بشكل أساسي من خلال طرح حلول مميزة للمشكلات، وأداء العمل بأساليب وطرق جديدة في ظل استخدام للعناصر التالية: الأصالة، الطلاقة، المرونة، المخاطرة، القدرة على التحليل، الحساسية للمشكلات، الخروج عن المألوف سواء للفرد نفسه أو للمنظمة التي يعمل بها.

وهذا التعريف هو الذي سوف تتبناه هذه الدراسة.

عناصر الإبداع الإداري:

هناك العديد من عناصر الإبداع الإداري ولكن نذكر أهم هذه العناصر (الشبيني، 1997: 91).

1- الطلاقة:

يقصد بها إنتاج أكبر قدر ممكن من الأفكار حول موضوع معين في وحدة زمنية معينة.

2- المرونة:

يقصد بها القدرة على تغيير الحالة الذهنية بتغيير الموقف.

3- الأصالة:

تعني أن الشخص المبدع لا يفكر بأفكار المحيطين به لهذا تكون أفكاره جديدة.

4- الحساسية للمشكلات:

تتمثل في قدرة الفرد على اكتشاف المشكلات المختلفة في المواقف المختلفة فالشخص المبدع يستطيع رؤية كثير من المشكلات في الموقف الواحد فهو يعي الأخطاء ونواحي القصور ويحس بالمشكلات إحساساً مرهفاً.

5- التحليل:

يقصد به إنتاج إبداعي أو ابتكاري يتضمن عملية انتخاب أو اختيار وتفتيت أي عمل جديد إلى وحدات بسيطة ليعاد تنظيمها.

6- المخاطرة:

يقصد بها أخذ زمام المبادرة في تبني الأفكار والأساليب الجديدة، والبحث عن حلول لها في الوقت نفسه الذي يكون فيه الفرد على استعداد لتحمل المخاطرة الناتجة عن الأعمال التي يقوم بها ولديه الاستعداد لتحمل المسؤوليات المترتبة على ذلك (النمر، 1992: 64).

7- الخروج عن المألوف:

يقصد به القدرة على التحرر من النزعة التقليدية والتطورات الشائعة، والقدرة على التعامل مع الأنظمة الجامدة وتطويعها لواقع العمل ويتطلب ذلك شجاعة كافية (الحقباني، 1418: 17).

مراحل العملية الإبداعية:

رغم أن الإبداع الإداري يتسم بالتشابك والتداخل إلا أنه يعتمد على عدد من الخطوات المحددة. وهناك العديد من التصنيفات التي قدمها العلماء لمراحل العملية الإبداعية فمثلاً قسّم هاريس (Harris) مراحل العملية الإبداعية إلى ست خطوات (الدهان، 1992: 188):

1-    وجود مشكلة.

2-    جمع المعلومات.

3-    التفكير في المشكلة.

4-    تصور الحلول.

5-    التحقق من الحلول أي إثباتها تجريبياً.

6-    تنفيذ الحلول.

وهناك من يقسّم مراحل العملية الإبداعية إلى أربع مراحل مثل محمد              (1991: 57) وهي كالتالي:

1- مرحلة الإعداد والتحضير:

وتتمثل في جمع المعلومات حول الموضوع أو المشكلة التي تمثل محور اهتمام المبدع.

2- مرحلة التبصر والتفريخ:

ويطلق على هذه المرحلة أيضاً الاحتضان وتستغرق هذه المرحلة فترة طويلة أو قصيرة إما شهوراً أو سنوات. وتمثل هذه المرحلة أدق مراحل الإبداع وأهمها. لأنها تشهد عمليات التفاعل وإرهاصاتها. وتتداخل خلالها العوامل الشعورية واللاشعورية في شخصية الإنسان، وتحدث خلالها محاولات هائلة إرادية وعفوية لتلمس حقيقة المشكلة أو موضوع البحث والحلول المناسبة.     

3- مرحلة البزوغ والإشراق:

وتتجسد في هذه المرحلة حالات أو خصائص الإبداع الذاتية التي تمثل فاصلاً فعلياً بين ما يمكن أن يقوم به أي باحث وبين ما يقوم به المبدعون. فالمرحلتان السابقتان لهما أهميتهما وصعوباتهما إلا أنهما في الواقع مرحلتان يمكن لأي باحث أن يمر بهما. أما هذه المرحلة فلا يمر بها إلا المبدعون وتتمثل في البزوغ المفاجئ للفكرة الجوهرية أو للعمل النموذجي.

4- مرحلة التحقيق والتجريب:

ويتم في هذه المرحلة الاختبار والتجريب للفكرة أو الحل الذي تم التوصل إليه.

مستويات الإبداع:

يمكن التمييز بين مستويات ثلاثة للإبداع وهي:

-     الإبداع على مستوى الفرد.

-     الإبداع على مستوى الجماعة.

-     الإبداع على مستوى المنظمة.

1- الإبداع على مستوى الفرد:

ويتم توصل الفرد إليه من خلال تلك القدرة الإبداعية، ويعبر عنها في سلوك إبداعي. ويتوقف على عدة شروط نفسية واجتماعية متداخلة مثل: الشخصية ومستوى الذكاء والسياق الاجتماعي والذي يشمل المدرسة – الجماعة غير الرسمية وجميع منظمات المجتمع، والنظام القيمي والقاعدة الثقافية الحضارية للمجتمع.

2- الإبداع على مستوى الجماعة:

وهو الإبداع الذي يتم تقديمه أو التوصل إليه من قبل جماعة لحل مشكلة أو تقديم طريقة جديدة لأداء أعمال أو لإنتاج سلعة أو خدمة.

3- الإبداع على مستوى المنظمة:

وهو الإبداع الذي يتم من خلال المنظمات. والمنظمات المبدعة تتصف بما يأتي:

1-    الاتجاه الميداني والميل نحو الممارسة والتجريب المستمرين رغم الفشل أحياناً.

2-    وجود نظام يؤيد الإبداع ويشجع المبدعين.

3-    الإنتاجية من خلال مشاركة العاملين في تفهم مقترحات وبدائل العمل.

4-    التوجه القيمي وتطوير مبادئ وأخلاقيات للعمل يعرفها الجميع ويعملون على تطبيقها.

5-    الالتصاق بالمهارة الأصلية للمنظمة المبدعة وعدم الانتقال إلى مجالات عمل ليس للمنظمة مهارة متأصلة فيها.

6-    البساطة في الهيكل التنظيمي من حيث عدد المستويات والوحدات الإدارية.

7-    الحزم واللين، من حيث توجيهات أساسية ومبادئ وقيم لابد منها ولا يتهاون في تطبيقها، وفي ذات الوقت استقلالية ذاتية وتفويض في الصلاحية للعاملين أثناء أداء المهمة. (الشبيني، 1997م: 94).

السمات الشخصية للمبتكر والمفكر المبدع:

تتمثل السمات الشخصية للمبتكر والمفكر المبدع في وجود بعض الملامح والخصائص الأساسية والتي يمكن حصرها في خمس مجموعات أساسية كما يلي (عبد الفتاح، 1995م: 61):

-     مجموعة الصفات والقدرات والمهارات التي تتصل بالمرونة والتجديد في التفكير وعدم التصلب في الرأي، والبعد عن المسلّمات أو التحمس لفكرة دون سواها.

-     مجموعة صفات الطاقات الدافعة والقدرات الكامنة، والطلاقة الإبداعية في التعبير والتفكير في آن واحد، وهو ما يأتي من خلال الإحساس بالمشكلات وتفهم أبعادها بشكل أكثر عمقاً مقارنة بالآخرين.

-     مجموعة الصفات الشخصية التي تتصف بقدر من الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة والخروج عن المألوف، حتى لو أدى ذلك إلى إثارة الآخرين وانتقاداتهم.

-     مجموعة صفات الأصالة والعزيمة والإصرار على التجديد، وتحدي المجهول والقدرة على التفكير المنطقي وتحليل وتفسير الظواهر والوصول إلى استنتاجات متعددة ومتنوعة في آن واحد.

-     مجموعة الصفات العقلية ومنها التمتع بدرجة مناسبة من الذكاء والألمعية، ومحاولة تحقيق التميز في كل ما يقوم به الشخص المبدع.

العوامل التـي تساعد على تنمية الإبداع الإداري:

يمكن تقسيم العوامل التي تساعد على تنمية العملية الإبداعية إلى قسمين رئيسين كما ذكرهما النمر(1992م : 91):

1- العوامل الداخلية:

يتعرض الموظف -عند أدائه لعمله- لكثير من المنبهات التي تؤثر على العملية الإدارية فالفرد يقضي ثلث وقته داخل التنظيم، ويتعامل مع عدد من المتغيرات التي يتأثر بها وتتأثر به وهذه المتغيرات قد تكون إيجابية تساهم في دفع الفرد إلى الإبداع والتطوير وقد تكون عاملاً مثبطاً للإبداع داخل التنظيم. وهذه المنبهات تتفاوت من أن تكون هيكلية ذات علاقة بأنظمة وقواعد وإجراءات العمل أو تكون غير هيكلية أي مصدرها العلاقات الإنسانية القائمة بين الأفراد وزملائهم في العمل وأهم هذه العوامل هي:

1- بيئة العمل:

تعتبر بيئة العمل اليومية وما يواجهه الفرد من مؤثرات ذات أثر على العملية الإبداعية حيث نجد أن الفلسفة الجيدة التي تنتهجها الإدارة في التعامل مع العاملين والنظرة الإيجابية من قبل الإدارة نحوهم تؤدي إلى بناء علاقات جيدة بين الإدارة والعاملين، وهذا يؤدي إلى درجة جيدة من الاستقرار الوظيفي ما يؤدي إلى المزيد من البذل والعطاء من قبل العاملين ما يؤدي -بالتالي- إلى خلق وإطلاق القدرات الإبداعية لديهم كما أن تبسيط إجراءات العمل وقتل الجمود والروتين سيؤديان أيضاً إلى هذه النتيجة.

كما أن دور البيئة التنظيمية ودور الأعراف والتقاليد والممارسات اليومية قد تؤدي إلى تفوق أو تدهور المنظمة. وهناك بعض الركائز التي تؤدي إلى تفوق البيئة التنظيمية مثل:

1-    الاستقلالية وروح المغامرة والإبداع.

2-    متابعة الأفراد داخل التنظيم باحترام وتقدير.

3-    تبسيط المستويات الإدارية.

4-    خلق بيئة تنظيمية تتسم بالمرونة.

وهذه الركائز عندما تسود في البيئة التنظيمية فإنها تمارس دوراً مؤثراً على نشاطات وإنجازات التنظيم، وإذكاء روح الإبداع بين أفراده بشكل قد يفوق المواد المالية والتقنية المتاحة.

2- جماعة العمل:

إن التعامل اليومي بين العاملين والعلاقات التي تنشأ بينهم نتيجة هذا التعامل لها تأثير كبير على خلق بيئة إبداعية؛ فإذا كان التعامل بينهم يقوم على أساس المحبة والمودة والتعاون فإن هذا يفسح المجال لخلق بيئة تنظيمية إبداعية والعكس صحيح. وهنا يبرز دور القائد الإداري الذي يحاول توفير هذه البيئة من خلال خلق التعاون البناء المثمر بين العاملين.

3- الاتصالات الإدارية:

تؤثر قنوات الاتصال التي يتم عن طريقها نقل المعلومات والبيانات وكذلك نوعية المعلومات وكميتها على تنمية قدرات العاملين على التفكير والإبداع.

كما أن الاتصالات المباشرة بين الرئيس والمرؤوسين في مناقشة أمور العمل لها دور مؤثر على الإبداع. وحتى تكون قنوات الاتصال عاملاً مساعداً في تنمية الفكر الإبداعي فلا بد من توفر مجموعة من المعايير أهمها ما يلي:

1-    ضرورة اكتمال المعلومات بين المرسل والمرسل إليه.

2-    يجب أن تكون المعلومات المرسلة إلى المرسل إليه بالحجم المناسب الأمر الذي يمكنه من الاستفادة منها وفقاً لإمكاناته وقدراته.

3-    الوقت الذي ترسل فيه تلك المعلومات يجب أن يكون متمشياً مع الأحداث أي أن المعلومات يجب أن ترسل في وقت حدوثها وليس بعد مضي الوقت بفترة طويلة حتى لا تفقد تلك المعلومات أهميتها.

4- اتخاذ القرارات:

العملية التي يتم بها اتخاذ القرارات داخل التنظيم لها أثر في تنمية الإبداع لدى المرؤوسين؛ فالطريقة التي يتم بها صنع القرار ودرجة الرضا الذي يحققه القرار للعاملين ودرجة مشاركتهم في صنعه، جميعها عوامل تساعد على خلق بيئة إبداعية تتيح للعاملين استخدام قدراتهم الإبداعية من ناحية، وكذلك تدعيم فاعلية القرار من ناحية أخرى.

2- العوامل الخارجية:

قد يتعرض الفرد لمؤثرات من خارج بيئة العمل تؤثر على القدرات الإبداعية لديه وبالتالي فإن توفر القدرات الإبداعية واستغلالها لا يقتصر فقط على دور التنظيم وإنما هناك جماعات أخرى تشاركه؛ فالفرد تحيط به العديد من المؤثرات الخارجية التي تتحكم وتتصرف في سلوكه وأهمها:

1- الأسرة:

تعتبر الأسرة التي يعيش فيها الفرد منذ ولادته من أهم المؤثرات الخارجية؛ فهي التي تغرس فيه مجموعة من القيم والعادات والتقاليد التي تعتبر المميزة لسلوكه. فالفرد سلوكه داخل العمل هو انعكاس صادق لسلوكه وتصرفاته داخل المنزل ونجاح التنظيمات في تنمية القدرات الإبداعية للعاملين لديها إنما يعود جزء منه إلى نجاح الأسرة في تنمية هؤلاء الأفراد لتلك الأدوار داخل العمل أو التنظيم.

2- التعليم:

للعملية التعليمية دور مؤثر على حياة الفرد العملية؛ فالعملية التعليمية تتكون من عدد من العناصر تتمثل في: الكتاب، الأستاذ، الطالب، الأهداف، السياسات التعليمية وهذه العناصر مجتمعة لابد أن تتكامل مع بعضها بشكل إيجابي حتى تساهم في بروز شخصية متكاملة.

فالتعليم الذي يعتمد على أساليب التعلّم الحديث في نقل المعلومات للتلاميذ ويتيح لهم فرصة التعبير عن آرائهم والبعد عن أسلوب التلقين في نقل المعلومات، والأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية بينهم، والكتاب الذي يعتمد على التحليل والاستنتاج في سرد معلوماته سيكون تعليماً مثمراً وستكون نتائجه ذات مردود على الفرد فليس التعليم بقياس عدد المتخرجين الذين لديهم القدرة على القراءة والكتابة فهذه مهنة التعليم في الماضي، أما تعليم اليوم فلا بد أن يقوم على بناء الفكر المبدع والعقلية الناضجة التي تساعد على مواجهة تحديات العصر.

3- وسائل الإعلام:

لوسائل الإعلام باختلاف أنواعها سواء كانت المسموعة أو المقروءة أو المرئية دور مهمٌ في خلق بيئة ابتكارية قادرة على الإبداع في المجتمع الذي تعمل في خدمته. ويمكن قياس مدى تعدد جوانب وأوجه الإبداع وكثافته في أي مجتمع عبر تقدم وسائل الإعلام المختلفة واهتماماتها بالتطور والإبداع، ومدى تقديمها لبرامج واقعية وطموحة لاستكشاف وتوجيه وتبني المواهب ومدى حرية الفرد في التعبير عن آرائه من خلال هذه الوسائل المختلفة فحرية إبداء الرأي تقود إلى التفكير والإبداع. كما أن وسائل الإعلام المختلفة تتيح للفرد تلقي المعلومات من عدة مصادر ويكون أمامه فرصة للتحليل والاستنتاج من هذه المعلومات ما يساعد على تنمية قدراته الفكرية والإبداعية.

4- دور المجتمع في الإبداع:

لما كان الفرد عضواً اجتماعياً فهو يتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالقيم والعادات والتقاليد ومستوى الطموحات الاجتماعية التي تحيط به.

وتعتبر العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية عاملاً مهماً في غرس روح الإبداع والابتكار لدى أفراد المجتمع عندما تكون هذه العادات والتقاليد والقيم مؤيدة ومشجعة للإبداع والعكس صحيح. ومن ثم يمكن القول بأن الإبداع إنما هو عمل نوعي يتطلب ظروفاً وقيماً اجتماعية تقوم على أساس تشجيع التفوق والإبداع ورعايته.

معوقات الإبداع الإداري:

تواجه عملية الإبداع الكثير من المعوقات التي تؤدي إلى التقليل من قدرة الفرد على استثمار قدراته وتنمية مهاراته. ويمكن عرض هذه المعوقات في ما يلي:

1- المعوقات التنظيمية والإدارية:

نجد أن الكثير من التنظيمات الإدارية غير قادرة على حمل برامج وخطط التنمية إلى بر الأمان بسبب المشكلات الإدارية والتنظيمية التي تواجهها تلك الأجهزة والتي أدت بالتالي إلى غياب المحاولات الإبداعية والتطويرية في أجهزتها الإدارية ونجد أن كثيراً من هذه المشكلات الإدارية يعود إلى بعض الأسباب ومنها ما يلي:

1-    عدم وضوح الأهداف للمنظمة.

2-    المركزية والتسلط.

3-    الافتقار إلى معايير واضحة للأداء.

4-    انخفاض الروح المعنوية لدى العاملين.

5-    عدم وجود اتصال فاعل.

6-    الافتقار إلى العمل الجماعي(النمر، 1992: 68)..

7-    هيمنة المديرين المفتقرين للمعرفة والمهارة الإدارية اللازمة على معظم المنظمات الإدارية المعاصرة (عساف، 1995: 49).

8-    الاستهانة بفكر المبدعين وعدم الاستماع إلى مقترحاتهم سواء كانوا من داخل المنظمة أو من خارجها  (عبد المنعم وعبد الحكيم، 2000: 14).

9-    عدم وجود حوافز مادية ومعنوية لأصحاب الأفكار الإبداعية (عبد الوهاب، 1400: 47).

10-  عدم وجود البرامج التدريبية التي تساعد على تنمية المهارات الإبداعية والابتكارية وعدم الاهتمام بالبرامج التي من شأنها التأثير على عقول وأذهان الأفراد، واقتصار البرامج الموجودة على مواضيع تنظيمية مكررة ليس فيها تجديد ولا تطوير (عبد المنعم وعبد الحكيم، 2000: 15).

11-  الالتزام الحرفي بالقوانين والأنظمة لدرجة تعارضها مع صفات الشخص المبدع بحيث لا يجد الموظف الفرصة لاستخدام ما لديه من مواهب في حل ما يواجهه من مشكلات، فهو يقوم بعمل يشبه العمل الآلي الأمر الذي يقتل روح المبادأة والطموح والتفكير والتطلع لديه (النمر، 1987: 15).

2- المعوقات الاجتماعية والثقافية:

هناك الكثير من العوامل الاجتماعية والثقافية التي تحد من تشجيع الإبداع الإداري

فنجد أن تشجيع الإبداع الإداري له تأثير كبير في تكوين شخصية الفرد وفي تنمية القدرات الإبداعية والابتكارية لديه؛ فالأسرة التي تعتمد على القهر والتسلط وهضم حقوق الأبناء وعدم الاستماع لمطالبهم والتقليل من شأنهم سيكون لها دور رئيسي في الحد من الإبداع لدى أبنائها.

كما أن للعادات والتقاليد دوراً كبيراً في الحد من الإبداع حيث إن الكثير من العادات والتقاليد التي يؤمن بها المجتمع تحد من الإبداع وتقتل الطموح لدى أبناء هذا المجتمع.

كما أن التعليم له دور رئيس في الحد من الإبداع عندما تكون المناهج غير مواكبة للتطور، وغير معتمدة على الاحتياجات والتحليلات الضرورية لتطوير مدارك الطلاب (النمر، 1992: 68).

وهناك بعض المهتمين الذين قاموا بدراسة معوقات الإبداع فنجد أن همشري حدد عشرة معوقات رئيسة للإبداع الإداري وهي: (همشري، 1994: 125).

1-    مقاومة التغيير.

2-    غياب الحوافز.

3-    تكاليف الإبداع.

4-    مقاييس الإبداع.

5-    القوانين والأنظمة.

6-    الإدارة.

7-    المناخ التنظيمي.

8-    الزملاء (البيئة الاجتماعية).

9-    ظروف العمل البيئية.

10-  عوامل شخصية.

وقد أشار هيجان إلى وجود تسعة معوقات للإبداع الإداري في المنظمات السعودية وهي: (هيجان، 1420: 59).

1- عدم وضوح الرؤية:

ويقصد به عدم وجود الصورة الذهنية الواضحة لدى المدير والتي يحدد على أساسها مستقبل المنظمة، حيث تكون هذه الرؤية أساساً لأهداف وخطط وإجراءات المنظمة.

2- الخوف من الفشل:

ويتمثل في عدم تقديم الأفكار والآراء الجديدة والحلول الإبداعية لمواجهة مشكلة ما، خوفاً من العقاب عند ارتكاب الأخطاء، وخوفاً من النقد الناتج عن تلك الأفكار.

3- التمسك بالأنماط المألوفة:

ويشير هذا المعوق إلى رغبة الشخص في التمسك بالأنماط المألوفة وعدم القدرة على الخروج عليها ظناً منه أن كل الأحداث والمشكلات متشابهة.

4- غياب جو الحرية:

ويقصد به محدودية الدرجة المتاحة للفرد للتعبير عن شخصيته، وهذه الحرية لا تعني بالضرورة قيام الفرد دائماً بتنفيذ أفكاره الإبداعية كيفما شاء؛ لأن هناك قيوداً وضوابط تنظيمية واجتماعية تحدد المقبول وغير المقبول من سلوك الأفراد.

5- عدم التشجيع من المنظمة:

ويقصد به غياب المكافأة المادية أو المعنوية المطلوبة والملائمة لتشجيع الأفراد العاملين فيها على الخروج عن المألوف وطرح الأفكار والحلول الإبداعية للمشكلات التي تواجه المنظمة.

6- الإفراط في مكافأة النجاح:

ويشير هذا المعوق على أن الإفراط في مكافأة النجاح يعمل على إعاقة الإبداع نظراً لخوف العاملين من ضياع المكافأة العالية ما يسبب لهم القلق والخوف نتيجة ضياع هذه المكافأة، الأمر الذي يحول دون وصولهم للأفكار والحلول الإبداعية.

7- عدم مساندة العمل الجماعي من قبل المنظمة:

من المؤكد أن الإبداع ليس فردياً في كل الحالات، بل إنه من الممكن أن يكون جماعياً، وهذا بدوره يتطلب وجود نوع من الدعم من المنظمة بالنسبة للجماعات المعنية بحل المشكلات فيها، وإذا لم تعمل تلك المنظمات على تشجيع العاملين على حل المشكلات بشكل جماعي فسوف يتراخى العاملون ويتدنى حماسهم ويتراجعون عن تقديم الأفكار والحلول الإبداعية.

8- الاعتماد المفرط على الخبراء:

الاعتماد المفرط على الخبراء له أثاره السلبية على العاملين في المنظمة، وخصوصاً المتميزين منهم حيث إن هذا الاعتماد يمنع العاملين من تقديم آرائهم الإبداعية لشعورهم أنه لن تقبل آراؤهم ومقترحاتهم إلا إذا كانوا ضمن فئة هؤلاء الخبراء.

9- عدم شيوع جو المرح والتسلية:

تؤكد نظرية العلاقات الإنسانية أن غياب جو المرح والتسلية في المنظمات يعتبر أحد الأسباب البارزة التي قد تحول دون تمكين منسوبي المنظمات من إظهار ما لديهم من إمكانات وقدرات إبداعية.

ثالثاً: علاقة الثقافة التنظيمية بالإبداع الإداري:

رغم توفر بعض الكتابات عن الثقافة التنظيمية والإبداع الإداري إلا أن العلاقة التي تربط بينهما ظلت دون أن يلتفت لها أحد من الباحثين إلا عن طريق الإشارات غير المباشرة. فهيجان (1420هـ: ص4) يرى أن هناك بعضاً من معوقات الإبداع الإداري التي تحول دون تحقيقه. وهذه المعوقات تعود إلى عدم توفر الثقافة التنظيمية الملائمة التي تشجع وتعزز الإبداع الإداري مما يؤدي إلى عدم استغلال القدرات الإبداعية لدى الأفراد. بينما يرى الكبيسي(1998م: ص73) أن الثقافة التنظيمية المتفوقة أو الرابحة هي التي يكون الإبداع والتكيف البيئي ومواكبة العصر، من معتقدات عامليها وقياداتها على أن تترجم هذه المنطلقات في السياسات والممارسات. ولكي تصل المنظمات إلى هذا المستوى فإن ثقافتها التنظيمية يجب أن تأخذ في حسبانها الاعتبارات التالية:

1-    أن تضع تصوراتها المستقبلية بتعاون من المبدعين.

2-    وضع نماذج لتطوير المنظمة والتي تنقلها من واقعها إلى مرحلة الطموح والتطور.

3-    أن ترافق خطواتها التطويرية معززات للسلوك المتطور وأن يحس العاملون بالنتائج الإيجابية لإبداعاتهم وأفكارهم وسلوكياتهم المتجددة والمبدعة ويكون ذلك بالترقيات والمكافآت ومنح الأوسمة ...الخ.

4-    توفر قنوات الاتصالات المفتوحة التي تسمح بنقل المعلومات المرتدة والسماح لكل المستويات بتوصيل ما لديها من أفكار أو تحفظات.

5-    الدعم أو كما يسمى بالضوء الأخضر من قبل القيادات الإدارية والجهات المسؤولة لذوي الاختصاصات وأن تستبعد الخوف والقلق والتردد في نفوسهم وتطمئنهم بأنهم ليسوا وحدهم وأن الفشل - لو تحقق - سيكون خطوة لنجاحات قادمة.

 

 

 

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>> 

البحث مستلّ من رسالة ماجستير في الإدارة العامة للباحث نفسه بعنوان ((الثقافة التنظيمية والإبداع الإداري)) كلية العلوم الإدارية – قسم الإدارة العامة ، بإشراف الدكتور مازن فارس رشيد، 1425هـ