الحضارية «الوعي البحثي»

 السبت : 24/07/2010

 

 

 

 

 

 

دور البحث العلمي الجامعي في التطوير الصناعي

 

أ.د .م .محمد نضال الريس

 

 

 

 

 

مقدمة :

عندما نتحدث عن الدور الهام للبحث العلمي الجامعي في تطوير الصناعة و حل المشكلات الفنية التي تواجهها   ، فإننا لا نأتي بجديد إنما نضع الأمور في نصابها .وخاصة بعد أن أصبح البحثُ العلمي التطبيقي الذي يشارك في حل المشاكل التي تصادفها المؤسسات والصناعة، ركيزة ومنطلقاً لكل تطور صناعي وتقدم اقتصادي في الدول المتقدمة. بل وأضحى نشاطاً من الأنشطة الاقتصادية، ويؤدي دوراً كبيراً هاماً في تقدم الصناعة والاقتصاد ونموهما .

وإن كان مثل هذا البحث العلمي والتعاون هاماً بالنسبة للدول المتقدمة ، فهو بالنسبة للدول النامية وللمؤسسات فيها أكثر أهمية وإلحاحاً . إذ بواسطته يتم وضع الخطط على أسس سليمة ومتينة، ويتم تفادي الأخطاء ودفع الخسائر وتحسين الأداء ورفع المردود .

وهنا لابد من التنويه إلى أن مواضيع البحث العلمي في الدول النامية قد تختلف – بل تختلف بالتأكيد – عن تلك في الدول المتقدمة من حيث الموضوع والهدف . فبينما تتركز مواضيع البحث العلمي في الدول المتقدمة حول مواضيع تطوير تقانات متقدمة، نجد أن الدول النامية تعاني من مشكلات أخرى، تتعلق بأسلوب التعامل مع التقانات المستوردة ، أو تكييف هذه التقانات وفقاً للظروف المحلية أو تطويرها  بأساليب تراعي إمكاناتها واحتياجاتها. وبذلك فإن البحث العلمي فيها يتمثل بصورة أساسية في البحث عن الحلول العلمية لهذه المشكلات المحلية .

وعندما نتكلم عن البحث العلمي في الدول النامية فإننا نعني بالدرجة الأولى البحث العلمي الجامعي ، وذلك لسبب بسيط . ففي تلك الدول لا توجد الشركات الصناعية الضخمة التي تستطيع تمويل مؤسسات بحث خاصة بها . كما أن الإمكانات المادية والبشرية الكبيرة التي تتطلبها مؤسسات البحث العلمي تمثل عبئاً صعباً على كاهل الدول النامية . وبالمقابل فإننا نجد أن الجامعات يمكن أن تضم بصورة طبيعية العناصر البشرية والفنية والخبرة الاختصاصية وأن تتوفر فيها التجهيزات المخبرية اللازمة للبحث العلمي . لذلك فإن الدور الذي يمكن أن تؤديه الجامعات بتعاونها مع المؤسسات الصناعية يمكن أن يمثل وفراً  اقتصادياً لتلك المؤسسات، بتقديم الحلول المثلى للمشكلات المعروضة، كما يمثل من جهة أخرى تطويراً نوعياً لهذه الجامعات في تطوير خططها التعليمية والبحوث الجارية فيها ، وربطاً للجامعة بالمجتمع بكل إيجابياته .

وسنحاول من خلال هذه المحاضرة، وعلى ضوء تجربة امتدت على مدى أكثر من خمسة و عشرين عاما في هذا المجال،استخلاص أهمية هذا التعاون، وانعكاساته، ومعوقاته.عسى أن نستلهم أفضل السبل لتطويره وتحسينه من خلال العرض والمناقشة.

لتوضيح العلاقة الوثيقة والمتبادلة بين البحث العلمي الجامعي والتطور الصناعي ، يجب التوقف أمام محورين رئيسيين ،هما:

• دور البحث العلمي الجامعي في خدمة التطور الصناعي 

•  و دور الصناعة في خدمة البحث العلمي الجامعي

 دور البحث العلمي الجامعي في خدمة التطور الصناعي  :

يمكن للبحث العلمي الجامعي في الوطن العربي أن يقوم بدور هام وحيوي في خدمة وتوطين وتطوير الصناعة، وفي بحث المشكلات التي تعترض سير وتطور الصناعة في كافة مرافقها ، للوصول إلى حلول مثلى و موثوقة، و مبنية على أسس علمية موضوعية. مما سيؤدي إلى تحسين عمل المؤسسات الصناعية ، ورفع مردودها و موثوقيتها .

ويمكن لهذا التعاون العلمي أن يلبي احتياجات الصناعة،  والشركات التابعة لها في جميع مراحل العمل المختلفة على الوجه التالي :

آ- في مرحلة التخطيط :

يجب أن تبنى خطط التنمية الناجحة على أسس موضوعية . وأن تعتمد على دراسات علمية وبحوث ميدانية تمهيدية

• تحدد الإمكانات المتوافرة ،

• وتبين الجدوى الفنية والاقتصادية من المشاريع المقترحة .

• ومدى صلاحية إقامتها في موقع معين ، وفي مرحلة معينة .

• وتحدد أفضل التقنيات الملائمة في هذا المجال، وفقا للظروف والإمكانات المحلية .

ويعتمد نجاح مثل هذه المهمة على توفر أمرين أساسيين :

1-  توفر خبرات علمية محلية عالية التأهيل وبخبرة عملية متمرسة ، لتشارك في إيجاد الحلول الموضوعية المثلى، بدأب وتفرغ علمي وإخلاص دون تبعية لمورد أو صانع أجنبي،

2-  وتوفر المرجعيات والوسائل العلمية الحديثة والتوثيق العلمي ، والإمكانات البحثية المخبرية والميدانية.

ويمكن لهذين البندين أن يتوافران في الدرجة الأولى لدى الجامعات في الوطن العربي  .

ب – مرحلة التنفيذ :

إن اختيار الحلول المثلى ، والمنتجات الأفضل ، والتجهيزات والأساليب الأكثر ملاءمة لواقعنا وظروف الاستثمار لدينا، سيوفر الربح المباشر في النوعية والثمن ، والرِبحَ غير المباشر في دفع الخسائر التي يمكن أن تنجم عن الاختيار الخاطئ ، وما يرافق ذلك من تكاليف صيانة وإصلاح وتوقف وضياع للوقت.

إن عملية الاختيار هذه، هي في كثير من الأحيان، احدى مهام البحث العلمي المحلي ،  لأنها غالباً ما تستلزم إجراء الدراسات النظرية المستفيضة و البحوث الميدانية والقياسات المخبرية الدقيقة .

وقد بين الواقع العملي، وبناء على التقييم الموضوعي لنتائج الاختبارات والأبحاث التي أجريناها على مدى أكثر من خمس و عشرين عاما في هذا المجال على تجهيزات موردة لمؤسسات وجهات صناعية لدينا ، أن العديد من الشركات الأجنبية تتعامل باستهتار، وأحياناً بتلاعب من حيث تقيدها بالمواصفات الفنية،أو بما تدعيه من مواصفات لتجهيزاتها ، أو بإخفاء لمعلومات هامة . وذلك لقناعتها عن تجربة أحيانا، أنها تستطيع صياغة عروضها على الورق، بصورة مطابقة لمتطلبات دفاتر الشروط، وحتى لو لم تكن مطابقة فعلاً . وخاصة إذا تيقنت من عدم وجود إمكانات التحقق من هذه المواصفات لدى المؤسسات، أو عدم اهتمام هذه المؤسسات بذلك.

 ومن جهة ثانية فإن بإمكان تلك الشركات أن تقدم  في مخابرها ما تريد من نتائج،وبالصورة التي تريد.  كأن تبرز نقاطاً وتخفي الأخطر والأهم .

ج – في مرحلة الاستثمار :

لا يَقل دور التعاون العلمي الذي يمكن أن تقدمه الجامعات في مرحلة الاستثمار والإنتاج عن أهميته في مرحلتي التخطيط والتنفيذ . سواء في

• مجال تحليل الأعطال وإصلاحها

• أو تذليل  العوائق ،

• أو في مجال البحث عن وسائل وطرائق تحسين الإنتاج وتنمية المهارات.

 فتقديم الخدمات في كل من هذه المجالات سيوفر أموالاً طائلة تهدر . ويرفع مردود الإنتاج أضعافاً مضاعفة . وقائمة المسائل التي تعترض العاملين في المؤسسات والشركات الصناعية الوطنية أكثر من أن تسرد . و يمكن للجامعات أن تسهم في دراسة وتقديم الحلول لهذه المشكلات على الوجه الصحيح والأكمل . بينما لا يمكن للشركات الأجنبية أن تقدم ذلك،  لان همها الرئيسي الأول هو جني الأرباح وتصريف منتجاتها، وتقديم الحلول التي تحقق هذا الهدف.

3- انعكاسُ تعاونِ الصناعة مع الجامعات على تطور البحث العلمي والخطط التعليمية في الجامعات :

وإذا كان للبحث العلمي والتعاون الجامعي مع الصناعة دوره الإيجابي الهام في دفع عجلة التطور الصناعي على المسار الصحيح . فإن لتوجه القطاع الصناعي إلى التعاون مع الجامعات دوراً هاماً وإيجابياً أيضاً في دفع عجلة البحث العلمي والتعليم الجامعي الهندسي على المسار الصحيح ، وذلك لأنها:

آ- تقدم للبحث العلمي موضوعات مستمدة من الواقع العلمي القائم :

وتفتح بذلك آفاق البحث العلمي الواقعي المتطور ، إذ لا يمكن لبحث علمي متطور أن يبحث في مشكلات بعيدة عن واقعه ،كأن يبحث مثلاً في مواضيع مأخوذة من مشكلات تعاني منها دول أو صناعات أخرى ، ولا تمت إلى احتياجات وطنه بصلة . ففي هذا تبذير في العلم وتوجه خاطئ . والبحث العلمي الأصيل هو الذي يبحث في مواضيع نابعة من صميم الواقع مهما بلغت هذه المشكلات – في نظر البعض من البساطة .

كما أن البحث في مثل هذه المواضيع سيفتح أفاقاً من الرغبة والجدية والدأب . التي هي من أهم سمات البحث العلمي . وذلك لأن الباحث يعيش هذه المشكلة بواقعه وإحساسه ، ويعيش انعكاس نتائج بحثه خُطُواتٍ عملية وعلمية يراها في محيطه و مجتمعه وبلده .

ب – تساعد على تطوير الخطط التعليمية والتأهيلية والدراسات العليا :

إن توظيف البحث الجامعي لخدمة القطاعات الصناعية في مراحل التنمية كافة، يساعد على تطوير الخطط التعليمية والمناهج وفق الاحتياجات العملية و العلمية القائمة والواقع الصناعي السائد في المجتمع ، إن كان من حيث النوعية أو التخصص أو العدد المطلوب . كما يعمل على تأهيل جيل من الخريجين على اطلاع بواقع العمل المستقبلي ومشكلاته .

ج – تساعد على توظيف الإمكانات العلمية البشرية والمخبرية التوظيف الصحيح :

فعوضاً عن أن توظف الإمكانات البشرية والمخبرية الثمينة في الجامعات، لدراسة مشكلات نظرية مطروحة في الكتب أو الأبحاث المنشورة، أو مما كان قد تعرض لها الباحث أثناء دراسته العليا في الخارج،  فإن التعاون مع المؤسسات والشركات الصناعية، لحل مشاكلها وتحسين أدائها، سيؤدي إلى استغلال هذه الإمكانات الاستغلال الصحيح والسليم في خدمة التنمية الوطنية .

د – تنمي الخبرات الفنية الوطنية في الجامعة و الصناعة :

إن التعاون بين الجامعات والمؤسسات الصناعية، و تطوير البحث العلمي الجامعي لحل المشكلات القائمة لدى تلك المؤسسات، يجعل الخبرات الفنية (الأكاديمية) الجامعية، على احتكاك  بالخبرات العملية في هذه المؤسسات والشركات.كما يحقق للمهندس العامل في الصناعة، الذي انغمس في واقع الاستثمار العملي وسيلة للاتصال بالواقع الأكاديمي، والتطور العلمي، واكتساب أحدث المعلومات. فتتكامل هذه الخبرات لتعطي النتائج المثلى ، وتنعكس الفائدة مزدوجة على الطرفين لتنمية الخبرة الوطنية في الجامعة وفي الصناعة على أسس سليمة وصحيحة .

هـ – توفر التمويل الملائم لتطوير الإمكانات البشرية والمخبرية

إن عملية البحث العلمي تتطلب أموالاً باهظة لشراء التجهيزات والمواد اللازمة ، ولتطوير الإمكانات الفنية والمخبرية والبشرية ، ولتوظيف الباحثين الضروريين . وتعجز الجامعة في كثير من الأحيان عن تحقيق ذلك إضافة لوظيفتها العلمية . لذلك تعد عملية التمويل للبحوث العلمية من المؤسسات الاقتصادية المصدر الأساسي لاستمرار عملية البحث العلمي وتطوره . كما هو الحال في جميع جامعات الدول المتقدمة ، وإن هذه الأموال التي تقدم للبحث العلمي ليست بأموال مهدورة كما يعتقد كثيرون في الدول النامية بل هي رأس مال رابح أرباحه المباشرة كبيرة وأرباحه غير المباشرة أكبر بكثير .

و – تحد من هجرة الأدمغة :

إن توفير مُناخ البحث العلمي الملائم ، الذي يتيح للباحث تقديم ما اكتسبه من خبرة خلال سنين دراسته وبحثه إلى بلده ضمن ظروف علمية ملائمة و معاشية كريمة . يمثل أقصى ما يتمناه الباحث ليشعر بجدوى عمله ووجوده . ويعد ذلك حافزاً للخبرة الوطنية على الاستمرار في العمل وتمتين جذورها ببلدها .

ويتحقق هذا عند تمتين التعاون بين البحث العلمي وقطاعات الصناعة .وتوظيف الخبرات الوطنية في مجالها التخصصي الصحيح.

4- معوقات التعاون :

إن أهم معوقات التعاون بين الجامعات والصناعة تتمثل وتتلخص

آ-في عدم الثقة بالخبرة العلمية الوطنية أولاً وأخيراً .

فبالرغم من تعرض مؤسسات وشركات وطنية لتجارب غير مرضية مع بعض الشركات الدارسة أو المنفذة أو الاستشارية الأجنبية، وحصول أخطاء  نتجت عن  خبرة أجنبية قدمت إليها ، يبقى الإصرار لدى كثير من الجهات على التوجه للخبرات الأجنبية، ويبقى "  الفرنجي برنجي"، و" مزمار الحي لا يطرب"، وتبقى عقدة الأجنبي والخواجة قائمة .                                                               

كما ويبقى معياري تمييز الخبير وأجوره منحصرين في اللغة وبلد الجنسية.

و نبقى على استعداد لدفع الاجور الباهظة للقادم الأجنبي، بينما نعتبر أجزاء من هذه الدفعات محرمة وكثيرة على الخبير المحلي .

إذا لم تكسر هذه القواعد غير الذهبية ، فإن مستقبل التطور في بلادنا سيبقى قاتماً ومهزوزاً .

لذلك لا بد من تطوير تفكيرنا، ومن ثم سلوكيتنا واجراءاتنا باتجاه التقويم الموضوعي لخبراتنا العلمية الوطنية، بالمقارنة مع الخبرات الأجنبية، وإعطاء الخبرات المحلية التي تثبت كفاءتها وخبرتها و تميزها موقعها العلمي الصحيح. لأن ذلك هو الاتجاه الصحيح والسليم للتطور والتقدم . ومن أهم مايدفعنا للمراجعة في هذا الاتجاه هو التساؤل عن أسباب استخدام الشركات والجامعات الأجنبية للعديد من أبناء بلادنا ، والاقبال عليهم، وعزوفنا بالمقابل عن الاستفادة منهم .

ب – اللجوء إلى المهنيين  أو ما يسمى  بالمعلمين في السوق المحلية :

ومن جهة اخرى فإن العديد من الجهات الصناعية المحلية التي تريد أن توفر عليها اجور الخبرة الأجنبية لا تلجأ للخبرة العلمية التخصصية الوطنية في الدراسات أو الإصلاح أو الإستشارات، إنما  إلى مايسمى بالمعلم المهني غير المؤهل. لأن  هؤلاء هم بحسب الرأي الشائع "في السوق" " أفهم وأرخص".وهذا ما قد يتسبب في كثير من الأحيان بخسائر وأخطار فادحة لتلك الجهات، وأخطاء مرعبة يعجز المقام عن تعدادها . والأمثلة أكثر من أن تحصى.

5- خاتمــة :

لم يكن الهدف من هذا البحث إعطاء تحليل نظري حول هذا الموضوع إنما كانت الغاية– و من منطلق تجربة علمية إيجابية وتعاون مستمر ومثمر منذ حوالي عقدين ونصف من الزمن- هي تأكيد : 

• أهمية توثيق التعاون بين الجامعات و القطاع الصناعي و مؤسساته.

•  و ضرورة توظيف البحث العلمي الجامعي لخدمة قطاعات التنمية متمثلة هنا القطاع الصناعي و مؤسساته .

•  ولتبيان أن هذا التعاون حاجة ملحة وضرورة اقتصادية. وأنها الطريق الوحيد الصحيح للتطور السليم والسريع، الذي بواسطته نتفادى الأخطاء ونتخطى العثرات ونعالج المشكلات، ونتخلص من استغلال الشركات الأجنبية، بل وقد نمنع ما يشبه الكوارث .

 

..............................

(*)أستاذ في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بجامعة دمشق

فاكس : 00963 11 3121674

هاتف : 00963 11 3121085

جوال : 00963 94 402525   

ص.ب : 4569

دمشق - سورية

 

 

.....................

المصدر : من الموقع :

http://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:-7-WERAVkpgJ:www.hcsr.gov.sy/archive/downloads