الحضارية «الوعي البحثي»

  الإثنين : 12/04/2010

 

 

 

 

الإنفاق على البحث العلمي معيار تقدُّم وتطوُّر المجتمعات

 

 

عبد المالك مايو

 

 

 

 

 

مشكلات الإنفاق على البحث العلمي:

هناك تساؤلات كثيرة حول الإنفاق على البحث العلمي وما هي ميزانياته؛ وبصورة أدق، أين وكيف تذهب الميزانيات المخصَّصة للبحث العلمي، وماذا عن الروتين القاتل في مجال صرف تكاليف أي بحث علمي؛ ما يجعل الكثير من الباحثين والمتخصِّصين في هذا المجال، وخاصة أساتذة الجامعات، يعزفون عن القيام بأيِّ بحث، لأنهم سيضطرُّون إلى دفع معظم التكاليف من جيبهم الخاص، تحت عنوان (لم يأتِ أمر الصرف بعد).

الإنفاق على البحث العلمي معيار تقدُّم وتطوُّر المجتمعات، شاء من شاء وأبى من أبى، والناس شبعوا من الكلام عن البحث العلمي وأهميته، ذلك أنَّ أهمية البحث العلمي تتحقَّق في الإنفاق الكبير عليه والصرف دون أي تعقيدات وإجراءات تقتل البحث ذاته.. الدكتور مصطفى الكفري، أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، يقول في دراسة أعدَّها بهذا الشأن: «لا تزال الجامعات في معظم الدول العربية مؤسسات حديثة المنشأ. ومع أنها حقَّقت خلال هذه الفترة نقلة علمية متقدِّمة في التعليم، لكنها لم تصل إلى إحداث الأثر المطلوب في أهداف التعليم العالي الأخرى، وبخاصة في مجال البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وحقَّقت الجامعات العربية الكمَّ المطلوب للمجتمع العربي من الاختصاصيين والمختصين، لكنها لم تستطع أن تحقِّق النوع.. وإن برز على الساحة أحياناً بعض الإنجازات النوعية في هذا المجال، لكنها لم تخرج عن كونها استكمالا لمراحل التعليم التي سبقتها من حيث المخرجات والأهداف التي حقَّقتها. ولم تتمكَّن الجامعات العربية من تحقيق المطلوب في مجال البحث العلمي وإقامة مراكز بحثية متخصِّصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، والسبب في ذلك يعود إلى عدم توافر مستلزمات البحث العلمي في أغلب الجامعات العربية من مراكز المعلومات والعناصر البشرية، وخدمات الحاسب، يرافق ذلك نقص في الأمور الإدارية والتشريعية والتنظيمية، لعدم وجود برنامج مدروس لأولويات البحوث ومجالاتها، وعدم توافر نواظم واتفاقيات للاتصال بين مراكز البحث العربية، وصعوبة تسويق الأبحاث، وثقل العبء التدريسي المتوجِّب على عضو هيئة التدريس وعدم وجود خطة للتنسيق بين البحوث والباحثين، يضاف إلى ذلك عدم وجود الاهتمام الكافي بحضور العلماء والباحثين للمؤتمرات العلمية، وعدم توافر المناخ العلمي المناسب داخل الجامعات ذاتها، إضافة إلى ضعف التعاون البحثي مع الجامعات الأجنبية وبخاصة الأوروبية منها»..

ويضيف الكفري: «لعل أخطر مهام الجامعة، هي مهمة البحث العلمي، فالجامعة هي المؤسسة التي توكل إليها مواكبة التقدم العلمي في العالم والعمل على تطويعه واستيعابه وإجراء أبحاث ودراسات في مختلف ميادين المعرفة، لكن البحث العلمي في الجامعات العربية، بشقَّيه؛ البحث في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والبحث في العلوم الدقيقة أو التطبيقية، لا يحظى بالعناية الكافية، سواء من حيث الميزانيات المخصصة له أم من حيث التنظيم أم من حيث مستلزمات البحث والعناية بالعقول والإبداع في الوطن العربي»…

البحث معدوم:

الجميع متَّفق على أنَّ مستلزمات الحياة أصبحت معقدة وكثيرة، والباحث في النهاية شخص لديه واجباته ومتطلباته الكثيرة التي يحتاج إليها، وبمعنى آخر، لا يوجد لدى أيِّ باحث المال الكافي أو الذي يستطيع من خلاله أن يتحمَّل تكاليف نفقات البحث العلمي، وبالتالي المسألة ليست ذاتية أو شخصية، بل يجب أن تكون مشروعاً متكاملا تدعمه كافة الأطراف والجهات المعنية، ويتمُّ تخصيص الموازنات المفتوحة لأي بحث علمي يخدم الاقتصاد الوطني وكافة شؤون الحياة الأخرى.

وتساءل دكتور في جامعة دمشق (فضَّل عدم ذكر اسمه): كيف يتمُّ صرف الميزانيات على الكليات سواء النظرية أم التطبيقية؟، مضيفاً أنَّ البحث العلمي في الكليات النظرية معدوم تماماً، وتمَّ إلغاء الكثير من الأمور المتعلقة بالبحث العلمي، ومن المفترض أن تذهب الميزانية في طريقها الصحيح، وبشكل علمي ومدروس، والقانون والقرارات المتعلقة بالبحث العلمي ممتازة جداً وتخدمه بشكل كبير، لكن التطبيق على أرض الواقع سيِّئ جداً، وواقع البحث العلمي والتطبيق السيِّئ لمفاهيمه جعلا الكثير من الأساتذة والباحثين لا يعملون لأجل البحث العلمي، أو لا يعنيهم هذا المجال، فيجب أن تكون هناك متابعة وتركيز لأيِّ قرار يخصُّ البحث العلمي، وعدم ترك الأمور بشكل فوضوي وغير دقيق ومدروس.

بحث في المجهول:

المشكلة على ما يبدو هي غياب التنظيم في مجال البحث العلمي، فهناك الكثير من الأبحاث لم ترَ النور بسبب نقص التمويل أو غيابه؛ الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على بيئة البحث العلمي بشكل عام، والأمر يحتاج إلى مراجعة حقيقية وإلى إجراءات أكثر جدية والنظر إلى هذا الموضوع بشكل أفضل، وخاصة من حيث حجم الإنفاق المقدَّم لأهم قطاع من قطاعات المجتمع. وبحسب التقرير المقدَّم من جامعة دمشق 2007، فقد تبيَّن أنَّ نسبة أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق الذين نشروا أوراقاً بحثية في المجلات العلمية في العام الدراسي 2005-2006 هم ما بين 40 % و75 %، وأنَّ هذه النسبة تنخفض بشكل عام في كليات العلوم الهندسية والحقوق.

أما نسبة أعضاء الهيئة التدريسية الذين شاركوا في المؤتمرات وقدَّموا أبحاثاً علمية في العام الدراسي 2005-2006 فهي ما بين 40 % و80 %، وتنخفض في العلوم الهندسية والتربية.

القضية ليست في نشر أبحاث أو إعدادها بقدر الإفادة منها، بالشكل الذي يخدم حاجة السوق التي هي أحوج ما تكون إلى دراسات وإحصاءات وأبحاث تلبِّي وتخدم وتسدُّ الفراغ الكبير والعطش الشديد إلى هذه الأبحاث.

أرقام:

تشير الأرقام إلى أنَّ نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج الإجمالي في الدول العربية متدنِّية جداً، مقارنة بمثيلاتها في الدول المتقدمة. وعلى سبيل المثال؛ الناتج الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية في العام 1997 بلغ 7690 مليار دولار، خصَّصت منه 2.9 % للبحث العلمي؛ أي أنها أنفقت على البحث العلمي في ذلك العام ما يعادل 223 مليار دولار سنوياً. أما الناتج الإجمالي لمصر في ذلك العام فقد بلغ 71.2 مليار دولار، أنفقت منه 0.4 % على البحث العلمي؛ أي ما يساوي 0.285 مليار دولار. أما سورية فقد بلغ ناتجها الإجمالي في العام 1997 نحو17.1 مليار دولار، ونسبة إنفاقها على البحث العلمي 0.1 %؛ أي أنَّ مقدار ما أنفقته على البحث العلمي يساوي 0.017 مليار دولار سنوياً.

 

...........................

المصدر : من الموقع:

http://www.aleppoyouth.com/forum/showthread.php?p=60