مراكز الأبحاث والدراسات ودورها في دعم العمل المرجعي
خالد عليوي العرداوي(*)

يقال ان الولايات المتحدة
وحدها فيها اكثر من ثمانية الاف مركز بحثي مسجل ، اما غير
المسجلة فهي ضعف هذا العدد ، بينما لايوجد مركز بحثي حقيقي
واحد في عالمنا العربي والاسلامي ، نعم يجب ان لانتفاجأ بهذا
القول ، لانه في الدول التي تحكمها القرارات الارتجالية
(الفردية وغير المخططة ) ، يكون من العبث الحديث عن مراكز
البحوث والدراسات ، حيث ان هذه المراكز هي عبارة عن مختبرات
وفلاتر تتبلور فيها الحقيقة وترسم فيها – ايضا – افضل السبل
لاسقاطها على الواقع وتطبيقها . ولتجاوز هذا الواقع ،لابد من
تحول بلداننا عن النهج التربوي والعلمي والسياسي الذب تسير
عليه ، حيث تتبع الحقيقة هوى السلطة وتسير في ركابها وتتأدلج
برؤاها الارتجالية غير المخططة ، وان واحدا من افضل سبل التحول
هو ايلاء مراكز البحوث والدراسات ماتستحقه من الاهتمام
والتطوير ، وهذه المهمة تحتاج الى تكثيف الجهود من قبل
المختصين لمعرفة الدور الحقيقي والجوهري الذي تضطلع به هذه
المراكز ، ابتداءا من اهميتها ، مرورا بأليات تطويرها ،
ووصولا الى دراسة واقعها في عالمنا العربي والاسلامي وكيفية
توظيفها في خدمة العمل المرجعي؟.
أهمية مراكز الابحاث والدراسات :
ان مراكز الابحاث
والدراسات : "هي واحدة من المؤشرات الواضحة على رقي الدولة
وتطورها وفهمها وتقييمها للعلم ودوره في رسم السياسة الصحيحة،
وبالتالي يمكننا ان نستدل على حال احد الطرفين من معرفة حال
الطرف الاخر"، اي كلما زاد تخلف الدولة زاد اهمالها لدور هذه
المراكز ، والعكس صحيح، و هذه المراكز قبل أن تكون إنتاجا ً
ثقافيا ومعرفيا ً , هي منجز حضاري متميز. إذ إنها المرأة التي
تعكس اهتمام الأمم والشعوب في حفظ تراثها ومنجزاتها المعرفية
والحضارية , لان حفظ المنجز الفكري والسياسي والاجتماعي
والعلمي لمجتمع ما , هو ممارسة واعية للتحولات والتطورات التي
تحصل في المجتمع ، وعميلة هادفة لتأكيد ذاكرة المجتمع
الحضارية، فالمراكز البحثية هي بمثابة المخزن والوعاء لذاكرة
التأريخ الإنساني في أبعاده المختلفة وعلى حسب
اهتمامهاواختصاصها. وهي كحدث أو منجز حضاري , وليد الواقع
النهضوي , الذي يعيشه مجتمع ما. إذ يسعى كل مجتمع في مسيرته
النهضوية إلى تأسيس الأطر والأوعية المنسجمة مع ظروفه
التأريخية التي تحفظ منجزاته العلمية والمعرفية , وتسعى نحو
تطويرها وتأكيدها في الوسط العام. كما تتميز , بأنها ضرورة
قصوى لاستحقاقات بالغة الأهمية , فرزها العصر والمرحلة في كل
بقاع العالم, فهذه التحولات السريعة في النظام الدولي وتشابك
وتعقد مجريات السياسة , مع الضرورة لبناء علاقات متميزة ,
تتجاوز المصالح الشكلية , كلها تحتاج إلى وعي عميق بمجرياتها
وآليات تكوينها والتعاطي الايجابي معهاواستشراف النتائج
المستقبلية لها وليس هناك نظام أو دولة في العالم , يمكنها
العيش ضمن دائرة التوازنات الدولية المعقدة وهي تعتمد على ضروب
الحظ والصدفة ولا تعير أهمية للبحث والاستقصاء وقراءة أحداث
الماضي ووعي الحاضر واستشراف المستقبل .
انواع
مراكز الابحاث:
تتنوع مراكز الابحاث
والدراسات وفقاً إلى طبيعتها وإلى المساحة العلمية التي تتعامل
معها،حيث توجد هناك مراكز بحث سياسية اوقانونية او صناعية أو
زراعية أو تربوية او تاريخية ...ويمكن أن نقسم هذه المراكز إلى
مراكز بحوث متخصصة لحقل علمي واحد كمراكز بحوث الطاقة أو
الليزر أو تكون مراكز بحوث متنوعة التخصص كمراكز بحوث التاريخ
أو مراكز البحوث الاقتصادية لمختلف أشكالها أو مراكز البحوث
الاجتماعية ،وعمل هذه المراكز يمكن أن يكون محصوراً في إطار
منطقة جغرافية معينة أو يمكن أن يمتد ليعبر الحدود
الإقليمية.وقد اهتمت الدول الصناعية بالفرع الأخير وذلك لنقل
آخر المستجدات في الحقل العلمي .
تمويل
مراكز الابحاث :
يُعد التمويل أساس نجاح
وإبداع مراكز الابحاث؛ حيث تُعد البحوث والدراسات من الأعمال
المكلفة نسبياً، ودون أن تطمئن مراكز الأبحاث لمصادر تمويلها
وتوفير ميزانياتها يصعب عليها السعي وراء تفريغ فرق عمل لإعداد
دراسات على مستوى عالٍ من النضج، والتمويل لايشكل مشكلة في
البلدان المتقدمة لانه متوفرسواء على شكل مخصصات حكومية ، او
على شكل دعم من المؤسسات الصناعية والاقتصادية التي تدرك اهمية
هذه المراكز ودورها في تحقيق النجاح لنشاطاتها ، ولكن في
عالمنا العربي والاسلامي اصبح التمويل من اكثر القضايا التي
تثير جدل واسع وذلك لاننا " عموماً لا نوجه أموالنا للصرف على
اللاملموس كالدراسات والأبحاث والاستشارات على اعتبار أن ذلك
نوع من التبذير الذي لا داعي له، وأن المصروفات يجب أن توجه
مباشرة لما هو ملموس، حتى وإن كانت نواتج الصرف على اللاملموس
تضبط وتوجه الصرف على الملموس، وهذا الوضع تشترك به القطاعات
الحكومية والخاصة وغير الربحية " .فنجد ان ماينفق من موارد على
العمل الخيري اضعاف تلك الموارد التي تنفق على العمل البحثي ،
علما ان نهوض الشعوب يعتمد بشكل اساس على تفوق وتطور العمل
البحثي ،وهذه الحقيقة دفعت مدير مركز دراسات الشرق الاوسط في
عمان ( جواد الحمد ) الى القول : " حيث يغيب التمويل المحايد
، الذي يمكن ان يأتي من الدولة على شكل مخصصات للبحث العلمي ،
بالتالي تقع المراكز ، اما فريسة للتمويل الاجنبي بكل اشكاله/
مما يدفعها للوقوع في المحظور والمشبوه ، او ان عليها مواجهة
شبح العازة والاغلاق " . فيجب رفع عبأ التمويل عن مراكز
ابحاثنا لتعمل بفاعلية وتحقق النتائج المرجوة منها.
اهداف
مراكز الابحاث والدراسات :
ان اهمية مراكز الابحاث
والدراسات تتضح من خلال الاهداف التي تسعى لها والتي تتمثل
بالاتي :
1- تطوير الحياة المعرفية
في الوسط العام , فمراكز الأبحاث والدراسات عادة ما تستقطب
أصحاب الاهتمام والخبرة , لذلك فان لمؤسسات البحث الدور
الأساسي في تطوير الحياة المعرفية والفكرية والعلمية في الوسط
العام , عن طريق أنشطتها الثقافية ومنابرها الإعلامية المختلفة
.. لذلك نجد في الكثير من الدول والبلدان , إن وراء تقدم وتطور
الحياة الثقافية والعلمية , مؤسسات ومعاهد ومراكز للبحوث
والدراسات في مختلف الحقول والاختصاصات ،و إنّ الدور الأساس
المنوط بهذه المراكز يتركّز على تحليل الواقع، وتقديم رؤى
مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو تطوير الواقع الحالي إلى
مستوى أفضل، وفق مرجعيات أكاديمية واستراتيجية، بعيداً عن
الارتجال، أو النظرة الأحادية. وهو ما دفع بعض المفكرين
والساسة إلى تسمية هذه المراكز بخزانات التفكير (Think Tanks).
2- إن النظر إلى السياسة
بنظرة تحليلية , تتلخص في عملية (اتخاذ قرارات وتنفيذها) ,
وهذه العملية تنطوي على عدة مراحل متدرجة وضرورية تشكل بمجملها
الخطوات الضرورية لآثار السياسة على الأرض . وان التصور الواضح
للمشكلة أو الحاجة أو الموقف المراد اتخاذ القرار بشأنه , ونوع
الوسائل المناسبة لتحقيقه والخيارات المتاحة في هذا المجال ,
والتنبؤات المستقبلية له وأمور أخرى , تمثل بمجموعها عماد
عملية (اتخاذ القرار وتنفيذه) والتي تساوي (العملية السياسية )
، وهذه الأمور جميعا تحتاج إلى دراسة معمقة وواعية وعلى أسس
علمية ممنهجة , وليس غير المراكز والمؤسسات البحثية وخصوصاً
السياسية منها , أولى بهذه المهمة منها . فلا يمكن لأي مؤسسة
أخرى أن تضطلع بهذا الدور غير المؤسسات البحثية ولذلك أصبحت
مراكز الأبحاث المشتغلة على الأمور السياسية , جزء لا يتجزأ من
العملية السياسية في معظم البلدان الديمقراطية .اذ تشكل مراكز
الدراسات الرصينة مصدراً أساسياً للمعلومات والنصح لصنّاع
القرار على مختلف مستوياتهم، حيث تؤدّي مراكز الأبحاث
والدراسات في الولايات المتّحدة على سبيل المثال دوراً أساسياً
في مجال اتخاذ القرار، بل ربما يذهب البعض إلى القول بأنّ بعض
تلك المراكز تشكّل خطوطاً خلفية للبيت الأبيض أو وزارة الدفاع.
3 - إقامة جسور العلاقة
والتواصل بين أطراف متعددة تمثل بمجملها أقطاب إدارة السياسة
العامة وتنفيذها والتفاعل معها . فهي تتوسط العلاقة بين
الحكومة والمؤسسات الأكاديمية , من خلال تحويل السياسة من
عملية إجرائية وممارسة إلى مادة علمية تنتظم في أطروحات
ونظريات وأفكار يمكن تناولها من قبل الأكاديميات في مجال البحث
والدرس . وبذلك تخدم (المراكز) المؤسسة الأكاديمية في تحويل
التجربة العملية إلى مادة نظرية تدعم البناء العقلي والعلمي
وتقدم له أرضية التطور , ومن جهة أخرى تـُمَكـِن الحكومة من
تلافي أخطائها أو تحسين وسائلها , من خلال ما يتم ملاحظته عبر
الرؤية الأكاديمية وما تتمخض عنه عملية التطوير الفكري
والمناقشات النقدية لتلك الأفكار. ولا تقف عند هذا الحد (أي
المراكز البحثية ) بل تجسر العلاقة بين الحكومة والمؤسسات
الإعلامية , من خلال تحليل العملية السياسية وسبر أغوارها
وتقديم هذا التحليل بين يدي الإعلام ليستطيع أن يوجه أسئلة
عميقة ومكثفة تصيب كبد الحقائق وجوهر المجريات السياسية . ومن
جهة أخرى تـُمَكـِن (المراكز) الحكومة من بيان رسالتها عبر
وسائل الإعلام من خلال تأمين الندوات واللقاءات العامة
للسياسيين التي يشرحون فيها وجهة نظرهم وحقيقة سياساتهم , أمام
الرأي العام . وتقوم أيضا بإقامة الصلة الوثيقة بين الحكومة
وعامة الشعب من خلال تفسير مجريات السياسة وخطواتها المعقدة
التي قد يصعب على الشعب إدراك مراميها والمصالح المستبطنة فيها
. وهذا الفهم من شأنه أن يعمق القناعات الشعبية تجاه حكمة
الحكومة ويبعث روح الاطمئنان لديها بصحة إجراءاتها , ويزيد من
زخم الدعم الشعبي للحكومة . وأكيداً يوفر فرصة أكثر لمن يريد
النقد البناء والمطالبة المشروعة, بما يقدمه من وعي ثاقب
لحقائق الأمور.
4 - إن تطور الدولة الذي
انتهى إلى ما يسمى بالدولة الحديثة , افرز جملة كبيرة من
الاستحقاقات الضرورية التي لا يمكن أدائها عبر (حكام ومسؤولين
وموظفين ) ذوي كفاءة محدودة , فأصبح من الضروري أن يتم بناء
الجميع مهنيا بما يتناسب والدور الذي يقومون به وخصوصاً ً
أولئك الذين تقع عليهم مسؤولية إعداد القرارات الكبرى وتنفيذها
. ولا شك في أن هذا البناء يحتاج إلى المعلومات المتخصصة
المطروحة بأسلوب يسهّل وعيها وإدراكها وتحويلها إلى واقع عملي
من خلال الممارسة , بالإضافة إلى عملية التدريب المباشر . وهنا
تـَـشـخـَصُ مراكز الأبحاث كملب ٍ كفوء يستطيع تقديم المعلومات
التأهيلية الضرورية , فضلا عن قدرتها على إقامة الدورات العامة
والخاصة التي من شأنها ترقية وتطوير الجهاز الحكومي بكل سلطاته
الثلاث.
5 - توطيد أواصر العلاقة
والتفاعل بين الثقافات والحضارات من خلال توفير فرصة تبادل
المعلومات والأفكار بين المراكز في البلدان المختلفة , وكذلك
تهيئة الأجواء لاتباع كل ثقافة وحضارة أن يتحدثوا بمضمون
ثقافتهم وحضارتهم من خلال المؤتمرات الدولية والمحاضرات التي
تعد لهذا الغرض .
6 - إشاعة روح البحث
العلمي والتعامل مع القضايا بموضوعية وتعميم ثقافة البحث
والتحري والاستدلال التي تقف بالضد من ثقافة التسطيح والخرافة
والأحكام العشوائية , ورعاية المبدعين على وجه الخصوص وتوفير
الفرصة المناسبة للراغبين في البحث والكتابة والتأليف وإبداء
الرأي , وإقامة جسور التواصل بينهم وبين الجمهور .
7- كما يمكن لمراكز
الأبحاث أن توفر فرصة مناسبة لأولئك الذين يريدون البقاء
قريبين من المجريات السياسية وفاعلين فيها مع خروجهم من حيز
المسؤوليات التنفيذية المباشرة من خلال تداول السلطة أو
التقاعد أو أي أسباب أخرى , بحيث يمكنهم البحث والتحليل
والتقييم وتقديم المشورة عبر ما يملكونه من خبرات واسعة , وهذا
ما نراه جليا في أكثر من بلد متقدم , حيث يعمل وزراء ومسؤولون
كبار سابقون في الدولة في مراكز أبحاث ودراسات مهمة .آليات
تطوير عمل مراكز الابحاث والدراسات في عالمنا الاسلامي يحتاج
النهوض بواقع عمل مراكز الابحاث والدراسات الاسلامية الى :
1-
معالجة مشكلة التمويل التي تعاني منها اغلب المؤسسات الحالية
والمستقبلية من خلال :
- تحويل جزء كبير من
"ميزانية الاستشارات في الدولة" والشركات الكبرى إلى المؤسسات
البحثية العربية والاسلامية -بدل المؤسسات الأجنبية- بهدف
تفعيل دورها الوطني والحضاري ودعمها مالياً وعلمياً، وهو ما
يمكن أن يكرسها كعقل مفكر حقيقي منتمٍ بعيداً عن الأيادي
الخارجية.
- ادراك القطاع الخاص في
عالمنا العربي والاسلامي جدوى عمل هذه المراكز ودورها في تطوير
عمله ، فيبادر الى تمويل هذه المراكز واتباع ماينتج عنها من
توصيات واراء .
- كثيرا ماينصب جهد
المرجعيات الدينية لدينا على اعمال البر والخير وانشاء المراكز
الثقافية وهذا الامر جيد ، لكن يمكن لهذه المرجعيات ان تنفع
الاسلام فائدة كبيرة اذا مانجحت في اقامة مراكز بحثية متخصصة
وغير مسيسة مزودة بكوادر كفوءة تعمل لاصلاح المجتمع ونصح صانع
القرار ونشر الاسلام الصحيح وابراز صورته للعالم ، وجعل جزء من
الموارد الموجهة لاعمال الخير موجه لهذه الغاية.
2-
الإصلاح الديموقراطي:
إنّ الإصلاح الديمقراطي هو
مطلب أساسي لأي عملية تنمية سياسية أو اقتصادية فاعلة، وهي
أساس للتطوّر المجتمعي ككل. ومن المنطقي أن يبقى الحديث عن
تفعيل دور مراكز الدراسات والبحوث في العالم العربي -الاسلامي
قاصراً ومحدوداً طالما بقيت القيود الحكومية المختلفة على
المعرفة وحرية الرأي والتعبير وحرية الوصول إلى المعلومات،
وربما كان المناخ الديمقراطي الحرّ سبباً مساعداً في الرقي
بعمل هذه المراكز، ودفعها نحو الارتباط بأجندة مجتمعاتها بشكل
أكبر.
3-
النضوج السياسي للدولة :
تعتمد مسيرة مراكز البحوث
والدراسات على حالة النضوج السياسي للدولة ، إذ كلما اتسم
النظام السياسي بهذه الصفة كلما توفرت دفعة قوية لبناء وعمل
المراكز البحثية، إذ إن توفر البيئة المناسبة لإقامة هذه
المراكز تقتضي الإيمان بأولوية النضج الفكري وعلى حساب الاتجاه
السياسي وعلى خلاف ما يطرح محاوره في البيئات المتخلفة من
تغليب للوجهات السياسية على المسارات الفكرية والعلمية .
4-القناعة بدور مراكز الابحاث والدراسات :
إن قناعة المجتمع وطائفة
العلماء وحقل العمل الذي يستثمر نتائج هذه المراكز يعد عاملاً
أساسياً في استمرار عملها ، إذ إن هذه الجهات تعد بمثابة مراكز
التغذية العكسية لجميع النتائج العلمية التي وصلت إليها هذه
الحقول .
5-
استقلالية المراكز :
إن التوصل إلى الحلول
السليمة لمجمل المشاكل المبحوثة النتائج إلى توفر الأجواء
المناسبة التي تحيطها الحرية بحيث توفر أوسع مساحة للتفكير
العقلي، ولذلك لابد من التأكد من استقلالية المراكز في
قراراتها ونتائج أبحاثها وعدم وجود غطاء ثقيل على عملها يتولى
توجيه أبحاثها وفقاً لغايات معينة أو لإدارة جهات محددة .
6-
وجود الطلب على منتج هذه المراكز وجودة الباحثين :
إن المراكز العلمية
والبحثية ينظر إليها كمؤسسات لها ميزانياتها ، فهي بقدر ما
تحصل عليه من موارد ناتجة عن تسويق انجازات أبحاثها فهي تقوم
بالإنفاق على عملها ولذلك عندما لايثاب الدعم المالي الشفاف
لأعمالها وضعف إمكانات تسويق نتائج أبحاثها فإنها ستصطدم بقيود
مستلزمات استمرار العمل البحثي، وبذلك ستكون أمام مخاطر مغادرة
ساحة البحث العلمي . كما تعتمد مراكز الأبحاث في عملها إضافة
إلى التمويل المالي، على مدى قدرتها على احتضان الكفاءات
العلمية البحثية، فبقدر امتلاكها للكفاءات العلمية يتحدد أفق
البحث العلمي وطبيعة نتائجه.ولذلك يجب على هذه المراكز أن تعمل
على استقطاب الكفاءات العلمية البحثية ومد جسور التواصل مع حقل
العمل .
دور مراكز
الابحاث والدراسات في تطوير العمل المرجعي :
يمكن لهذه المراكز ان تقوم
بدور فاعل جدا في النهوض بالعمل المرجعي وتطويره من خلال:
1- اظهار العمل المرجعي
كعمل مؤسسي يمتلك ادوات العصر الكفوءة في صنع واتخاذ القرارات
( الاحكام المستنبطة من الشرع ) ، وليس كما يحاول اعدائه
اظهاره على انه غارق في آليات عمل متخلفة عن عصرها ولاتستوعب
متطلبات وحاجات الناس ، افرادا وجماعات .
2- يمكن لهذه المراكز ان
تكون حلقة وصل جيدة بين المرجعية واوساط علمية واجتماعية ،
غالبا ما تتخذ موقف المعارض لها او المغيب لدورها سواء في
المجالات السياسية – بعض الاحزاب السياسية - ، او العلمية –
الجامعات مثلا - ، او الثقافية – النوادي الثقافية مثلا - ، او
الاقتصادية – كالمؤسسات الاقتصادية على اختلاف انواعها .
3- تستطيع المرجعية من
خلال المراكز استقطاب دماء كفوءة الى ساحة العمل الديني من
خلال التعرف على هذه الكفاءات ومالحرص على زجها في برامج عمل
المراكز وخطوة خطوة تترسخ اهداف وبرامج المراكز في عقول هؤلاء
ليكونوا بعد ذلك ادوات بشرية تحمل اهداف المرجعة الى المجتمع
فيقترن عنصر الولاء بعنصر الكفاءة.
4- توسيع فضاء الحرية في
العمل السياسي الاسلامي عندما تكثر وتتعدد مراكز الابحاث بعدد
المراجع والاحزاب الاسلامية فيتنافس الكل من اجل الوصول الى
الصواب بدلا من انحصار القرار بافراد محددين قد لاتسمح ظروفهم
الشخصية والاجتماعية من اتخاذ خطوات تسمح بالنزول عن البرج
العاجي للعمل في اطار الجماهير وللجماهير خدمة للدين .
5- كذلك ستكون مراكز
الابحاث والدراسات بمثابة جهات استشارية وخبروية تزود المؤسسة
المرجعية بالمعلومات الصحيحة عن اية قضية تروم اتخاذ حكم فيها
، بدلا من سقوط هذه المؤسسة في فخ الاستشارات المتحاملة او
المتحيزة ، او الجاهلة بحقيقة الامور في القضية محل الاهتمام .
6- والعمل المهم الذي سوف
تقوم به المراكز هو عندما تزود المؤسسة المرجعية بقائمة صحيحة
حول مستوى كفاءة الافراد الذين يتصدون للعمل في الشؤون العامة
، ليكون الرجل المناسب في المكان المناسب ، فلا تقع المرجعية
بمثل الخطأ الذي وقعت فيه في العراق عندما اندفعت لتأييد افراد
محددين اثبتت الايام انعدام كفاءتهم ن فانعكس هذا الامر سلبا
على صورة المرجعية امام جماهيرها العريضة .
اذن ، يعد الاهتمام بدعم
وتطوير مراكز الابحاث من القضايا الاساسية التي يجب ان تبادر
المرجعية الى تبنيها بسرعة انسجاما مع لغة العصر وما تلعب فيه
هذه المراكز من ادوار حيوية مهمة جدا ،وقد قال امير المؤمنين
عليه السلام : من عرف الزمان أمن نوائبه ، فتجاهل اللغة
المطلوبة لكل زمان اول خطوة للتدحرج عن القمة نزولا الى
الهاوية
......................
(*) معاون مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
Email :khalidchyad@yahoo.com
...................
المصدر : مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ، من
الموقع :
http://fcdrs.com/ARAE/0031.htm