الحضارية «الوعي البحثي»

 السبت: 29/03/2009

 

مصادر المعرفة وحدود المنهج التجريبي

في الاسلام

د. عثمان جمعه ضميرية(*)

 

تأتي اهمية البحث في المنظومة العلمية في الفكر الإسلامي من أن الإسلام قد احل العلم مكانة بارزة ، ورفع العلماء درجات عالية ، نجد هذا في نصوص القرآن الكريم وفي السنة النبوية ، ثم في الترجمة العملية لتلك النصوص متمثلة بالجهد والابداع الإسلامي عبر التاريخ وفي المنهج العلمي الصارم الذي انتجه العلماء وسلكوه في بحوثهم بكل انواعها وصنوفها ، حيث حملوا مشعل العلم وأضاؤوا الطريق للبشرية ، فكانوا هداة لها وقادة ، يرتادون الخير ، ويدعون الى الفضيلة ، ويرتقون بالإنسانية إلى مدارج الكمال ، لأنهم كانوا (خير أمة أخرجت للناس) هذه ناحية من نواحي الأهمية.

  ومن ناحية ثانية: يزكي هذه الاهمية ان العلم ونظرياته ومناهجه ومجالاته تلتقي كلها لتكون رافداً يصب في ينابيع الايمان الذي فطر الله تعالى الإنسان عليه، وعندئذ يتناسق العلم والايمان ويتناغمان ، فـ((العلم يدعو إلى الايمان))(1) والايمان يجعل من العلم قاعدة له وشاهداً على صدقه ، وبذلك يتفق(صحيح المنقول مع صريح المعقول))، فلا تعارض بين العقل والنقل (2) ثم يرفع الإسلام القواعد من العلم والمنهج العلمي ويضع له الحدود الفاصلة بين مجال عمله وبين المجال المحجوب عنه فلا يطغى احدهما على الاخر.

ومن ناحية ثالثة: فإن معظم المباحث التي يوميء إليها هذا البحث وترتبط بأكثر من مجال من مجالات الفكر العلمي الرئيسية.

مجالات الفكر العلمي :

   ومجالات الفكر العلمي تشمل جميع الجهود الفكرية التي تدرس العلم والمنهج العلمي في ظل الصورة المركبة لقوة التأثير بين العلم والإنسان والمجتمع، وهي مجالات لا يمكن للعلم ان ينسلخ عنها او يتحرر منها وتشمل تلك المجالات ما يلي:(3)

أنطولوجيا العلم: وتعني البحث في كشف طبيعة الوجود الالمادي في القضايا الميتافيزيقية(الغيبية) المترتبة على التطورات او المفاهيم والقوانين العلمية.

إبستمولوجيا العلم او نظرية المعرفة: وتعني البحث في إمكانية المعرفة ومصادرها وطبيعتها.

أكسيولوجيا العلم : وتعني ما يعرض للبحث في القييم والمثل العليا ومدى ارتباطها بالعلم وخصائص التفكير العلمي ، بأعتباره المعرفة العلمية واحدة من اهم فعاليات النشاط الإنساني وأرقاها.

سيكولوجيا العلم: وتعني مجال البحث في العمليات النفسية والعقلية التي تتعلق بالكشف العلمي وما يقترن بها من القدرات الإبداعية والخيالية الموجهة لحل المشكلات العلمية.

سوسيولوجية العلم: وتعني بالبحث في مجال التفسير الاجتماعي لتطور النظريات العلمية ومدى تقبل المجتمع لها ، بالاشارة الى اسلوب التنظير العلمي ونمطه الذي يعكس الصبغة السائدة في مجتمع ما . وهنا يأتي دور المعايير الثقافية والقيم السلوكية والعقدية في التأثير على تحديد الاتجاهات العقلية.

تاريخ العلم: وهو الذي يعني بوصف حركة العلم وتقويمها ، عبر مراحل العلم المتعاقبة للوقوف على عوامل تقدمه وازدهاره او تعثره ، من جوانب عدة.

خطة البحث : وينتظم هذا البحث بعد هذه المقدمة في ثلاثة مباحث وخاتمة.

المبحث الاول: مصادر المعرفة وطرق العلم .

المبحث الثاني خصائص مصادر المعرفة وقيمتها .

المبحث الثالث : حدود العلم والمنهج التجريبي.

الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات .

المبحث الاول : مصادر المعرفة وطرق العلم

تمهيد وبيان: مصادر المعرفة (4) هي الوسائل التي نستخدمها للتعرف على الموجودات من حولنا، او على العالم والكون الذي جعله الله تعالى موضعاً للتأمل والتدبر والنظر العقلي، وقد جعل الله تعالى هذا الكون قسمين اثنين هما : عالم الغيب وعالم الشهادة.

(1) عالم الغيب: أصل معنى الغيب في اللغة العربية وهو استتار الشيء عن العيون ثم استعمل في كل ما يغيب عن الحواس ، او ما لايقع تحت الحواس ولا تقتضيه بدائه العقول ، بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء. والمراد بـ(عالم الغيب): هو كل الموجودات التي غابت عن حواسنا ، ولا تقتضيه العقول بداهة، ونتوصل الى معرفته بالخبر الصادق وبالآثار التي تدل عليه فهو يقع في مجال غير المرئيات (5) .

(2) عالم الشهادة: أصل معنى الشهادة في اللغة العربية يدل على حضور وعلم وإعلام ، والشاهد هو الحاضر، والمشاهدة هي الادراك بإحدى الحواس . والمراد بـ( عالم الشهادة) : هو كل ماهو حاضر مشاهد، نستطيع ان ندركه بحواسنا ونحكم عليه بها، والعلم به عند إدراكه علم ضروري لا يتوقف على استدلال او نظر عقلي (6) . وبما ان طبيعة عالم الغيب تختلف عن طبيعة عالم الشهادة فإن الطرق لمعرفة كل منهما تتفق مع طبيعة موضوع المعرفة الذي هو عالم الغيب والشهادة.

ونشير فيما يلي الى مصادر المعرفة بعامة ، ثم نتعرف على وسيلة معرفة كل من عالمي الغيب والشهادة ومصدرها ، وحدود هذه المعرفة وضوابطها.

طرق العلم ومصادر المعرفة: والطرق او الاساليب التي يتعرف بها الإنسان على الموجودات ، ويحكم عليها من خلالها ويعلمها علماً يقينياً او ظنياً : إما ان تكون من خارج نفس الإنسان ، او من داخلها.

فإن كانت من خارج النفس : فهي الخبر الصادق ، وإن كانت من داخل النفس فإن كان العلم بها بواسطة آلة غير المدرك : فهي الحواس ، وإلا فالعقل والنظر والاعتبار بحدوده وضوابطه (7)  .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية(8) ... ((طرق العلم ثلاث: أحدهاالحس الباطن والظاهر، وهو الذي تعلم به الاشياء الموجودة بأعيانها ، والثاني / الاعتبار بالنظر والقياس ، والثالث: الخبر))(9) .

الطريق الاول: الحس الباطن والظاهر:

وهو الذي تعلم به الامور الموجودة بأعيانها ، والحس إنما يكون بالحواس ، وهي جمع حاسة ، بمعنى القوة الحاسة ، كساحة السمع بالنسبة للمسموعات ، وحاسة البصر الذي ندرك به الاضواء والالوان والاشكال والمقادير والحركات والحسن والقبح ، وغير ذلك مما يخلق الله تعالى إدراكه في النفس عند استعمال العبد تلك الحاسة ، وكذلك حاسة الشم الذي ندرك به الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ونحو ذلك عند التماس. وبكل حاسة من هذه الحواس يطلع الإنسان على المحسات ، ويحكم بها على ما وضعت له تلك الحاسة ، فلا يدرك بها ما يدرك بالحاسة الاخرى ، يعني ان الله تعالى قد خلق كلا من تلك الحواس لإدراك أشياء مخصوصة كالسمع للأصوات ، والذوق للمطعومات والشم للروائح , ولا يدرك بواحدة من هذه الحواس ما يكو إدراكه خاصاً بالحاسة الاخرى.

وقد دعا الله – سبحانه وتعالى- الإنسان لأستخدام هذه الحواس للتعرف على هذا الكون والتأمل فيه والنظر في عجائب مخلوقاته في النفس والآفاق فإن الإنسان مسؤول عن هذه الحواس والملكات التي زوده الله تعالى بها، ووهبه إياها لتكون عوناً له على اداء وظيفته الكبرى في هذه الحياة ، وهي عمارة الارض وفق المنهج الإلهي ، ولا يجوز له ان يعطل هذه المواهب او الحواس عن وظيفتها.

قال سبحانه وتعالى: ( إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً) "الاسراء : من الآية 36"

(فلينظر الإنسان الى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الارض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً ، متاعاً لكم ولأنعامكم)"عبس:24-32".

 ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون) " الانفال :21"

( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون)"النحل:78)

(قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلاً ما تشكرون ) " الملك :23" ..ألخ.

   وما أعظم خسارة اولئك الذين امتن الله تعالى عليهم فوهبهم هذه الحواس والقدرات ولكنهم لم يفيدوا منها، ولم يحققوا الغاية التي منحت هذه الحواس لتحقيقها : (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) "محمد:23" ، ولذلك ينبغي ان يحذر المؤمنون – اشد الحذر – ذلك الإلغاء او التعليق لحواسهم وعملها ، قال الله تعالى: ( ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)"الانفال:21و22".

فالحواس بأنواعها – ضمن شروط معينة – هي المنافذ التي ينظر العقل من خلالها فهي طريقة للتصور والحكم على الاشياء. إلا ان هذه الحواس في حكمها على الاشياء لا تعطي حكماً مطلقاً قاطعاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا تستطيع ان تحيط علماً بكل الاشياء او بحقائقها وكنهها وإنما هي وسيلة – بمفردها – غير كافية للحكم على الاشياء كلها، بل هي محدودة في حدود مظاهر وخصائص الاشياء في عالم الشهادة ، وهي نافذة ووسيلة قد يكتنفها الخطأ والخداع ، فإن الحواس محدودة القدرة ، قصيرة المدى ، فالإدراك الحسي مثلاً لا يختلف من شخص لأخر فحسب ، بل إنه يختلف عند الشخص نفسه من حال إلى حال . وأخطاء البصر ليست اقل شيوعاً من أخطاء السمع واخطاء باقي الحواس، مما جعل بعض من كتب عن المنهج العلمي في البحث عن الحقيقة يقول )(شاهدت بعض الاحايين ان هذه الحواس تخدعنا ومن الحزم ألا نثق البتة تمام الثقة في الذي يخدعنا مرة واحدة)) (10) .

ولهذا لما جعل الماديون من الغربيين وغيرهم الحواس وحدها مصدراً للمعرفة في العصور الاخيرة كان التخبط والاضطراب الذي نشاهده عندهم ، ويعشيونه في واقع حياتهم ، ثم اقترابهم من الهاوية وإشرافهم عليها. ووقع هذا الخلل الذي اشرنا إليه من جانبين:

1. الاعتماد على الحواس فقط فيما يسمى بالمنهج العلمي التجريبي، وهو قاصر لأنه ليس هو المصدر الوحيد للمعرفة كما أ، له حدوداً معينة ، سنشير إليها فيما يأتي –إن شاء الله تعالى-.

2. قصور الحواس نفسها عن إعطاء فكرة جلية واضحة متكاملة عن الاشياء كلها وعن الكون والحياة والإنسان.

 ولا يعني هذا ان نسقط قيمة الحواس من مصادر العلم والمعرفة ، فإن في ذلك مكابرة للعقل والبديهة والواقع ، وإنما ينبغي ان نضعها في مكانها المناسب لها بحدودها وضوابطها دون ان نهلمها ولا ان نتعمد عليها اعتماداً كلياً وتسقط ما عداها او ندخل الضيم عليه ونقلل من شأنه في مجاله.

(الطريق الثاني) : وهو العقل والاعتبار بالنظر والقياس (11) . وإنما يحصل العلم به بعد العلم بالحس ، فما أفاده الحس معيناً يفيده العقل والقياس كلياً مطلقاً. فهو لا يفيد بنفسه علم شيءٍ معين ، ولكنه يجعل الخاص عاماً والمعين مطلقاً ، فأن الكليات إنما تعلم بالعقل كما ان المعينات إنما تعلم بالإحساس(12) .

قيمة العقل في الاسلام:

  ينوه الإسلام تنويهاً كبيراً بالعقل ، ويعلى من مكانته وقيمته ، ويحفل به وبوسائل الإدراك – بعامة- ونجد شاهداً على ذلك في الآيات القرآنية الكريمة التي تنزلت بشأنه ، وينبئك عن هذا ان مشتقات كلمة (العقل) وحدها تكررت في القرآن الكريم حوالي سبعين مرة. وأما الآيات التي تتصل بالعمليات العقلية وتحث على النظر والتفكر والتدبر والتبصر في آيات الله في الانفس والآفاق ، وفي حوادث التاريخ، وأحكام التشريع ، وتتوجه بالخطاب لأولي الالباب ،،، فقد بلغت من الكثرة حداً أعطى الإسلام ميزة بين كل المذاهب والشرائع. فإذا تلمسنا الشواهد على ذلك في احاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي تحث على العلم وتبين فضله ومكانته ، وترسم منهج البحث والنظرة ، وتدعوا للتبصر والفهم والفقه,,وجدناها تأخذ مساحة أوسع ، في كتب الحديث النبوي الشريف ، وتجعل الاسلام –بحق – دين العلم والعقل ، كما انه دين الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها.

مكانة العقل في الاسلام:

   ونوجز فيما يلي الكلام على مكانة العقل في الاسلام بخطوط سريعة وكلمات موجزة تشير إلى ما وراءها من اهتمام وعناية:

1-  فالعقل هو هبة الله العظمى ومنحته الكبرى لهذا الانسان، به اكرمه وميزه على سائر المخلوقات ، فأعطاه المفتاح الذي يفتح به ابواب الملكوت ويدخل ساحة الايمان بالله الذي شخر للإنسان كل ما في السموات وما في الارض ، ولذلك امتن الله تعالى على الناس بهذا العقل ، وجعله موضوع المسؤولية فقال )قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلاً ما تشكرون)"الملك:23). وقال ايضاً : (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)"الإسراء:36".

2-  ولذلك جعل الله تعالى العقل مناط التكليف وسبباً له ، فالخطاب الشرعي لا يتوجه إلا للعاقل لأن العقل أداة الفهم والإدراك ، وبه تتوجه الإدارة إلى الامتثال ولذلك قال بعض السلف:"العقل حجة الله على جميع الخلق".

3-  ومن هنا جاءت احاديث النبي (ص) ترفع القلم – اي التكليف والمؤاخذة- عمن فقدوا مناط التكليف ، وهو العقل ، بسبب الجنون او ما يأخذ حكمه (12). ولذلك شرع الإسلام من الاحكام ما يحافظ فيها على العقل بأعتباره واحداً من الضروريات الخمس ، التي أنزلت الشرائع للمحافظة عليها وهي: الدين ، والنفس، والعرض، والعقل، والمال(13) .

فأوجب الإسلام العلم ، وكل ما به قوام الحياة ، وهي تعود على العقل بالحفظ، وحرم كل يذهب العقل او يزيله ، كالخمر والمخدرات وسائر المسكرات ، لأنها تصيب العقل بآفة تجعل صاحبه عبئاً على المجتمع ومصدر شر وأذى للناس.

4-  ويحث الإسلام العقل على العمل فيما خلق له، وفي المجال الذي يستطيعه، فلا يجوز إهماله ولا تعطيله، فهو يحث على النظر والتدبر والتأمل والتفكر في آيات الله تعالى المقروءة ، والمنظورة، في الانفس والافاق ، وفي مجال عالم الشهادة . والايات الكريمة وفي ذلك كثيرة تعز على الحصر.

5-  ويرسم الإسلام للعقل المنهج الصحيح للعمل والتفكر، ويرفع من أمامه العوائق والموانع التي تعطله عن وظيفته، كأتباع الظن والاوهام والخرافة ، او الخضوع لسيطرة العادات والتقاليد ، أو تقليد الاباء والمشايخ والطغاة .. وبذلك يتحرر العقل حرية حقيقة كاملة، ويقوم بعملية التثبت والتبين قبل الاقدام أو الاعتقاد والتصديق.

( وإذا قيل لهم أتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أو لو كان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) " البقرة:البقرة :170"

( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)"الإسراء:36"

6-  ثم يحيل الإسلام على العقل-مع ادلة أخرى- في القضايا الكبرى الرئيسية ، فهو يهدي – عند النظر الصحيح- إلى معرفة الله تعالى ووحدانيته ، ويقيم الادلة على صحة النبوة والبعث بعد الموت ، فيكون إدراك هذه القضايا إدراكاً كلياً عاماً وقبولها بالعقل(14) .

وشواهد ذلك من القرآن والسنة وكلام العلماء كثيرة، لا يتسع المقام للإفاضة فيها. فحسبنا هذه الإشارة نختم بها هذه الفقرة عن قيمة العقل ومكانته في الإسلام(15) . وما أكثر الآيات القرآنية الكريمة التي يحثنا الله تعالى فيها على استعمال العقل! فهو المفتاح الذي منحه الله تعالى لبني آدم ليفتحوا به ابواب الملكوت ويدخلوا ساحة الإيمان بألله الذي سخر للإنسان كل ما في السموات والارض.

كما حثت الآيات القرأنية الكريمة على التفكير العميق المتبصر المسؤول بكل ما يحيط بالإنسان من علامات وأشياء وموجودات ، وأكدت على الاسلوب الذي يعتمد البرهان والحجة والجدال الحسن للوصول الى النتائج الصحيحة القائمة على الاستقراء والموازنة والتمحيص أستناداً إلى المعطيات الخارجية المتفق عليها والقدرات العقلية والمنطقية لأولئك الذين بلغوا شاواً بعيداً في هذا المظمار (16) :

(كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) "البقرة:242".

( وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) " الحشر : من الآية 21).

 ( أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)"النمل: من الآية 64".

(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولاهدى ولا كتاب منير) " الحج:8).

والإسلام يقدر العقل بأعتباره نعمة من أكبر النعم التي أنعم الله تعالى بها على الانسان : (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون) " النحل:78)

المجالات التي لا مجال للعقل فيها:

ولكن الإسلام لا يبالغ في تقدير قيمة العقل كما كانت تفعل العقلانية الإغريقية ومن ورثها من بعد من الامم الأوربية الحديثة والجاهلية المعاصرة إذ ليس العقل هو الحكم المعصوم الذي لا يخطيء ولا هو المرجع الأخير لكل شيء ، رغم انه أداة ضرورية لفهم النصوص الشرعية.

فهناك أمور لايستطيع العقل من ذات نفسه ان يصل إليها لا تقع في محيط تجربته وعمله ، ولا تستطيع الادوات التي يحصل بها المعرفة – وهي أدوات الحس- أن تصل إليها لأنها خارجة عن نطاق الحس ، وإن كان في غمكان العقل أن ((يعقلها)) حين تبين له ، فهذه تلقن للعقل تلقيناً عن طريق الوحي، ويكون دور العقل أن يعقلها ، لا بطريق التجربة المباشرة ولا بطريق الحس، ولكن عن طريق التيقن من صدق الخبر وصدق المخبر ، وهو مدعو إلى القيام بعملية التيقن هذه بكل الوسائل التي يملكها ... وهي مؤدية إلى الغاية الصحيحة حين يستقيم العقل على الطريق(17).

وإذا تجاوزنا الامور والجوانب التي لم يزود الله – سبحانه وتعالى – الإنسان بالقدرة على الإحاطة بها- بماهيتها أو بكيفيتها ، وإن كان موهوباً أن يدرك إماكنها- أنها لا تدخل في حدود طبيعته البشرية المحدودة ، أو لأنها لا تلزم له في النهوض بوظيفته المحددة له في هذه الارض ، وهي وظيفة الخلافة ، ومن ذلك:

كل ما يتصل بعالم الغيب ، ومن ذلك مسألة كنه الذات الإلهية والروح وعلم الساعة ( القيامة) ، وغيرها مما يتصل بعالم الغيب المطلق المحجوب عن الإنسان والتفكر في القدر ، او وضع التشريعات والاحكام من دون الله تعالى.. إذا تجاوزنا هذه الامور والجوانب ، فكل المجالات الاخرى مباحة للعقل ومتاحة له، بل هو – في الإسلام – مدعو إلى التفكر والتأمل فيها دعوة صريحة ، ويعتبر الإنسان مقصراً إذا لم يقم بها.

مجالات عمل العقل البشري:

وهناك خمسة مجالات رئيسية يدعى العقل للتعرف عليها والعمل فيها في ظل الإسلام:

أولاً : تدبر آيات الله في الكون للتعرف على قدرة الله المعجزة وتفرده بالخلق والتدبير والهيمنة والسلطان ، بما يؤدي إلى إخلاص العبادة لله- سبحانه وتعالى- وحده وطاعته فيما أمر به ونهى عنه.

ثانياً: تدبر آيات الله في الكون للتعرف على السنن الكونية التي يجري بها قدر الله لتحقيق التسخير الرباني لما في السموات وما في الارض للإنسان من أجل تعمير الارض والقيام بالخلافة فيها.

ثالثاً : تدبر السنن الربانية التي تجري الامور بمقتضاها في حياة البشر لإقامة المجتمع الإيماني الراشد الذي يريده الله تعالى.

خامساً : تدبر التاريخ وأحداثه وايام الله لأخذ العبرة وأستقامة السلوك الإنساني(18) .

( الطريق الثالث): الخبر الصادق ، أو خبر الصادق ، وهو على نوعين:

( النوع الاول ) : الخبر المتواتر ، الثابت على ألسنة قوم لا يتصور أتفاقهم على الكذب ، وهو يفيد العلم القطعي من غير شبهة وو – بالضرورة والبداهة العقلية- يوجب العلم الضروري دون توقف على استدلال(19) .

وإننا لو رجعنا إلى أنفسنا نجد أن لنا علماً بوجود أشياء كثيرة ، كالاشخاص والاشياء في الازمنة الخيالية والبلدان النائية .. وطريق علمنا بها هو هذا الخبر المتواتر بوجود أولئك الاشخاص وتلك الاشياء.

و( النوع الثاني) من الخبر: هو خبر الرسول (ص) فيما ثبت عنه ، وهذا يوجب العلم الاستدلالي الحاصل بالنظر في الدليل.

والعلم الثابت بهذا الطريق يضاهي العلم الثابت بالضرورة كالمحسات اليقينية القطعية والمتواترات والبديهيات، يضاهيها في التيقن والثبات وخبر الرسول (ص) يفيد العلم اليقيني بما أخبر عنه بالنظر إلى نفسه وما ثبت في نفسه دون حاجة إلى أدلة خارجية(20) .

وبعد هذا العرض لمصادر المعرفة وطرق العلم بعالم الغيب والشهادة ندرك خطأ الذين يعتمدون على مصدر واحد فقط من مصادر العلم والمعرفة ، كالذين يعتمدون على الحواس فقط للتصديق بصحة الاشياء أو الحكم عليها.

وندرك أيضاً خطأ الذين يحاولون هدم العقل بإطلاق ، كالصوفية الذين يعتمدون على الذوق وعلى المواجيد الخاصة عندهم.

ولا يقل عن أولئك في الخطأ ، الذين يغالون في تقدير قيمة العقل وإعلائه حتى إنهم ليجعلونه حاكماً على نصوص الشرع ، فترى احدهم يرفض بعقله القاصر المحدود حكماً شرعياً ثابتاً بحجة أن عقله لم يقتنع بذلك ...

والخلاصة : أن الحواس والذوق الخاص والمقررات العقلية البحتة والرؤى والمنامات كلها ليست من مصادر المعرفة على إطلاقها ، أما الذوق والرؤى أو المنامات فهي ليست ايضاً مستنداً لأحكام شرعية في الاسلام ، بالنسبة لنا معشر البشر . أما رؤى الانبياء عليهم الصلاة والسلام- فهي نوع من الوحي الذي يفيد العلم اليقيني القطعي.

المبحث الثاني : خصائص مصادر المعرفة وقيمتها

تمهيد:

لاحظنا ان مصادر المعرفة وطرق العلم بالنسبة لعالمي الغيب والشهادة في الفكر الإسلامي تنوعت إلى طرق ثلاث ، ولكل منها مجال للعمل والحكم ، كما أن لكل منها خصائص من حيث الشمول واليقين.

فالخبر الصادق يتناول الكليات والمعينات والشاهد والغائب ، فهو أعم وأشمل من الطريقين السابقين: الحس والنظر أو العقل ، لكن الحس والعيان أتم وأكمل ، وفي الحواس نفسها قد تختلف الانظار.

يقول شيخ الإسلام أبن تيمية-رحمه الله- (21) وقد تنازع الناس في السمع والبصر أيهما أكمل؟

والتحقيق في هذا الباب : أن العيان أتم واكمل ، والسماع أعم وأشمل ، فيمكن أن يعلم بالسماع والخبر أضعاف ما يمكن علمه بالعيان والبصر أضعافاً مضاعفة ، ولهذا كان الغيب كله إنما يعلم بالسماع والخبر ، ثم يصير المغيب شهادة ، والمخبر عنه معايناً ، وعلم اليقين حق اليقين .

والمقصود هنا : أن الخبر أيضاً لا يفيد إلا مع الحس أو العقل ، فإن المخبر عنه إن كان قد شوهد كان قد علم بالحس ، وإن لم يكن شوهد فلا بد أن يكون قد شوهد ما يشبهه من بعض الوجوه ، وإلا لم يعلم بالخبر شيء , فلا يفيد الخبر إلا بعد الحس والعقل ، فكما أن العقل بعد الحس ، فالخبر بعد العقل والحس، فالاخبار يتضمن هذا وهذا، وكما انه ليس كل ما علم بالقياس والعقل والاعتبار يمكن الإحساس بواحدٍ واحد من أعيانه، فكذلك ليس كل ما علم بالخبر والسماع يمكن اعتباره بالقياس ، إما لعدم النظير له من كل وجه ، وإما لغير ذلك.

ثم إذا كان الخبر صادقاً لا كذب فيه أمن معه من الانتقاض والفساد، بخلاف القياس، فإن كثيراً مما يبنى فيه على قضايا كلية تكون منتقضة، وغن كان فيه ما ليس منتقضاً .

فليس كل شيء يمكن علمه بالقياس، ولا كل شيء يحتاج فيه إلى القياس ، ولهذا قال الائمة ليس في المنصوصات النبوية قياس ، ولا تعارض بالامثال ، ولا تدرك بالعقول

فأما كونها لا تعارض بالامثال المضروبة ، فهذا يعني : أن المنصوص الصريح لا يعارضه دليل عقلي وأما أنها لا تدرك بالعقول : فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الامور ، ولا سيما الغائبات ، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء كان جاهلاً ، لاسيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية(22) .

وسيلة التعرف على عالمي الغيب والشهادة:

وإذا كنا نتعرف على عالم الشهادة بتلك الطرق الثلاث السالفة ، لأن الله سبحانه وتعالى قد زودنا بهذه الادوات التي نستخدمها للتعرف عليه، فأن عالم الغيب لا نستطيع التعرف عليه بحواسنا هذه لأنه ، حال كونه غيباً ، لا يقع تحت الحواس ولا يخضع للتجربة المادية، وإنما نستدل عليه بالخبر اليقيني الصادق الذي جاءنا عن طريق الوحي، إذ الفطرة السليمة المؤمنة تتلقى معرفة ذلك بالتسليم ، كما مستدل على وجوده أيضاً بالاثار التي تدل عليه، إذ الاثر يدل على المؤثر(23) .

وأذن فكل طريقة من تلك الطرق السابقة يمكنها ان تفتح لنا نافذة لمعرفة جانب من جوانب العالم وكل وسيلة تكمل الاخرى، وتؤكدها إن تواردتنا معاً على جانب من جوانب العالم ، وكل وسيلة تكمل الاخرى ، وتؤكدها ، إن تواردتنا معاً على جانب معين ، وليس هناك أي مسوغ لجحد طريقة من أجل العناية بأخرى ، أو نشوب صراع بينهما ، كما حدث في الفكر الجاهلي الغربي.

الصراع بين العقل والدين والحس في افكر الاوروبي:

عندما يفتقد الإنسان الميزان أو المعيار الدقيق السليم ، فإنه يضرب في بيداء التيه والتخبط والتمزق النفسي ، وهذا ما نراه واقعاً في قضية الصراع بين مصادر المعرفة في الفكر الاوروبي يقول الدكتور محمد البهي، رحمه الله:

(( مضت على التفكير الاوروبي –منذ القرن الرابع عشر إلى الآن – مراحل شهدت فيها العقلية الاوروبية صراعاً فكرياً ، واتجاهات عقلية مختلفة تدور حول ((تبرير)) مصدر من مصادر المعرفة التي عرفتها البشرية في تاريخها حتى الوقت الحاضر وهي: الدين والعقل والحس أو الواقع.

وفي كل مرحلة من هذه المراحل ينشأ سؤال عن قيمة أي واحدٍ من هذه الثلاثة كمصدر للمعرفة المؤكدة أو اليقينية؟ ثم يكون الجواب على هذا السؤال إيجاباً أو سلباً ومن السؤال وما يدور حوله من جدل وأخذٍ ورد تتكون المذاهب الفلسفية التي تعبر عن قيمة المصدر الذي وضع للأختبار والتقدير)) (24).

وبأنتهاء القرن الثامن عشر وظهور فجر القرن التاسع عشر الميلادي تميز الفكر الاوروبي بالاتجاه نحو التفكير الوضعي وسيادة الطبيعة على الدين والعقل معاً ، فكانت الوضعية ، كنظرية فلسفية في دائرة المعرفة ، هي المذهب السائد في الفكر الاوروبي ، لمعارضة الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا ومعارفها الدينية، فما لا يقع تحت الحواس ، ينبغي – بنظرهم – أن يكون خارجاً عن دائرة الإيمان ، لأنه غير قابل للتفسير ، ولا يخضع للتجربة الحسية، إذ يرى المذهب التجريبي الذي عرف به الفيلسوف الاسكتلندي هيوم(25) والذي نشات عنه الفلسفة الوضعية = ان تحصيل الإنسان للحقائق الكونية ومعرفته بها لا يكون إلا بالتجربة الحسية وحدها.

ومعنى ذلك : أن الحس المشاهد – لاغيره- هو مصدر المعرفة الحقيقية اليقينية ففي العالم الحسي تكمن حقائق الاشياء , اما أنتزاع المرعفة مما وراء الظواهر الطبيعية الحسية ، والبحث عن العلة في هذا المجال ، فأمر يجب أن يرفض ، ولهذا تكون كل نظرية، أو كل فكرة عن وجودٍ له طابع الحقيقة واليقين – فيما وراء الحس – نظرية أو فكرة مستحيلة(26) .

ولذلك يرى ((أوغست كونت))(27) أن تعاليم الاديان يمكن تلخيصها في معتقدين : الله والخلود. ثم يستخلص فكرة واحدة شاملة هي الإنسانية ، فالإنسانية هي الفكرة الوضعية المتطورة لفكرتي : الله والخلود.

ويعتقد كونت أن الإنسانية إذا فهمت على هذا النحو فإنها تكون هي نفسها الإله الذي ينشده الناس.

وبذلك يصل ((كونت)) إلى هدفه المراد: وهو إلغاء العقائد الدينية الغيبية وكل ما يتصل بها من أخلاق ونظم إجتماعية ، واعتبارها أفكاراً وأوهاماً غير واقعية وغير نافعة، وانما تعبر عن الصورة غير المكتملة للإنسانية في مرحلةٍ دنيا من مراحل تطورها(28).

 ويذهب ((ماكس مولر ))(29)  أيضاً ، إلى أنه لاشيء يتحقق في عقيدة الإنسان ما لم يكن قد اتى من قبل عن طريق حواسه(30).

وإذن فقد سجن الإنسان – الاوروبي – نفسه بطريقة تحكمية في حدود حواسه الخمس منذ عهد النهضة (31) .

التوازن بين مصادر المعرفة في الإسلام:

ولئن تأرجح الفكر الغربي في نظرته لمصادرة المعرفة وتغليب واحد منها على الآخر إلى درجة إنكاره أو إنكار قيمته العلمية – كما رأينا- إن الاسلام – وهو دين الله تعالى للبشرية الذي لا يأتيع الباطل من يديه ولا من خلفه – قد رسم للإنسان منهجاً متكاملاً متوازناً في المعرفة ومصدرها ، يخاطب فيه جميع مكوناته ، ويستثير كل منافذ الحس والفكر والروح، لتتعانق  كلها وتأخذ بيده، فتضعه على الجادة من طريق المعرفة واليقين.

فالاسلام لم يهمل او يغفل مصدراً واحداً من مصادر المعرفة كما أنه لم يبرز دوره على حساب سائر المصادر الاخرى ليلغيها او يلغي واحداً منها وإن كان يعطي كلاً حقه ويحدد له المجال الذي يعمل فيه.

((والنظرية الإسلامية تؤمن بإمكان المعرفة وبصحة استخدام وسائلها في المجالات المشروعة لها وبالتالي بإمكانية اليقين))(32) .

وفي كيان الإنسان طاقتان فطريتان : الإيمان بما تدركه الحواس ، والايمان بما لا تدركه الحواس وكلتاهما طاقة إنسانية ليس هو ميزه الإنسان والحيوان ، أما القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس فهو الميزه الاساسية للكائن البشري والموهبة العظمى التي وهبها الله تعالى للإنسان(33) .

فإذا كانت الحواس منافذ يتعرف الإنسان بواسطتها على العالم المحس من حوله بالتجربة لكل ما يخضع للتجربة المادية فإن العقل له دوره في الحكم على كل ما يستطيع ان يحكم عليه بحدود طاقته وبحكم محدوديته في الزمان والمكان والكيفية.

أما ما وراء ذلك من عالم الغيب ومما لا يقع تحت الحواس ويعجز العقل البشري رغم مكانته وقدرته- عن تفسيره والوصول إلى حقيقته فإن الوحي هو الذي يحيط علماً بكل هذا ، ولذلك يقوم الغسلام والإيمان على اساس التصديق بالنبوة والوحي وبهذا يستطيع من يهتدي بالعقل ات يفسر هذا الوجود تفسيراً صحيحاً وأن يصحح نظرته للكون والحياة والإنسان

ولذلك لم يهمل الفكر الاسلامي قيمة واحدٍ من مصادر المعرفة وطرق العلم ، فهو يؤكد عليها كلها مجتمعة، ولكل منها مجاله ، وإن كان الوحي هو الذي يحكم عليها كلها ويعطي حكماً قاطعاً في كل ما يحكم عليه.

وحتى المنهج العلمي التجريبي والاعتماد على الحس له مكانته في الفكر الإسلامي، وفي كتاب ( التقرب في حدود المنطق) يؤكد ابن حزم (35) ان الحس أصل من أصول العلم ، وأبن تيمية يبين في كتابه المسمى ( نقض المنطق) أن الاستقراء هو الطريقة الوحيدة الموصلة إلى اليقين ، وهكذا قام المنهج التجريبي القائل بأن الملاحظة والتجربة هما أساس العلم وأصله لا التفكير النظري المجرد(36) .

فالزعم بأن أوروبا هي التي استحدثت المنهج التجريبي زعم خاطيء وقد أعترفت بهذه الحقيقة أساطين العلماء والمؤرخين للحركة العلمية والمنهج العلمي.

ويقرر ((بريفولت )) في كتابه ((بناء الإنسانية)) أن المنهج التجريبي في البحث العلمي- الذي  قامت على اساسه الحركة العلمية المعاصرة – لم يكن له أية جذور في أوربا ، وان المسلمين هم الذين أنشؤوه، ومنهم تعلمته أوربا ،فيقول (لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية( يقصد الإسلامية) على العالم الحديث ، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج ، إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل على أختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام ، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد أوروبا إلى الحياة ، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات ألحضارة الاسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة ، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية ، فعلى الرغم من انه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الاوربي إلا ويمكن إرجاعها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة ، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون وأهم ما تكون في نشأة الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة ، وفي المصدر القوي لأزدهاره ، أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي))(37) .

ويقول المؤرخ الإنكليزي ((ويلز))(38) في كتابه (معالم تاريخ الإنسانية)(39) :

((ولو تهيأ لرجل ذي بصيرة نافذة أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر فلعله كان يستنتج أنه لن تمضي إلا بضعة أجيال قليلة ، لا يلبث العالم اجمع أن يصبح مغولياً وربما أصبح إسلامياً )). ويمكن أن نذهب إلى ابعد من هذا كما فعل مؤرخ العلم ((جورج سارطون ))(40) حيث قرر ان الثقافة الغربية إنما نمت وترعرت لأنها كانت في رعاية العالم الإسلامي(41) .

وفي هذا يقول الأمير تشارلس ولي عهد بريطانيا في محاضرة قيمة ألقاها في قاعة المؤتمرات بوزارة الخارجية البريطانية في ديسمبر من عام 1996م ، تحمل دلالة واضحة بالنسبة للمعنى الذي أشرنا إليه، علاوة على ما فيها من وجوب الترابط بين العلم والاخلاق ، وهو الذي تفتقده الحضارة الغربية المادية:

((إن المادية المعاصرة تفتقر إلى التوازن ، وأضرار عواقبها بعيدة في تزايد .. إن القرون الثلاثة الاخيرة شهدت – في العالم الغربي على أقل تقدير – أنقساماً خطيراً في طريقة رؤيتنا للعالم المحيط بنا فقد حاول العلم بسط أحتكاره ، بل سطوته المستبدة ، على طريقة فهمنا للعالم ، وأنفصل الدين والعلم عن بعضهما بعض ، بحيث صرنا الان كما قال الشاعر ((وردزورث)): لا نرى إلا القليل في أمنا الطبيعة التي نملكها .

لقد سعى العلم إلى أنتزاع الطبيعة من الخالق ، فجزأ الكون إلى فرق ، وأقصى (المقدس) إلى زاوية نائية ثانوية من ملكة الفهم عندنا ، وأبعده عن وجودنا العملي. والان فقط بدأنا نقدر العواقب المدمرة ، ويبدو أننا نحن – ابناء العالم الغربي – قد فقدنا الإحساس بالمعنى الكلي لبيئتنا ، وبمسؤوليتنا إزاء الكون كله الذي خلقه الله، وقادنا ذلك الى فشل ذريع في تقدير أو إدراك التراث وحكمه السلف ، ذلك التراث المتراكم على مدار القرون ، والحق أن ثمة تحاملاً شديداً على التراث كما لو كان جذاماً أجتماعياً منفراً ، وثمة الآن في نظري حاجة إلى مقابلة كلية شاملة ، لقد أدى العلم لنا خدمة جليلة في تبيانه لنا ان العالم أعقد بكثير مما كنا نتخيل ، ولكن العلم في شكله المادي الحديث ، الاحادي ، عاجز عن تفسير كل شيء ، أن الخالق ليس ذلك الرياضي الذي تخيله نيوتن ، وليس صانع الساعة الاول(42) . إن أنفصال التكنولوجيا عن القيم والموازين الأخلاقية والمقدسة قد بلغ حداً مريعاً مفزعاً ، وهذا ما نراه في التلاعب بالمورثات ( الجينات) أ, في عواقب الغطرسة العلمية التي تتجلى في أبشع صورها في مرض جنون الابقار.

لقد كنت أستشعر دائماً ان التراث في حياتنا ليس من صنع الإنسان ، إنما هو إلهام فطري وهبه الخالق لنا لإدراك إقاع الطبيعة ، والتناغم الجوهري الذي ينشأ عن وحدة أضداد متفرقة ، ماثلة في كل مظهر من مظاهر الطبيعة ، إن التراث يعكس النظام السرمدي للكون ، ويشدنا إلى الوعي بالأسرار العظيمة للكون الفسيح ، بحيث نستطيع – كما قال الشاعر ( وليم بليك) – ان نرى كامل الكون في ذرة ونرى الأبدية في لحظة.

أن الثقافة الإسلامية في شكلها التراثي جاهدت للحفاظ على هذه الرؤية الروحية المتكاملة للعالم ببطريقة لم نجدها نحن خلال الاجيال الاخيرة في الغرب موائمة للتطبيق وهناك الكثير مما يمكن ان نتعلمه من رؤية العالم الاسلامي في هذا المضمار.

إننا – نحن أبناء الغرب – نحتاج إلى معلمين مسلمين ليعلمونا كيف نتعلم بقلوبنا كما نتعلم بعقولنا، وان اقتراب الالف الثالثة قد يكون الحافز المثالي الذي يدفعنا إستكشاف هذه الصلات وتحفيزها . وأمل الا تفوت الفرصة السانحة لإعادة اكتشاف الجانب الروحي في رؤيتنا لوجودنا بأجمعه)(43) .

العلاقة بين العقل والوحي:

   ولعلنا على ضوء ما سبق نستطيع أن نحدد العلاقة بين الوحي والعقل أو الصلة بينهما وعلى هذا نفهم ما ورد عن تظاهر العقل والشرع ، وعن التكامل بينهما كقولهم : ((العقل لن يهتدي إلا بالشرع ، والشرع لا يتبين إلا بالعقل فالعقل كالأس والشرع كالبناء ، ولن يغني أُس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس .

وأيضاً : فالعقل كالبصر ، والشرع كالشعاع ، ولن يغني البصر ، ما لم يكن شعاع من خارج ، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر(44).

 والعقل لا يهتدي إلى تفاصيل الشرعيات ، والشرع تارة يأتي بتقرير ما أستقر عليه العقل، وتارة بتنبيه الغافل وإظهار الدليل ، حتى يتنبه لحقائق المعرفة ، وتارة بتذكير العاقل حتى يتذكر ما فقده ، وتارة بالتعليم، وذلك في الشرعيات وتفصيل أحوال المعاد ، فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والافعال المستقيمة، والدال على مصالح الدنيا والاخرة، ومن عدل عنه فقد ضل سواء السبيل(45) .

المبحث الثالث : حدود العلم والمنهج التجريبي

تمهيد :

أفتتن الناس في العصر الحديث بما يسمى بالمنهج العلمي التجريبي، وأصبح كثير من الناس يديرون هذه الكلمة على ألسنتهم ويتشدقون بها، ويحسبون أن العلم والمنهج العلمي التجريبي يستطيع ان يحكم على كل شيء في هذا الوجود ، وان كل مالاً يخضع لهذا المنهج التجريبي يكون خرافة أو هماً لا ينبغي الإيمان به!.

وقد انقسم العلماء في يقينهم بقدرات العلم وإمكاناته إلى مجموعتين في طرفي نقيض، ففي حين يعتقد بعض العلماء ان العلم لا حدود له ، وان ما سوف يحققه العلم لا يقل في جوهره عن أعظم إنجازاته،= يرى الطرف الاخر ان العلم قد استنفذ قدراته وانه على وشك النضوب ، كما تباينت الافكار والاراء حول العلماء أيضاً وهاجم بعض المفكرين العلماء لأستعلائهم وشعورهم بالكبرياء والغرور المفرط(46) .

   ولذلك اجد انه من الضرورة بمكان ان نحدد معنى العلم والمنهج العلمي وحدود هذا المنهج بكلمات موجزة – كما نجده عند اصحاب المنهج العلمي نفسه والمشتغلين بهذه العلوم – لأن ذلك سيحدد المجال الذي يمكن للعلم التجريبي أن يعمل فيه، ويلقي الضوء على موقف العلم نفسه من عالم الغيب.

العلم وحدوده من خلال أقوال العلماء :

   أرتقى العلم الطبيعي في هذا القرن وفي القرن الماضي ، مكانة لم يبلغها طول تاريخيه ، واصبح محط أنظار المعارف الاخرى ، وأملها ومبتغاها ومثلها الاعلى والقبلة التي لا تحيد عنها، وبالرغم من أن ميلاده يعود إلى اربعة قرون مضت ، إلا أنه ما يزال حتى اليوم مصطلحاً غامضاً تتضارب حوله الآراء.

  وهذا التضارب يعود إلى كثرة الانشطة الإنسانية التي تحاول الانتساب إلى العلم والتي لا تفتأ تستخدم ورقة المنهج العلمي كتصريح مرور تدخل به رحاب العلم، بمعنى ان ما يميز العلم عن سائر المعارف الاخرى هو المنهج وليس المحتوى المعرفي(47).

ونعرض فيما يلي طائفة من أقوال أساطين رجال العلم والفلسفة من أهل أوروبا الذين تقدم العلم المادي المعاصر على أيديهم أشواطاً كثيرة ، وبهم أفتتن كثير من اهل الشرق المسلم:

1.   يقول هكسلي(48) )(العلم فيما أعتقد ليس سوى الذوق الإنساني بعد تربيته وتنظيمه ويطلب هذا العلم حقائق الكائنات الطبيعية بواسطة الحواس مع الاستعانة بجميع ما عرف لهذا العهد من أنواع الآلات العجيبة المدهشة مثل المناظير المكبرة (ميكروسكوب) والمناظير المقربة (تلسكوب) وهل أقيمت أكتشافات كبلر ونيوتن إلا على تلك القواعد الثابتة قواعد الشهود بهذه المناظير؟))(49) .

2.   ويقول الاستاذ بلفور في خطبة له)(يتوقف العلم في تحصيله والتثبت منه على المقاييس ، فكل مالا يقبل القياس من الاشياء فهو خارج ، أ, يكاد يكون خارجاً عن حدود الطبيعة، ومعلوم أن الحياة والجمال والسرور .. ليست مما يقاس- بمقياس العلم المادي – فهي إذن لا تكون من موضوعات العلم))(50)

3.   ويقول الاستاذ وندل ))العلم – سواء استعان بالآلات أم لم يستعن – عماده ما يلاحظ الإنسان ويحسه من الكائنات وماتهديه إليه في المعامل الكيميائية والمعامل الطبيعية التجاريب والآلات التي تمكنه من انتزاع غوامض أسرار الطبيعة من مكامنها العميقة مع بلوغها من الدقة والضآلة ما يكاد يحجبها عن أبصار الرائين.

واذا اردنا ان نبحث في باطن النظام الآلي للطبيعة أو في خارجه أو قصدنا معرفة ما انبعث عنه هذا النظام وكيف كان مصيره أو حاولنا ان ندرك كنه هذا الكون ومبلغ شعورنا به ولم وجد ولم خلقنا نحن هنا؟ إذا ردنا ذلك فأن العلم الحديث ليس لديه جواب عن شيء منه، إذ لادخل لشيء من ذلك في الحدود المصطلح عليها للعلم .

وإذا كان لا علاقة للعلم الحديث بشيء من تلك المباحث ولاجواب لديه عن أمثال ما قدمنا من الامثلة ، فليس – بالطبع – لأحد ممن يتكلمون بأسم العلم أن يدعي أن ((العلم)) أقام البرهان على عدم وجود الله أ, أنه ليس هناك أرواح او أن هنالك أو ليس هنالك بعد هذه الحياة الدنيا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار ألخ...)) (51) .

وبعد ، فأنه يكون من الجهالة العلمية إذن وقد رأينا مفهوم العلم وفلسفته وحدوده أن يطلب احد من الناس دليلاً علمياً على كي شيء ينبغي معرفته أو الايمان به إذ للعلم مجال محدد يستطيع ان يعمل فيه وما عداه فهو خارج عن نطاق أختصاصه يدفعه العلم دفعاً بعدم الاختصاص كما يقول القانونيون مثلاً!!.

إن ((العلم)) يعني تلمس ((الحقائق )) في عالم الحس، وأساس العلم هو الرصد والقياس بأستخدام الحواس، ثم معالجة نتائج ذلك القياس بالقوى العقلية.

وإذن فعالم ما وراء الحس لا دخل للعلم به، اللهم إلا ما يمكن إخضاعه – من عالم ما وراء الحس- إلى مستوى الحس بواسطة الآلات والاجهزة مثل الإبرة الممغنطة، أو البوصلة التي تستخدم في التعريف على اتجاهات خطوط قوى المجال المغناطيسي الذي لا نحس نحن به ولا نراه، ولكن تستجيب له الإبرة الممغنطة ، ومثل الأشعة السينية التي لا تدركها الأبصار ، ولكنها تؤثر فيي الألواح الحساسة والفوتوغرافية(52) .

طرائق العلم وأساليب المنهج العلمي ومراحله:

   يقوم المنهج العلمي على الملاحظة المنظمة التي يتم فحصها بصورة دورية ثم توضع نظرية لتفسير هذه المعلومات التي نلاحظها ومن ثم نستخلص القواعد والقوانين التي يمكن تحقيقها بمحاولة تطبيقها في تجارب مكررة حتى يتاكد ثبوتها فتصل إلى ما يسمى بالحقيقة العلمية اليقينية فتكون عندئذ قانوناً عاماً كاشفاً لقانون الفطرة، أي لسنن الله في الكون ، وإذا تأيدت أنطبقت على القانون الطبيعي (الفطرة) فإذا تنافرت معها فهي لا تكون حقيقة ثابتة بل تخضع للتغير(53) .

ويقول أحد المشتغلين بالعلم والمنهج العلمي التجريبي : يهدف العلم إلى تصميم صورة بنائية للعلم المادي تفسر كل ما يجري فيه، وتنبيء عما سيؤول إليه حاله مستقبلاً .

وقد توصل العلم إلى عدد من الحقائق وذلك بملاحظة ما يجري من أحداث في هذا الكون وبإجراء تجارب معدة إعداداً خاصاً ثم تجميع نتائجها ، ويتم ترتيب وتصنيف تلك الحقائق على أساس منطقي بقدر الإمكان وعندما تؤدي مشاهدات وتجارب من نفس النوع إلى نتائج متشابهة فإنه يمكن التعبير عن تلك النتائج بمنطوق موحدٍ أو قانون.

فمثلاً : دلت المشاهدات في كثير من التجارب الالكيميائية التي توزن فيها المواد المتفاعلة والمواد الناتجة من التفاعل على أن أوزان المواد التي تستنفذ في تفاعل ما – وتتلاشى ظاهرياً- تكون مساوية لأوزان المواد الناتجة من التفاعل.

ولسنا بحاجة إلى سرد نتائج كل تجربة من تلك التجارب على حدة، إذ إنه من الممكن تلخيصها بالقانون الآتي  ((لم يلاحظ أي تغير في الوزن الكلي للمواد التي تشترك في تفاعل كيميائي))...

هذا ويجب ملاحظة أمرين:

1.   أن نص القانون ينصب فقط على نتائج التجارب العلمية ، ولا شأن له بأفتراض نظريات أو آراء ما لم تبد هذه بديهية لأول وهلة.

2.   إذا أعيد إجراء تجربة ما عدة مرات، فقلما تتفق النتائج أتفاقاً تاماً، ويرجع ذلك إلى الظروف التي تجري تحتها تجربة ما لا يمكن إعادتها بالضبط في تجربة أخرى، هذا من جهة، من جهة أخرى : فإن التقدير الشخصي للباحث الذي يقوم بالتجربة – وهو عامل لا يمكن التخلص منه تماماً – قلما يكون تقديراً دقيقاً مطلقاً مهما كانت درجة عنايته ومهارته.

وإذا كانت الاهتلافات في نتائج التجارب طفيفة إلا أنها دائماً موجودة ولا شك ، مهما كان المجرب على درجة كبيرة من المهارة، ومهما كان الجهاز المستخدم حسن الصنع والتصميم(54) .

وبمعنى آخر: فإن القانون في منطوقه يسبق النتائج التي تصل إليها التجارب، لأن القانون يأتي منصباً في نصه على الحالة المثالية التي تقترب منها النتائج، وقد يكون عدد التجارب التي بني عليها القانون كبيراً جداً إلا أنها في الواقع لا تمثل إلا جزءاً يسيراً من مجموع الحالات التي تدخل في نطاقه.

ومع ذلك : فالمفروض أن تطبيق القانون عام شامل، وأنه يمثل نتائج كل ما يمكن تصوره من التجارب المتعلقة به ، سواء كان إجراؤها ممكنا أم غير ممكن. وبذلك يمكن تعريف القانون بأنه: ((ملخص النتائج المثالية لعدد كبير من التجارب والمشاهدات)). وعندما تثبت صحة مجموعة مترابطة من القوانين يوضع فرض أو نظرية لتفسيرها ، ويختلف الفرض عن القانون في أنه يعبر عن آراء من الصعب إخضاعها للتجربة المباشرة...(55).

ومن هذا العرض لحقيقة العلم وطرائقه وأساليبه في البحث تتضح حدود المنهج العلمي التجريبي وقيمته يتضح المجال الذي يعمل فيه والمجال الذي لا يستطيع أن يعمل فيه لأنه لا يقع تحت التجربة المادية المباشرة فهو خارج عن نطاق أختصاصه وفي هذا وضع للأمور في نصابها الطبيعي المناسب لها حتى لا يتشدق أحد بأسم العلم والمنهج العلمي لينكر مالا يقع تحت حواسه أو لا يخضع للتجربة المادية.

حدود المنهج العلمي التجريبي:

ونستطيع أن نبرز النقاط التالية تلخص لنا حدود العلم المادي والمنهج العلمي التجريبي (56).

1.  مهما كانت المشاهدة ، أ, التجربة والمشاهدة (57)،مباشرة فأنها لا تعدو أن تكون مظهراً خارجياً للحقيقة الواقعية(58) وليست للحقيقة ذاتها. والفرق كبير بين إدراك الاشياء الخارجية ومعرفة حقائقها.

فمهمة العلم المادي التجريبي محدودة بالعلم المادي الذي هو عالم الشهادة وحده وما سوى ذلك خارج عن نطاق اختصاصه.

يقول العلامة المفكر محمد إقبال – رحمه الله- (59) ((إن الطبيعيات – بوصفها علماً تجريبياً – تبحث في الاشايء الواقعة تحت التجربة – أعني التجربة الحسية- فالعالم الطبيعي يبدأ وينتهي بالظواهر الحسية التي بغيرها يستحيل أن يتحقق من صدق نظرياته.

وقد يفترض وجود ذواتٍ لايدركها الحس كالذرات مثلاً، ولكنه إنما يفعل ذلك لأنه لا يستطيع أن يفسر التجربة الحسية بغيره، فالطبيعيات تدرس العلم المادي ، أي العالم الذي تكشفه الحواس.

أما الحركة العقلية التي يتضمنها هذا الدرس وكذلك التجربة الدينية وتجربة الاحساس بالجمال فهي وإن كانت جزءاً من جملة التجربة فإنها خارجة عن ميدان الطبيعيات لسبب ظاهر هو أن الطبيعيات مقصورة على درس عالم المادة ونعني به عالم الاشياء المحسوسة ولكني حين أسألك عن الاشياء التي تدركها في عالم المادة تذكر بالطبع الاشياء المألوفة حولك كالارض والسماء والجبال والكراسي والموائد .. ألخ فإذا سألتك ما الذي تبغيه من هذه الاشياء على وجه الدقة فإنك تجيب : بأنك تدرك صفاتها ، ومن البين أننا عندما نجيب عن سؤال كذا نضع في حقيقة الامر تأويلاً لشهادة الحواس وهذا التأويل يقوم على التفرقة بين الشيء وصفاته ومرده في الواقع إلى نظرية في المادة أي في طبيعة أسس الحس وعلاقتها بالفعل المدرك وعللها البعيدة)) (60) .

2.  من أمور الكون مالا يمكن إدراكه بالحس المباشر أو غير المباشر ولكن يمكن الاهتداء إليه بوجود شواهد على قرينة منطقية تكفي في الاستدلال على صحة الدعوى بوجوده ( الاستنباط) (61) وفي هذا تبرز حدود جديدة أخرى للعلوم التجريبية متمثلة في حدود العقل البشري وقدراته على الاستنباط السليم.

3. العلم يشمل كلاً من الحقائق المحسوسة وغير المحسوسة (62) ، وهذه الاخيرة لا يمكن تلقيها إلا عن طريق رسالات السماء والوحي، كما تقدم في مصادر المعرفة .

4. إن الانسان في ملاحظاته وتجاربه ومشاهداته محدود بحدود وجوده على الارض في نقطة محدودة من الفضاء الكوني وفي فترة زمنية معينة، فأستنتاجاته نسبية وليست مطلقة ، فأستنتاجات العلوم التجريبية لا تعدو أن تكون مظهراً للحقيقة، وليست هي الحقيقة ذاتها ، فهي فروض قياسية محضة.

إذ يحاول العلم((أن يضع نموذجاً للطريقة التي يسير عليها الكون والتي على أساسها يمكن أن تفسر ما يجري من أحداث وطبيعي أن هذا النموذج نتيجة لتصورات العقل البشري وسيظل دائماً كذلك ولذا نتساءل : هل ما يجري حقاً في الكون من أحداث يتفق تماماً مع هذا النموذج ! أم أن الامور تجري على أسس أخرى لم يستوعبها  العقل البشري بعد؟

الواقع أنه لا يمكن ترجيح رأي على رأي على آخر سواء سلكنا طريق التفكير المنطقي أم أتبعنا طريق التجريب العملي.

وبقاء الحكم معلقاً بهذه الصورة مما يوحي بالشك في صحة النظريات العلمية لا بد أن يعوق نمو المعرفة في جميع النواحي المألوفة ويحد من أمتدادها إلى ميادين أخرى ، لذلك فمن الضروري الاعتقاد بأن الفرض العلمي – إذا ما ثبتت صحته – لا بد أن يكون ممثلاً حقيقاً لما يحدث في الطبيعة من أمور ، وهذا ما يسلم به جميع المشتغلين بالعلم))(64).

فنتائج العلوم إذن فرضيات أفترض أنها تمثل ما يحدث في الكون من أجل نمو المعرفة العلمية وتقدمها ، فهي ليست نتائج قطعية نهائية(65) .

5.  وفي أزدياد المعرفة للكون دائماً، وفي المراجعة لهذه المعرفة والتحوير فيها، دليل على نقص معرفة الإنسان وعجزه دائماً، فليس هناك حقائق نهائية قاطعة في العلم ، ولا يقول العلم دائماً الكلمة النهائية في ما يعرض له من قضايا علمية ، وكل يوم نسمع بجديد في آفاق العلم ، وكم من النظريات العلمية التي كانت تدرس على أنها الكلمة النهائية في مجالٍ ما ... تغيرت من أساسها مع تقدم العلم.

يقول ((ول ديورانت))(66) ((أين ذهبت اليوم قوانين نيوتن العظيم حين قلب أينشتاين وميكوفسكي وغيرهما الكون رأساً على عقب بمذهب النسبية غير المفهوم؟

واين مكان نظرية عدم فناء المادة وبقاء الطاقة في الميتافيزيقا المعاصرة وما يكتنفها من فوضى وتنازع مما أصاب علومنا؟ وهل فقدت فجأة قداستها وما فيها من حقائق أزلية؟ أيمكن ان تكون قوانين الطبيعة سوى فروض إنسانية؟

هذه الحقيقة التي يجهلها كثيرون ، وهي أن القواعد العلمية الحديثة ليست سوى فروض قام الإنسان بوضعها لتفسير الغوامض التي تحيط به من كل جانب ، وقد يكون نصيبها النجاح أو الفشل ، وإذا  أصابها النجاح فإلى أي مدى وزمن مقدر؟

عندما ظهرت النظريات الجديدة التي أثبت العلم وجودها ببراهين رآها العلماء مقنعة ونسخت النظريات القديمة وحلت محلها فإذا بالجديدة تعجز عن تعليل بعض الظواهر))(67) .

ويقول الكونت ((دي نوي)): ((إن القوانين العلمية قوانين نسبية للإنسان الذي هو الآلة تتابع الحالات النفسية التي تنتج عن هذه القوانين بالضرورة : نسبية وذهنية وصلاحها يرتبط بالإنسان ويعتمد على تماثل الانعكاسات لدى مختلف الاشخاص لنفس المنبهات الخارجية.

ومن هنا يتضح أن بعض التعابير كالحقيقة العلمية يجب أن تؤخذ بحدود ضيقة وليس بالمعنى الحرفي كما يظن العامة فليست هناك حقيقة بالمعنى المطلق.

وإذا كان العالم في القرن التاسع عشر الميلادي لديه الجرأة لأن يقول : إن الحالة (أ) تتبع الحالة (ب) والحالة (د) تتبع الحالة (ج) فإن العالم في القرن العشرين أكثر تحفظاً وأقرب إلى التواضع منه إلى الغرور ولا يجزم بشيء )).

ويقول : ((إن التغير ، لا الثبات ، هو الطابع الذي يتميز به العلم(اليوم))، وإن أبحاث العلماء وأقوالهم تؤكد نقص العلم البشري ، وإن هذه النظرية الجديدة هي الصحيحة التي تعبر عن الحقيقة والواقع، وتساهم بدفع العلم إلى الامام، بعكس النظرية القديمة التي تشكل أكبر عقبة في طريق أزدهار العلم وقطف ثماره))(68) . وإلى هذه الحقيقة أشار الله تعالى بقوله: [وما أوتيتم من العلم إلا قليلا] (الإسراء: من الاية 58).

6.   أن المشتغل بالعلوم التجريبية يتأثر بالميراث الثقافي والعلمي السابق وقد أنطلق علماء اوربا في كتايتهم للعلوم من منطلق مادي إلحادي بناء على ذلك ، وفي هذا التفسير لإنكارهم لعالم الغيب وما وراء الحس تأثراً بأفكارهم المادية التي أعتنقوها لمعارضة الكنيسة ورجال الدين النصراني وفي أوربا(69) .

7.   إن العلم يظل قاصراً، لعدم أعترافه بعديدي من الحقائق والمعاني التي أهملها العلماء إهمالاً تاماً، وهي التي تقع في مجال عالم الغيب(غير المادة).

ويقول ((وايتهد))(70) – في محاولة للتقرب بين الفلسفة والعلم-في كتابة ((مقدمة في الفلسفة المادية)): إن هذه الحقائق الاخرى أعطت للعالم صورته المعروفة، وخلقت ما فيه من قيم ومثل، وإن العلم بعدم إعترافه بهذه الحقائق يقف حجر عثرة في وجه المباديء الإنسانية والقيم الأخلاقية والمباديء الدينية(71) .

الخاتمة

والخلاصة التي نختم بها هذا البحث، هي إلماعة بكلمات موجزة إلى إشارات ثلاثة:

الإشارة الاولى: إن الإسلام-هو دين الله للبشرية كلها – قد أحل العقل مكانته التي تليق به، وعني به عناية فائقة، وهيأ المناخ المناسب لنشوء المنهج العلمي بكل فروعه، وليس مطلوباً من القرآن الكريم أن يكون كتاب علم بالمعنى الضيق لكلمة العلم، فلا ينبغي ان نحمل الآيات ما لا تحتمل ، ولا أن نصطنع جفوة بين الدين والعلم – كما يحلو لبعض الكتابين أن يفعل ذلك-

وأما الإشارة الثانية: فهي إيماءة سريعة إلى ذلك الاثر العلمي المتنوع الذي تركه المسلمون في الغرب، في شتى حقول المعرفة مما أعترف به المنصفون من الباحثين الغربيين أنفسهم، ولابأس من أن نستدعي بعضهم للشهادة، علاوة على بعض النصوص التي تقدمت في مواضعها السابقة.

يقول البروفسور ((كولريونج)) في محاضرة له: ((هذا عرض تاريخي قصد به التذكير بالدين الثقافي العظيم الذي ندين به للإسلام منذ ان كنا – نحن المسيحيين داخل هذه الألف سنة – نسافر إلى العواصم الإسلامية وإلى المعلمين المسلمين، ندرس عليهم العلوم والفنون وفلسفة الحياة الإنسانية، وفي جملة ذلك تراثنا الكلاسيكي الذي قام الإسلام على رعايته خير قيام، حتى أستطاعت أوربا مرة أخرى أن تتفهمه وترعاه.

كل هذا يجب أن يمازج الروح التي نتجه بها – نحن المسيحين-نحو الإسلام، تحمل إليه هدايانا الثقافية والروحية، فلنذهب إليه-أذن- في شعور بالمساواة ، نؤدي الدين القديم.

ولن نتجاوز حدود العدالة إذا نحن أدينا ما علينا بربحه ! ولكننا سنكون مسيحيين حقاً إذا نحن تناسينا شروط التبادل، وأعطينا في حب وأعتراف بالجميل))(72) .

وهنا تتسع الخاتمة لإشارة ثالثة تؤكد عميق الصلة بين العلم والاخلاق، ووجوب التوازن في النظرة إلى العالم والكون والايمان، وهذا ما سبقت الاشارة إليه في موضع سابق عن التوازن بين مصادر المعرفة.

التوصية

وأما التوصية التي أجد أنه من الواجب أن أذكر نفسي وإخواني بها، فهي:

(1) الإلحاح على ربط العلوم الطبيعية بالدين، وتوثيق الصلة بين مناهج العلم ومناهج الدين، فهذه سنن الله الإيمانية، وتلك هي سنن الله الكونية والطبيعية(أي في الكون والطبيعة)، ولابد أن تنسجم هذه مع تلك، ولا بد أن نفسر الحقائق العلمية بمنظور إيماني، وأن نفهم كثيراً من آيات القرآن الكريم- ذات الدلالات العلمية-في ضوء الحقائق العلمية القطعية.. على أن هذا الكلام لا يجوز أن يحملنا على التأويل المتكلف والتمحل في تفسير آيات القرآن الكريم وبيان مدلولاتها، وهذا الكلام قد يحتاج إلى تفصيل وأمثلة لا يتسع المقام لعرضها.

(2) ومما يتصل بهذا أيضاً: الاهتمام بالحركة العلمية والمنهج العلمي وتاريخ العلوم الإسلامية في الدراسات الجامعية وفي المعاهد العليا، بعد تهيئة مناسبة في مراحل التعليم العام، ولايكون هذا قاصراً على كليات العلوم ونحوها، بل ينبغي أن يأخذ مكانه اللائق به في كليات الشريعة وأصول الدين والمعاهد الدينية، ولعل ذلك يكون سبيلاً لنشوء نهضة علمية دينية حقيقية نربط بها حاضر الامة بماضيها، ونستدرك ما فاتنا في عصرنا الحاضر، حيث سبقنا غيرنا في العلم أشواطاً واسعة والعجب في ذلك ان كثيراً من علماء المسلمين في أختصاصات علمية متنوعة كانوا رواداً في العالم الذي سبقنا به الغرب، وهم الذين ساهموا في صنع تلك الإنجازات العلمية!

(3) وأخيراً : لعله من المناسب هنا توجيه العناية إلى بذل الجهد لبسيط العلوم بإصدارات متنوعة تلبي حاجة الجميع في كل المراحل والمستويات العلمية والثقافية العامة، مع العناية بكتابتها بمنهج إيماني، وعدم تفسير الظواهر العلمية بما يخالف الدين، وقد تقدم أنهما متفقان ، فإن صحيح المنقول ( النصوص الدينية الصحيحة) لا يخالف صريح المعقول، وهذا يؤدي إلى نشر ثقافة علمية دينية بعيدة عن السطحية والاوهام .

وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون،والحمد لله رب العالمين.

 

 

.........................

(*) أستاذ مشارك بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة - الإمارات العربية المتحدة

 

 

الهوامش:
......................

(1) كتاب من تأليف كرسي موريسون، مطبوع بمكتبة النهضة المصرية بالقاهرة عام 1965م. وأصل العنوان : الإنسان لا يقوم وحده، ترجمة باشا الفلكي، كتبه رداً على كتاب يدعو إلى الإلحاد بعنوان: الإنسان يقوم وحده.

(2) لشيخ الإسلام أبن تيمية كتاب ضخم بعنوان: درء تعارض العقل والنقل، أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ، طبع كاملاً بتحقيق الدكتور محمد رشاد سالم، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

(3) أنظر: مجالات وقضايا الفكر العلمي، د. أحمد فؤاد باشا، مقال بمجلة العلوم والتقنية، وتصدرها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، العدد(56) شوال 1421هـ ص(5-7). وراجع فلسفة العلوم ، د. بدوي عبد الفتاح محمد، ص(39-44) .

(4) المصادر في اللغة العربية جمع لكلمة مصدر ، وهي مأخوذة من الصاد والدال والراء، وهذه المادة تعني : أعلى مقدم الشيء وأوله حتى إنهم يقولون : صدر النهار والليل .. ويقال : أصدرته فصدر، أي رجعته فرجع، ومنه مصادر الافعال، لأن المصدر أصل الكلمة التي تصدر عنها الافعال وترجع إليها، وعلى هذا : فمصادر المعرفة –بعامة- هي المقياس والمعايير التي يمكن بها معرفة الاحكام أو الموجودات ، أنظر : لسان العرب لأبن منظور : 4/445-449.

(5) أنظر : معجم مقاييس اللغة لأبن فارس :4/403، مفردات القرآن للراغب الاصفهاني، ص(366-367)، تفسير الطبري: 1/377، أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي: 1/8-9، النهاية في غريب الحديث والأثر لأبن الاثير الجزري: 3/399 المصباح المنير للفيومي: 2/457-458.

(6) أنظر : معجم مقاييس اللغة: 3/121، التعريفات للشريف الجرجاني، ص(109) ، كشاف أصطلاحات الفنون للتهانوي: 3/740، المصباح المنير للفيومي: 1/324-325.

(7) أنظر : شرح المواقف للشريف الجرجاني: 1/98 وما بعدها، تمهيد الاوائل وتلخيص الدلائل للقاضي الباقلاني، ص28 وما بعدها ، شرح المقاصد للسعد التفتازاني : 1/210، شرح العقائد النسفية، للتفتازاني: 1/48 وما بعدها.

(8)  هو احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، واسع العلم والمعارف العقلية والنقلية، صاحب المؤلفات الكثيرة منها: درء تعارض العقل والنقل ، ومنهاج السنة النبوية ، ومجموع الفتاوي وغيرها كثير ، توفي سنة 782هـ، أنظر : الذيل على طبقات الحنابلة لأبن أبي يعلي:2/387.

(9)  درء تعارض العقل والنقل ، لشيخ الإسلام أبن تيمية: 7/324-325 .

(10)  مقال عن المنهج، تأليف رينيه ديكارت، ترجمة محمود محمد الخضيري، ص(50)،وأنظر: مناهج البحث العلمي، د. طلعت ههام، ص(25-26).

(11) العقل في اللغة العربية، يطلق على القيد الذي يقيد به البعير، لئلا يند، وسميت الملكة التي يتميز بها الانسان "عقلاً"، تشبيهاً لها بالقيد، على عادة العرب في أستعارة أسماء المحسات للأمور المعنوية ، وقد عني علماء الشريعة عند حديثهم عن التكليف ومقاصد الشريعة ومكارمها بالحديث عن العقل وأنواعه ومنازله وتنوع أسمائه بحسب ذلك، فهو يطلق على أمرين:1- القوة الفطرية التي أودعها الله تعالى في الإنسان، وخلقه عليها متهيئاً بسببها لقبول العلم، وهذا هو محل التكليف ومناط الامر والنهي، وبه يكون التمييز والتدبر. 2- ويطلق كذلك على العلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة الفطرية، وهذا هو العقل المستفاد، وإليه الإشارة في القرآن الكريم في كل موضع ذم الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل المستفاد ، وإليه الإشارة في القرآن الكريم في كل موضع ذم الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل(17)، كقوله تعالى: [صم بكم عمي فهم لا يعقلون]"البقرة:171". وقد عنى علماء اللغة ببيان أسماء العقل وتنوعها بحسب مقاماته، مع بيان الفروق بينهما في الاستعمال، وليس من غرضنا هنا تقديم دراسة كاملة عن العقل، فحسبنا هذه الإشارات لنخلص بعدها إلى قيمة العقل ومكانته في الإسلام أنظر :"الذريعة إلى مكارم الشريعة" للراغب الاصفهاني، ص(59-61)، "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري ص(67،66) ،"الكليات" لأبي البقاء الكفوي :3/219،220،253،" تأملات في وسائل الإدراك" د.محمد الشرقاوي ص(15) وما بعدها، وراجع كلمة : النهي ، والحجر، والحجي ، واللب، والفؤاد، والقلب-في "المفردات" للراغب، و"بصائر ذوي التمييز".

(12)  درء تعارض العقل والنقل، لشيخ الإسلام إبن تيمية: 7/424.

(13) أنظر : "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" للملا علي بن سلطان القاري: 6/288-291، "عون المعبود شرح سنن أبي داوود" للمباكفوري:12/73،72.

(14) أخرجه البخاري تعليقاً في الطلاق : 9/388،والإمام أحمد في المسند : 6/100، وأبو دواد في السنن :9/388، والترمذي : 4/685، وصححه أبن خزيمة والحاكم وأبن حبان ، أنظر :"إرواء الغليل)):2/4-7، و((صحيح الجامع الصغير" كلاهما للألباني ، برقم(3512).

(15) أنظر : ((الموفقات في أصول الشريعة)) للإمام الشاطبي: 2/8-10، ((المستصفى)) للإمام الغزالي :1/ 287، إعلام الموقعين لإبن القيم الجوزية :3/5 وما بعدها.

(16)  قال الإمام السمعاني :"إن الله تعالى أسس دينه وبناه على الاتباع، وجعل إدراكه وقبوله بالعقل"،أنظر :"الحجة في بيان المحجبة" للأصفهاني:1/317.

(17) أنظر بالتفصيل : "المقاصد العامة للشريعة" ،ص(344) وما بعدها " مذاهب فكرية معاصرة " ص (53) وما بعدها ،" خصائص التصور الإسلامي" ص(54) وما بعدها " منهج المدرسة العقلية في التفسير" 1/29-39. "المدخل إلى الثقافة الإسلامية" ص(226-230). " عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي"، ص(26) وما بعدها.

(18)  أنظر : خصائص التصور الإسلامي ، للأستاذ سيد قطب، ص(58-60)، تهافت العلمانية ، د. عماد الدين خليل ، ص(34-36).

(19)  مذاهب فكرية معاصرة ، للأساذ محمد قطب ، ص (531-532). ويقول شيخ الإسلام أبن تيمية: ((والرسل جاءت بما يعجز العقل عن إدراكه ، ولم تأت بما يعلم بالعقل أمتناعه، ولكن المسرفون فيه: قضوا بوجوب أشايء وجوازها وأمتناعها لحجج عقلية-بزعمهم- أعتقدوها حقاً ، وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه: صدقوا بأشياء باطلة ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني أدم على غيرهم )) ، أنظر : مجموع الفتاوي : 3/339، و5/30، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: 3/130-134، وعقيدة المسلم للشيخ محمد الغزالي، ص(49).

(20)  أنظر بالتفصيل: مذاهب فكرية معاصرة للأستاذ محمد قطب، ص(533-353)، وخصائص التصور الإسلامي للأستاذ سيد قطب ، ص(54-60) .

(21)  ينقسم العلم إلى قسمين : قديم وحادث ، فالعلم القديم هو العلم القائم بذاته سبحانه وتعالى، ولا يشبه العلوم المحدثة للعباد، والعلم المحدث ينقسم إلى بديهي أ, ضروري ، وأستدلالي ، فالبديهي أو الضروري: ما حصل في العالم بإحداث الله تعالى وتخليقه، من غير أن يكون للعالم فيه فعل الكسب والاختيار ، ولا قدرة التحصيل أو الترك ، أو هو ما لا يحتاج إلى تقديم مقدمات للعلم به، وهو ثلاثة أنواع:أ) العلم الحاصل بواسطة الحواس الخمس .ب) والعلم الحاصل بالاخبار المتواترة، نحو العلم بالبلدان النائية والأمم الماضية.ج) والعلم الحاصل ببدائه العقول من غير تأمل ونظر في الاصول

34- وهبة نخلة، المرجع السابق، ص15.

 

...................................

المصدر : مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية المجلد 5: العدد 3 : شوال 1429هـ ، أكتوبر 2008م .