|
الأحـد:
22/03/2009
واقع
ثقافة البحث العلمي الإبداعي في جامعات العالم العربي
سلطان بلغيث(*)

مقدمة:
تُعد الجامعة في أي مجتمع واحدة من أهم المؤسسات التي تُسهم في عجلة
التنمية بجميع أبعادها ،من خلال توجيه ودفع وتفعيل حركة الخلق والإبداع
وقيادة مشروع النهضة والسير بالمجتمع صوب أهدافه بثبات,فهي -الجامعة-
بمثابة المخبر الذي تلد فيه الأفكار وتنبلج منه الاختراعات وتتخرج منه
الإطارات والكفاءات التي تحمل على عاتقها مسؤولية خدمة المجتمع
والتفاني في الارتقاء بحسه الوطني ووعيه الجمعي بما يحقق المصلحة
العامة في كنف التعاون والتآزر والوئام.
والمتتبع لمسيرة الجامعة الجزائرية منذ تأسيسها يجد أن كل المواثيق
والقرارات والمراسيم الصادرة بهذا الشأن نصت بشكل صريح على أهمية
الجامعة ومحورية دورها في مجتمع يتطلع للخروج من التخلف واللحاق بركب
البلدان المتقدمة.
وفيما يتصل بمدى ترجمة هذا الخطاب وتفعيله على أرض الواقع,فقد برزت
محاولات متعددة لإرساء دعائم جامعة أصيلة ومتجددة.متفاعلة لامنفعلة
فحسب،جامعة وثيقة الصلة بمختلف مناحي حياة المجتمع الجزائري ،إلا أن
هذه الجهود كانت تعوزها الاستمرارية والفاعلية، مما انعكس سلبا على
استقرار المنظومة الجامعية تشريعا وتكوينا وإنتاجا،فأضحت تتأثر بتغير
الأشخاص، ونتج عن ذلك كله غياب شبه كامل لتقاليد جامعية في الوسط
الجامعي الجزائري ،فكل شيء يولد سريعا ويخبو سريعا.وسنحاول من خلال هذه
الإطلالة المقتضبة على واقع البحث العلمي -باعتباره الشريان الدافق
الذي يمد الجامعة بأسباب الحياة- أن نتعرض لبعض العوائق التي حالت
وتحول دون قيام الجامعة بدورها التنويري والإبداعي في المجتمع،مسلطين
ضوءا خاصا على جملة المثبطات التي تعيق المؤسسة الجامعية عن استغلال
الطاقات البشرية الخلاقة التي تفد إليها لتتحرج منها وقد انطفأت فيها
شعلة الابتكار، وذوى فيها هاجس التألق،وحاز العقل بقدراته الهائلة على
التقاعد المبكر،وهو أخطر نزيف فكري تتعرض له أمة من الأمم،حينما،تفتقد
الحيلة والوسيلة في توظيف هذه الطاقات لتحريك سكون المجتمع،ودفع عجلة
التقدم فيه إلى الأمام.وحتى لا يستمر المزيف ،ويتواصل مسلسل هدر
الإمكانية في مجتمعنا، فسوف نشير إلى بعض الآليات الكفيلة بإعادة إنعاش
دور الجامعة وتفعيل وظيفتها،وتجديد دمائها في عصر عماده التغيرات
العاصفة، عصر لغته الجدية والإبداع والتجديد والتميز ،ولامكان فيه
لللإتكالية و الزيف العلمي والتسطيح الفكري.
1- تعريفات
1-1-معنى البحث
العلمي:
يُقصد بالبحوث العلمية استجلاء الحقائق والتحقق من الافتراضات،والتوصل
إلى النتائج والاستنتاجات(1). ذلك أن البحث جهد مضن ، ونبش في جوهر
الأشياء،قصد الظفر بحلول للمشكلات التي تؤرق أبناء المجتمع.،ومن ثمة
فالبحث العلمي ليس عملا ترفيا،بل أن"البحث العلمي الحقيقي، هو طرح جديد
لمشكلة قديمة، أو وعي حديث لمشكلة جديدة، وهو من حيث طبيعته ابتكار
طريقة أو طرائق جديدة وأداة وأدوات جديدة ... واستعمالها ضمن إطار
مقاربة معرفية مرجعية تسمح بالتقاط الأعراض والبينات والدلائل الكافية
والقابلة للتفسير والتأويل حول النقطة المطلوب إضاءتها، كما تسمح برسم
شبكة علاقات الفعل والانفعال السائدة بين العناصر الرئيسة...وذلك بهدف
الوصول إلى بناء تشخيص وظيفي يسمح بالتدخل الفعال في الزمن المناسب،
والمكان المناسب، وبالاتجاه المناسب، وبالشدة المناسبة التي تفرضها
أهداف المتدخل "(2).
1-2- معنى
الإبداع:
الإبداع سمة إنسانية وخصيصة بشرية،تعكس حالة من الارتقاء الذهني
والتسامي العقلي تجعل التفكير البشري أكثر قدرة على تحدي المألوف،وأعظم
حفز لمجاوزته إلى السياحة في عوالم مغرية وغريبة من الفيض الإبداعي
المشحون بالشوق إلى الكمال والتوق إلى المثال.
ويختلف العلماء في تحديد معنى الإبداع, ويمكن إيعاز هذا الاختلاف إلى
كثرة المجالات المعرفية التي تستخدم هذا المفهوم وكذا تباين الخلفيات
الثقافية والعلمية للباحثين, إضافة إلى الإيحاءات القيمية للمفهوم ذاته
,وعليه سنكتفي بتعريف الإبداع في ضوء الرؤية الاجتماعية حيث يُنظر إليه
على أنه أي تقدم علمي بحثي يقوم بإسهام جوهري في إثراء الرصيد المعرفي
لأي تخصص من التخصصات(3).وكلما نما الوعي الإبداعي عند أمة من الأمم
كان ذلك دليلا على تيقظ الحس العلمي،ونمو القدرة على التحكم في ناصية
البحث العلمي المنتج والمساهمة في إثرائه وتعميقه.
2- دور البحث في
المجتمع:
التقدم مطمح كل حي،يسعى إلى الأحسن، ويعمل من أجل بلوغ الأفضل،ويكد
بغية تحقيق الأمثل،ولن يتأتى ذلك إلا بإعادة الإعتبارالى الإنسان،
باعتباره قاعدة كل بناء وأساس كل عمران ،لاسيما في هذه المرحلة العصيبة
من تاريخنا،فتفكيرنا الإستراتيجي يجدر به التوجه صوب الاستثمار في بناء
الإنسان،لأن الثروة الحقيقة والدائمة تكمن في"تنمية مواردنا البشرية
التي يتحمل التعليم الجامعي مسؤولية كبرى فيها، وأن رأسمالنا الأساسي
هو في بناء الإنسان"(4).وقدارتبطت الجامعة عبر التاريخ بالتوق إلى
التقدم، والخلاص من التخلف، والتحريض على البحث والإبداع، ونبذ التسلط
والتقليد، الانفتاح على الماضي بوصفه نقطة البداية وليس نقطة النهاية،
والتطلع إلى المستقبل، النقد محل التسليم، الشك محل التصديق، نجح العلم
ولو جزئيا في إزاحة الخرافة، تشجيع الخلق وروح المبادرة، الاستنارة
والتنوير والانفتاح على المستقبل، وتوق الحرية والانعتاق الفكري .فهي
سلاح لتحقيق الازدهار العلمي، والتفوق المعرفي،وما كان ذلك
ليحصل،وتتحرر البشرية من أسر العقل وحجر الفكر،لولا التضحيات الجسام
التي قدمها العلماء على مر التاريخ قربانا،كي ننعم نحن بنور العلم
وإشراقة الفهم الصافية الاهتمام فالبحث العلمي وقود لاغنى عنه كي يستمر
عطاء العلم ،فهو يمثل عصب التطور، ورأس التقدم في المجال الفكري أو
الثقافي أو السياسي.
وتجدر الإشارة إلى تعدد الطروحات والاجتهادات الخاصة بوظائف الجامعة
ودورها في المجتمع،ويمكن إجمالا حصر هذه الوظائف في النقط التالية:
أ- التدريس وإعداد الكوادر البشرية.
ب- إنتاج ونشر المعرفة من خلال البحث العلمي.
ج-
دمج قسم من الشباب في الإطار العام للمجتمع.
فالجامعة
على هذا النحو تمثل القلب الذي ينبض بالحياة في المجتمع ويجدد فيه
الحيوية ويشيع الحركة في شتى جوانبه،مزودا إياه بالطاقة الحية التي
تضمن له البقاء والاستمرار،من خلال توفير العقول الخبيرة المتشبعة
بالمعرفة وبثها في شتى مجالات الحياة الاجتماعية كي تساهم بجهدها العلي
وعطائها الفكري في معركة التنمية،مما يجعل من الجامعة تتبوأ مكانتها
الرائدة كخزان معرفي يزود المجتمع بالزاد العلمي الذي ينير دربه ويدفعه
نحو تحقيق غاياته المنشودة "والواقع أن الجامعات لا تقتصر مهمتها على
تخريج الطلاب،وإنما ينبغي أن تكون مراكز للبحوث،وأن تسهم في عمليات
التنمية المحلية في القطاعات الإنتاجية أو الخدمات من أجل خلق المجتمع
العلمي وترسيخ التقاليد العلمية التي ينبغي أن تتميز بالانفتاح الكامل
على قضايا المجتمع"(5).
وحينما
تنصهر هذه الطاقات العلمية في وعاء المجتمع –الذي يمتص خبراتها ويتغذى
بإبداعاتها- ليصنع منها نهضة علمية وحضارية،يكون التفاعل بين الجامعة
ومحيطها قد حقق مراده ونقل المعرفة من طور النظرية إلى واقع الصناعة
وجعلها في خدمة التطور الاجتماعي ويكون "الناتج عالم جامعي خاص إلا أنه
وثيق الصلة بعالمي ما قبله و ما بعده،لا يشيخ فيه حتى التاريخ،نضر
نضارة الأجيال التي تتعاقب فيه وتزدهر ،متجدد في كل إضافة يضيفها بحث
جديد،أو سؤال جديد أو معرفة مستفادة أو إبداع "(6).
فالجامعة
يزداد ثقلها ويتعزز مركزها الاجتماعي لا بعزلتها عن المجتمع وتجاهلها
لمشاكله وعزوفها عن آلامه وتسفيهها لآماله،بل بحضورها الدائم ومواكبتها
المستمرة لما يشهده المجتمع من تغيرات وملاحقتها بالدرس والبحث لكل ما
يحدث فيه من ظواهر وتحولات،بذلك فقط تظل الجامعة منارة تضيء ما حولها
تفيده وتستفيد منه تغير وتتغير فتبقى متناغمة مع بيئتها ورائدة لواقعها
صانعة لمعالمه لا متخلفة عنه منفعلة به.
والتغيير المنشود ينطلق من الإيمان بضرورة التغيير وإلحاحه، وبأن
جامعة المستقبل لن تقنع إلا بدور قيادي رائد في تطوير المجتمع ذاته ومن
ثم تعبئة الجسم الجامعي كله لهذه الضرورات...وأن الرغبة في التغيير
ينبغي أن تكون ذات نفس طويل لا يهدأ ولا يمل، وان ثمة خلخلة في الأوضاع
الساكنة في حياة الجامعة...ولسوف تواصل مسيرتها بالإسهام في دور قيادي
متقدم لإثراء مقومات التنمية بالعلم والمصنع والمزرعة والحرية
والإبداع،وفي تفاعل إيجابي واثق الخطر من المتغيرات المجتمعية
والعالمية، ومع إرادة التغيير وعزائمه والتطلع إلى جامعة أكمل وحياة
أفضل"(7).
والواقع
أن قضية الموازنة بين تكوين الفرد العالمي وتنمية المواطنة ودعم مقومات
حيوية الهوية والثقة في إمكاناتها وإبداعاتها وتعبئة طاقاتها في
التنمية الذاتية، مسألة غاية في الأهمية بالنسبة للنظر في شروط قيام
جامعة المستقبل "(8).ففي ظل تحديات العولمة تتضاعف مسؤولية الجامعة في
تكوين جيل شباني صلب،في مواجهة تحديات عصره،بصيرا بأساليب التكيف معها
دون أن تسلبه اعتزازه بذاتيته وانتمائه لإرثه الحضاري العريق."ولن تكون
جامعاتنا وفية لهويتها وثقافة مجتمعاتها إلا أخذت بأحسن ما في القديم،
وأفضل ما في الجديد، وشقت طريقها العلمي في قوة واستقامة، متحررة من كل
تبعية...وخرجت كلياتها الجديدة أجيالا قادرة على فهم العلوم المعاصرة
من منطلق إسلامي، وفي إطار إسلامي، ولهدف إسلامي "(9).
3- واقع البحث
العلمي في العالم العربي:
يلعب البحث العلمي دورا مهما في الارتقاء بحياة أ بناء المجتمع،لأنه
يساعد على حل المشكلات ، ويسعى لفتح الأبواب الموصدة، ولا يكتفي بطرقها
فقط،ولا يجعل جهده البحثي حبيس التنظير ،بل يُفعّله ويثريه عن طريق
ربطه بالواقع تطبيقا وممارسة.
فالتكنولوجيا المتقدمة تنبعث من الجامعة،وما ينظوي تحتها من مؤسسات
ومخابر بحثية،هذه الفضاءات العلمية التي تُعد بمثابة مراكز توليد
المعرفة الأساسية الضرورية لحل المشكلات الكبرى التي يطرحها
المجتمع؛غير أن واقع الحال ينطق يغير ذلك،إذ نلمس لدى الكثيرين،بأن
القيام بالبحث عمل كمالي،يتم التوجه إليه في أوقات الفراغ ،وكأنه شكل
من أشكال الترفيه عن النفس من أعباء الحياة المتراكمة،ومن ثمة ففي
المحيط الجامعي" لا يشغل البحث والدراسة النقدية شطرا كبيرا من وقت
الأستاذ.ولا يكافأ الأستاذ ما يستحقه من المكافأة على أبحاثه وفكره
الاستكشافي...ولا يجري ما يكفي من التنافس بين الأساتذة على الترقية
وتحقيق المنزلة العليا عن طريق إجراء البحث.وقد يتعرض باحث للهزء من
زملائه إذا شاهدوا منه قدرا أكبر من المألوف من التفاني
للبحث(10).ونتيجة لطبيعة التفكير السائدة لدى أغلبية المنتمين للأسرة
الجامعية،والمبنية على أساس ليس في الإمكان أبدع مما كان، ظلت جامعاتنا
تجتر ما تنتجه جامعات الغرب،دون محاكمته علميا أو تعريضه لمبضع النقد
والتشريح العلمي،مما جعل الجامعة عاجزة عن استنبات العلم،مهيأة على
الدوام لاستهلاك ما تنتجه مخابر الغرب،ومن عواقب هذا الأسلوب تعطيل
جذوة الإبداع والخلق لدى أبناء جامعاتنا بفعل عقم مناهجنا وعجزها عن
تأهيل الطلاب لإنتاج الجديد في حقول العلم المختلفة.
وعليه يجب الاعتراف بأن الجامعات في عالمنا العربي للأسف الشديد ليست
مراكز بحث، والقلة من الباحثين المبدعين تعمل في ظروف سيئة يطبعها فراغ
اجتماعي مريع، تغلب عليه الرتابة ،ويغيب فيه الفكر النقدي الخلاق ؛ فلا
تكاد تجد أثرا للتنسيق والتفاعل بين الباحثين ،وكذا غياب أو نقص العمل
الفريقي، لأن التنسيق والعمل الجماعي بين الباحثين من شأنهما أن ينميا
البحث ، ويفتحا مزيدا من قنوات الاتصال بين التخصصات، ويذكيا التلاقي
بين مختلف العلوم ،ويسهما في رفع مرد ودية البحث العلمي. في الوسط
الجامعي لا يوجد من المحفزات ما يدفع المشتغلين بالبحث إلى التفاني
والبذل ،فنتائج أبحاثهم تبقى حبيسة الرفوف، ولا يتم الالتفات إلى
مجهوداتهم، وشحذ قدراتهم،وتشجيعهم على المزيد من التميز العلمي في
تخصصاتهم، إضافة إلى عدم توافر الدعم الكافي للأبحاث العلمية، الذي
يساهم في إرساء بنية تحتية للبحث العلمي،من خلال تأهيل الباحثين و
توفير المواد والأجهزة المتطورة لاستغلالها في البحث حيث نجدان
"الميزانيات التي تحددها الحكومات للبحث العلمي تقل عن نصف في المائة
من الدخل العام.أما في الدول المتقدمة فتصرف الحكومات أكثر من2 % من
ميزانياتها على الأبحاث"(11).فالبحث العلمي المثمر بحاجة إلى قاعدة
متينة يتكئ عليها،حتى يستطيع تطبيق مقولاته النظرية،وجعلها في خدمة
قضايا التنمية.
غير أن معطيات الواقع تفيد أن البحث العلمي- على قلته- في جامعاتنا
ينقصه التفعيل ويعوزه التطبيق ،ولا يتم استثمار هذه نتائجه في معالجة
مشكلات الواقع الاجتماعي ،فضلا عن إعاقات المحيط الاجتماعي التي تقف
حجر عثرة في وجه نضج البحث العلمي وجعله قادرا على الغوص في أعماق
الواقع وقراءة مفرداته،والبحث عن حلول ناجعة لمشاكله، ناهيك عن غياب
الحوار والتفاعل والتنسيق بين الجامعة ومحيطها،ذلك أن العلم في العالم
العربي يُنظر إليه في الغالب كزينة لاضرورة؛ يُدرج ضمن الملفات
الثانوية ولا يُوضع في قائمة الأولويات، ولاشك أن هذه البيئة مصادرة
للمردود العلمي قاتلة للتفكير الابتكاري، مشجعة للجمود ،مما أسقط
الجامعة بين مخالب مرض اجتماعي خطير ينخر فعاليتها ويفت عضدها ألا وهو
"التسيير البيروقراطي النمطي الذي يجعل الإدارة غاية في حد ذاتها،بحيث
يقتصر العمل الجامعي على إتمام إجراءات ورقية ويستغرق جهد رجاله
ويستنفذ طاقاتهم،ويكون معيارا لمدى نجاحهم في مهامهم "(12).وكثيرا ما
كانت الإجراءات الإدارية البيروقراطية الرتيبة سببا في وأد البحث
وإهدار إمكانيات ثمينة للكشف العلمي والتألق المعرفي.في حين "يتطلب
التقدم التكنولوجي الإيمان بالتغيير والمبادرة بالتجديد وخلق المناخ
الذي يحث على الإبداع ومكافأة المبدعين "(13).وكثيرا ما تفخر مؤسساتنا
بوأد مبدعيها ،بإماتة روح الإبتكار وفيهم وإطفاء شعلة الإبداع لديهم.
أما الطالب الجامعي فهو يمضي من عمره أعواما في الجامعة، ليتخرج بعدها
إلى عالم الفراغ القاتل والبطالة المصادق عليها،والمجتمع العليل الذي
قصفت كيانه علل وأدواء يُراد من الطالب الجامعي أن يشارك في علاجها وهو
عليل، ويُطلب منه أن ينقذ أمته وهو غريق "(14).
يتخرج
الطالب ممسوخ الفكر، مشوه التكوين، معوج السلوك، فارغ الجراب...يتخرج
ليبدأ رحلة من معاناة البحث عن السراب- مكاسب العيش، مطالب المادة، لا
يفكر في وضع قائم، ولا مجتمع قاعد، والنتيجة هي: خلق المثقف العاجز،
وهو شخص وصل إلى قناعه أن آماله، وطموحاته، ومهاراته، ومعرفته لا جدوى
منها، لأنه شخص حُوّل إلى حطام أخلاقي بسبب فرض البطالة الفكرية
عليه..واصطدامه بالواقع الكريه لمجتمعه...إن هؤلاء لا يستطيعون تحرير
أرواحهم من عفن التحلل الذي فُرض عليهم.
إن
ضعف المناعة الفكرية عند الجامعيين، جعلهم يؤثرون السلامة والرضى
بالحياة، وأي حياة ،وعليهم هالة من الشخصية المزيفة، والعلم السراب،
والشهادة التي هي عبارة عن صك دون رصيد.وما هذه الشخصية العلمية الهشة
التي تقذف بها جامعاتنا إلى الواقع فلا تقوى على التعامل، مع
مشكلاته،وتنخرط سريعا ودون مقاومة تذكر في واقع ظلت بالأمس القريب
تستعرض معا يبه خطابيا ،وتنحو باللائمة على تجاوزاته ،فإذا بها وهي
تنخرطفي صفوفه،تمارس مثالبه، وتعيد إنتاجه في طبعة أكثر قتامة. "وهكذا
أسقط العقل العربي خارج دائرة الفهم الصحيح للأحداث العالمية لأنه يقوم
بإحالة الأمور دوما لمجموعة من المسلمات المكرورة والمستعادة والتي
بدورها تقتل بداخلنا القدرة على ابتكار الحلول غير التقليدية للمشكلات
الحياتية والاجتماعية المتباينة، والأخطر من ذلك أنها تدمر داخل شباب
الأمة ما نحن في أمس الحاجة إليه من عقلية نقدية وإبداعية "(15).
فنحن نقدم المعارف لطلابنا في صورة جاهزة قطعية غير قابلة للمناقشة
والتكذيب،تلفها هالة من التقديس والعصمة الواهية،ولا نتيح لهم الفرصة
كي يناقشوا مضامينها ومراميها،أو طرح علامات الاستفهام حول
طروحاتها،وإثارة الأسئلة حولها،وتكون نتيجة عدم إشراكهم في بنائها،وحشو
عقولهم بهذه المعارف دون إقناعهم بها،الفهم الأعرج لها وعدم القدرة على
تفعيل هذه الحمولة من الأفكار غير المترابطة في عقولهم في التصدي
للمشكلات التي تعترضهم فما بالك التي تجابه مجتمعهم.ذلك أن الأفكار
المبدعة لا تتفجر حيث يكون الفكر مساقا باتجاه القبول بالحل الواحد
،مما يحرم البدائل من الظهور ويقمع طاقة الإبداع عن الظهور ويضطرها إلى
الضمور.فالإبداع وليد النشاط البحثي المستميت والمتمرد على المألوف
والمتأبي على التسليم بالقوالب الجاهزة لأنه "بقدر ما تنشط ديناميكية
توليد الأسئلة التي تغرق واقع الممارسات والمعارف البحثية، بأطياف من
الشك ومعاودة النظر، تنحصر دائرة الإشكالية السلبية ويخصب الفكر، لذلك
لا يعجبن أحد من ندرة الفكر البحثي في ظل فرض خطر شامل على عملية طرح
الأسئلة حول ما يعتبر من الثوابت، فالمشكلة ليست في غياب الفكر البحثي
غيابا مرحليا أو مؤقتا،بل وبشكل أساسي في عقم البيئة التي يفترض أن
تنتج مثل هذا الفكر، وبالتالي تشكل قناعة تراكمية عند المؤسسات
الأكاديمية والأفراد الأكاديميين بعدم وجود فكر بحثي في الأساس "(16).
"الغريب أن أفق البحث الذي يفترض أن يكون مفتوحا ومناخه الذي يفترض أن
يكون مفعما بالفضول ومشحونا بالأسئلة التي تتزاحم من أجل التشكل
والتبلور لتنسج المعبر الطبيعي من الجهل إلى المعرفة ومن الشك إلى
اليقين، يتحولان في معظم المؤسسات الأكاديمية إلى تنظيمات وقواعد
مكبلة، وإلى أجواء ملبدة بمنظومات لا تنتهي من النواهي والأوامر
والضوابط والحدود والقوالب والقنوات المقفلة، مما يقضي على كل شهية
للسؤال "(17).ولعل نظامنا التعليمي الذي يحبذ الامتثالية والصمت- حتى
على الأخطاء المميتة- وينبذ التمرد على الواقع المعطى سلفا والذي تلفه
هالة من القداسة،ولا تقربه الظنية في طروحاته،يعد من أشد كوابح الإبداع
الذي يقتضي هدم المعطى وإعادة بناءه من جديد وبعدة أساليب في جو من
الحرية الأكاديمية والطلاقة الفكرية.والذي يشهد به واقعنا التعليمي
بجميع أطواره هو" أن معظم تكويننا الأكاديمي (إن لم نقل مجمله) قائم
على تمجيد الإجابة الصحيحة، وعلى قمع السؤال المحرج، المفجر للمجهول،
أو لغير المتوقع "(18).في حين أن الإبداع،هو عبارة عن تجربة نفسية
ومعاناة فكرية،ومكابدة وجدانية تنبذ القيود،ولاتعرف وهجها إلا في ظل
فضاءالإنطلاق والحرية الفكرية لأنها تتخطى السائد وتُحلق في عوالم غير
مألوفة.بينما "التخطيط الفكري الذي غالبا ما تعززه الثقافة السائدة عبر
تثمين الاتزان الاجتماعي، بمعنى عدم الخروج عن المألوف، يدفع الفرد إلى
تجنب التفكير إبداعيا خوفا من تهكم الآخرين ووصفه بالانحراف أو
الاختلال "(19). وهكذا تنحسر تدريجيا شعلة الإبداع لدى الأفراد ،ويخبو
ألق التميز فيهم،وتتراجع سرعة الجموح والانطلاق الفكري،بفعل كثرة
المفرملات الفكرية والتنظيمية التي تؤدي إلى قتل بوادر الخلق والإبداع
وحرمان المجتمع من الاستفادة من هذه الطاقات الخلاقة واستثمارها في
تحقيق التنمية.
ولاشك أننا اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة لثقافة منتجة تفهم واقعها
وتحسن التكيف مع التحولات، ثقافة تبدع المعارف ولا تستعيرها وتصنع
الأشياء ولا تستوردها "ثقافة تمنحنا آلية التكيف المستمر في مواجهة
التحديات المتواترة، وذلك يتطلب منا الإتيان بمنهاج جديد للتفكير غير
ذلك المنهج التلقيني الجامد، منهاج يستطيع تحويل حياتنا الراكدة لمشروع
حضاري طموح ينجزه المجتمع بأكمله بجهد من الفكر والعمل، كي نتمكن من
اختيار طريقنا للمستقبل بوعي وإرادة حرة "(20).
4-
حدود الإبداع العلمي:
لقد
تطور العلم بشكل ثوري فاتحا المجال للعلماء والباحثين كي يوسعوا من
طموحاتهم العلمية الرامية إلى مزيد من الاكتشاف بتكثيف وتيرة التفكير
العلمي الخلاق والمبدع ,ذلك أن التقدم لن يتأتى إلا بجودة التفكير
العلمي السليم,المبدع,لأن الحضارة الإنسانية هي وليدة الإبداع,والإبداع
هو تعبير حقيقي عن إنسانية الإنسان,وأن الإبداع يتضمن التفكير المتشعب
والمتعدد والمتباعد ,وهو تفكير جديد وجيد(21).
فالإبداع نزوع إلى تجاوز المألوف,وتنسيق المعارف وفق نمط جديد غير
مسبوق أو الإتيان بحلول مبتكرة للمشكلات المطروحة,فالقدرة الفائقة لدى
الباحث على الربط والتحليل والتركيب والهدم وإعادة البناء لهرم العلم
هي التي تضفي على نتائج عمله صفة الإبداع,فالمبدع صاحب خيال خصب وتفكير
خلاق يولد الحقائق من رحم ركام معرفي يبدو عليه التناسق الخارجي ويعوزه
التوليف المنهجي الداخلي أحيانا,ذلك أن الأفكار يتعثر بعضها ببعض
بطريقة تغلب عليها الفوضى.فوجود النظام الخفي لذلك هو شيء ينبغي تشييده
وليس ملاحظته(22).
فالعمل الإبداعي جهد علمي يكسر الإطار المعهود ويخلق توليفة علمية
جديدة تعيد النظر في الاجتهادات السابقة وفق أسس قابلة للتحقيق, ومن
ثمة يمكن وصف الإنتاج العلمي المبدع بأنه إنتاج يتميز بأكبر قدر من
الطلاقة الفكرية والمرونة التلقائية والأصالة وبالتداعيات البعيدة وذلك
كاستجابة لمشكلة أو موقف مثير(23).
وعليه فالإبداع ينفرد بجملة من المواصفات تميزه عن غيره من الأعمال
الفكرية الأخرى من بينها الطلاقة أي السرعة في استجماع المعلومات
والأفكار ثم صهرها عقليا واخراجها في حلة جديدة تتصف بالمرونة أي
بالتنوع في الاستجابات المقدمة للموقف الواحد,وتعدد الأفكار بتغير
المواقف مما يكشف عن أصالة الفكر وقدرته على ابتكار الحلول الجديدة
والطريفة في المواقف الحرجة.
...
ويراهن بعض الباحثين على دور التنافس والصراع العلمي المحتدم بين
الأطروحات المتباينة التي يدلو بها العلماء في ساحة النزال الفكري
والتي من شأنها أن تبعث النشاط في كيان العلم وتساهم في تقدم مسيرته,
وعلى حد تعبير 'لودان' فان المواجهة الحادة بين تقاليد البحث المتنافسة
تعد عنصرا أساسيا لنمو وتحسين المعرفة العلمية, فالعلم مثله في ذلك مثل
الطبيعة تماما, له أسنان ومخالب حامية(24).وبناء عليه فإن التقدم في
مختلف مجالات الحياة مرهو ن بفتح المجال واسعا لكل الأفكار الخلاقة،كي
تُثري حياة المجتمع بالحلول غير المألوفة لمشاكله،ذلك أن خصوبة أي أمة
وفاعليتها،تُقاس بقدرتها على الإبداع.
4-1- الإبداع
العلمي والحرية:
لايمكن الحديث عن الإبداع العلمي في مناخ متوتر غير مستقر تغيب فيه
الحرية وينعدم فيه الأمن النفسي والاجتماعي,فحيثما كُممت الأفواه
وخُنقت الأصوات الحرة تراجع الفعل المبدع وقد يذوي مع دوام الإكراه
والقمع الفكري الذي يعد أشد أنواع العنف تأثيرا بالنسبة للمبدع,لأن
الفكر ينشط بتوفر حالة لا ينكمش فيها الاستعداد الذهني والنفسي للإتيان
بأفكار جديدة بل فيها يُشجع هذا الاستعداد(25).
إن
الإبداع نبات شديد الحساسية لايقوىعلى البقاء والاستمرار إلا في
البيئات التي يُغذيها هواء الحرية الفكرية النقي ولا تخنقها أسوار
الاستبداد الفكري والسياسي وتفيدنا دروس التاريخ كيف استطاعت البيئة
العربية في العصور الإسلامية الزاهية والمفعمة بالحرية الفكرية أن
تُحدث العجب العُجاب في مجال الكشف والإبداع وتصبح مرجعا علميا عالميا
مازال المنصفون من أبناء الحضارات الأخرى يدينون لها بجميل العرفان.ومن
هنا نلمس هذا التداخل الشديد بين الحرية والإبداع،إذلايمكن أن ينمو
أحدهما بمعزل عن وجود الآخر،فهما وجهان لعملة واحدة،لأن الإبداع في
جوهره سياحة فكرية مفعمة بالمعاناة في عالم شديد الغموض والعتمة،ينتظر
تبديدا لظلمته بوهج عقل حامل لشرارة الإبداع وهائم في غياهب غير
مألوفة.وهذا الحوار المنطلق السارح في آفاق المجهول،يفترش بساطا من
الحرية الواقعية" التي تحقق نوعا من التبادل بين الذات والعالم...بل
تتحدد باندماجها في الأشياء والعالم،والحرية تلاق وانتقال وتبادل بين
الداخل والخارج، وحوار متصل مع الأشياء والآخرين"(26).
لقد
حث الدين الإسلامي في غير ما مناسبة على إطلاق العنان للملكات
الإبداعية مشيدا بدور العقل في حصول الإبداع وإحداث فعل النهضة وخدمة
العمران البشري, وقد ظهرت في هذا الجو المفعم بالحرية عبقريات علمية
نبغت في مختلف صنوف المعرفة الإنسانية,وأصبحت منارات هادية ونماذج
مضيئة امتد إشعاعها العلمي ليغمُر العالمين.
ورغم أن شرارة الإبداع حينما تنبجس في ذهن المبدع تجعله أكثر حرصا
وتصميما على تحقيقها,فإن جذوة هذه الإشراقة العقلية قد تتعرض للمحاصرة
في جو يسوده التوجس من تنامي روح البطش وعدم القبول بالتعددية الفكرية
وغياب ثقافةالإختلاف ,كل هذه المُثبطات قد تجعل وهج الإبداع يخفُت
وتنطفئ شُعلته بالتدريج.فتاريخ العلوم خير شاهد على ذلك الصراع الدامي
بين التقليد والتجديد, بين الإبداع والاتباع,حيث يتراجع مد الإبداع
وينحسر عطاء المبدعين كلما أُلجمت حرية الرأي وساد الظلام الفكري وطغى
الاستبداد السياسي.
ونترك الفرصة لهذا العالم كي يروي بنفسه طبيعة المأساة الناجمة عن كبح
الفكر عن الإبداع أو فرض الوصاية عليه وإرغامه على التفكير في قفص محدد
سلفا يقول غاليليو:من ذا الذي يستطيع أن يشك في أن أسوأ حالات الفوضى
سوف تحدث عندما تضطر العقول التي خلقها الله حرة أن تخضع بعبودية إلى
إرادة خارجية؟عندما يُطلب منا أن نُنكر حواسنا وأن نُخضعها لإرادة
الآخرين؟عندما يُنصَب أناس مجردون من أية كفاية حكّاما على الخبراء
المتفوقين,ويُمنحون السلطة ليعاملوهم كما يشاءون؟هذه هي المستحدثات
الكفيلة بأن تُسبب خراب الشعوب وتقويض الدولة(27).
إن
هؤلاء الذين يتحكمون في مصائر الناس ويجثمون فوق رقاب المتفوقين
ويحرمونهم من الاحتفال بنجاحهم- ومثلهم كُثر في البيئة العربية اليوم
-على الرغم من أنهم أوقفوا غاليليو عن العمل إلا أنهم لم يوقفوا الأرض
عن الدوران وفق ما تقتضيه النواميس الكونية, ولم يُوقفوا عجلة
التاريخ,ولم يُعطلوا مسار تقدم البشرية بمساعيهم الخائبة,بل أن هذه
الكوابح كانت حافزا –في بعض الأحيان-على مضاعفة الجهد وتحقيق انتصارات
علمية باهرة.
ولعل نظرة فاحصة لبيئة التعليم في العالم العربي عموما تقودنا إلى
الاستنتاج بأنها بيئة كابحة للإبداع مكافئة للامتثال,ولذلك فلا غرابة
أن نجني إلا ماز رعنا,فجيل الشباب في غالبيته ينشأ مجبولا على حب
الطاعة والانقياد مُؤْثرا للهدوء والسلامة خاو من شعلة الإبداع خائر
العزيمة يستجدي الحلول لمشكلاته ويستأنس بالسهل الذي يأتي دون عناء
وتفكير يستقبل مايرداليه من أفكار وكأنها مُسلمات لا تستدعي إعمال
الفكر فيها لسان حاله يردد أن ليس في الإمكان أبدع مما كان.
إن
الجامعة كمؤسسة استراتيجية في المجتمع تحدد خياراته وتضبط مساره،لابد
أن تكون خياراتها واضحة غير ملتبسة وأدواتها قادرة على معاينة أمراض
المجتمع وتشخيصها ووصف العلاج الملائم لها،لكن أن تصبح الجامعة نفسها
مكبلة بجملة من العوائق،عرضة لشتى الأوصاف،جسدا منهمكا بالأمراض
والأدواء ولا أحد يحرك ساكنا وربما تجد من يدعو إلى اجتثاث ما تبقى من
مخايل الحياة فيها وإحالتها جثة هامدة لا روح فيها إن هؤلاء الذين
يريدون قلب الحقائق وتزييف الوقائع والعبث برموز المجتمع يسيرون بالأمة
نحو المجهول ويعاكسون عجلة التاريخ "بل يعرضون أمن - مجتمعاتهم-
ووحدتها واستقرارها لأفدح الأخطار ويبددون رأسمالها البشري الذي لا
يعوض مع ما يعنيه ذلك من معاطب استراتيجية تطال الناشئة والأجيال
المقبلة،ولن يكونوا هم أنفسهم ولا أمن سلطانهم واستقراره، في منأى عن
شظاياها "(28).
إن
أولي الأمر في المجتمعات العربية مطالبون بالتكفير عن ذنوبهم التي
اقترفوها في حق الأجيال الحاضرة بإعادة النظر في الأساليب التربوية
الراهنة,والاستعاضة عنها بأخرى تُذكي خيال المتعلم وتنمي لديه حاسة
النقد والمُساءلة وتزرع في نفسه الثقة في إمكانا ته وتشجع ملكاته
الإبداعية,وتربي فيه ثقافة النضال المستميت من أجل الانتصار للحقيقة
العلمية.فلو أردنا حقا مشاركة العالم في إنتاج المعرفة لوجب علينا قبل
كل شيء,أي قبل بناء المختبرات ومراكز البحوث خلق مناخ ذهني وثقافي,قادر
على إفراز متطلبات الإنتاج المعرفي(29).
إننا أحوج ما نكون إلى نظرة علمية راشدة للكائن البشري ,نظرة تكاملية
تبتغي العناية بكل قواه النفسية والعقلية والعضوية حتى ينشأ لدينا
مجتمع متوازن القوى يستعين بكل قواه التي وهبه الله تعالى كي يُسعد
ذاته والآخرين ويُسهم في نهضة أمته ويساهم بإبداعاته في تسلقها مدارج
التقدم والحضارة بكل جدارة.وقد يكون تدريس الإبداع في العلم، مع
التركيز على الشجاعة العقلية أكبر قيمة من تدريس العلم نفسه.ولاشك أن
الأجواء العلمية المفعمة بالحرية ، والمشبعة بالخيال الخصب ،تكون
أقدرمن غيرها على الخلق والمبادءة في الابتكار، وذلك على حد تعبير "بول
فاليري" الذي يقول : إننا ندخل المستقبل من مؤخرته،فخيال اليوم هو
تكنولوجيا الغد.
5- ما الذي يمكن
عمله لتجاوز الوضع القائم وإنعاش البحث والإبداع في جامعاتنا ؟
بالنظر الذي المكانة الرائدة التي يضطلع بها البحث العلمي،كدعامة
أساسية من دعامات التنمية في المجتمع المعاصر،فإن الاهتمام بترسيخ
تقاليد البحث ،ورفع قدرات الباحثين،ينبغي أن تحتل الصدارة ضمن أولويات
تثمين دور الجامعة وتفعيل وظيفتها في المجتمع.
·إصلاح الجامعات وتحويلها من مجرد مجمعات تتباهى بالكم من المتخرجين
سنويا في مختلف التخصصات يحملون صكا دون رصيد ،ليُحالواعلى البطالة
والتهميش إلى مؤسسات بحثية فاعلة تخرج المبدعين الذين يسهمون
بمهاراتهم وأفكارهم الخلاقة في النهوض بمجتمعهم في مختلف
الأصعدة.وتوفير الظروف الاجتماعية والفكرية والنفسية التي تتيح المجال
للإبداع والعطاء الفكري، والمنافسة بين الباحثين من أجل تقديم أفضل
الأفكار واستخدامها في معالجة المشاكل التي تعيق تقدم المجتمع وتعطل
نهضته.
·
توجيه عناية اكبر لتكوين الباحثين المهرة القادرين على التعامل وبكفاءة
مع التكنولوجيات الحديثة،ونقل العلم إلى تكنولوجيا، والتركيز على بناء
البنية التحتية الأساسية العلمية والتكنولوجية في مختلف العلوم،التي
تشكل الدعامة الأساسية للنهوض العلمي الشامل.
·
لابد من إعادة النظر في مناهجنا التعليمية، مع إطلالة ثورة المعلومات
وما تحمله من تحديات بحيث تصبح الغاية من العملية التعليمية "لا مجرد
حفظ المعلومات واجترارها، إذ أن تكنولوجيا المعلومات كفيلة بتوفر ذلك،
وإنما تدور أساسا حول مهارات المعرفة العلمية في طرائق الدراسة والفهم
والتساؤل والتنظيم والتفسير، ويعني ذلك التوظيب للعمليات العقلية من
التصنيف، والتبويب، والتحليل، والمقارنة، والتجريب، والتأمل
والنقد...واكتساح روح المغامرة واحتمال التجربة والخطأ(من لا يخطئ لا
يتعلم)، وحل المشكلات وتصميم البدائل، وانتهاء بإبداع أشكال وصور جديدة
مغايرة للصور القائمة أو التنبؤ بنتائج متوقعة تحسبا للمجهول، واستخراج
قوانين جديدة أو تقنيات علمية جديدة "(30).
·ضمان الانتقال المنهجي من الحفظ والتلقين إلى الحوار والتفكير وتنمية
الوعي الناقد والخيال المبدع. الجامعة عليها مسؤولية في عصر النشر
الإلكتروني، تتمثل في تنمية الوعي الناقد، والقدرة على الفرز والتمحيص
المعلوماتي، حتى يكون الطالب محصنا ضد محاولات التوهين الفكري،
والإبهار بهذا الزخم المتلاطم من المعارف دون التأكد من مدى صدقها.
يقول "باولو فريري" إننا نتعلم قراءة الكلمة لكي نتمكن من تعلم قراءة
العالم "وفي مجمل الأحوال كمراكز للبحوث في مجالات العلوم
والتكنولوجيا المعرفة والاتصال وغيرها من التخصصات الحديثة، محدود
للغاية، وهو معني بالكم دون النوعية والتأثير الاجتماعي "(31).
·
ويتوقف التوظيف الفعال للتكنولوجيا في التعليم والتعلم واستخدام شبكة
الإنترنت المحلية والعالمية على تأسيس هذه الذهنية العلمية في التفكير
وتنوع مصادر المعرفة في محيط المدرسة والجامعة، وفي مؤسسات البحث
العلمي، وفي التعلم الذاتي، ومن خلال هذا الجانب في عمق العملية
التعليمية يتسع المجال للتميز والتفوق والإتقان مما يتطلب عالم التنافس
في السوق العالمية المفتوحة "(32).
·
تربية الأجيال على المرونة الذهنية،والانفتاح على آراء الآخرين،والقدرة
على النظر لأي ظاهرة مدروسة من زوايا متعددة وجوانب مختلفة"فالمبدعون
يرون الإيجابيات والسلبيات الموجودة في العمل أو المشروع الواحد ،كما
يفرقون بين المقدمات والنتائج ، وبين الأهداف الكبرى والنهائية وبين
الأهداف الصغرى،التي هي بمثابة وسائل بالنسبة إلى ماهو أكبر منها؛إنه
يملك رؤية مركبة ولينة"(33).فالمرونة الفكرية تجعل الباحث المبدع
،يتعامل مع المعطيات والأفكار بروح غير متصلبة،ويتراجع عم الأفكار
القديمة أو حتى الجديدة إذا أوصله البحث إلى ضعف حجيتها،فالباحث
المتجدد دائما هو الذي يعرض أفكاره ومعلوماته ،كما يعرض معلومات غيره
إلى النقد والمحاكمة الفكرية ووضعها في دائرة الضوء ،والحقيقة أن
الأستاذ الناجح هو الذي يُحيي جذوة الإبداع في طلابه، ولا يقتلها،بأن
يكون قدوة لهم في التسامي الفكري نحو الجديد المفيد من الأفكار
والمعلومات.
·
ضرورة مساهمة المؤسسات الحكومية،وغير الحكومية، والمجتمع المدني
،ووسائل الإعلام،في نشر الوعي الاجتماعي بأهمية البحث العلمي والإبداع
الفكري ، ورفع مستوى التقدير للكفاءات العلمية، ،حماية للوطن من نزيف
هذه الكنوز العلمية ،سعيا لتوظيف عطاءاتها الفكرية المتميزة في تحقيق
التنمية والنهوض بالمجتمع. "فلو أردنا حقا مشاركة العالم المتقدم في
إنتاج المعرفة لوجب علينا قبل كل شيء، أي قبل بناء المختبرات ومراكز
البحوث، خلق مناخ ذهني وثقافي قادر على إفراز متطلبات الإنتاج
المعرفي... "(34). فالفيض الإبداعي لايلد إلا في بيئة خالية من القيود
وإعاقات الكشف والابتكار.
خاتمة:
التخلف ليس عقيدة ثابتة لاتقبل التغيير،بل إنه حالة عابرة.وقد استمر
التخلف في إقامته المريحة في بلداننا؛ لأننا لم نغير حتى اليوم من
تفكيرنا باعتبار البحث العلمي عصارة العلم، وثمرة التفكير، ودرب
الإبداع والتميز،فما زالت بلداننا تعتبر البحث العلمي من المشاريع
الكمالية ،إن لم نقل الهامشية التي تخصص لها أقل نسب الميزانيات ،ولا
يُصرف في سبيلها إلا الجهد اليسير. وحتى يتسنى لجامعاتنا النهوض
القيام بمهمتها الريادية في التنمية والنهوض العلمي والثقافي بالمجتمع،
عليها أن تتحول من جامعة مستهلكة لمنتجات الآخرين ،إلى مصنع يحقق
الاكتفاء الذاتي من خلال الفعل الخلاق والنشاط المبدع والبحث العلمي
الدءوب الذي يكشف تباعا عن الجديد، والمساهمة في نفض الركود والرتابة
عن حياة مريديها ببعث الحيوية فيهم ،وجعلهم أنوية لبث روح النضال
العلمي في المجتمع،وجعله يعيش ديناميكية وحيوية دائمة تأنف السكون،
وتحلق في فضاءات الخلق والإبداع،تلكم هي الجامعة التي تملك الحاضر
وتقرأ المستقبل وتصنع النهضة بجهود أبنائها وطاقاتهم، ودون ذلك ستكون
جزءا من مخططات الآخرين،ووقودا رخيصا لمشعل العولمة الذي يطوف جائلا
بكل الآفاق .
........................
(*) قسم
الاجتماع- جامعة تبسة ،الجزائر
المراجع:
......................
1- تيسير
الناشف،السلطة والحرية الفكرية والمجتمع،المؤسسة العربية للدراسات
والنشر،بيروت،ط1 2001،ص100.
2- نخلة
وهبة، رعب السؤال وأزمة الفكر التربوي،مركز المطبوعات للتوزيع
والنشر،بيروت، ط2001، ص92-93.
3 -M,
Doganet R,Pahre,L' innovation dans les Science Sociales:Maginalite
Creatrice,puf Paris,1991,p28.
4- عبد
المالك خلف التميمي،التعليم الجامعي والتنمية في منطقة الخليج العربي،
مجلة الباحث،س07،ع40،دار الباحث بيروت،أكتوبر- ديسمبر،1985،ص54.
5-عبد
الحميد أحمد رشوان،التربية والمجتمع،المكتب العربي
الحديث،الاسكندرية.القاهرة.2002 .ص60.
6-
سمير سليمان،الجامعة وجدلية العلاقة بالمجتمع والسلطة.
http://www.mowaten.org/society/teaching/7-04//teaching-7-02.htm,p01.
7- حامد
عمار، العرب وجامعاتهم...رؤية مستقبلية، العربي،ع551 ،وزارة
الإعلام،دولة الكويت، أكتوبر2004 ،ص25.
8-
المرجع نفسه، ص24 .
9- محمد
عبد الشافي القوصي ،الجامعات الإسلامية في وجه العاصفة!!(تحقيق)، منار
الإسلام371،س31،وزارة العدل،دولة الإمارات العربية المتحدة،ديسمبر2005،
ص42.
10-
تيسير الناشف ، المرجع السابق،ص20.
11-
فاروق الباز، العرب وأزمة البحث العلمي، مجلةالعربي،ع547 ،دولة
الكويت.جون2004 ،ص19.
12- محمد
العربي ولد خليفة،المهام الحضارية للمدرسة والجامعة الجزائرية،ديوان
المطبوعات الجامعية، الجزائر،1989،ص186-187.
13-
فاروق الباز، المرجع السابق ،ص16.
14- نجيب
بن خيرة،الطالب الجامعي بين رؤيتين، العقيدة ع81 ،مؤسسة النصر للصحافة،
قسنطينة، الجزائر، 18/03/1992 ،ص03 .
15- محمد
الصيرفي، تكوين العقلية الإبداعية،المجلة
العربية،س30،ع346،الرياض،ديسمبر 2005، ص117.
16- نخلة
وهبة، المرجع السابق، مركز المطبوعات للتوزيع والنشر،بيروت، ط2001،
ص91.
17- نخلة
وهبة، المرجع السابق، ص17.
18-
المرجع نفسه، ص16.
19-
المرجع نفسه، ص17.
20- محمد
الصيرفي، المرجع السابق، ص117.
21- رؤوف
ابراهيم عبد الخالق,التصاميم التجريبة في الدراسات النفسية والتربوية,
دار عمار -عمان ط1 2001,ص22.
2022-H,Gardner,Art,Mind,and Brain, New York: Basic Books
Inc.publsher,1982,p353.
23-S.M.Kheiralla,The Reletioship Between creativity and
Intellignce.p28-29.
نقلا عن
النجيحي محمد لبيب وآخرون,بحوث نفسية وتربوية , عالم الكتب
القاهرة,ص05.
24-لودان
لاري, مدخل إلى حل مشكلات التقدم العلمي.في الثورات العلمية,تحرير
إيان هاكنج,ترجمة نفادي السيد, دار المعرفة الجامعية,الإسكندرية
القاهرة,1996,ص225.
25-
تيسير الناشف,المرجع السابق,المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت,ط1
2001,ص97.
26- حسام
الخطيب ورمضان بسطاويسي محمد،آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر
المعلوماتية،دار الفكر دمشق،دار الفكر المعاصر بيروت،ط1 2001،ص66-67.
27- بري
رالف بارتون,إنسانية الإنسان, ترجمةالجيوسي سلمى الخضراء, مؤسسة
المعارف، بيروت,1961,ص15.
28- سمير
سليمان،الجامعة وجدلية العلاقة بالمجتمع والسلطة.
http://www.mowaten.org/society/teaching/7-04/teaching-7-02.htm,p10.
29- نخلة
وهبة,المرجع السابق,شركة المطبوعات بيروت,ط1 2001,ص15 .
30- حامد
عمار، نحو تعليم المستقبل، العربي، ع494،وزارة الإعلام ،دولة الكويت
،جانفي2000 ،ص34-35.
31- حامد
عمار، العرب وجامعاتهم...رؤية مستقبلية، المرجع السابق،ص22 .
32- حامد
عمار، نحو تعليم المستقبل، المرجع السابق، ص55.
33- عبد
الكريم بكار،بناء الأجيال،كتاب البيان،سلسلة تصدر عن مجلة
البيان،الرياض ط1 2002،ص93.
34- وهبة
نخلة، المرجع السابق، ص15.
...................................
المصدر :
مجلة علوم انسانية
www.uluminsania.net السنة الرابعة: العدد 30: ايلول
(سبتمبر) 2006 - 4th Year: Issue 30, Sep:

|