|
الاثنين:
12/11/2007
العلم والنظرية الاحتمالية
د. جميل قاسم
قامت النهضة الغربية، تاريخياً، على قاعدة العودة إلى القديم اليوناني في
تأصيل النظرة إلى الكون والطبيعة والإنسان، واستطاعت أوروبا خلالها تأسيس
حداثة عقلية مهدت للحداثة على كل أصعدة الوجود، فـاُعيد الاعتبار للفلسفة
كبحث بالموجود كما هو، واكتــُشف المنهج العلمي، واستـُبدلت المعرفة
المدرسية بنمط جديد من المعرفة الأنطولوجية ـ العلمية. وترتب على كل هذا
بروز مفهوم جديد للإنسان، والحق، والآداب Ethique. كيف حدث أن أسست
النهضة الغربية حداثتها على التجربة اليونانية، فيما عجزت النهضة العربية
الإسلامية الأولى التي سبقتها بالعودة إلى علوم القدماء عن الانتقال من
طور النهضة إلى طور الحداثة؟ على هذا السؤال الصعب إفتراض أولي مفاده أن
الشرط السياسي لم يتضافر مع الشرط الفكري، مع الشرط العلمي، وإلا لو تطور
فكر المعتزلة، والفكر الفلسفي، والتجريبية العربية، أما كان من شأن هذه
التيارات أن تؤدي إلى حداثة في الوعي تؤدي بدورها إلى حداثة أنطولوجية
علمية ـ شاملة؟ هذه المسألة التي تتطلب ولا ريب جهود ثلة من الباحثين
لإضاءة جوانبها سنحاول تسليط الضوء على أحد جوانبها (مباشرة الطبيعة) في
معرض دراستنا للنظرية العلمية الحديثة، من النظرية التجريبية وحتى
النظرية الاحتمالية وهي آخر منجزات العلم الحديث. ظهرت بوادر مباشرة
الطبيعة في الفكر العربي ـ الإسلامي أول ما ظهرت مع جابر ابن حيان في
بداية القرن الهجري الثاني. ورغم تأثر ابن حيان بالمدرسة الفيتاغورية،
وهي مدرسة تقوم فلسفتها على العدد، كمعطى جوهري، واقعي، فإنه أكد، على
إمكانية مباشرة الطبيعة وتحويلها بتوطيده لعلم الكيمياء (الذي درسه على
الإمام جعفر الصادق) وفوطد بذلك بداية المنهج العلمي، والمنهج الإسمي
المترتب على تطبيقاته.
رأى جابر في طريقته العلمية الواحدية Monisme أن في الأشياء كلها وجود
للأشياء كلها وأن أسرار الطبيعة قد تمتنع على الناس لأحد سببين، فإما أن
يكون ذلك لشدة خفائها وعسر الكشف عنها، وإما أن يكون للطافة تلك الأسرار،
غير أن لا صعوبة الموضوع، ولا لطافته، أي دقته، تحول دون مباشرة الطبيعة.
والعلم بنظره يصل إلى ما بعد الطبيعة فكيف لا يصل إلى الطبيعة؟ أما
الكيفية التي يصل بها العالم إلى الطبيعة فهي عن طريق إخضاع المركبات
لمبدأ الدُربة (التجربة).
بعد جابر بن حيان دعت المعتزلة بدورها إلى نظرية طبائعية تؤكد في مجال
الطبيعيات على وجود الفعل الإلهي المحايث في نواميس الطبيعة، وكانت
الحركة الديناميكية أساس ومحور هذه النظرية، وتقوم بدورها على مفهوم
التولـّد(السببية). وإذا كانت نظرية المعتزلة الطبيعية جوهرية الطابع
بمنحاها العام، فإن بعض مفكريها كالكعبي وهشام بن الحكم قد أنكروا ثنائية
الجوهر والعرض، وردوا الظاهرة الطبيعية إلى الجسم أو الجسمية.
الاستدلال والاستقراء
وكانت النظرة الماهوية في مجال الطبيعيات قد طغت كامتداد للنظرة الماهوية
في الفلسفة المتأثرة بالفكر اليوناني. فكان الفارابي، مثلاً، قد وضع حداً
منطقياً بين الجوهر والوجود، ورأى أن الوجود موضوع عارض له (أي للجوهر).
وهو التمييز الذي تبناه ابن سينا بعده، بين الكائن الواجب الوجود،
والكائن الممكن الذي لا يوجد بذاته، بل بغيره..
وقد سار الفلاسفة على نهج أرسطو في الانتقال من العام إلى الخاص، وهو
منهج قياسي تكون المقدمات فيه أعم والنتائج أخصّ. وأرسطو كان يتجاوز
المُشاهد من الظواهر إلى التعرف على ما وراءها بغية الوصول إلى المبادئ
الأولى، وهي نظرة غائية الطابع، والعلم بالطبيعة وفق النهج الأرسطي يقوم
على العلم بالعلل والمبادئ الأولى، لذلك كان البحث يقوم على التقدم من
العام إلى الخاص، من الكليات إلى الأفراد، أي على الإستدلال، وليس من
الخاص إلى العام، أي على الاستقراء. وقد اهتم الفلاسفة المسلمون، في مجال
الطبيعيات، بهذا النهج الغائي، واعتمدوا في بحوثهم الطبيعية مبدأ
العليـّة، واعتبروا العلل أربعة صورية ومادية وفاعلية، وغائية، وهو تقسيم
أرسطي الأصل.
والعقل اليوناني الذي كان له شأن كبير في الهندسة والمنطق وما بعد
الطبيعة، كان بطبعه وشأنه عقلاً إستدلالياً واستنباطياً. والاستدلال هو
عملية منطقية تصدر فيها النتائج عن مقدمات معلومة ومسبقة. وهو بعكس
الاستقراء، العملية المنهجية التي تنقل من الخاص إلى العام، من الجزئيات
إلى الكليات، وتكون النتائج فيها بعدية.
والبحث العلمي وفق المنظور المنهجي الأرسطي هو بحث في ماهيات الأشياء
والصفات الجوهرية المقومة لها، بغية التوصل إلى المبادئ والتعريفات
المستنتجة من القياس المنطقي المجرد، بهدف التوصل إلى الوضوح والبيان
الذاتي Self-evidence، أي هو بحث في القضايا البينة بذاتها بواسطة
البرهان. وتكون القضايا والنتائج مستضمرة في مقدماتها، إذ المنطق هو بحث
في الكليات، وليس علاقة مباشرة بين الكليات والجزئيات، بين العقل
والظاهرة. والقياس أساس التفكير العلمي في المنطق اليوناني عند أرسطو، أو
الهندسة عند إقليدس أو الطب عند أبو قراط الخ.
وقد تأثر العرب بهذه النظرة اليونانية بدورهم. ونحن نجد ابن سينا في
الشفاء، مثلاً، يسير في تقسيم موسوعته على منهج أرسطي معروف، وذلك فيما
يتصل بقسمة العلوم الفلسفية النظرية إلى طبيعية ورياضية وإلهية
أوميتافيزيقة.
وفي رياضيات الشفاء يبدو أنه يربط الحساب بالفلسفة، جرياً على تقسيم
العلوم النظرية الذي يصعد إلى أرسطو. وهو يتطرق إلى الحساب في كتاب
المقولات، بل ويتطرق له أيضاً في كتاب الإلهيات أو الميتافيزيق. وفي
اختصاره لكتاب الإسطقسات لإقليدس فإنه كان يبحث «عما يفيده في الاستدلال
وينفع في البراهين»(1).
والكتاب الذي اختصره ابن سينا ويدعى كتاب «الأصول» كان إقليدس قد وضعه
حوالي سنة 300 قبل الميلاد، ويتضمن القضايا والأشكال الأساسية (الأصول)
في بحوث الهندسة، والعدد، وكان قد رتبها ترتيباً شاملاً، ودمج فيها أراءه
وآراء الأقدمين في نظام منطقي كلـّي. وقد كان لهندسة إقليدس كما هو معلوم
أثر عميق في تاريخ الرياضيات عامة والهندسة خاصة، طيلة القرون الوسطى،
وحتى العصر الحديث، من حيث الأهمية التاريخية للهندسة الإقليدية. وقد
تأثر العرب بالهندسة الإقليدية كما تأثروا بالمنطق والميتافيزيق اليوناني.
وعلى العكس من جابر بن حيان الذي اكتشف في بواكير التاريخ الإسلامي
المنهج الإختباري، وأكد على إمكانية مباشرة الطبيعة، فقد نفى الفلاسفة «المنطقيون»
كالكندي، وابن سينا، متأثرين بالنظرة الماهوية اليونانية، إمكان تحويل
الطبيعة وحاول ابن سينا أن يقيم الحجة على بطلان علم الكيمياء، الذي أسسه
جابر بحجة ثبوت جواهر الأشياء وعرضية الصفات المحسوسة المتعلقة بها.
وكذلك رأى الكندي، قبله أنه من المستحيل أن يأتي الإنسان بأشياء مماثلة
لأشياء الطبيعة الفريدة(2). غير أن الحسن بن الهيثم أدرك في وضعه لعلم
المناظر مبدأ الاستقراء بمغزاه الحديث. وشرح منهجه في البصريات بأنه
النظر في المبادئ والمقدمات، باستقراء الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات،
وتميز خواص الجزئيات، فمهد بذلك للتجريبية الحديثة.
وقد ميز ابن الهيثم بين دور العالم الطبيعي في تقرير ما هو واقع بالفعل،
ودور التعليمي (الرياضي) في تبرير الظواهر الطبيعية. فالنظرية العلمية
عند ابن الهيثم هي شرح وتفسير للعلاقة بين الظواهر الطبيعية في الواقع
الموجود، أي على ما هي عليه في الواقع المعطى. ويلي ذلك، من ثمة، جمع
الحقائق المُشاهدة، وتبويبها، وترتيبها، للبحث عن العلاقة العامة التي
تربط بين الحقائق، أو القانون. وبعد الوصول إلى القانون والنتائج
المستنبطة التي تعود إليه، يتم البحث عن صحة النتائج ومطابقتها للواقع
بالتجربة بواسطة التمثيل Analogy بقياس الغائب على الشاهد.
ويشق ابن الهيثم طريقاً خاصاً بين التعليمين (الرياضيين) والتجريبيين
يقوم على استئناف النظر في المبادئ والمقدمات، بعد البحث باستقراء
الموجودات وتصفحها، وتمييز خواص جزئياتها لالتقاط ما هو مطرد لا يتغير
وظاهر لا يختلط بالأحاسيس الذاتية ويشتبه بها. وينبّه ابن الهيثم على
ضرورة التدرج والترتيب مع انتقاد المقدمات والتحفظ من الغلط في النتائج.
وقد قام اكتشاف المنهج العلمي في الغرب والعودة إلى الطبيعة عبر هذا
النمط من المعرفة الاختبارية. والمنهج العلمي عند فرنسيس بيكون، رائد
المنهج التجريبي في العصر الوسيط، في كتابه الأورجانون الجديد Novum
Organum عبارة عن صورة مماثلة للمنهج التجريبي العربي الذي تأثر به واطلع
عليه. وبيكون يبدأ بمرحلة يسميها التاريخ الطبيعي، وفيها يشرع في جمع
الشواهد التي لها صلة بالظاهرة بغية الكشف عن قانونها. ومن ثمة يعمد إلى
تبويب الشواهد في جداول الحضور، والغياب، والمقارنة. ومن ثم يعمد إلى
منهج الحذف أو الاستبعاد، ويقوم على تأييد قانون ما باستبعاد قوانين أخرى،
وصولاً إلى القانون أو العلة، والوصول إلى العلة الأولى عند بيكون يتأتى
إليه عبر ما يسميه بالمقدمات المتوسطة Axiomata media وهي ما معناه
التوصل إلى القضايا والقوانين العامة، عبر القضايا التي هي أقل عموماً،
أي عبر التجارب البسيطة، المخصوصة، الإبتدائية، المتوسطة بين الخاص
والعام. وطريقة بيكون في الصعود من القضايا المخصصة إلى أعم القضايا،
مروراً بالمقدمات المتوسطة تقوم على حركتين إحداهما استقرائية، والأخرى
استنباطية، وهذا هو جوهر المنهج العلمي التجريبي.
إن التعارض بين المذهبين الاستنباطي، والاستقرائي في نطاق المناهج، وهو
الوجه الآخر للتمييز الكلاسيكي بين المذهب العقلي، والمذهب التجريبي في
نظرية المعرفة، علامة من علامات التمييز بين ذهنيتين تميزان العقل البشري،
والعقل العلمي على نحو خاص. فأنصار المذهب العقلي الاستنباطي يولون
الأهمية، عادة، للفروض والقضايا، فتظهر التجربة عندهم كتأييد للفرضية.
وأصحاب المذهب التجريبي الاستقرائي يولون الأهمية للظاهرة في صياغة
الفرضية العلمية. وأصحاب الاتجاه الأول تحليليون، وأصحاب الإتجاه الثاني
تركيبيون. أصحاب الاتجاه الأول يؤكدون على أولوية المواضعة في العلم،
باعتبار القانون إتفاقي، قـَبلي، بينهما يؤكد التركيبيون على دور
المشاهدة وعلى القانون باعتباره قانون بَعدي. وواقع الحال أن العلم يقوم
على كلا الأمرين، والتحليل الرياضي يقيم التماثلات المطردة القائمة بين
الأشياء. والمنطق والحدس لهما دورهما في هذه العملية. فالمنطق أداة
البرهنة. والحدس أداة السَبر والإبداع.
في الغرب، جوبه أورغانون أرسطو، بمنطق تجريبي جديد هو الأورغانون ـ
الجديد الذي يقوم، كما ذكرناه على ترتيب العلم أصولاً وفروعاً، بناء على
التجربة والإمتحان، أو إعادة التجربة، فقامت النهضة الأوروبية، كحداثة
عقلية، ممهدة للحداثة على كل أصعدة الوجود، مع سيادة النزعة الإسمية التي
تؤكد على الصفة الإسمية للكليات، وعلى وجودها الذهني وليس العيني، ومع
استبدال المعرفة المدرسية بنمط من المعرفة العلمية. وترتب على ذلك مفهوم
جديد للكون، أساسه العقل. وإذا قام عصر النهضة على سيادة مفهوم التجريب
فإن عصر الأنوار سيؤكد على التقنين الرياضي وعلى سيادة الأنظمة الفلسفية
والعلمية التي تنطلق فيها المعرفة من المبادئ الأولية القائمة على
الاستدلال. وكرد فعل على السستمة الفكرية والعلمية تقيم الفيزياء
النبوتونية التحليلية الاعتبار للظواهر في مكان الاصطلاح الأكسيومي.
لكنها ترسّخ في مقام التقنين الرياضي نمطاً آخراً من التقنين والعقلنة
للكون والطبيعة يقوم على قوانين رئيسية كالسقوط الحر Chute libre وقانون
الحركة الإركاسية Centrifuge (قانون الفعل ورد الفعل)..
النظرية الإحتمالية
ظلت النظريات العلمية الغربية الحديثة تستند ـ إضافة إلى الديناميك
النيوتوني ـ إلى جملة من المبادئ كمبدأ العليّة، والخطيّة، والغائية،
والحتمية، باعتبار هذه المبادئ ضرورية ومطابقة. وتوصل العلماء إلى وضع
معادلات «نهائية» تقوم على الرياضيات، والهندسة، والديناميك الكلاسيكي.
بيد أن تطور العلوم في العصر الحديث، مع بروز نظريات جديدة، كالنظرية
الكوانتية، ونظرية النسبية العامة قد وضع المبادئ الفيزيائية الكلاسيكية،
وعلى رأسها مبدأ العليّة والحتمية موضع النقد. وقبل نظرية النسبية كان
العلم ينظر إلى الظواهر نظرة جامدة فهي، دائماً وحكماً، إما متقدمة، وإما
مصاحبة، أو متقدمة أو متأخرة. فجاء أينشتين فأكد عدم خضوع الظواهر لزمان
موضوعي واحد، باعتبار الظاهرة نسبية، تبدو في حالة مصاحبة تارة، وفي حالة
متعاقبة طوراً، بحسب شروط المكان أو الوضع أو السرعة.
والعقل، عند برغسون، لا يعطينا إلا نظرة متقطعة عن الأشياء والعالم. ولغة
المعرفة ليست متطابقة مع الحياة والواقع. والعلم يضع العلامات والفرضيات
فيما حقائق الأشياء حقائق سيّالة في الديمومة. وعلوم العالم الخارجي من
هذه الوجه وليدة الكم، وهي تحتاج إلى علاقات ثابتة، يمكن قياسها، وإلى
أرقام وأشكال، وإلى مكان فيزيائي. أما الحياة الداخلية فتجهل الكم
والمكان، ومجالها هو مجال كيفي والزمان الداخلي ليس هو هو الزمان
الفيزيائي، الزمان الموضوعي، زمان المزولة والساعة. وعند هنري بوانكاريه
الزمان معطى قبلي.. والدليل أن قياس الزمن يبين أن الحوادث الشعورية
متصلة إلى درجة أن التحليل الذي يسعى إلى فصلهما لا يتم له هذا الإ
بتشويه نظامها الكلي. والإدراك الظواهري، عنده، يؤكد على الإدراك الكلي
بعيداً عن أي تجزيء منطقي وعن أي تحليل هندسي. والزمن النفسي كيفي، بينما
الزمن الفيزيائي كمي.
والمكان، هو عبارة عن متصل رياضي لا نهائي، بينما نحن كبشر لا نتصور إلا
المتصلات الفيزيائية المتناهية، والتجربة تعطينا صورة تمثيلية عن المكان،
والمكان الهندسي مكان قبلي حيث لا وجود للمكان المطلق. والقواعد
والتعريفات والمصادرات السائدة في مجال الفيزياء بحاجة إلى المراجعة
وإعادة النظر، باعتبارها قواعد تقريبية ونسبية. وقياس الزمن على سبيل
المثال يؤكد على تساوي مدتين منفصلتين قياساً على دقات البندول أو حركة
الساعة، غير أن الضغط الجوي، ناهيك عن أسباب كهربائية ومغناطيسية قد
تتدخل فتحدث تشويشاً واضطراباً في الحركة. كما أن اليوم الفلكي، أي مدة
دوران الأرض حول نفسها، وهي الوحدة الثابتة لقياس الزمن، ليست متطابقة مع
حركة الساعة فالمد والجزر والعوامل الطبيعية الأخرى تؤثر على الحركة
الحقيقية للأرض، مع ثبات العلامة الزمنية في الآلة المستعملة لقياس الزمن
وهي الساعة. وهناك حوادث من طبيعة تزامنية تبطل قانون التعاقب، وخاصة
الحوادث الشعورية التي لا يمكن تطبيق مبدأ العليّة عليها(1).
لقد أحدث تطور العلوم المختصة بالمتناهيات في الصغر Infinitisimal قفزة
معرفية كبرى في القرن العشرين. فقبل ظهور الميكانيكا الموجيّة كان من
المسلم به أن الظواهر في الطبيعة متصلة، فأثبتت أن الذرات تنبعث بنفخات
كوانتية، أي بحزمات من الطاقة غير متصلة. فيما يؤكد العلم أن الإكترون هو
عبارة عن موجة. وأصبح من المعترف به استحالة ضبط الإلكترون بصورة تامة.
وفي حركة الجزئيات نرى أن الحركات تصير أكثير حيوية كلما كانت الجزئيات
أصغر، ونشهد عند محاولة قياسها نوع من «رقصة العناصر»! وهذا يؤكد على
الإحتمالية والنسبية في القواعد المتعلقة بظواهر الطبيعة والكون.
ويتمخض عن هذه الاكتشافات وغيرها اندحار عام للمبادئ العلمية الكبرى،
كمبدأ نيوتن حول تساوي الفعل ورد الفعل، حيث يظهر، بعكس ما ينص عليه هذا
القانون، أن الإلكترونات، وهي كائنات متناهية في الصغر تسبح في وسط
الأثير، وحركات هذه الإلكترونات تنتج تموجات في الأثر المجاور فتنتشر
الإهتزازات في كل الإتجاهات بسرعة الضوء، وتأثير الإلكترونات بعضها
بالبعض الآخر يتم عبر الأثير، وفي هذه الحالة لا طائل من الحديث عن فعل
ورد الفعل إلا في نطاق المراقب والمشاهد الذي يطرح عامل الأثير من
المعادلة.
كما أن مبدأ العليّة التقليدي تدحضه ظاهرة الأثير الهبائي، فمن خصائص
الأثير الهبائي المفعول الواحد الواسع الانتشار بالنظر إلى الطابع
الاتصالي لحركته. وهذه المسألة من الخطورة بمكان أنها وضعت مبدأ النسبية
نفسه موضع النقد. فمبدأ النسبية ينص على قياس الزمن بالحركة مضاعفة
بالسرعة. وفي حال قياس سرعة الأرض على سبيل المثال، فإننا في الحقيقة لا
نقيس حركة الأرض المطلقة، وإنما سرعتها بالنسبة للأثير. والحال أن تجارب
الفيزياء التجريبية أكدت على فشل محاولات قياس سرعة الأرض بالنسبة
للأثير، وهكذا أصبحت نظرية النسبية هي بدورها نسبية!
والنظرية الكوانتية ترى، كما سبق القول أن هناك حداً لدرجة الضبط والدقة
لتحديد موقع أو سرعة أو حجم ظاهرة ما. ما يعني أن هناك إمكانية لبروز
ظاهرات عرضية بالفعل. فأبعاد نواة الذرة هي من الصغر بمكان والطواعية
بحيث تظل قياسات هذه الأبعاد، بالضرورة، مفتقرة إلى الدقة، وقوانين حركة
الجزئيات هي قوانين معلومة، ولكن هذه الجزئيات لا يمكن قياسها قياساً
مطلقا، والتكهن أو التوقع بصددها، بسبب طابع ذبذباتها الخاص وهو من طراز
الحركة البراونية، أي الحركة المتفلتة على القياس التام، مما يؤكد على
الطابع المدرحي (المادي ـ الروحي) للمادة. ولا يعد يكفي، وفق هذا الرأي
قول إينشتاين بوجود علاقة تكافؤ بين المادة والطاقة، بل إن كل شيء هو
طاقة. ومن هنا العودة إلى النظرية الشرقية، التي تفيد بأن الكون واحد
متحد وأن الكل يتضمن في الكل، بنظر علماء النظرية الكوانتية..
والفيزياء الكوانتية تؤكد بأنه لا توجد جسيمات تامة التفرد، منعزلة،
ومستقلة، فالجسيمات ليست سوى موجات إحتمالية. وكل جسيم هو عبارة عن
فاعلية نشيطة في علاقة وثيقة مع بقية أجزاء الكون كله. ويتألف العالم
المادي من شبكة التفاعلات المتبادلة بين العناصر. وهذه العناصر موجودة في
حقول وهذه الحقول تمتلك وحدها صفة الجوهرية، وفيها تتركز الطاقة. وبناء
على ذلك فوجود المادة هو وجود سيال في ديمومة خالصة، وبالتالي فإن مفاهيم
الزمان والمكان والسببية هي مفاهيم تقوم على المواضعة، ولا يوجد مفاهيم
للزمان والمكان والسببية منفصلة إلا في الوعي الخارجي. وهذا ما يؤكد على
مبدأ اللاإنفصالية والتلاحم بين الكائنات والأشياء «يوجد جسيم ما لأن كل
الجسيمات موجودة أيضاً» ـ على حد تعبير العالم نيكولسكو. وقد ثبت مبدأ
اللاإنفصالية بفضل العديد من التجارب التي اُجريت في فرنسا واليابان.
وإلى جانب الفيزياء الكوانتية، تؤكد البيولوجيا السيستمائية Biologie
systemique المتأثرة بالنظرية الأولى بأن الكون عبارة عن وحدة عضوية عامة
كالحي الأكبر. وتؤكد هذه النظرية بأن الكون عبارة عن حقيقة واحدة تشمل
الكائنات، تقوم على الحياة والحركة الكلية Holo mouvement وهي حركة خلق
وإبداع غير سببية، ولا زمانية، ولا خطية إلا إذا قسناها إلى الوعي الذي
يجد هذه المبادئ فيها. وهذا المفهوم الحيوي والمدرحي لوحدة الكون يلتقي
مع الفلسفة الهندية حيث وحدة الكائنات جوهر الوجود، وحيث الألوهية هي تلك
الأنا الجوهرية(2) للكائن الأصغر والكائن الأكبر ولبقية الكائنات في وحدة
الوجود في علاقة رحمانية تتكافئ فيها الضرورة والحرية.
الهوامش
ـــ
(1) انظر هنري بوانكاريه، قيمة العلم، valeur de la science ترجمة
الميلودي شغموم. دار التنوير، بيروت، 1982م، الفصل الثاني: قياس الزمن.
(2) كمال جنبلاط، فيما يتعدى الحرف، الدار التقديمية، الطبعة الثالثة،
آذار ـ 1987م : 55.
المصدر: مقدمة نقد الفكر العربي من الماهية إلى الوجود، دار ومكتب
الهلال، بيروت 2003م
|