الحضارية «الوعي البحثي»
 
التفكير العلمي دالة للتغير

الدكتور فاروق السيد عثمان(*)

مقدمة
ي
عتبر نمط التفكير العلمي من الأنماط شائعة الاستخدام في حل المشكلات التي تصادفنا في الحياة. وإذا كانت الحضارة الإنسانية تدين بتقدمها إلى شيء فإن هذا الشيء هو التفكير العلمي المنظم الذي مارسه العلماء في شتى العلوم. وأعتقد أن التفكير هو موضوع الساعة في العالم العربي؛ لأنه الرهان على التقدم الذي سوف يقودنا إلى القرن القادم. والتفكير العلمي ليس حشداً من المعلومات أو المعرفة أو طرائق البحث، وإنما هو طريقة في البحث المستند إلى تجربة أو دليل بهدف التعرف على الأسباب الحقيقية للمشكلة. ويمكن للفرد أن يكتسب هذا النمط من التفكير إذا تدرب عليه ومارسه في حياته.
والتفكير العلمي لم يأت من فراغ بل جاء بعد تطوير الفكر الإنساني، حيث يعتقد كل من «جون ديوي» و«أرثر بنتلي»(1) أن التفكير الإنساني تطور من خلال ثلاثة مراحل يمكن رصدها في الآتى:

المرحلة الأولى: مرحلة الحركة الذاتية Self-action
تتميز هذه المرحلة بسمتين أساسيتين هما:
1 - إن الإنسان قام بتفسير الظواهر الكونية (مثل الزلازل – البراكين – الفيضانات - الصواعق) بمعزل عن غيرها من الظواهر، فلم يدرك العلاقة بين هذه الظواهر بعضها مع البعض الآخر من علاقات، وبالتالي فإن التفكير الخرافي هو السبب لتصور وجود قوى خارقة غيبية مسؤولة عن هذه الظواهر.
2 - يميل الإنسان إلى تصور العالم الخارجي على نحو سببية الأحداث من خلال تصوراته الذاتية. فالإنسان عندما يعوزه الإطار المرجعي الخارجي الذي تعيش فيه الأشياء تصبح ذاته هي إطاره المرجعي. فقد توهم ما يحيط به من كائنات وأشياء على نفس صورته، أي تصور أن لها مظهرها المادي الذي يراه، وان لها الروح التي تنبع في الكيان المادي وتسيره بحسب إرادتها. ومن السهل علينا في الواقع أن نتصور السر في اتجاه الإنسان الأول نحو هذا اللون من التفكير، لقد كانت خبراته محدودة فلم يكن وراءه تراث يستند ويبني عليه بل كانت ممارسة تتم بالعشوائية، ولم يكن تعلم الكتابة ليدون التراث، ولم تكن حياته مستقرة بالشكل الذي يتيح له اختبار أفكاره ومراجعة معتقداته عن طريق الملاحظة. ومع ذلك كان لابد أن يجد تفسيراً للظواهر المحيطة به، وخصوصاً التي كانت تمس حياته.

المرحلة الثانية: مرحلة التفاعل Interaction
ف
ي هذه المرحلة تجمع عند الإنسان قدر هائل من المعلومات والمعارف التي استطاع أن يستخدمها لمعرفة العلاقات بين الظواهر الطبيعية. وأدرك الإنسان أن عملية التفاعل بين الظواهر تحدث كثيراً، فهو اكتشف العلاقة بين السحاب وبرد الشتاء وبالتالي قام بعمل البيوت ليتقي بها من برد الشتاء، واكتشف العلاقة بين النار وهروب الحيوانات وصمم أدواته التي حمته من تلك الحيوانات، ويعد اكتشاف النار نقطة تحول هائلة بل قفزة عملاقة، حيث استخدم النار في طهي الطعام والتدفئة والدفاع بها عن نفسه. والنار مثال واحد، ولكنك تستطيع أن ترى العديد من الأمثلة التي استطاع بها الإنسان أن يجد العديد من العلاقات البسيطة ويقوم بربطها وتفسيرها في مستوى تفكير في الوقت ذاته. وتطور التفكير وبدأ الإنسان محللاً ومتسائلاً عن الظواهر الكونية، وبالتالي فإنه استخدم المنهج التحليلي في دراسة الطبيعة، وقوام هذا المنهج هو محاولة التعرف على كل ظاهرة على حدة، ثم إيجاد التفاعل بين تلك الظواهر.
المرحلة الثالثة: العملية الفاعلية Transaction
و
هي مرحلة حديثة نسبياً في عمر الإنسان. وفي هذه المرحلة بدأ الإنسان يرى أن الكون وحدة متكاملة، وبدأ يدرك استحالة دراسة صفة جزئية بمعزل عن الأجزاء الأخرى، وبدأت النظريات تتوالي لتفسير الظواهر الكونية المختلفة. ومثال ذلك «نيوتن» صاحب «قانون الجاذبية» الذي توصل إلى العلاقة بين سقوط الأجسام وجاذبية الأرض، وكانت نظرية الجاذبية هي ترجمة لتلك العلاقة. لكن تلك النظرية ترى تلك العلاقة من خلال تصورات ثابتة، فإن نظرية «اينيشتين» النسبية جاءت لتسد النقص في نظرية «نيوتون»، ثم جاءت «الكونتم» لتفسير الظواهر الكونية الأكثر تعقيداً والتي فشلت نظرية «اينيشتين» في تفسيرها. وهكذا تطور العلم بتطور التفكير وبتعقد المشكلات.
التفكير الخرافي مقابل التفكير العلمي
إ
ذا كان التفكير الخرافي مقبولاً في مرحلة الحركة الذاتية أو المرحلة الأنيمية التي كانت في بداية الحياة البشرية، فلن يكون مقبولاً في الوقت الراهن. فإن استخدام نمط التفكير الخرافي سوف يخلق فجوة كبيرة بين من يستخدمه بين من يستخدم التفكير العلمي. إن التفكير الخرافي يؤدي إلى تغييب العقل وتحجيم الفكر، وكما يرى «أحمد كمال»(2) أن الفرار من الجهاد بالاجتهاد واصطناع عالم غريب يتقاذف فيه الناس بالنصوص ويحتمون بالسوابق ويفرون من مواجهة الواقع طلباً للسلامة، ومن الفتنة إيثارا للعافية من خلال العزلة والانغلاق، ولقد أثمر تغييب العقل على هذا النحو ثمرتين خبيثتين:
أولهما: نقص المعرفة وفساد منهج التفكير، والعجز عن حيازة العصر وآلة التقدم والبحث.
وثانيهما: انتشار الخرافة وسيطرتها على عقل ووجدان كثير من العرب ورفضهم التعامل مع نواميس الكون وقوانينه، واعتقاد كثير منهم أنهم يستطيعون أن يصلوا للتقدم بغير جهد، وأن يحققوا انتصاراتهم بغير عمل ماداموا يعلنون شعار الإيمان، ولكن ماذا يقصد بالتفكير الخرافي؟
الخرافة بالتعريف العلمي هي: اعتقاد أو فكرة لا تتفق مع الواقع الموضوعي بل تتعارض معه، ولكن ليس كل اعتقاد أو فكرة تتعارض مع الواقع الموضوعي تعتبر من الناحية العلمية خرافة ولكن يشترط في هذا الاعتقاد أن يكون له استمرار، فهو ليس مجرد خاطر طارئ لموقف وقتي، أو تفسير عارض لظاهرة عرضية، بل له وظيفة في حياة من يؤمنون به، ويستخدمونه في مواجهة بعض المواقف وفي حل بعض المشكلات الخاصة في الحياة(3).
وتزداد الخرافة انتشاراً إذا كان الجو الاجتماعي بما يحتويه من معقدات وأفكار يسهم في حدوث الخرافة. وهذا يحدث عند تغيب العقل وشل حركته عن التفكير.
ويزداد انتشار الخرافات كلما زادت الحياة صعوبة وتفاقمت الأخطار التي تهدد حياة المجتمع، وفي الشعور بالضعف والعجز عن مواجهة مشكلات الحياة ومخاطرها. والواقع أن الظروف المضطربة التي يفشل الإنسان في تغييرها لأنها تجاوزت طاقاته نجد أنه يكون أكثر استعداداً لقبول الأفكار الغامضة المتطرفة والتفسيرات الميتافيزيقية، وكذلك عند انتشار الأمية في المجتمع فإن هذا يسهل على الفرد تقبل الخرافات.
إن نسبة الأمية الهجائية في الوطن العربي من أعلى المعدلات في العالم.. ولكن غير الأميين هجائياً يتسمون في أغلبهم بالأمية الثقافية، وأهم من ذلك الأمية التكنولوجية، والأمية الثقافية هي: غياب المعرفة العامة بأحوال المجتمع وتاريخه ومشكلاته، والقدرة المنهجية على التحليل النقدي، والقدرة العلمية على حل المشكلات المتجددة، والأمية التكنولوجية هي: باب المعارف والمهارات الأساسية للتعامل مع الآلات والأجهزة والمخترعات الحديثة وفي مقدمتها الكمبيوتر.
وهذا يدل على أن التفكير الخرافي يكون بديلا ً للتفكير العلمي عند هؤلاء الأفراد، وحيث إن التفكير الخرافي يفتقر إلى السببية العلمية وهو يستند في تفسيره للظواهر الكونية على أسس غير موضوعية أو منطقية؛ ولهذا فالتفكير الخرافي لن تجد له موضع قدم عند الأفراد المتعلمين الذين يستخدمون التفكير العلمي أسلوباً في حياتهم اليومية.
ويقوم التفكير الخرافي على «علية» أو «سببية» غير سليمة، وهو يفتقد الربط بين البدايات والنهايات كسبب ونتيجة دون ملاحظة أو تتبع العلاقات المختلفة المتضمنة في الموقف في تفاعلها وتغيرها، وترتب على ذلك أن يصبح للخبرة الوحيدة أو الصدفة العارضة، والرغبات الخاصة أهمية كبرى في عملية الاستدلال في إصدار الحكم. ويترتب على التفكير الخرافي استخدام المفاهيم الغيبية التي تظهر في الإيمان بالسحر والشعوذة(4).
ومن المشاهدات الذكية أن نجد التفكير العلمي كلما كان شائع الممارسة، كلما أدى إلى تراجع المعتقدات الخرافية وانزوائها أمام المنهج العلمي القائم على الملاحظة والاختبار والتجريب؛ ولهذا فالتفكير العلمي والمعرفة العلمية تجد لها حليفاً قوياً مع قوى التقدم والتحرر، وبالتالي فإن معيار التغيير يتوقف على قوى وعناصر التقدم والتحرر، بحيث كلما ازدادت هذه العناصر فإن المجتمع يمكنه أن يحقق طموحاته وتقدمه، ولكن كلما كانت هذه القوى قليلة العدد والعدة والتأثير، فإن المجتمع يفشل في عملية التغيير ولا ريب أن أصحاب الأفكار العلمية الجديدة يحاربون محاربة لا هوادة فيها، والذين يحاربونهم هم من أصحاب السلطان الذين يربطون بين استمرار الأوضاع كما هي وبين الإبقاء على سلطانهم ومصالحهم الخاصة(5).
وعلى النقيض الآخر يكون التفكير العلمي هو مفتاح التقدم والتغيير. ويتسم التفكير العلمي، الذي هو نقيض التفكير الخرافي بعدة سمات قدمها فؤاد زكريا (1977م)(6) في الآتي:

1 – التراكمية
ي
تصف العلم بالتراكمية. وتعني التراكمية الطريقة التي يتطور بها العلم. وتكشف لنا سمة التراكمية «إن الحقيقة العلمية نسبية». وهذا يعني أن الحقيقة العلمية لا تكف عن التطور، ومهما بدا في أي وقت أن العلم قد توصل في موضوع معين إلى رأي معين، فإن التطور سرعان ما يتجاوز هذا الرأي ويستعيض عنه برأي جديد. والتراكمية ليست رصاً للمعارف بحيث تبدو قوالب جامدة لا حياة فيها تأخذ النزعة الاستاتيكية في عملية الفهم، بل تعني حالة ديناميكية تستخدم العمليات المعرفية من تحليل وتركيب أو عملية التقريب والإقصاء للوصول إلى حل المشكلات.
2 – التنظيم
من صفات التفكير العلمي عملية التنظيم. ويعني مفهوم التنظيم أننا لا نترك أفكارنا تسير حرة طليقة وإنما نرتبها بطريقة محددة في أنساق معرفية، وننظمها عن وعي، ونبذل جهداً مقصوداً من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفكر بها. ويعتبر التنظيم سمة لا تبدو مقتصرة على العلم وحده، فكل أنواع التفكير الواعي تهدف إلى تقديم تفسير للعلم يتصف بنوع من التنظيم، ولا ريب أن مفهوم التنظيم تأتي أصوله من خلال نظرية الجشطالت التي ترى أن عملية التعلم تحدث عن طريق الاستبصار وهو الوصول إلى حل بطريقة فجائية من خلال عملية الإدراك الحسي والتنظيم المعرفي.
وحينما تكون المشكلة أبعد من قدرتنا على التنظيم أو حينما نعتقد ذلك، فإننا نندفع إلى أنماط بدائية من السلوك من نوع المحاولة والخطأ. ويعتمد طول الفترة التي نقضيها في المحاولة والخطأ على أهمية المشكلة وعلى صعوبتها الظاهرة، ومن المعروف أنه في أوقات الاضطراب وعدم التجديد والقلق الشديد قد يلجأ حتى أذكى الناس إلى العرافين والمنجمين وقارئ الكف والفنجان بحثاً عن حلول المشكلات(7)، وكذلك نجد أن مفهوم التنظيم استخدمه «بياجية» عند وضع تصوراته في النظرية البنائية المعرفية. وترى هذه النظرية أن كل ما يعرفه الإنسان يستطيع عمله من خلال عملية التنظيم والتكامل، ويدل التنظيم على البناء المعرفي القائم لدى الفرد ويتألف من وحدات معرفية مترابطة متكاملة. وهكذا فإن التنظيم إن كان صفة العلم فإنه صفة المعرفة عند الإنسان، ومن خلال اندماج الصفات التنظيمية للعلم، والمعرفة للإنسان يمكن أن يحدث التغيير والتقدم. وإذا كان للنجاح أكثر من وجه فإن عملية التنظيم تعد أحد أوجه النجاح؛ لأن التنظيم يتجاوز رصد المعرفة الحسية إلى المعرفة الرمزية بحيث تؤدى إلى انتظام حركة الكون في قوانين علمية.

3 – البحث عن الأشياء
لا يستطيع العقل أن يقوم بصياغة العلم إلا إذا استهدف فهم الظواهر وتعليلها من خلال سياقات مفهومة، وغالباً يبحث العلماء عن فكرة السببية العلمية. وعندما قدم «نيوتن» العالم الجاد قانوناً علمياً واحداً وهو قانون الجاذبية، فإنه استطاع أن يلخص الكثير من الظواهر ويعرف أسبابها بطريقة علمية عقلية حتى قيل عنه: «إن نيوتن قد أخرج الأشباح من الكون بقانون الجاذبية».
والمقصود بهذا أن «نيوتن» قد جعل الطبيعة قابلة للتفسير عن طريق الملاحظة ومعرفة الأسباب؛ ولهذا أصبحت الطبيعة سهلة الفهم، ولم يعد ثمة سبب لافتراض أن القوى الغيبية هي المسؤولة عن الظواهر الطبيعية.

4 – الشمولية واليقين
ا
لمعرفة العلمية معرفة شاملة، بمعني أنها تسري جميع أمثلة الظاهرة التي يبحثها العلم، ولا شأن لها بالظواهر في صورتها الفردية فتعميم القانون الذي يفسر الظاهرة في أكثر من وضع هو قانون جيد يمكن الوثوق به. والواقع أن اليقين في العلم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطابع الشمول، ويمكن أن نتبين اليقين العلمي من خلال الأشكال الآتية:
أ ـ هناك اليقين الذي نطلق عليه «اليقين الذاتي» وهو: الإحساس الداخلي لدى الفرد بأنه متأكد من شيء ما. وهذه الثقة تكون ناتجة عن أن الفكرة التي يرددها تخدم مصالحة، واليقين الذاتي به علاقة بالعلم؛ حيث إنّ الوصول إلى الحقائق أو النتائج قد يتم بطريقة منطقية عقلانية، وتكون غاية اليقين الذاتي هو: تنمية توقع للحكم في قوى الطبقة ليمكن التحكم فيها ذاتياً.
ب ـ الموضوعية: وتعنى أن تتركز الأدلة على التجربة التي نستلخص منها النتائج من خلال الأدلة غير الذاتية، وهذه النتائج تخضع للمنطق والعلية أو السببية.

5 – الدقة والتجريد
وتستخدم في حياتنا اليومية المعتادة عبارات تتسم بالغموض والتعقيد وتبتعد عن الدقة والمصداقية. أما في العلم فإننا نستخدم عبارات تتسم بالدقة والتجريد وبدون احتمالات. والوسيلة التي يلجأ إليها العلم من أجل تحقيق صفة الدقة لغة الرياضيات. فلغة الرياضيات تتسم بدرجة عالية من التجريد والموضوعية والدقة، ولكن هذا لا يعني أن لغة المنطق لا تصلح في البحث العلمي؛ بل نجد أن التفكير المنطقي يمكن أن يصل إلى درجة كبيرة من الدقة لفهم الظاهرة السلوكية أو الاجتماعية. فالقانون الذي يتصدى للعلوم الطبيعية يستند على الحقائق ويستخدم منهج التفسير، في حين أن القانون الذي يتصدى للعلوم الإنسانية يستند على المعاني ويستخدم منهج الفهم. وبالتالي فالدقة العلمية في النظرية العلمية وفي النظرية الطبيعية أكثر منها في النظرية الإنسانية.
معوقات التفكير العلمي:
إ
نه من أسباب عدم انتشار التفكير العلمي في مجتمعاتنا العربية عدم الاقتناع بهذا التفكير؛ لانتشار نسب الأمية الكبيرة بين أفراد المجتمع، كما أنه يوجد العديد من الأسباب التي نعزو إليها عدم استخدام التفكير العلمي في حياتنا اليومية وهي:
1 – الأسطورة أو الخرافة
ي
مكن أن تتحدد الشروط التي تجعل الخرافة سمة من سمات تفكيرنا اليومي وهي:
أ ـ البعد عن الواقع الموضوعي.
ب ـ شيوعها بين عدد كبير ـ نسبياً ـ من أفراد المجتمع.
ج ـ الافتقار إلى العلية المنطقية.
فالأساطير القديمة تعبر عن نظرة الشعور التي اعتنقها الأفراد لتفسير الحياة والطبيعة والعالم. ويتلاءم تفسير الخرافات مع مستوى الشعوب بحيث يرضيها إرضاء تاماً. ويعبر التفكير الخرافي عن وقائع كونية ليعطي تفسيرات أكثر غموضاً. ويكشف علم الأساطير Mythology عن كثير من هذه الخرافات القديمة التي مازالت حية في صورة أو أخرى في حياة الناس وفي أرقى المجتمعات الإنسانية. أما وقائع العلم فقد أثبتت أن نتائجه لها درجة عالية من المصداقية، ويمكن التنبؤ به، في حين أن نتائج السحر والخرافة تفشل في التنبؤ.

2 – الخضوع إلى السلطة
ا
لخضوع إلى السلطة حل مريح في حل المشكلات، ولكنه أسلوب ينم عن العجز والافتقار إلى الروح الخلاقة المبدعة، ومن هنا فإن العصور التي كانت السلطة فيها المرجع الأخير في شؤون العلم والفكر كانت عصوراً متخلفة خالية من كل تجديد وإبداع؛ ولهذا فإن من الخطأ تصور أن عملية التغيير تأتي من سلطات فوقية، بل لابد أن تكون هناك قناعة ذاتية من الأفراد لإحداث التغير.
والإسلام كان صريحاً في هذه النقطة. يرى «عباس العقاد»: أن الإسلام رفض الخضوع للسلطة التي تلجم العقل وتمنع التفكير. والإسلام حين يأبى على الإنسان أن يعدو بعقله كله وراء هذه السطوة الجانحة، إنما يعطي العقل حقه في مقاومتها ولا يكتفي بأن يفرض عليه واجب المقاومة، وإنما يمده بالحجة التي تعينه عليها حيث لا حجة له بين يديها. فهو يكلفه ويعينه، وهو يثيره ويضع في يده السلاح الذي يشحذه في ثورته، فهو نصير معين يلقي العبء ويعطي المدد الذي يعينه عليه.
وحين يقول الإسلام للإنسان: يجب عليك أن تفتح عينيك ولا تنقاد لما يوبقك، فكأنه يقول له: يحق لك أن تنظر في شأنك بل في أكبر شأن من شؤون حياتك، ولا يحق لآبائك أن يجعلوك ضحية مستسلمة للجهالة التي درجوا عليها. وإن الإسلام ليأبى على المرء أن يحيل أعذاره إلى آبائه وأجداده، كما يأبى له أن تحال عليه الذنوب والخطايا من أولئك الآباء والأجداد، وإنه لينعى على الذين يستمعون الخطاب أن يعفوا أنفسهم من مؤنة العقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم عقيدة لا عقل فيها(8).
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)(9).

3 – إنكار قدرة العقل
ي
عتبر إنكار قدرة العقل عقبة في تقدم العلم، ويتمثل الإنكار في: التخمين، ونقص المعرفة، والتقليل من شأن التفكير، ولكن نجد أن الإسلام اهتم بالعقل وأعلى من شأنه، وعندما يذكره لا يذكر إلا بالتعظيم. فالإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سنة آبائه وأجداده، ولا يقبل منه أن يلغى عقله خنوعاً لمن يسخره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ولا يقبل منه أن يلغي عقله رهبه من بطش الأقوياء وطغيان الأشداء ولا يكلفه في أمر من هذه الأمور شططاً وهو لا يقدر عليه. إن القرآن الكريم يكرر في غير موضع أن الله لا يكلف نفساً ما لا طاقة لها به، ولا يطلب من خلقه غير ما يستطيعون(10).
4 – التعصب
والتعصب هو اعتقاد باطل بأن الفرد يحتكر لنفسه الحقيقة أو الفضيلة، وبأن غيره يفتقرون إليها، ومن ثم فهم دائماً مخطئون. ومن هنا فإن التعصب، الذي يتخذ شكل تحمس زائد للرأي الذي يقول به الشخص نفسه أو للعقيدة التي يعتنقها، ويتضمن في واقع الأمر بعداً آخر فهو يمثل في الوقت موقفاً معيناً مع الآخرين، ويتدرب عقله أو وجدانه في الجماعة التي ينتمي إليها، بحيث لايتحدث بنفسه إلا من حيث هو جزء من هذه الجماعة. وتمثل خطورة التعصب في أنه يكون عقبة في وجه التفكير العلمي، فالتعصب يلغى التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد، ويشجع قيم الخضوع والطاعة والاندماج، وهي قيم قد تصلح في أي مجال ما عدا مجال التفكير.
ومجمل القول إن التعصب عقبة مركبة تعترض التفكير العلمي، ومن هنا كانت المعركة التي ينبغي أن يشنها عليه هذا التفكير حاسمة، إذ أن العقل البشري لا يستطيع أن يجد حلاً وسطاً بين الاثنين، فإما أن ينتصر التفكير العلمي، وإما أن ينتصر التعصب، ولابد من القضاء على أحدهما لكي يبقى الآخر(11).

استراتيجية تنمية التفكير العلمي:
ل
قد اشتق مفهوم الاستراتيجية من العلوم العسكرية، فالاستراتيجية في العلوم العسكرية هي: قراءة ما يدور في تفكير العدو حتى يمكن القضاء عليه، أما الاستراتيجية في العلوم الإنسانية فهي: عبارة عن قراءة ما يدور في الفكر الإنساني حتى يمكننا التعامل معه وليس القضاء عليه. وبالتالي ظهر مفهوم التنمية السيكولوجية كمفهوم حديث، ويقصد بهذا المفهوم: تنمية إمكانيات الفرد العقلية والانفعالية والاجتماعية بما يساعده على فهم ذاته وفهم بيئته، وبالتالي يساعده على تحقيق أهدافه والاستفادة من إمكانياته، وبهذا التعريف تعد التنمية السيكولوجية أحد الجوانب التطبيقية الإنسانية في علم النفس.
وإذا كان التفكير العلمي عبارة عن مهارة مثل باقي المهارات العقلية يمكن اكتسابها عن طريق التعلم والتدريب والممارسة، فإنه يمكن تنميته من خلال عمليات التعلم داخل المؤسسات التعليمية أو خارج تلك المؤسسات. ويمكن تلخيص خطوات تنمية التفكير العلمي كأسلوب لحل المشكلة.

الخطوة الأولى: اختيار المشكلة
أ
ول خطوة يقوم بها الفرد أو الأفراد المتدربون هي اختيار وتحديد المشكلة، ويتطلب ذلك تنمية الحساسية تجاه المشكلات، مثال ذلك: إن الناس في كل العصور شاهدوا الأجسام تسقط من أعلى إلى أسفل ولكن «نيوتن» لأنه كان مهتماً بسقوط الأجسام فإنه استطاع التوصل إلى قانون الجاذبية.
مثال آخر يوضح كيفية الانشغال بمشكلة تعود إلى إشعال وهج التفكير وهو: أن الناس شاهدوا القوارب وهي طافية، ولكن القضية لم تكن ذات معني عندهم، ولكن العالم «أرشميدس» كان أكثر حساسية لمشكلة الطفو، وبالتالي نجح في النهاية إلى أن يتوصل إلى قانون الطفو الذي مازال الطلاب يدرسونه حتى الآن. وهذا يعني أن المشكلة تجد ذاتها لتجعل الفكر يعمل، بل الإحساس بالمشكلة هي التي تجعل الفرد يفكر حتى يتوصل إلى الحل، ولا شك أن وجود مشكلة تثير انتباه الفرد تتطلب أن يقوم بتحديدها حسب الخطوات التالية:
أ ـ البحث عن الإمكانيات: من المهم أن يحدد الفرد قبل اختياره المشكلة الإمكانيات المتاحة، والمتمثلة في الوقت المتاح لإنجاز المهام والمال اللازم.
ب ـ معرفة الدراسات المتعلقة بموضوع المشكلة: وذلك عن طريق المجلات العلمية والمراجع المتخصصة.

الخطوة الثانية: صياغة المشكلة
وتعني صياغة المشكلة تحديد المشكلة تحديداً دقيقاً واضحاً، ويجب على الفرد أن يستخدم المحكات التالية في صياغة المشكلة:
أ ـ تحديد الموضوع الرئيسي الذي وقع عليه اختيار الفرد.
ب ـ تحديد النقاط الرئيسية والفرعية التي تشتمل عليها المشكلة.
ج ـ تحديد العوامل الرئيسية التي دفعت الفرد إلى اختيار المشكلة وما يرجو تحقيقه من فوائد نظرية وعملية.
د ـ التعريف بأهم الدراسات التي أجريت في موضوع البحث، والموضوعات قريبة الصلة به، ثم تحليل أهم النتائج التي توصل إليها الباحثون السابقون.
هـ - التعريف بالصعاب التي يتوقع الباحث أن يواجهها أثناء عملية البحث.

الخطوة الثالثة: التصميم التجريبي وصياغة الفروض
من المشاهد أن الفرد عندما يصل إلى مرحلة المراهقة يتحول تفكيره من التفكير المادي المحسوس إلى التفكير المجرد، بل ويستطيع الفرد أن يتجاوز الواقع ويكون قادراً على صياغة الفروض. وهذا التصور المنطقي يجعلنا نبدأ في تعليم الأفراد عملية صياغة الفروض وتنمية الوعي بالتفكير المجرد. وتشتمل هذه الخطوة التدريب على الآتي:
أ ـ التصميم التجريبي: ويقصد به ترتيب الظروف لتجميع المعلومات الوثيقة الصلة بالموضوع وتصنيفها وتحليلها، مع مراعاة الزمن المناسب لجمع البيانات وتوفر الإمكانيات المالية واستبعاد جميع المعلومات غير المرغوب فيها والتي تؤثر على سير البحث.
ب ـ الفروض: والفرض هو حل مقترح يحتاج إلى اختبار، وهو عادة ما يكون حدساً ذكياً، والفرض استنتاج يصاغ لشرح بعض ما يلاحظه الفرد من الحقائق والظواهر، ويجب توافر خمسة شروط للفروض الجيدة وهي:
1- الإيجاز والوضوح.
2- الشمول والربط.
3- أن يكون قابلاً للاختبار.
4- أن يكون خالياً من التناقض.
5- أن يكون متعدداً بدلاً من فرض واحد.

التعريفات الإجرائية
يجب أن يتبنى الفرد تعريفاً إجرائياً لما يبحث فيه من معرفة. والتعريف الإجرائي: عبارة عن تعريف المناهج المستخدمة في حل المشكلة بحيث لا يبقى هناك أي غموض، ولابد أن تتوافر في التعريف الخصائص الآتية:
أ ـ الدقة.
ب ـ الكلفة.
ج ـ القابلية للقياس.

ثالثاً: النتائج
ال
وصول إلى النتائج التي تقود إلى حل المشكلة يكون عن طريق التحقق من صحة الفروض التي يصل إليها الفرد مع تقديم تفسيرات منطقية تستند إلى الواقع العلمي.
رابعاً: السيناريو
وضع سيناريو لتصوير الحلول المقترحة بحيث تقود إلى وضع تصورات تنبئية واستنباطات لمشكلات تماثل المشكلة الأصلية. حيث إن الوضع النهائي لتنمية التفكير العلمي هو تجاوز الواقع من خلال التعميمات ووضع رؤية مستقبلية من خلال الواقع.

الهوامش
ــــــــــــ
(*) استاذ علم النفس، كلية التربية، جامعة المنصورة.
(1) الدمرداش سرحان، ومنير كامل: التفكير العلمي. القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية 1959م: 40.
(2) أحمد كمال أبو المجد، جريدة الأيام بالبحرين، العدد 1789، 1994م:11.
(3) نجيب اسكندر، ورشدي فام: التفكير الخرافي. القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1962م: 18- 19.
(4) نجيب اسكندر، ورشدي فام، مرجع سابق، 1962م: 40.
(5) فؤاد زكريا: التفكير العلمي. الكويت، مجلة عالم المعرفة، 1978م:17- 55.
(6) المصدر نفسه.
(7) نجيب اسكندر، ورشدي فام، مرجع سابق، 1962م: 140.
(8) عباس العقاد: التفكير فريضة إسلامية، مرجع سابق: 18 - 20.
(9) البقرة: 170.
(10) فؤاد زكريا: التفكير العلمي. مرجع سابق: 102 ـ 120.
(11) Smith, R&Troth, W:Achievement motivation approach to psychotogical. Education. Journal of counseling psychotogy. 1975, 22(6), 500 – 504.