الحضارية «أعلام العراق»

الثلاثاء: 21/10/2008

 

دفاع عن مؤرخ العراق الشهير ابن الفوطي
(642 هـ ـ 723 هـ)

صادق جعفر الروازق(*)
(خاص للمعهد)

ابن الفوطي، هو كمال الدين عبد الرزاق بن أحمد بن محمد بن أحمد الصابوني، الشيباني، البغدادي، الشهير بابن الفوطي(1). ولد في محرم عام 642 هـ، وتوفي عام 723 هـ، عـُرف محدّثاً ومؤرخاً إخبارياً، وفيلسوفاً، وعالما في الأنساب.
أسر ابن الفوطي في احتلال بغداد من قبل التتر، وفي خبر خلاصه من الاسر اختلاف بين المؤرخين، فعند بعضهم انه اطلق سراحه بفعل شفاعة نصير الدين الطوسي له عام 660هـ (2)، وأن هذا هو السبب فيما حصل بينهما من ملازمة، وما كان من ابن الفوطي من ثناء وتبجيل في نصير الدين الطوسي.
أما الدكتور مصطفى جواد فلم يجد ما يشير الى دور لنصير الدين الطوسي في نجاة ابن الفوطي من أسره، بل وجد غموضا في هذه القصة، ووجد أن ابن الفوطي قد استطاع الهرب من الاسر، وان شيخا آخر كان وراء نجاة ابن الفوطي، لكن دون ان يجد التفصيل المناسب للربط بين اجزاء القصة، فهو يقول: « لم نجد في هذا الخبر تفصيل كيفية كونه أسيراً، ولا وجدنا السبب في استطاعة الشيخ قطب الدين الأهري إنقاذه إلى قرية كليبر، كما لم نعرف حقيقة أسر المغول له، فنعلم مقدار تصرّفه في المعيشة أسيراً»(3).
وأيا كان، فان ابن الفوطي كان أسيراً عند التتر، وعند تحررّه منهم انتقل الى مراغة حيث مكتبة نصير الدين الطوسي ومرصده الفلكي الشهير، اشتغل بعلوم الأوائل على يد الطوسي الذي وفـّر له الأمان والرعاية، وأصبح من تلامذته واتباعه ومريديه، فاشتغل ابن الفوطي ـ وهو في مـُراغة ـ على علم الآداب والنظم والنثر، إلا أنه اهتم كثيراً بالتاريخ، لا سيما التراجم والسير.. ذكره الصفدي قائلاً: «له يدٌ بيضاء في ترصيع التراجم، وذهن سيّال، وقلم سريع، وخط بديع إلى الغاية.. وقيل إنه يكتب من ذلك الخط الفائق الرائق أربع كراريس، ويكتب وهو نائم على ظهره ـ وله بصرٌ بالمنطق وفنون الحكمة»(4).
ويـُذكر أنه عَمِلَ أكثر من عشرة أعوام بمراغة(5) على كتب «خزانة الرّصد» تحت اشراف نصير الدين الطوسي، واطلع فيها على كـُتبٍ نفيسة، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل خازن كتب المستنصرية.. فهيأ له ذلك فرصة نادرة للاطلاع على كثير من كتبها على اختلاف أنواعها وموضوعاتها، فجمع منها مجاميع، واقتبس وصنـّف، وألف، واستخلص لنفسه منها «ونسخ لغيره توريقاً، واتصل بفئات من العلماء والأدباء وأرباب الفن وأهل السياسة، على تباين أجيالهم واختلاف بلادهم ومللهم، فاتسعت ثقافته العلمية، وثقافته الأدبية، وثقافته الاجتماعية»(6). فهو بذلك قد خرج من دائرة نشأته الضيّقة إلى مجالاتٍ أرحب وأوسع، وهذا ما ظهر جلياً من خلال تصانيفه، والتي أهمها:
1ـ مجمع الآداب في معجم الألقاب: وهو أضخم وأكبر كتاب في الألقاب في التاريخ الإسلامي.
2ـ دور الأصداف في غـُرر الأوصاف: كتابُ كبير جمعه ابن الفوطي من ألف مصنـّف من التواريخ والدواوين وكتب الأنساب والمجاميع، يقع في عشرين مجلدا، بيّض منها خمسة، ويقول الدكتور مصطفى جواد: لم نجد لهذا الكتاب ذكراً إلا في ترجمة المؤلف وبعض كتبه.
3ـ نظم الدّرر الناصعة في شعراء أهل المائة السابعة.
4ـ التاريخ على الحوادث: وهو ما يخص أحداث التتر في خراب بغداد.
5ـ كتاب النسب المشجّر: ذكره ابن الفوطي نفسه في لقب (القمر).
6ـ تذكرة من قصد الرصد: ويعني بالرّصد؛ رصد نصير الدين الطوسي.
7ـ بدائع التـّحف في ذكر من نـُسب من العلماء إلى الصنائع والحرف: ذكره الذهبي في (أسماء الرجال): 98.
8ـ المشيخة: في التعريف بالمشايخ الذين درس عليهم ، والذين استجازهم فأجازوه رواية كتبهم.
9ـ مجموع الأدب الفارسي.
10- الدرّ النظيم فيمن تسمى بعبد الكريم.
11ـ الحوادث الجامعة والتجارب النافعة الواقعة في المائة السابعة: وهو الكتاب الشهير المتداول، غير أن الدكتور مصطفى جواد يشكك في صحة نسبته اليه بناء على بعض القرائن، كاختلاف الاسلوب واختلاف الخط، ونحو ذلك.
12ـ تلخيص مجمع الآداب(7): وهو الكتاب الذي عنى ببعض أجزائه الشيخ محمد رضا الشبيبي وأصدر منه جزئين، مقتصراً على تاريخ العراق في ظل الاحتلال المغولي.
ولا يعني ذلك ان ابن الفوطي هو الوحيد من المؤرخين العراقيين الذي كتب تاريخ دولة التتر = المغول. فقد تناول هذه الفترة ابن الأثير في الكامل، وابن الطقطقي في الآداب السلطانية، إلا أن ابن الفوطي ـ وكما يقول الشبيبي ـ تميّز بأسلوب خاص، أسلوب ساحر دقيق في سرد الأحداث ووصف الأشخاص، فهو لم يكن ناقلاً عن كتب أو مستندا إلى روايات فحسب، بل كان يؤرخ أعمالاً واقعية، وأحداثاً عيانية سياسية وحربية واجتماعية؛ «كان حركة دائبة في مدّة طويلة تناهز السبعين سنة، أو في دولة ظافرة تتجدد شؤونها وأحداثها في كل يوم، فما كان يفوته وصف مشهد أو تدوين حادثة أو ترجمة شخص اجتمع به، وذلك بأوضح عبارة وأبسط أسلوب»(8).
صوفيّة ابن الفوطي
مثلما عـُرف عنه مؤرخاً كبيراً، عُرف عنه التصوف وحبه لاهله، وقد درس التصوف على عدة من مشايخه، وله طريقته الخاصة به.
فإبن الفوطي كان صوفياً زاهداً، نقل في كتابه «التراجم» صوراً صوفية عديدة من حيث العادات والطبائع الغريبة من حياة بعض المتصوّفة، ففي ترجمته لأحد الصوفيين، ويسمى «قطب العالم الرازي أبو الفقراء» ترجم له عن شيخه البيهقي ترجمة لا تخلوا من الغرائب، وفيها نبدة عن فنون صوفية الأتراك الذين شاهدهم، وهم يستعملون آلات الحديد والسلاسل والعصا والدبوس. وكانت تردد كثيراً عبارته المييّزة في بعض من ترجم له: «كان محباً للصوفية».
وفي أثناء تراجمه لاعلامهم يصفهم عادة بـ «حفظ أقوال مشايخهم وعهودهم ووصاياهم وإعادتها على اتباعهم تكراراً في المجالس والحفلات». وعلى العموم فان كتابه في التراجم كان حافلاً بأذكارهم وأورادهم، وجامعا لرقائقهم ومواعظهم وحكاياتهم وفكاهاتهم»(9).
وعن هذه الممارسات الصوفية التي ذكرها ابن الفوطي والتي لازالت بعضها باقية إلى اليوم في بعض بلادنا الشرقية، يعقب الشيخ محمد رضا الشبيبي قائلاً: إنها عادات لا تمت إلى التصوّف الإسلامي في أول عصوره بصلة(10).
وعلى ما يعتقده الشبيبي نفسه: إن هذه العادات هي من خصائص عصر ابن الفوطي والعصور الأخيرة للدولة العباسية، هذه المرحلة التي اشتهر فيها، عند الصوفية ايضا «الهيام بالصورة الجميلة إلى حدّ التهوس والأفراط،ولم يحجم بعض المؤرخين المعاصرين له أو القريبين من عصره كأبن السباعي وابن النجار وطبقتهما من المؤرخين عن الاشارة إلى ذلك، ولا يخلو كتاب الحوادث الجامعة من التنويه بالجمال وأهله في ذلك العصر»(11).
فابن الفوطي، كان مولعاً بالجمال والعشق، شأنه شأن معظم من كتب في الادب والتاريخ في هذه المرحلة ..ويضيف الشبيبي سببا آخر يبرر ولع ابن الفوطي بالجمال، لاسيما جمال الاشخاص الذين يترجم لهم، وهو أنّ ابن الفوطي نشأ وعاش في الأقاليم الواقعة إلى الشمال من هذه البلاد ـ ويقصد بها بغداد ـ وفي مناخ بارد خالط فيه أجناساً وشعوباً وصفت بجمالها البارع الأخاذ، ومن جملتها الكرج والأرمن وبعض أجناس الترك والأكراد، وانعكس ذلك على صفحات تآليفه التاريخية(12) وهو الأمر الذي أظهر عنايته بالإشارة إلى الصور الجميلة للأمراء والملوك وغيرهم ممن شاهدهم ووصف جمالهم والتي برزت بوضوح من خلال التراجم.
فهو يحب الجمال ويتذوق الأشياء كما يتذوقها الفنانون، ويتذوق الشعر والموسيقى وغيرها من الفنون ويجهر بهذا الحب، حتى إنه ترجم لعددٍ غير قليل من أصحاب صنعة الموسيقى الآلية والصوتية، وكانت له خبرة في طرُق الموسيقى تظهر شغفه بالشعر المُغنى، وقد أشار إلى ذلك ضمن ترجمته للأديب المراغي ـ المعاصر له ـ معين الدين الطنطراني صاحب القصيدة الملحنة، والتي مطلعها:

يا   خلي   البال   قد  أفرحت  بالبلبال  بال
يا   رشيق  القد  قد  قوست  قدي  فأستقم

 
بالنوى  زلزلتني  والفعل  في  الزلزال  زال
في الهوى وأفرغ فقلبي شاغل الأشغال غال

وقد سمّاها ابن الفوطي بـ «القصيدة المرجعة المصنوعة» أو ما يسمى اليوم كما يقول الشبيبي بـ «القصيدة المـُلحنة».
فابن الفوطي كغيره يمتلك حساً فنياً، يرى أنـّه من التكلـّف والتصنع إخفاءهُ سيما وان رقة المشاعر تعبر عن صدق ما يجود به المؤرخ، فهو وإن لاحظ وعاصر الاحداث السياسية والحربية، يبقى الجانب الآخر، وهو ذوق الجمال، حاضرا في وعيه، مفيضا من صبغته على آثاره.
شمس الدين الذهبي في اتهام ابن الفوطي
تلك الخصلة الاخيرة جعلت ابن الفوطي في مرمى سهام الذهبي، فنال منه ووصفه بالرقة في الدين، بل زاد على ذلك فرماه بتناول الخمر، فقال عنه: «كان يتناول الخمر، وقيل: انه صلح حاله في الآخر وأفاق..»(13). وفي «تذكرة الحفـّاظ» قال الذهبي :«بلغني أنه كان يخلّ بالصلوات، ويدخل في البلايا»(14). ونقلاً عن الذهبي في لسان الميزان لأبن حجر: «كانت في دينه رقة»(15)، وعنه أيضاً في ذيل العبر: «أن له هنات وبوائق»(16).
والعجيب ان الذهبي لم ينسب هذا الاخبار الى أحد، على الرغم من انه قد ولد بعد وفات ابن الفوطي بخمسين عاماً، كانت ولادة الذهبي 673هـ ووفاة ابن الفوطي 623هـ .
اضافة الى هذا فان متابعة مراحل حياة ابن الفوطي تنفي عنه تهمة كهذه بكل قوة، فابن الفوطي في مقتبل شبابه كان يحضر مع والده مجالس الصوفيّة، وكان ذلك غير مألوف عند الحنابلة إلا من ندر منهم(17). وفي مراغة، فهو لازم الشيخ نصير الدين الطوسي، وأضفت عليه هذه الملازمة نوعاً من التصوف والاستقامة والميل الى الخشونة العيش. أما في بغداد ـ بعد عودته لها ـ فقد لازم علاء الدين الجويني وأخيه شمس الدين الجويني، فضلاً عن سكناه مع غياث الدين عبد الكريم بن طاووس العلوس في المدرسة المستنصرية، مركز العلم وملتقى اهله، ثم أظهرت سيرته كاملة إنه من ارباب العلماء والحكماء في بغداد.
وعلى أي حالٍ، فالذهبي هو المؤرخ الوحيد الذي يذهب إلى الطعن بأن الفوطي ، وعنه أخذ كل من طعن به حتى من المتأخرين، كمحقق كتاب مجمع الآداب في معجم الألقاب، محمد الكاظم، والذي يخرج عن أطوار كلّ من كتب في التراجم، بما لا يقبل الشك من تحامل واضح وسافر، قائلاً عنه: «من الناحية الدينية فهو وإن كان إسماً وإرثاً مسلماً حنبلياً، الا أنه خالٍ من التعصّب لمذهبه، بل وحتى الإلتزام بمسائل الدين وضرورات الإسلام بشكل عام ممّا أفقده الاتزان والإعتدال والسير على أصول قويمة وآداب رشيدة وسنن منجية، فشأنه شأن الكثير من الناس وأسلافهم في السير حسب الظروف الاجتماعية في حقــّها وباطلها، فكأن الحق بالكثرة والغلبة والتحكـّم والتسلـّط لا الاهتداء بسنن الأنبياء وأولياء وكتب السماء وما والاها ومخالفه البدع والأهواء مع أنه شاهد انهيار الحكم العباسي الجائر الفاسد وتزلزل أرباب الثروة والمكنة وتشتتهم ودمارهم ومجيء الحكم المغوليّ الغاشم وما جرّ ذلك من ويلات ونكبات لأرباب الدنيا وطلابها، مع ذلك كلـّه لم يعتبر ولم يتزوّد من دنياه الفانية للدار الباقية»(18) وهو عين ما ذكره الذهبي(19).
ولا يغني قول هذا المحقق ولا من أخذ عنهم أمام ما يقوله العلامة المحقق الدكتور مصطفى جواد وهو بصدد الدفاع عن دين وعقيدة ابن الفوطي فيقول: «فإن كان أراد بالعقيدة، عقيدة الإسلام، فالمتكلـّم في عقيدته لم يكن على صواب، وإن أراد له مخالفته لعقيدة الحنابلة، فذلك أمرٌ ممكن، لأنه قد خرج من دائرته الاجتماعية الضيّقة، وساح في البلاد، وخالط مختلف طبقات العباد، واتسعت آفاق فكره باطلاعه على كتب الحكماء الطبيعيين»(20). مؤكدا القول: أما عقيدته
«عموماً فثابته بما كان ينعي على ذوي العقيدة السيئة والمتفلسفين الذين لا يقولون بالشريعة المحمّدية»(21). وأما عن عدالته، فيقول د. مصطفى جواد: لعله كان في زمان أعوزت فيه الشهود المركـّزون الذين تقبل شهادتهم فيه، كما حصل مع قاضي القضاة الحسن بن القاسم النيلي قبل شهادته سنة 708هـ من غير تزكية(22).
اضافة الى هذا فان الكثير ممن أخذ عن الذهبي ترجمة ابن الفوطي، أعرض عن كلامه هذا فيه بالكامل، فأبو الفلاح الحنبلي(23) نقل عن الذهبي في ترجمته لابن الفوطي ولم يذكر ما ذكره الذهبي في حدود هذه التهمة، ومثله المؤرخ صلاح الدين خليل الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات(24) ومثله أيضاً في الدُرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لابن حجر العسقلاني(25) وابن كثير في البداية والنهاية(26) والزرگلي في الاعلام(27).
أم منزلته العلمية فلا ينتقص منها الذهبي شيئ، بل يقول فيها ما قياله غيره، فيقول فيه: «ابن الفوطي، العالم البارع، المتقن المحدّث، الحافظ، المفيد، مؤرخ الآفاق، معجز أهل العراق..»(28).
وقال عنه في موضع آخر: «ما كان ابن الفوطي بدون أبي الفرج الأصبهاني»(29).
وقوله أيضاً: «كان روضة معارف وبحر أخبار»(30).
وقوله أيضاً: «فاق علماء الآفاق في علم التاريخ وأيام الناس، وصنـّف في ذلك وقر بـَعِير بخطـّه المنسوب وعبارته العذبة»(31).
ومن ثم فإن الذهبي أعتمد كتاب معجم الألقاب لأبن الفوطي كثيرا وبالأخص في كتابه التراجم «سير أعلام النبلاء» كما جاء ذلك في ج5: 376 في ترجمة يزيد بن الوليد، ج8: 240 في ترجمة جعفر بن سليمان، ج21: 82 في ترجمة ابن مواهب، وج21: 113 في ترجمة الكمال الأنباري، وج21: 124 في ترجمة أبو العباس أحمد بن أبي منصور بن ينال، وج21: 132 في ترجمة عماد الدين شيخ الحنفية، وج21: 231 في ترجمة قاضي خان، وج21: 233 في ترجمة الجويني، وج21: 239 في ترجمة الإمام ابو يعقوب الشيرازي، وج21: 332 في ترجمة العجلي، وج21: 417 في ترجمة ابن كامل أبو الفتوح بن أبي غالب البغدادي، وج21: 429 في ترجمة محمد بن معمر بن الفاخر القرشي العبشمي، وج22: 109 في ترجمة ابن الصفار.. وغيرها.
والحق؛ أننا لم نجد ما يُبرر ما ذهب إليه الذهبي إلا أننا نشاطر الشبيبي رأيه في أن عناية ابن الفوطي بتاريخ الفن والموسيقى، من أسباب تحامل بعض المؤرخين والمؤلفين عليه فضلاً عما بلغ شغفه بالتصوّف والمتصوّفة حدّ التهوس، فهو يلهج بذكر الصوفية الفقراء(32).
وعلى ما يبدو إن الذهبي وان لم يعط دليلاً على تسرب ابن الفوطي للمسكر، إلا أنه قد اعتمد ـ من باب توفير الدليل للذهبي ـ (تعسفاً طبعاً) على ما ذكره ابن الفوطي نفسه في ترجمته لغياث الدين أبو شجاع محمد بن الوزير رشيد الدين فضل الله ابن عماد الدولة، والذي قال فيه: «ذوو الهمم الإلهية، صاحب الأخلاق المحمدية، استدعاني إلى خدمته ليلة النصف من شعبان الواقع في سنة ست عشرة وسبعمائة بالمدرسة الرشيدية المنسوبة إلى والده في جماعة من الأعيان العلماء والأكابر الفضلاء، فصلينا في داره العامرة، ولما انقضت الصلاة تقدم باحضار أهل الطرب وما يتعلق بأسباب الجمعيات من الفواكه وأنواع المشروبات، وأحيينا تلك الليلة في خدمته»(33). فربما فهم الذهبي المشروبات هي المسكرات بعينها. في حين ان واقع ما ذكره ابن الفوطي غير ما ذهب إلهي الذهبي، وذلك يتبين من خلال:
1ـ كانت المناسبة مناسبة دينية بحتة لها مكانتها الخاصة.
2ـ أدى جميع الحضور الصلاة.
3ـ مكان المناسبة؛ مدرسة دينية، المدرسة الرشيدية، وهي ايضاً مكان إقامة إبن الوزير.
4ـ رجل كغياث الدين، يصفه ابن الفوطي بالهمم الالهية وبالأخلاق المحمدية، وبحضور العلماء والفضلاء الذين همّوا جميعاً لاحياء مناسبة دينية عظيمة..كل هذه الأمور لا يمكن أن تستقيم مع تفسير المشروبات على أنها مشروبات مسكرة.
وغياث الدين هذا موصوف بالعبادة حتى عن الذهبي نفسه، قال عنه: «دخل يوماً إلى قـُبة أبي حنيفة، وأغلق على نفسه يُصلي ويدعو»(35).
ابن الفوطي واستاذه الطوسي
بعد أن تمكن ابن الفوطي من الهروب من أسره، التحق بشيخه نصير الدين الطوسي في أذربايجان، في مدينة «مراغة» بالتحديد، حيث كان الطوسي قد أنشأ فيها أول مجمع علمي حقيقي «أكاديمية» لم يكن له سابقة في البلاد الشرقية، وأصبح ابن الفوطي في عداد طلابه وأتباعه ومريديه، ولعل اختيار الطوسي له لما رأى عليه من أمارات الأدب، ولما فيه من الرغبة في العلم والفلسفة وتعلـّم الفارسية. فأسند إليه الخزن في خزانة كتب الرّصد.
يقول الدكتور مصطفى جواد: كان نصير الدين الطوسي قد جمع في هذا المجمع أربعمائة ألف مجلد، وحضر ابن الفوطي قسماً من دروس النصير، وعنـي بتعلم الخط وتجويده عناية تامة، فهو قد برع بخط الثلث، ونسخ تعليق كما هو واضح من خطه في «مجمع الآداب» وما عمل من نسخ الكتب ككتاب «الزّبدة الطبية» لزين الدين اسماعيل بن الحسن الحسيني الطبيب المتوفى (531هـ)، وكان رزقه من هذا العمل ومن وظيفته كخازن لكتب الرّصد، فكان في ظنك مستمر في رزقه حتى أثر ذلك في سيرته. فيذكر ابن الفوطي إنه مراراً كان يذهب إلى بغداد ويرهن كتبه عند بعض الفضلاء مقابل عشرين ديناراً فكانوا يردون الكتب والدنانير تفضلاً منهم واحتراماً لعلمه ومقامه.
وبعد وفاة نصير الدين الطوسي بقي المجمع العلمي في رعاية ولده الأكبر «أحمد» وأخوته الآخرين وكان ابن الفوطي يعمل في كنفهم ورعايتهم، وألف في مـُراغة «تذكرة الرّصد» وروى عن الزوار نثراً وشعراً في مقاصد مختلفة، وأتقن اللغة الفارسية ليعيش في بلاد فارس، ويعايش زوجته الفارسية اللغة، وقرأ دواوين المشهورين من شعراء الفرس ونـُثـّارهم، كديوان المعزي، والعنصري، واللامعي، وأشعار أحمد ابن نيال المراغي ورسائله الفارسية، فضلاً عن دواوين لشعراء عرب ورسائل لنـُثار من نـُثارهم، وقد ألف مجموعة أدبية فارسية، ومدح رجالاً بأنهم يحسنون الفارسية، وفي ذلك دلالة على علمه بها(36).
ومن مشاهير الفرس الذي استجازهم ابن الفوطي لنفسه الشاعر الكبير «سعدي» صاحب الديوان المعروفن ومؤلف «گلستان» الذي ترجم مؤخراً من قبل الأستاذ الأديب محمد الفراتي، وگلستان = روضة الرود.
كما تنقل ابن الفوطي في بلاد فارس، وأقام في عدة بلدان منها، فقويت ثقافته بالدراسة والنسخ والمطالعة والسـماع والمحاضرة والمحاورة والمدارسة والمجالسة والمحادثة والتطواف فضلاً عما حفظهُ في سنين صباه ببغداد.
وعلى الرغم من طول فترة مكونه في مراغة الا انه لم يقرأ الفقه وأصوله كون الطوسي نفسه يعتقد بأنها من العلوم الثانوية، وفيما لو كان ابن الفوطي قد درس هذين العلمين، وكما يقول الدكتور مصطفى جواد ، لساعدته كثيراً على فهم الحكمة والفلسفة ولسهّل عليه أن يستوعب فنون الحكمة من علوم الأوائل(37).

الهوامش
ـــــــــ
(*) كاتب وباحث من العراق.
(1) طبقات الحنابلة لابن رجب 4: 374 رقم 482.
(2) الاعلام للزرگلي 3: 349.
(3) انظر مقدمته على كتاب مجمع الآداب في معجم الألقاب، تحقيق محمد الكاظم1: 18-19.
(4) الوافي بالوفيات: 412.
(5) مدينة في أذربايجان.
(6) الدكتور مصطفى جواد، م. س.
(7) انظر مقدمة الدكتور مصطفى جواد.م. س.
(8) محمد رضا الشبيبي، مؤرخ العراق ابن الفوطي 2: 14.
(9) الشبيبي، م . س 2: 18.
(10) نفس المصدر 2: 19.
(11) الشبيبي، م. س2: 19.
(12) نفس المصدر2: 19.
(13) ذيل تاريخ الإسلام، الذهبي: 257.
(14) تذكرة الحفاظ، الذهبي 4: 1494.
(15) لسان الميزان، ابن الحجر4: 10.
(16) المصدر نفسه.
(17) مجمع الأداب في معجم الألقاب، مقدمة المحقق محمد الكاظم: 6.
(18) انظر نص قول الذهبي في تذكرة الحفاظ4: 1493.
(19) الدكتور مصطفى جواد، م. س.
(20) المصدر نفسه.
(21) د. مصطفى جواد، م.س.
(22) انظر شذرات الذهب في أخبار من ذهب: 60-61.
(23) الوافي بالوفيات: 412-413.
(24) الدرر الكامنة: 364-365.
(25) البداية والنهاية14: 106.
(26)الاعلام3: 349.
(27) تذكرة الحفاظ4: 1493.
(28) لسان الميزان، ابن حجر العسقلاني 4: 10.
(29) ذيل تاريخ الإسلام، الذهبي: 257.
(30) تذكرة الحفـّاظ 4: 1493.
(31) محمد رضا الشبيبي، مؤرخ العراق ابن الفوطي: 18.
(32) مجمع الآداب في معجم الألقاب2: 456.
(33) سير اعلام النبلاء، الذهبي19: 506، رقم الترجمة: 293.
(34) المصدر نفسه.
(35) انظر الدر الكامنة لابن حجر العسقلاني، ج3: 378، ترجمة رقم: 1003.
(36) د. مصطفى جواد، م.س.
(37) نفس المصدر.