الحضارية «اعلام العراق»

السبت: 11/10/2008


ثلاثية مفاخر الخط في بغداد
ابن مقلة وابن البواب والمستعصمي

عبد الأمير المؤمن(*)
(خاص للمعهد)

لم تقتصر مفاخر بغداد في عصور ازدهارها على العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء، وانما تعدت ذلك إلى العلوم والمعارف والمهن والحرف كافة، فهناك تكامل علمي معرفي حضاري حظيت به بغداد عاصمة الحضارة الإسلامية الكبرى.
ومن بين هذه المفاخر الحضارية الجمّة مفخرة الخط العربي والخطاطين العرب، ومنهم خطاطو بغداد الذين تميزوا عن اقرانهم في كل مكان. فهم في الحقيقة نتاج الإسلام العلمي والحضاري فقد دفع الإسلام وروح القرآن إلى مختلف عناصر الحضارة الإسلامية، ومنها تطور الكتابة والخط العربي في كل مكان.. فاضافة إلى قداسة الدين حمل الخط العربي الجمال والمرونة واستخدامه فناً رفيعاً «فالملاحظ في الحروف العربية، انها مرنة تحمل بين ثناياها كل الصفات الزخرفية والشكلية التي ساعدت الخطاطين على التطور»(2).
وحيث إن الدين الإسلامي لا يحبّذ النحت والتماثيل ولا يشجّع الفنان المسلم على السير في هذا السبيل (3) اتجه الفنان المسلم إلى جمال الخط وابتكار الانواع المختلفة، واستعماله في الرسوم والنواحي الجمالية في الفن، كما كان الفنان المسلم يتخذ من الخط العربي وأوضاعه ميداناً لعرض كفاءته وقدرته على مشاركة الطبيعة بالخط فيظهر حروفه باشكال جميلة كعناقيد العنب واوراقها، ومن الخطوط اليابسة اشكالاً هندسية جميلة كالمثلثات والمخمّسات والنجوم مما يستعمل في المجالس والدوادين فيثير الاعجاب ويبت في النفس الرضا والانشراح(4).
خطاطو بغداد قمة الخط العربي
لقد تميّز العراق وبغداد خاصة بعدد من الخطاطين البارعين في الخط الجيد والفني، يقف في طليعتهم ثلاثة خطاطين اشتهرت اسماؤهم في عالم الخط في حضارتنا الإسلامية، وهم:
ابن مقلة .. وابن البواب .. والمستعصمي.
وهم رواد عظام تلقوا هذا الفن الجميل وأخلصوا له غاية الاخلاص، وتفننوا فيه، حتى بلغوا به هذه المنزلة الرفيعة والدرجة العالية.
وقد حسن هؤلاء الرواد الخط وضبطوا قواعده وطوروه وصار كل واحد منهم مدرسة قائمة(5). ولكل واحد من هؤلاء الثلاثة طريقة خاصة تعرف باسمه، ولو في بعض الخطوط حيث اشتهر بعضهم بخط واحد ونبغ فيه وبزّ من سبقه من الخطاطين.
1- ابن مقلة أكبر الخطاطين
من منا لم يسمع بالخطاط ابن مقلة، إنه خطاط شهير وكاتب معروف وأديب كبير، واسمه الوزير ابو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة وكان وزيراً، وزر عدة مرات.
ولد ابن مقلة ببغداد يوم 9 شوال من سنة 272 هجرية، وقد وصل إلى مرتبة عالية في فن الخط العربي ونبغ نبوغاً كبيراً وانتهت إليه جودة الخط وحسن تحريره. وهو الذي وضع القواعد المهمة في تطوير الخط العربي وقياس ابعاده وأوضاعه، ويعتبر المؤسس الأول لقاعدتي الثلث والنسخ وعلى أسلوبه سار الخطاطون من بعده(6).
وفي بداية الأمر كان ابن مقلة في وظائف الدولة يتولى بعض اعمال بلاد فارس ويحيي خراجها، وقد اختاره الخليفة العباسي المقتدر بالله وزيراً له في سنة 316 هجرية، وعزله عن الوزارة واعتقله في سنة 318 هـ وصادر املاكه ونفاه إلى فارس.
ولما انتقلت الخلافة إلى القاهر بالله استدعاه من بلاد فارس واتخذه وزيراً له، وخلع عليه واكرمه، ثم شعر الخليفة القاهر بان ابن مقلة يأتمر عليه مع علي بن بليق للفتك به. ولما علم ابن مقلة بان الخليفة قد شعر بالمؤامرة، اختفى عن انظار الخليفة سنة 321هـ وبقي يجتمع بالقواد سراً ويغريهم بالخليفة. وكان ابن مقلة يظهر بأزياء مختلفة وحتى بزي امرأة أيضاً، وبقي متخفياً حتى انتقلت الخلافة إلى الراضي بالله فعاد ابن مقلة وزيراً له في جمادي الاولى سنة 322 هجرية.
وبقي هذا الخطاط ناعم البال في هذه الوزارة، وكذلك نال الوزارة ابنه علي بن محمد حيث صار وزيراً للخليفة الراضي بالله أيضاً. لقد كان للمظفر بن ياقوت تأثير كبير على الخليفة، وكان بين المظفر وابن مقلة وحشة وحَسَد، فعمل المظفر على التنكيل بابن مقلة واوغر صدر الخليفة عليه، وبقي ابن مقلة بعد ذلك عرضة للمحن والفتن من الحاسدين، حتى توفي سنة 324 هجرية(7).
2- ابن البواب
ابن البواب خطاط مشهور من بغداد، جاء بعد الخطاط ابن مقلة، وجوّد طريقته وهذبها وطوّرها وزاد عليها من التحسين والرونق ما جعلها في غاية الحسن والكمال.
وهو أبو الحسن علي بن هلال بن عبد العزيز المعروف بابن البواب البغدادي.. كان فريداً في زمانه في خطه، قرأ القرآن الكريم وتفقه وأخذ علوم اللغة العربية عن أبي الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة 392 هجرية. وكان ابن البواب يصحب ابا الحسين ابن سمعون اشهر وعاظ بغداد.
نشأ ابن البواب محباً لفن الخط العربي ومال اليه بكليته، وكان ذا ورع ودين، وقد وعظ بجامع المنصور في بغداد، وكان في شبابه مزوقاً يشتغل بتصوير الدور والكتب والدواوين، ثم عشق من الخط وبرز فيه وأتقن قاعدة ابن مقلة ثم جوّدها وحسّنها وأبدع في اوضاع الحروف العربية وابعادها(8).
وبلغ ابن البواب شأواً بعيداً لم يبلغه أحد في عصره، وإليه انتهت رئاسة الخط في ايامه و لم يقاربه أحد في خطه. ولما ولي الوزير ابو غالب محمد بن علي الواسطي امر العراق جعل ابن البواب من ندمائه لما كان لابن البواب من اللياقة والأدب وحسن الخط والأمانة والعلم. كما انه كان مليح الاسلوب في النثر، وله شعر ولكنه لا يقوم مع نثره.
عمل الخطاط ابن البواب البغدادي خازناً(أي مديراً) لكتب بهاء الدولة بن عَضُد الدولة في شيراز، وأفاد ابن البواب من تلك المكتبة كثيراً ثم رجع إلى مدينة بغداد وهو ينضح ادباً وفناً وعلماً. توفى ابن البواب في الثاني من جمادي الاولى سنة 413 هجرية، في خلافة القادر بالله(9).
3- ياقوت المستعصمي
وهو أبو الدر، جمال الدين ياقوت المستعصمي الرومي الكاتب كما يذكر صاحب كشف الظنون(10) هو ثالث عمالقة الخط الذين عاشوا في مدينة بغداد، واشتراه الخليفة العباسي المستعصم بالله وهو آخر الخلفاء العباسيين المتوفى سنة 656 هجرية.
نشأ المستعصمي في دار الخلافة، واعتنى بتعليمه فنون الخط الشيخ صفي الدين عبد المؤمن احد فقهاء المدرسة المستنصرية وأشهر كتاب زمانه. وقد عشق ياقوت فنون الخط العربي منذ صباه، حتى برع فيه وأظهر من المهارة ما جعله في مصاف العظماء من الخطاطين. وبقي ياقوت يتملى خطوط الأئمة المجودين ممن سبقوه في هذا المضمار، حتى بلغ الغاية في حسن الحظ وجماله وضبط قواعده واصوله وفاق ابن البواب في جمال الخط وحسن تنسيقه والابداع في تراكيبه فلقب بـ (قبلة الكتاب)(11).
لقد تصدّر ياقوت المستعصمي لتعليم فنون الخط وبغلت شهرته الآفاق، وقصده الناس، وبالغوا في اقتناء خطوطه. وقد أخذ عنه الخط ابناء الأكابر في بغداد، ومنهم مظفر الدين علي بن علاء الدين ابن الجويني صاحب الديوان، وشرف الدين هارون زوج حفيدة الخليفة المستعصم، ونجم الدين البغدادي العالم النحوي العروضي القارئ المشهور، وابو المعالي محمد نجل بن الفوطي المؤرخ، وعلم الدين سنجر بن عبد الله الرومي. وكان لياقوت ذوق رفيع في الأدب والشعر، إضافة إلى تفوقه في تحرير الخطوط وتجويدها.
وكان ياقوت خازناً بدار الكتب في المدرسة المستنصرية باشراف المؤرخ الشهير ابن الفوطي. وقد أفاد ياقوت من دار الكتب كثيراً، وكان يجتمع بالأدباء والعلماء والشعراء والوزراء، فعرفوا فضله، وقدّروا فنه ونال رعايتهم وتشجيعهم حتى بلغ القمة وتربع على عرش الخط العربي، وصار مضرب المثل في حسن الخط. وعند سقوط بغداد على يد هولاكو عزل ياقوت عن خزانة كتب المستنصرية وفوض أمر خزائن الكتب إلى موفق الدين ابن أبي الحديد وأخيه عز الدين. توفي المستعصمي ببغداد سنة 691 هجرية(12).
هؤلاء الثلاثة: ابن مقلة وابن البواب والمستعصمي، هم أشهر خطاطي الخط العربي، عاشوا في بغداد، علـّموا من جاء بعدهم فسار الكل على نهجهم.

الهوامش
ـــــــ

(*) باحث من العراق، متخصص في تاريخ العلوم وتاريخ الفلك.
(1) تراجم خطاطي بغداد المعاصرين، وليد الاعظمي: 26.
(2) الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي، زكي محمد حسن: 67.
(3) المرجع السابق: 80.
(4) تراجم خطاطي بغداد المعاصرين: 27.
(5) المرجع السابق: 108-109.
(6) وفيات الاعيان، ابن خلكان، ج4: 198.
(7) تراجم خطاطي بغداد المعاصرين: 112-113.
(8) وفيات الاعيان لابن خلكان، ج3: 28.
(9) تراجم خطاطي بغداد المعاصرين: 118.
(10) كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون، حاج خليفة، ج1: 711.
(11) تراجم خطاطي بغداد المعاصرين: 123.
(12) المرجع السابق: 124-127.