الحضارية «أعلام العراق»

الاربعاء: 18/06/2008


الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1879م ـ 1954م)
ورؤيته الإصلاحية

م. د. عز الدين عبد الرسول علي خان المدني(*)
(خاص للمعهد)

المقدمة:
شهد الربع الأول من القرن العشرين بوادر حركة فكرية وسياسية تمثلت في إطلاق الدعوة لمقاومة الغزو الثقافي والتغلغل الاقتصادي الأوربي في العراق والوطن العرب من خلال نشر العديد من المؤلفات التي انتقدت الحضارة الغربية ومخاطرها على المجتمعات، ونتيجة لذلك فقد أصدر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء عدة كتب أهمها كتابه (الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية)عالج فيه أسباب الأزمة التي تعاني منها الدعوة إلى الإسلام وبين فيه مخاطر الحضارة الغربية المتمثلة بالغزوالثقافي وانعكاسه على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية فاخترت أن تكون رؤى الشيخ الإصلاحية تجاه تلك الجوانب حصرا تاركا المجال لغيري من الباحثين ليخوض في غمارها.
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: حياته وآثاره
هو الشيخ محمد بن الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا بن الشيخ موسى بن الشيخ جعفر صاحب كتاب كشف الغطاء ومنه جاء لقبهم(1) ولد في مدينة النجف الاشرف عام 1876م، في اسرة علمية دينية قدمت الكثير من العلماء والمجتهدين(2) ينحدر من اسرة عربية عريقة(3)، ترجع في نسبها الى قبيلة بني مالك من قبائل العراق المعروفة (بال علي)، وينتهي الى (مالك بن الحارث بن الاشتر)صاحب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام)(4).
كان الشيخ جعفر الكبير صاحب كتاب (كشف الغطاء) معروفا بفضله وعلمه حتى آلت اليه المرجعية الدينية في النجف، وتمكن من بناء أسس قوية وفاعلة، جعلت من اسرته ذات تأثير كبير في مدينة النجف الأشرف وغيرها، فاعتلت مرتبة التوجيه والارشاد مدة قاربت القرنين من الزمان(5). وقد تكفل والده بتعليمه(6)، وكان معروفا بسعة علمه واجتهاده قصده العديد من طلبة العلم لحضور دروسه والنهل من علمه.
أسهمت تلك الاجواء العلمية في بناء شخصية الشيخ محمد حسين فسعى بكل جهد حتى أصبح من العلماء البارزين في الفقه والاصول، وكان كاتبا متميزا وخطيبا بارعا ومتحدثا بليغا عرف بتأثيره على مستمعيه(7).
تنوعت مصادر دراسته، فلم يكتف بدراسة مقدمات العلوم من نحو وصرف ومنطق فحسب، بل اتجه الى دراسة العديد من العلوم كالحساب والهيأة والفلك والفلسفة وعلم الكلام(8).
واستفاد ايضا من دروس الشيخ محمد نجيب احد ابرز علماء الجامع الازهر الذي عرفه بسعة المعرفة وقابلية فكرية متميزة(9)، وفي الوقت الذي كان فيه الشيخ يأخذ علومه من كبار علماء عصره كانت له حلقة دراسية، يديرها بما عرف عنه من أسلوب متميز وطريقة تدريس واضحة تعكس اطلاعه وقابليته في التعبير عن ارائه بحرية معتمدا الحوار الهادف المعزز بالبراهين والادلة المنطقية(10).
وجدير بالذكر هنا، ان البيئة الفكرية لمدينة النجف الأشرف قد أسهمت بشكل فاعل بصقل شخصيته، لما تميزت به من حركة فكرية وثقافية نتيجة لتوافد الافكار الحديثة التي أثرت على الشخصية المثقفة فيها، فأسهمت المجلات التي صدرت في كل من مصر وسوريا في تكوين نهضة فكرية مهدت لتطور أدباء وكتاب اهتموا بتمجيد تراث العربية وتاريخها العريق(11)، فكان من تراثه رده على تلك الكتابات التي ظهرت في بعض المجلات مستخدما الادلة المنطقية(12)، وعدت كتاباته عن البابية والبهائية مرجعا لكل الباحثين والدارسين لتاريخ هذه الفرق(13).
ولا بد من الاشارة هنا الى ان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء تأثر بالكثير من النظريات الحديثة، وافكار النهضة الاوربية التي لا تتقاطع كلية مع الدين الاسلامي(14). واستفاد كثيرا من دراسته للتاريخ الاسلامي لما فيه من عبرة وموعظة وضمن خطبه أمثلة تاريخية صادقة وأثر على سامعيه(15).
له لقاءات بالعديد من العلماء والمفكرين في البلدان التي زارها، فقد التقى العديد من الوطنيين السوريين واللبنانيين، كأحمد عارف الزين والشيخ أحمد طيارة وعبد الكريم الخليل وغيرهم، فضلا عن مشاركته وتأييده لمواقفهم الوطنية وتجلى ذلك فيما كتبه من مقالات في الصحف السورية مجدت تلك المواقف(16).
وعند زيارته لفلسطين اثناء انعقاد المؤتمر الاسلامي في القدس (1931م) التقى بعدد من الشخصيات التي مثلت بلدانها فيه امثال الشيخ نعمان الاعظمي ومحمد بهجة الاتري، ومحمد رشيد رضا واخرون، وكانت التكية التي تقع بجوار المسجد الاقصى مقرا لاقامته(17).
كان لحضوره دور فاعل في انجاح المؤتمر من خلال دعواته للمسلمين لوحدة الكلمة والصف ونبذ التعصب الطائفي(18).
ولقد تلقى الشيخ العديد من الدعوات لزيارة البلدان العربية والاسلامية، فكانت زيارته لايران سنة 1932 التي دعا فيها الى التمسك بالمبادئ الاسلامية وعدم الانجراف بتيار الحضارة الغربية(19)، وتكررت تلك الدعوات اثناء زيارته للباكستان وحضوره فعاليات المؤتمر الاسلامي المنعقد فيها سنة 1952م(20).
وضع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء العديد من المؤلفات حصلت على شهرة واسعة بينها(21):
1- الدين والاسلام أو الدعوة الاسلامية.
2- التوضيح في بيان ما هو الانجيل وما هو المسيح.
3- المراجعات الريحانية، المطالعات والمراجعات، المطبعة الاهلية، بيروت، 1913.
4- الايات البينات في قمع البدع والضلالات.
5- أصل الشيعة وأصولها، المطبعة الحيدرية، النجف، 1955.
6- الفردوس الاعلى، جمع وتعليق محمد علي القاضي، تبريز، 1960.
7- الميثاق العربي الوطني، تعليق عبد الغني الخضري، النجف، 1938.
8- جنة المأوى.
9- في السياسة والحكمة.
10- المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون.
11- محاورة الامام كاشف الغطاء مع السفيرين البريطاني والامريكي في بغداد.
12- خطب الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، جمعها عبد الحليم كاشف الغطاء، النجف، 1966.
13- العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية.
14- السياسة الحسينية، النجف، 1951.
15- الارض والتربة الحسينية، النجف، 1953.
16- الوجيز في الفقه، النجف، 1926.
17- تحرير المجلة، الاجزاء 3،2،1،النجف، 1940.
18- سؤال وجواب في الفتاوي الفقهية، النجف 1931.
19- تعليقات على العروة الوثقى، النجف.
فضلا عن العديد من الكتب التي لم يتسع المجال لذكرها والمخطوطات التي ما زالت محفوظة عند نجله الشيخ شريف كاشف الغطاء.
رؤية الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الإصلاحية للعديد من الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية
1- التعليم: لقد شغلت الاوضاع الاجتماعية اهتمام الشيخ محمد حسين فقد كان تركيزه على التعليم ومناهجه، لانها الاساس في تقدم كل امة ورقيها، ومن هذا المنطق نجد ان دعوة الشيخ لاصلاح التعليم ومناهجه التي وضعها المستعمرون الذين استهدفوا من خلالها تحجيم ابناء البلاد من تحصيل العلم والمعرفة، فقد دعا الشباب الى عدم الاقتصار على ما ياخذونه من تلك المناهج فحسب، بل شجعهم على الاعتماد على النفس في البحث والتعلم، وان لا يجعلوا هدف تعلمهم الحصول على الوظيفة التي تؤدي الى قتل الطموح وتقيد الحماسة والاندفاع في العمل(22).
كما دعا الشيخ محمد حسين الى تأهيل التعليم ليكون في خدمة التنمية العربية ومحاربة الحالة الاستهلاكية التي يحاول المستعمر غرس جذورها في البلاد العربية، من خلال فرض انماط تعليمية تخدم مصالحه(23). ولم يكتف بذلك بل أكد أهمية الحفاظ على سلامة اللغة العربية والدور الذي يمكن أن يضطلع به الشباب في هذا المجال، وأبدى صرامة وشدة في مجال الدفاع عن اللغة العربية بوصفها موحدة للامة، إذ عدّ كل من تخلى عن اللغة واللسان العربي وان كان في بلاد المهجر، خائنا لله والدين والوطن لأن فناء الامم مرتبط بفناء لغتها وتقاليدها(24).
2- الدين: دعا الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الى الاهتمام بالتعليم الحديث لكتابة العقيدة باسوب بسيط قادر على الوصول الى كل المسلمين، وتنقية الدين مما لحق به من أباطيل واضافات جعلته عرضة للنفور، وطالب أيضا بكتابة العقائد باسلوب حديث يتلاءم مع روح العصر، لأن الأسلوب القديم الذي كتبت به زاد من تعقيدها وعدم فهمها(25)، ولهذا فقد ابتعد الشيخ في اسلوبه عن الغموض في اللفظ والمعنى وكثرة التأويلات المعيقة لفهم النص لتظهر كتاباته واضحة مفهومة لمختلف الطبقات الاجتماعية.
وقد عبر عن رؤيته لأهمية الاصلاح الديني وقدرته على رفع الجهل وتمكين الدين الصحيح في النفوس، وتخليص العقيدة من الدجل الذي أسهم بتغلغل الروح الغربية الى الجسد الإسلامي(26). وألقى الشيخ باللائمة على علماء الامة ومصلحيها لما لحق بها من ضعف ووهن لأنهم أهملوا جانب الإرشاد بإهمالهم التعليم الحديث كعامل تقريب للعقائد الاسلامية، مما جعل الاصابع تتهم الاسلام بالجمود والانغلاق الفكري مما تسبب في زيادة معاناة المسلمين وانحلال دولهم وتدهورها(27).
ولتأكيد نظرية التوفيقية بين الاسلام والعلوم الحديثة(28)، دعا الشيخ علماء الامة وفلاسفتها ومفكريها لتشكيل لجنة تتولى تخليص العقيدة مما لحق بها من شوائب لتقبلها النفوس وترتضيها(29). وقد آمن الشيخ بالتوافق بين العقل والعلم والدين وان كلا منهم يدعو للاخر ولايناقضه، ولهذا فإنه قسم الناس في نظرتهم للعلم الى ثلاثة أقسام(30):
1- قسم لا تعنيه العلوم ولا يهمه الحصول عليها، فلقد استكان للجهل والظلام فهو والبهيمة على حد سواء.
2- وآخر بحث ونقب ونظر في المعارف واكتفى بالوقوف عند نقطة معينة معتقدا بأنه حقق ما يصبو إليه.
3- وثالث استمر في البحث والتنقيب ويبقى عقله مستمرا في النظر بالعلوم والمعارف ويعتقد أن ما حققه خطوة على لطريق الصحيح.
وبسبب الشكوك التي راودته حول المناهج وأساليب التدريس المتبعة في المدارس الحكومية(31)، وصفها غير مشجعة على الابداع والتقدم فقد جاءت دعواته الملحة لتأسيس مدارس مرادفة لها تأخذ على عاتقها النهوض بالواقع العلمي، منطلقا في هذا المجال من ان اكثر المناهج التي وضعها المستعمرون تهدف الى نشر ثقافة التحلل بين صفوف الشباب(32).
وعلى اساس ما تقدم وصف الشيخ التعليم بأنه أداة فاعلة في بناء شخصية الفرد وسلوكه الانساني لذا أكد هدف المدارس والتعليم هو تربية الجيل تربية دينية أخلاقية ووطنية، وتأكيدا لهذا المنهاج، فقد جدد الشيخ مدرسة أجداده (مدرسة آل كاشف الغطاء) وتولى إصلاحها وادخال النظم والعلوم الحديثة اليها، وشكل لجنة من علماء الدين، لوضع مناهج جديدة تواكب الطرق العصرية الحديثة في التعليم(33)، قد حصلت هذه المدرسة على اعتراف الحكومة وأقرت نظامها الدراسي ومناهجها، وانضم اليها طلاب من مختلف الجنسيات فضلا عن العديد من الطلبة العراقيين(34). طالب الشيخ بنشر الوعي العلمي والثقافي من خلال الصحف والمجلات واكد رفض التعصب المذهبي وضرورة الاحتكام الى العقل(35).
3- المرأة: من المسائل الاجتماعية التي دار حولها النقاش الفكري وأثارت اهتمام الشيخ محمد حسين هي قضية المرأة فقد ركز الشيخ على جانب الاصلاح الاجتماعي من خلال تأكيده على مكانتها وطالب بتعليمها وتهذيبها على الرغم من ان دعوته تلك واجهت عقبات كثيرة، فقد عدها المحافظون خروجا عن التعاليم الاسلامية، واستجابة للدعوات الغربية، ودعوة صريحة للمرأة بالتمرد(36).
وعالج الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء هذه القضية بموضوعية وبروح إسلامية بعيدا عن الجمود، وانتقد بشدة الذين اعتبروا المرأة سلعة تباع وتشترى، فقد يؤدي ذلك الى حرمان المجتمع من خيراتها في مجالات قد تبدع فيها وتتفوق على الرجل(37). وعارض بشدة الدعوات التي تطالب المرأة بالقيام بأعمال لا تتناسب وعفتها ولا مع دورها الفاعل في بناء الأسرة(38). فكان موقف هذه القضية يتطابق ونظرة الشريعة الإسلامية التي أولت المرأة أهمية متميزة وأعطتها منزلة عظيمة، فقد عد الشيخ محمد حسين المرأة أعظم مخلوق بيده خير المجتمع وشره، وصلاحه وفساده، سموّه وهبوطه، لذلك طالب بأن يرسم للمرأة طريق الصلاح والبناء ويهيئ لها أسباب التعلم وحثها على التخلص من الأمية لأن لها دورا في بناء المجتمع(39). دعاها أيضا للقيام بدورها الفاعل في نهضة البلاد والثورة على الظلم والظالمين، وأكد على حق المرأة بالمشاركة بالأعمال السياسية، ويرى بأن الأفضل للمرأة هوتشكيل الجمعيات النسوية التي تأخذ على عاتقها عقد المؤتمرات والعمل على مكافحة الفساد في المجتماع وانتشال الفتيات اللاتي اسقطتهن الظروف في مهاوي الرذيلة، فيشكلن بذلك خطورة على البناء بافسادهن الشباب(40). واما الغرض من هذه الجمعيات فهو نصرة المظلوم وتشغيل العاطلين عن العمل واسعاف المرضى وذوي العاهات وشدد على التزام المرأة بالقيم والاخلاق وطالبها بأن يكون من اوليات اعمالها رعايتها لبيتها وزوجها وأولادها(41).
4- قضايا اجتماعية اخرى: انتقد الشيخ محمد حسين العديد من الظواهر السلبية التي عانى منها المجتمع العراقي، فقد دعا الى محاربة العادات الاجتماعية التي باتت تنخر في المجتمع العراقي، وأكد أن كل طبقة من طبقاته بحاجة الى تغيير واصلاح جذري، فانتشار الرشوة والفساد الاداري، تشكل خطرا يهدد كيان المجتمع(42). كما ان انتشار الملاهي وإباحة الخمور ومعدات الفسق والفجور في البلاد هي من مكائد الاستعمار، وأكد دور الشباب المثقف الواعي في التصدي لهذه الظواهر، فهم السلاح الجاهز للأمة وقوتها وعدتها عند الشدائد، وخاطبهم بقوله: «أيها الشباب الأنجاب، أيها الأولاد الأمجاد، أنتم رجال الغد وإن كنتم أبناء اليوم عليكم اليوم العمل... أنتم للبلاد وهي لكم، انهضوا نهضة شريفة تعيدون بها مجد أسلافكم، تعاشروا بعضكم مع بعض بروح الحنان والرحمة والاخاء والمودة.......وان أهم ما يجب ويلزم على الشباب، أن يعتصم بالعروة الوثقى من النزاهة والعفة ولا يفسح لنفسه مجالا للركض وراء الشهوات، فستستدرجه الى مداحض الفسوق وبؤر المفاسد، فيخسر شرفه وعزة نفسه بل يخسر نفسه، وتخسره الامة»(43).
5- الاوضاع الاقتصادية: لقد عانى الاقتصاد العراقي من التخلف والتبعية، ونظرا لأهمية الاقتصاد الوطني الذي يعتمد على ما تملكه الدولة من قدرات وامكانيات يمكن تسخيرها لتحقيق الثروة والنمو الاقتصادي فقد أكد الشيخ محمد حسين على أهمية الاستقلال السياسي والاقتصادي(44)، فالتبعية الاقتصادية والاعتماد على الاخرين وعدم الاكتفاء الذاتي، وذهاب ثروات البلد، تلغي وبشكل صريح استقلاله السياسي، فيصبح استقلالا شكليا فقط، ودعا الى بناء اقتصاد قوي من خلال البناء الذاتي والاعتماد على النفس، وهذا لا يتحقق الا من خلال الصبر والمثابرة، ووجود رجال قادرين على صنع هذا الاستقلال. وأكد الشيخ بأن أي مجتمع لا يمكن أن يحيى بدون اقتصاد ودعا الى بذل العمل الجاد لتكوين الثروة من خلال نضال الانسان ضد الطبيعة واستخدامه كل القدرات المتوفرة لديه في توفيرالخيرات الحياتيةالضرورية لبناء المجتمع(45)، وان بناء اقتصاد قوي يتطلب اثارة روح الابداع لدى الشباب في استغلالهم لطاقات الامة والاستفادة من الثروات الطبيعية الكثيرة التي منّ الله جلّت قدرته بها على هذه الأمة في إقامة صناعة متطورة، من خلال تسخير مناهج التعليم لتكون في خدمة التنمية الاقتصادية(46).
وقد اتسمت نظرة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء للاقتصاد العراقي بشيء من الشمول فهو يؤكد بأن العراق بلد غني بثرواته التي لم تستغل بعد، فالعديد من الأراضي البور يمكن تحويلها الى اراضي زراعية لو أقدمت الحكومة على استصلاحها وزراعتها وتشغيل الاف العاطلين عن العمل مساهمة منها في تخليص الكثير من العراقيين من حالة الفقر، وأبدى الشيخ محمد حسين أسفه لعدم نجاح هذه المشاريع وذلك بسبب الاستعمار، لأن نجاحها يساعد في تحقيق الاستقلال الاقتصادي ويضرب مثلا لذلك فيقول: «أن التمر كان من أهم الصادرات العراقية والعمود الفقري لمعيشة أهله، إذ كان يباع بأسعار مجزية، ولكن بعد تكريس السيطرة الاستعمارية في العراق فإن أسعار التمور قد انخفضت، وأصبح لا يكفي معيشة الفلاحين فعمّ الفقر وانتشر البؤس، وتمكن أفراد معدودون من الاقطاعيين من تحقيق الثروات ويمكن على التمور قياس بقية المحاصيل»(47).
ودعا الشيخ محمد حسين الى الاهتمام بالصناعة وتطويرها دعما لاقتصاديات البلد، فقد أكد على ضرورة الاعتماد على الصناعة المحلية ونبذ السلع المستوردة، حتى اذا تطلب الامر الاستعانة بخوص النخيل لنسج الملابس عوضا عن الملابس الاجنبية، لأن الأمة التي تعتمد على غيرها في كل صغيرة وكبيرة يذهب عزها وتفقد استقلالها منذ اليوم الاول الذي اعتمدت فيه على غيرها فتنهار تجارتها وزراعتها وصناعتها(48).
وأكد الشيخ ان البريطانيين على الرغم من استقلال العراق شكليا فقد سعوا الى استغلال موارده خدمة لمصالحهم، فبناء خطوط السكك الحديد والموانئ والجسور والمباني العسكرية وغيرها تعود بالنفع لصالح بريطانيا في ظل انعدام التكافؤ في الميزان التجاري بينهما(49).

الهوامش
ــــــــ
(*) قسم التاريخ ـ كلية الآداب ـ جامعة الكوفة
(1) محمد هادي الاميني، معجم رجال الفكر في النجف خلال الف عام، مطبعة الاداب، النجف، بلا ت، ص:365.
(2) علي الخاقاني، شعراء الغري (النجفيات)، المطبعة الحيدرية، النجف،1956،ج10،ص181.
(3) محمد حسين كاشف الغطاء، العبقات العبرية في الطبقات، تحقيق جودت القزويني، دار بيان للنشر والتوزيع، بيروت ط1، 1988، ص12.
(4) محمد حسين كاشف الغطاء،جنة المأوى،ط1جمع وتحقيق محمد علي القاضي،مطبعة شركة جاب، تيريز،1965م،ص15
(5) جعفر باقر محبوبة، ماضي النجف وحاضرها، ط، المطبعة العلمية النجف، 1955،ج3،ص183.
(6) علي الخاقاني، المصدر السابق،ص100.
(7) محمد حرز الدين، معارف الرجال في تراجم العلماء والادباء،تعليق محمد حسين حرز الدين، مطبعة الادباء،النجف الاشرف، 1964،ج2،ص24.
(8) محمد حسين كاشف الغطاء، جنة المأوى، ص24.
(9) محمد حسين كاشف الغطاء، الايات البينات في قمع البدع والضلالات، المطبعة العلوية، النجف،1926،ص5.
(10) محمد حسين كاشف الغطاء، جنة المأوى، ص26.
(11) علي كاشف الغطاء، سعد صالح في مواقفه الوطنية 1920-1950، مطبعة الراية بغداد، 1989، ص44.
(12) محمد حسين كاشف الغطاء، التوضيح في بيان ما هو الافحيل وما هو المسح، مصر 1912، ج1، ص5.
(13) لمعرفة المزيد عن هذه الفرق ،ينظر، محمد حين كاشف الغطاء، الايات البينات، ص3 وما بعدها.
(14) محمد حسن كاشف الغطاء، الدين والاسلام أوالدعوة الاسلامية، دار المعارف للطباعة والنشر، بيروت، بلا،ت، ج2،ص450.
(15) محمد حسين كاشف الغطاء/ تحرير المجلة، المطبعة الحيديرية، النجف، 1940م، ص166.
(16) محمد حسين كاشف الغطاء، محاورة الامام المصلح مع السفيرين البريطاني والامريكي في بغداد، المطبعة التجارية، يوستن ايرس،1955، ص39.
(17) محمد حسين كاشف الغطاء، محاورة الامام المصلح مع السفيرين،ص39.
(18) محمد حسين كاشف الغطاء، في السياسة والحكمة، دار البلاغ، بيروت، 1982،ص14.
(19) محمد حسين كاشف الغطاء، جنة المأوى، ص48.
(20) محمد حسين كاشف الغطاء، محاورة الامام المصلح بين السفيرين، ص58-60.
(21) الهاتف:(جريدة)، العدد(268)،السنة الاسبعة،20 ايار 1941، الغري (مجلة)، العدد(3)، السنة الخامسة عشرة، 22 كانون الاول، 1953، ص14، العرفان (مجلة)، ج19، كانون الاول، 1912، ص50.
(22) محمد حسين كاشف الغطاء، الميثاق العربي، ص69.
(23) حيدر نزار، المصدر السابق، ص86.
(24) محمد حسين كاشف الغطاء، الميثاق العربي، ص75.
(25) محمد حسين كاشف الغطاء، الدين والاسلام، ص27.
(26) المصدر نفسه، ص19.
(27) على محافظة، الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة، 1798-1914م، الاهلية للنشر والتوزيع بلا.ت. ص78.
(28) موريس بوكاي، القرآن والتوراة والإنجيل، دراسة للكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة،ط4 دار المعارف،لبنان،1977،ص135 وما بعدها.
(29) محمد حسين كاشف الغطاء،الدين والاسلام، ص32-33.
(30) حيدر نزار، المصدر السابق، ص76.
(31) محمد حسين كاشف الغطاء،جنة المأوى، ص132.
(32) محمد حسين كاشف الغطاء، الميثاق العربي،ص71.
(33) الهاتف (جريدة)، العدد(64) في 19 شباط 1937.
(34) العرفان (مجلة)، الجزء الثاني، المجلد (29)، نيسان 1939، ص185.
(35) محمد حسين كاشف الغطاء، الدين والاسلام، ص19-27.
(36) كاظم حطيط، أعلام ورواد في الأدب العربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، بلا ت، ص42-246.
(37) منير بكر التكريتي، أساليب المقالة في الأدب العراقي الحديث والصحافة العراقية، مطبعة الارشاد، بغداد، 1976، ص386.
(38) محمد حسين كاشف الغطاء، الميثاق العربي، ص94.
(40) منير بكر التكريتي،ادباء صحفيون، بغداد، 1979، ص103.
(41) حيدر نزار، المصدر السابق، ص91.
(42) محمد حسين كاشف الغطاء، الاتحاد والاقتصاد، المطبعة العلوية، النجف، 1931، ص19.
(43) الاعتدال (مجلة)، النجف، العدد(1) السنة الثانية، حزيران 1934، ص2.
(44) محمد حسين كاشف الغطاء، في السياسة والحكمة، ص30.
(45) المصدر نفسه، ص30.
(46) المصدر نفسه، ص42.
(47) حيدر نزار، المصدر السابق، ص100-101.
(48) محمد حسين كاشف الغطاء، في السياسة والحكمة، ص42.
(49) محمد حسين كاشف الغطاء، المحاورة بين السفيرين، ص8-9.