الحضارية «اعلام العراق»

 الاحد: 04/05/2008

 

البديع الاسطرلابي تکنلوجی بغدادي قبل عصر التكنولوجيا

عبد الأمير المؤمن(*)

(خاص للمعهد)

كان القدماء يهتمون بشكل اساسي بالمادة النظرية أو العلوم النظرية والفكرية، ويقدمونها على المادة العلمية والعملية والتكنولوجية أو علم الصناعات والتي تعرف في المصطلح الحديث بالتكنولوجية(1)، بل والأكثر من ذلك انـّهم يحتقرون في كثير من الاحيان هذه العلوم الصناعية والتكنولوجية ويعدّون المهتم بها أو المشتغلين بها أدنى درجة من أصحاب العلوم النظرية.
وهي فكرة أو نزعة انحدرت الينا في العصر اليوناني بشكل خاص، فقد ورد «ان المعاريج التي بالاسكندرية مثل الدرج كانت مجالس العلماء يجلسون عليها على طبقاتهم، فكان أوضعهم علماً الذي يعمل الكيمياء من الذهب والفضة، فان مجلسه كان على الدرجة السفلى»(2). ومثل الكيمياء أو على درجة أقل العلوم العملية الأخرى.
وعلى الرغم من انتقال هذه النظرة على العالم الإسلامي الا أن الحضارة الإسلامية اهتمت بالعلوم العملية والتطبيقية بشكل كبير، وتكفينا شواهد قوية مثل جابر بن حيان وابن الهيثم وغيرهما وتكفينا من العلوم: الصيدلة والطب والنبات وعلوم الحيل، والأدوات والآلات الكثيرة التي كانت تصنع ضمن هذه العلوم لاستخدامها في تحقيق الاهداف العلمية.
وقد برزت اسماء صنـّاع ادوات وآلات أخذوا شهرة كبيرة طارت في كل الآفاق وخاصة على مستوى علم الفلك والارصاد الفلكية فقد ذكر لنا التاريخ علماء او صنـّاع ادوات بلقب (الاسطرلابي) أي صانع الاسطرلاب والادوات الفلكية الأخرى منهم مثلاً علي بن عيسى الاسطرلابي والفضل بن نجبة الاسطرلابي والبديع الاسطرلابي الذي نتحدث عنه الآن.
وهذا الأخير أي البديع الأسطرلابي هو اشهر اسم في عالم الاسطرلابي وهو عالم وصانع اسطرلابات بغدادي قدّم الكثير من الانجازات العلمية والتكنولوجية.
الاسطرلاب الذي أخذ البديع لقبه منه
الاسطرلاب هو الآلة التي أخذ منها ابو القاسم هبة الله بن الحسين البغدادي الاسطرلابي لقبه، فقد خلد اتقان وصنع هذه الآلة شخصية هذا العالم العامل. وعلى هذا لابد ان نذكر هذه الآلة الشريفة ما هي وما اعمالها وما قيمتها واهميتها.
والاسطرلاب أشهر آلة فلكية في الحضارة الإسلامية واكثر الآلات استخداماً في رصد السماء والاجرام السماوية، فهي العدّة الاولى للفلكيين والرصاد في كل مكان في العالم القديم. وهو آلة يتصول بها إلى معرفة كثير من احوال الكواكب والنجوم على اسهل طريق واقرب مأخذ وله عدة اسماء منها (ذات الصفائح أو الاقراص) و(الآلة الشريفة) تقديراً لفوائدها الكثيرة ويقال له أيضاً (ميزان الشمس) أو (ميزان الكواكب) أو (مرآة النجوم). وقد أطلق الاسطرلاب على عدة آلات فلكية تنحصر في ثلاثة انواع رئيسية
أـ بحسب ما اذا كانت تمثل مسقط الكرة السماوية على سطح مستوٍ.
ب ـ أو مسقط هذا المسقط على خط مستقيم.
حـ ـ أو الكرة بذاتها بلا أيّ مسقط ما.
وهناك انواع فرعية من الاسطرلابات تعتمد على اشكالها وصورها منها الاسطرلاب الهلالي والاسطرلاب الزورقي، والاسطرلاب التام، والآسي، والعقربي، والقوسي، والمُسَرْطن، وحق القمر، والمغني، وعصى الطوسي، والمبطح(3)، لكن اشهر انواع الاسطرلابات هو الاسطرلاب المسطح أو السطحي.
وقد عرّفه الخوارزمي الكاتب المتوفى سنة 387 هجرية بقوله :«الاسطرلاب معناه مقياس النجوم، وهو باليونانية اسطرلابون وأسطر هو النجم ولابون هو المرآة»(4).
أما الأعمال التي يقوم بها هذا الجهاز فيمكن معرفتها من خلال تعريف حاج خليفة لعلم الاسطرلاب، يقول: «هو علم يبحث فيه عن كيفية استعمال آلة معمودة يتوصل بها إلى معرفة كثير من الأمور النجومية على اسهل طريق وأقرب مأخذ مبيّن في كتبها كارتفاع الشمس ومعرفة الطالع وسمت القبلة وعرض البلاد وغير ذلك..»(5)، وهناك استخدامات اخرى فلكية وملاحية بحرية لا مجال لايرادها هنا في هذه المقالة الصغيرة. والاسطرلاب آلة فلكية عرفها اليونانيون، ذكرت في القرن الثاني قبل الميلاد مرتبطة باسم الفلكي اليوناني هيبارخوس المعروف عند العرب والمسلمين باسم (ابرخسى)، وكانت محدودة القدرة، فطوّرها علماء الفلك المسلمون وادخلوا عليها تحسينات عديدة فاصبحت أداة ذات قيمة علمية كبيرة اكثر من السابق، وعلى قدر عالٍ من الجمال والروعة.
وأول مسلم صنعها هو ـ كما ذكر ابن النديم ـ ابراهيم بن حبيب الفزاري المتوفى في حدود سنة 180 هجرية يقول: «وهو أول من عمل في الإسلام اسطرلاباً وعمل مبطحاً ومسطحاً»(6).
وهناك عدد كبير من العلماء والفلكيين صنعوا الاسطرلاب وعلى اروع ما يكون ـ كما ذكرنا بعضهم ـ وهناك أيضاً عدد من العلماء والفلكيين ألـّفوا في الاسطرلاب كتباً ورسائل ومقالات وفي موضوعات متنوعة تحت عناوين مختلفة مثلا: (رسالة في الاسطرلاب) و(العمل بالاسطرلاب) و(صنعة الاسطرلاب) واسماء أخرى مشابهة.
وفي المتاحف والمعاهد والمكتبات في الوقت الحاضر عدد من الاسطرلابات بعضها ثمين ونفيس وصلت الينا سالمة من قلب التاريخ الإسلامي. وفي الوقت الحاضر لم يعد يستخدم الاسطرلاب بسبب ظهور آلات وأجهزة فلكية متطورة(7).
لقد صنع البديع الاسطرلابي هذه الآلى واتقنها واصبح الاسطرلاب (الآلة) والاسطرلابي (الصانع المبدع) اسماً واحداً فاذا ذكرنا (الاسطرلاب) ذكرنا معه (الاسطرلابي). وإذا عرفنا أن هذه الآلة التراثية هي من اهم الآلات العلمية القديمة لكثرة فوائدها ـ كما ذكرنا ـ ادركنا قمية هذا الصانع المبدع والعالم الفلكي البديع الاسطرلابي.
حياته واهميته
ابو القاسم هبة الله بن الحسين بن احمد البغدادي الاسطرلابي عالم الفلك وصانع مبدع للآلات الفلكية والرصدية والاسطرلاب خاصة، وقد طغى ابداعه الصناعي والتكنولوجي في صنعه للآلات الفلكية والرصدية على علمه الفلكي والرصدي فهو نموذج صارخ لصانعي مبدعي الآلات الفلكية وفي الوقت نفسه اسم شهير في عالم الفلك في حضارتنا الاسلامية، واشهر من لقب بالاسطرلابي على العموم. كان البديع الاسطرلابي في اصفهان ثم انتقل إلى بغداد وعاش فيها وتوفي فيها سنة 534هجرية.
ذكره ابن أبي اصيبعة في كتابه عيون الانباء في طبقات الاطباء، ضمن عنوان: (طبقات الأطباء العراقيين واطباء الجزيرة وديار بكر) وصفه قائلاً: «هو بديع الزمان ابو القاسم هبة الله بن الحسين بن أحمد البغدادي، من الحكماء الفضلاء، والادباء النبلاء، طبيب عالم وفيلسوف متكلم، وغلبت عليه الحكمة وعلم الكلام، والرياضي، وكان متقناً لعلم النجوم والرصد. وكان البديع الاسطرلابي صديقاً لامين الدولة بن التلميذ. وحكي انه اجتمع على امين الدولة باصبهان في سنة عشرة وخمسمائة. وحدثني مهذب الدين ابو نصر محمد بن محمد بن ابراهيم بن الخضر الحلبي، قال: كان البديع الاسطرلابي أوحد زمانه في علم الاسطرلاب، وعمله واتقان صنعته، فعرف بذلك.
أقول (أي ابن أبي اصيبعة) وكان والد مهذب الدين ابي نصر من طبرستان وهو المعروف بالبرهان المنجم. وكان علامة وقته في احكام النجوم (أي التنجيم) وله حكايات عجيبة في ذلك. وقد ذكرت اشياء منها في كتاب اصابات المنجمين. وكان قد اجتمع بالبديع الاسطرلابي وصاحبه مدة. وللبديع نظم جيد حسن المعاني»(8).
ثم يذكر ابن أبي اصيبعة من كتب البديع الاسطرلابي بالقول: «وللبديع الاسطرلابي من الكتب اختصار ديوان ابي عبد الله الحسين بن الحجاج. زيج سماه المعرب المحمودي ألـّفه للسلطان محمود أبي القاسم بن محمد(9). وقال المستشرق الفرنسي سوتر في البديع الاسطرلابي: عالم عربي مشهور وطبيب وفيلسوف وفلكي وشاعر رصد في قصر السطان السلجوقي في بغداد وان الارصاد الفلكية قد تمت بارشاده في عام 524 هجرية في قصر السلطان السلجوقي ببغداد(10).
العالم التكنولوجي المبدع
كان البديع الاسطرلابي عالماً فلكياً ومن صناع الاجهزة الفلكية والرصدية المبدعين، وقد ترجم له الزركلي في اعلامه بقوله: «واشتهر بعمل الآلات الفلكية اختراعاً. وحصل من عملها مال كثير في خلافة المسترشد العباسي. وكما مات لم يخلفه في عملها مثله»(11).
وفي كتابنا «المراصد والآلات الفلكية» وفي الفصل التاسع منه تحدثنا عن (صناع الآلات الرصدية) وذكرنا: «أما في حقل صناعة الآلات الفلكية والرصدية وخاصة صناعة الاسطرلابات واستعمالاتها فكان (أي البديع) اتقن وأشهر. ولعلَّ ما ذكره القفطي من تفصيلات قليلة عن ابداعاته وأعماله في مجال الآلات الفلكية والأسطرلابات، خير دليل على اتساع هذه الشهرة. قول القفطي: «كان بديع الزمان هبة الله هذا وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية. وقد اطلع على اسرارها وعرف بها مقدار مسير أنوارها وأقام على صحة اعماله الحجج الهندسية واثبت ما صنعه منها بالقوانين الاقليديسية وصغر قدر من تقدمه من صنـّاعها واعرب بل أعزب في طرق استنباطها وابتداعها وقام بأمور عجز عنها المتقدمون واعانته يده على اتخاذ آلات هم عنها غافلون».
ومن بداعته في هذه الصناعة ما قاله القفطي: «فمن ذلك ما زاده في الكرة ذات الكرسي مما كمل عملها الذي مرت السنون على نقصه وأخذه العلماء المتقدمون ممن لم يقدر على تكميله ولم يستقصه فقوى عمادها وقوّم منارها» ومن ابداعاته ايضاً ما فعله في الآلات الشاملة التي ابتكرها الخجندي يذكر القفطي:«ومن ذلك ما فعله في الآلات الشاملة حتى صارت بعد نقصها كاملة، وذلك أن مبدعها الخجندي جعلها لعرض واحد وأقام الدليل اللفظي على أنه لا يمكن ان يكون لعروض متعددة، ولما وصلت هذه الآلات إلى البديع أبي القاسم هبة الله وتأملها وأعمل فكرة الذكي في أمرها وصنع منها عدّة حملها إلى اجلاء زمانه احدث له العمل طريقاً في عملها لعروض متعددة، واختبر ذلك بالقواعد الهندسية فصحّ اختباره وظهرت له بعد أن خبت عن غيره ناره فأحكمها لعروض وأتى في ذلك بالمسنون من هذه الصناعة او المفروض..».
اضافة إلى ما ذكرنا صنـّف مساطر وبراكير وغير ذلك وقد صارت في ايدي الناس من ذخائر الجواهر».
وإذا صحّ ما ذكره القفطي عن البديع وما قاله فيما بعد: «وحصلت له بما كان من صنائعه الأموال الكثيرة» فهذا يدل على ان البديع كان فعلاً نموذجاً للفلكي المخترع والصانع الناجح للآلات والاسطرلابات، فالذي يغتني من آلاته الفلكية لا يمكن أن يكون مجرد هاوٍ أو صانع عادي لهذه الآلات، وانما لابد ان يكون صانعاً متقناً لصنعته ومبتكراً لآلات ثمينة لها قيمة عند من يستخدمها ليندفع نحوها مقتنوُها»(12).
 

الهوامش
ــــــ
(*)  باحث من العراق، متخصص في تاريخ العلوم وتاريخ الفلك.
(1) التكنولوجيا: مصطلح حديث وهو ذلك الفرع من النشاط الإنساني الذي يتناول تطبيق العلم في الاغراض العملية ويسمى احيانا (العلم التطبيقي) (المعجم العلمي المصور): 549.
(2) معجم البلدان، ياقوت الحموي، ح1: 176.
(3) مفاتيح العلوم، احمد الخوارزمي الكاتب: 235.
(4) المرجع السابق: 232.
(5) كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون، حاج خليفة، ح1: 106.
(6) الفهرست، ابن النديم: 381.
(7) للمزيد عن الاسطرلاب راجع كتابنا التراث الفلكي عند العرب والمسلمين: 89-92، وكتابنا قاموس دار العلم الفلكي، مادة الاسطرلاب: 51.
(8) عيون الانباء في طبقات الاطباء، ابن أبي اصيبعة: 377.
(9) المرجع السابق: 380.
(10) دائرة المعارف الإسلامية، مجموعة من المستشرقين، ح3: 470.
(11) الاعلام، قاموس تراجم، خير الدين الزرکلی، ح8: 71.
(12) اسم الكتاب الكامل: (المراصد والآلات الفلكية.. قراءة في التكنولوجية الفلكية الإسلامية، عبد الأمير المؤمن: 136-137(والكتاب المخطوط).