الحضارية «أعلام العراق»

الاثنين: 21/04/2008

 

احمد سوسة/ 1900 ـ 1982
عالم الهندسة والآثار والجغرافية

د. عدي محسن الهاشمي(*)
(خاص للمعهد)

ولد نسيم سوسة في مدينة الحلة عام 1900م، ويرجع اسم سوسة إلى القبيلة العربية (بني سواسة) من نواحي حضرموت في اليمن والتي نزحت فيما بعد إلى شمال الجزيرة العربية ومن ثم إلى العراق.
عد آل سوسة من بطون القبائل العربية المتهودة التي حافظت على قوميتها ولغتها وعاداتها مثلها مثل نصارى نجران والمناذرة والغساسنة التي اعتنقت المسيحية ولم تغير شيئا من بقية عناصر عروبتها، وان الكثير من تلك القبائل العربية أسلمت فيما بعد.
سافر نسيم سوسة إلى بيروت لإكمال دراسته حيث التحق بالجامعة الأمريكية هناك، فواجهته في تعيين الصف الذي يحق له الالتحاق به، إذ كان عليه الحصول على شهادة الثانوية التي تسمح له الدخول إلى الكلية، فاجري له امتحان كفاءة، وبعد اجتيازه الحق في الصف الأخير من الدراسة المتوسطة على سبيل التجربة، على أن ينظر بمستواه العلمي فيما بعد. وكان المدرس المكلف بمراقبة دراسته (ارمسترونك Armstrong) وهو أمريكي الجنسية الذي أوصى بعد شهر واحد بنقله إلى الصف الرابع الإعدادي وكان ذلك في حزيران 1923م.
أتم سوسة دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1924، ومن ثم حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1928 من كلية كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد ذلك اختتم دراسته العليا بحصوله على الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز عام 1930 في الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي خضم ذلك انتخب عضوا في مؤسسة (فاي بيتاكيا) العلمية الأمريكية المعروفة، ومنحته جامعة واشنطن عام 1930 جائزة ( ويديل) التي كانت تمنح كل سنة لكاتب أحسن مقال من شأنه أن يساهم في دعم السلم بين دول العالم.
عاد إلى العراق بعد حصوله على شهادة الدكتوراه وعين مهندسا في دائرة الري العراقية عام 1931، والتي بقي فيها ما يقارب الـ (18) سنة، إذ عد أقدم مهندس عراقي تخرج من الجامعات الغربية، وكان له الفضل الكبير في تطوير دائرة الري والمساحة العراقية، ناهيك عن تنفيذ العديد من المشاريع الاروائية التي كان لها المردود الكبير الذي ساهم في دعم الاقتصاد العراقي بالنتيجة النهائية.
وظف سوسة أفكاره في هذه الفترة في مؤلفات رصينة كان لها الوقع الكبير على الساحة العلمية، إذ كان لكتاب (نظام الامتيازات في الدولة العثمانية) الذي طبع وترجم إلى اللغة الإنكليزية عام 1933، صدى واسع أثار إعجاب كثير من المؤلفين والكتاب.
ساعدت عقليته المتنورة على دفعه إلى البحث والتقصي والتفكير الحر مما دفعه إلى الانغماس في دراسة الأديان وأصولها بكل دقة وعمق، الأمر الذي أدى به في النهاية إلى اعتناق الإسلام وتركه اليهودية عام 1936، والذي أوضح ذلك كله في كتابه ( في طريقي إلى الإسلام ) بجزأين،الذي وضح من خلاله مسببات تركه لليهودية واعتناقه الاسلام في نهاية الامر مع تاكيده على وجود الكثير من المشتركات بين الاديان السماوية وبالتالي فان الدين الاسلامي باعتباره خاتم الاديان هو المحصلة النهائية لعلاقة الانسان مع الله لاسيما بعد ان ناقش العديد من القضايا التي كانت مثارا للجدل والنقاش بين الامم، بطرق شتى. هذا فضلا عن مناقشته لافكار عدة كانت تدور في مخيلته تعلقت اغلبها بالخليقة والوجود وصراع الاديان التي هي في الاساس تكاد تكون متشابهه في كثير من الطروحات والافكار،ولم لا يتحول ذلك الصراع الى حوار بين الاديان ومن ثم بين الحضارات والامم وبالتالي الاتفاق على مشتركات تكون هي الاساس في التعامل بين الشعوب والامم مشيرا الى الإسلام كونه شمل كل تلك المفاهيم،ومن هنا تجلت شخصية سوسة الدينية الجديدة معتنقا الإسلام، وأصبح يعرف بـ (أحمد سوسة).
هذا فضلا عن وجود سبب آخر كان عاملا مساعدا لدخوله الإسلام، ألا وهو إسلام عمه (شاؤول) عندما كان احمد سوسة صغيرا وما لاحظه من حزن وأسى وقلق بين كبار أهله اليهود وهو ينتفضون ويجتمعون ويرددون هماً والحسرة طاغية عليهم (( انه صار مسلما)) إذ انطبع كل ذلك المشهد في ذهنه وجعله يتساءل لماذا كل هذا الحزن والقلق وما هو الفرق بين المسلم واليهودي؟ وظل هذا التساؤل يلح عليه ويدعوه إلى اكتشاف السر الغامض فانكب على ما كتب حول تاريخ الأديان ودراسة علم اللاهوت والأديان المقارنة، ومن ثم التوصل إلى أن الإسلام هو دين الحق الذي يجمع بين الديانات السماوية وأنه مبني على أساس المساواة والتسامح. فاختاره عن عقيدة وإيمان، وكتم ذلك عن عائلته لتجنيبها ما تعتقده (مصيبة ثانية) يذكرها بمصيبتها الأولى.
إن هذا التحول لم يأت من الفراغ وإنما جاء عن طريق وعي وإدراك ومستوى عالي من المعرفة أهلته في نهاية الأمر إلى الوصول إلى قناعات نابعة من عمق تحليلي للقضية برمتها، إلا انه لم يأخذ الأمور على علاتها ولم يصدق بكل شيء يكتب أو يقال أو بهذه الخرافة أو تلك الأسطورة. وهذه فائدة الوعي والإدراك المعرفي التي تحرر الإنسان وتساعده على كشف الحقيقة.
انتدب احمد سوسة بعد أن ذاع صيته واشتهر في مجال إدارة مشاريع الري من قبل الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1939 لتنفيذ مشروع ري الخرج، وبالفعل فقد أنجز سوسة ذلك المشروع بكل مهارة.
أصبح سوسة عضوا في المجمع العلمي العراقي منذ تأسيسه عام 1946 وبقي عضوا مؤثرا فيه حتى وفاته.
اهتم اهتماما جما بالتأليف والنشر وقد وصل عدد مؤلفاته إلى الخمسين مؤلفا، بين تقارير واطاليس وكتب، فضلا عن (116) مقالة وبحثاً منشوراً في العديد من المجلات والصحف العلمية توزعت بين الري والهندسة والزراعة والجغرافية والتاريخ. أهمها:
1. في طريقي إلى الإسلام ، جزأين، 1936.
2. فيضانات بغداد في التاريخ، 3 أجزاء، 1963-1965-1966.
3. الري والحضارة في وادي الرافدين، 1968.
4. حضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور، 1979.
5. مدخل إلي كتاب العرب واليهود في التاريخ ـ حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية، 1971.
6. العرب واليهود في التاريخ، 1972.
7. ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق، 1978.
8. مشروعات الري الكبرى، 1947.
9. عصبة الأمم والعراق، 1945.
وله مؤلفات عديدة في هندسة مشاريع الري في العراق. كما وضع عددا من الأطالس المهمة منها:
1 ـ أطلس بغداد، 1952.
2 ـ أطلس العراق الإداري، 1952.
3 ـ أطلس العراق الحديث، 1953.
4 ـ العراق في الخوارط القديمة، 1959.
5 ـ الدليل الجغرافي العراقي، 1960.
6 ـ أطلس العراق (انجليزي)، 1963.
7 ـ أطلس العراق المصور (انجليزي) 1962.
8 ـ شارك في تأليف كتاب (دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960) وكتاب(بغداد ـ عرض تاريخي مصور 1969).
منح العديد من الألقاب والأوسمة تثمينا لجهوده في دوائر الري والمساحة العراقية، إذ منح وسام الرافدين من الدرجة الثانية عام 1953، وكذلك حصوله على الكثير من الجوائز والأوسمة العربية، كجائزة جامعة واشنطن، وجائزة الملك عبد العزيز 1939 عن تصميم وانجاز مشروع الخرج، وجائزة الكتاب في الكويت لعام 1963 عن كتابه (فيضانات بغداد في التاريخ) وجائزة والمنظمة العربية للتربية والعلوم عام 1975، ووسام الكفاءة الفكرية من ملك المغرب عن كتاب (الشريف الإدريسي في الجغرافية) عام 1976.
وبقي احمد سوسة يعمل بصفته خبيرا في مجال هندسة الري، ناهيك عن اهتمامه بنشر البحوث والمقالات حتى وافته المنية في عام 1982 تاركا خلفه تاريخا حافلا بالعمل والمنجزات التي أثرت الجانب المعرفي بشكل مميز.

المصادر
ـــــــ
*) رئيس قسم التاريخ ـ كلية التربية ـ جامعة كربلاء.
Odayal_hashimi @yahoo.com
1) أحمد سوسه/ حياتي في نصف قرن.
2) أحمد سوسه/ في طريقي إلى الإسلام.
3) حميد المطبعي/ موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين.
4) مير بصري / أعلام اليهود في العراق الحديث.
5) www.Al-marfa.com
6) صحيفة الجريدة، العدد 52، 2007.
7) www. Iraqi writers union.com
8) صحيفة الصباح، العدد16-11، 2006.
9) www. Iraqi writers union.com