الحضارية «أعلام العراق»

الاربعاء: 05/03/2008

 

اقليمس يوسف داود/ من رواد الفكر في العراق
1829 ـ 1890م

د. مجيد العلاق(*)
(خاص للمعهد)

في دار الكتب اللبنانية تطالعك صورة زيتية ليوسف داود تتصدر إحدى القاعات المخصصة لرواد النهضة الفكرية في العالم العربي أمثال اليازجي والبستاني والشدياق وغيرهم. وفي دار مطرانية السريان الكاثوليك في دمشق يتصدر تمثال نصفي نحت في روما على نفقة أحد تلامذته.
وفي روما حيث تلقى علومه، نجد اسمه في لوحة الشرف مع المتفوقين. وفي سجلات المجمع الفاتيكاني الذي انعقد في سنة 1869 كان الشرقي الوحيد الذي سمي لاهوتيا ومستشارا في المجمع.
أما في وطنه الام، وفي الموصل بالذات، مدينته التي ترعرع فيها وأحبها، فقد بقي حيا في قلوب كل من عرفه وتعلم على يديه، رجل نذر نفسه لله أولا ومن ثم لخدمة الفكر والأدب والعلوم والمعارف. وكانت حصيلة حياته خمسا وثلاثين مؤلفا باللغة العربية وغيرها من اللغات.
إنه يوسف بن داود بن الشماس بهنام، ينتمي إلى آل زبوني، وعائلته من العوائل المسيحية المعروفة بالموصل، اتخذت هذا اللقب منذ أواخر القرن الثامن عشر، إلا أنه لم يستعمل هذا اللقب إلا مرة واحدة وذلك في أول كتاب صدر له وطبع في الموصل عام 1859 عنوانه (خلاصة في أصول النحو).
ثم تركه وأصبح يسمي نفسه يوسف داود مضيفا إليه ألقابا كنسية مختلفة، وهذا مما حدا بالبعض أن يظن أن هناك اختلافا في الأشخاص. ودفعا للالتباس نثبت هنا الأسماء التي استخدمها كما وردت في مؤلفاته وهي:
القس يوسف داود تلميذ مدرسة بروباغاندا.
الخوري يوسف داود السرياني.
الخوري يوسف داود الموصلي
اقليمس يوسف داود، رئيس أساقفة دمشق.
حياته:
ولد في 23/تشرين الثاني/سنة 1829 في بلدة صغيرة شمال الموصل تدعى العمادية، كان أبوه قد ذهب إليها جريا وراء الرزق. وعند بلوغه الخامسة من عمره عاد به إلى الموصل وأدخله مدرسة الطائفة الأولية حيث تلقى أصول الدين ومبادئ اللغتين العربية والسريانية. ثم دخل في مدرسة المرسلين في حدود سنة 1840 فدرس فيها الصرف والنحو كما درس مبادئ اللغة الفرنسية، وأظهر على صغر سنه نباهة وذكاء، فكان في مقدمة أقرانه في العلم والفضيلة، وكان ولوعا بالقراءة منذ صباه لا يفارق الكتاب واستمر على ذلك في جميع مراحل حياته.
كان أول موصلي من الطائفة السريانية يرشح للدراسة في روما. كان ذلك في عام 1846 فأكمل دراسته في اللاتينية والفرنسية والايطالية إضافة إلى الانجليزية، كما أخذ يتابع بنفسه اليونانية والعبرانية والسريانية لعلمه بأهمية هذه اللغات وحاجة بلاده إلى من يتقنها. وقد أمضى في روما ما يقرب من عشر سنوات عاد بعدها إلى الموصل في تشرين ثاني من عام 1855، فشمر عن ساعد الجد والعمل بهمة ونشاط.. وقد وجه جزءاً من جهوده إلى الناحية الاجتماعية وخصوصا في رعاية الفقراء والمعوزين، كما مارس مهنة الطب في وقت لم يكن في الموصل طبيب قانوني، متخذا علمه ومطالعاته في المخطوطات العربية القديمة وكتب الطب، فنجح في إسعاف الكثيرين ومعالجتهم، خصوصا عندما تفشت الكوليرا في الموصل.
ولم تنحصر جهوده وشهرته على الطوائف المسيحية بل تجاوزتها إلى أبناء الموصل جميعا، وخصوصا المسلمين، فكانت له علاقات أدبية وشخصية بأدباء الموصل وعلمائها، وكان يحضر اجتماعاتهم ومجالسهم، واتقن تجويد القرآن الكريم وجوده في مناسبات خاصة.
وعندما أصدر كتابه اللغوي الثاني الذي سماه (التمرنة في الأصول النحوية) طبعه سنة 1869، أعجب به علماء اللغة والمهتمون بها فأعاد طبعه سنة 1875 وصدّره بتقريظ لأربعة من علماء الموصل وشعرائها المسلمين.
توفي اقليمس يوسف داود في 4 آب سنة 1890، في دمشق وقد تلقت مدينة الموصل نبأ وفاته بوجوم تام وأسف شديد. وقد رثاه الشاعر العراقي شهاب الدين الموصلي المتوفى سنة 1907، بقصيدة طويلة منها:

مـن  قوم  عيسى جانب تهدما
خطب  جسيم  ومصاب  عظما
قـد  فقدوا  منهم  حكيما حكما
عزيز مصر الموصل اليوم بما
وا أسـفا يوسف ساوى الرمما




 
والدهر  قد  أنكس  منهم  علما
بموت  من  أبكى  عليه iiالأمما
وكان   ذا  علم  بطب  الحكما
قد  مات  عنها  وجهها  تجهما
لم   نره   من   بعد  إلا  حلما

يوسف داود اللغوي
ألف يوسف داود في العربية عددا من المؤلفات أبرزها:
خلاصة في أصول النحو: طبع سنة 1859. ولهذا الكتاب أهمية خاصة حيث أنه أول كتاب يطبع في العراق في النحو والصرف العربيين. وقد عثرت على نسخة منه في مكتبة المتحف العراقي. وقد تضمن الكتاب خمسة موضوعات، الأول لتصريف الفعل وما يشتق منه، وفيه أحد عشر بابا. والثاني في الاسم وفيه تسعة أبواب، أما الثالث فهو في الحرف وما يلحق به وفيه أربعة أبواب، والرابع في الجمل، وفيه اثنا عشر بابا. أما الخامس والأخير ففيه خاتمة الكتاب، وقد خصصه لما بقي من أبواب النحو.
التمرنة في الأصول النحوية:
طبع هذا الكتاب سنة 1869. ويقع في جزأين في مجلد واحد، الجزء الأول للصرف والثاني للنحو. وأعيد طبع الجزء الأول في الصرف سنة 1875، وصدره بشهادات العلماء وتقريظهم، منهم الشاعر شهاب الدين العلوي، وأعيد طبع الجزء الثاني سنة 1876.
التمرنة مع كتاب التمرنة:
طبع هذا الكتاب سنة 1877 ثم طبع ثانية سنة 1884. وقد جاء في مقدمته ما يلي:
(إن هذا الكتاب هو بكر في جنسه في العربية لم يتحر مثله احد من ابناء العرب إلى الآن على ما أعهد (وقت طبع الكتاب). والمقصود به تمرين الطلاب القاصدين إحكام قواعد الصناعة النحوية تمرينا عمليا في كل باب من أبوابها بحيث تنطبع قواعدها في الذهن انطباعا تاما يحصل منه ملكة قوية واسعة تسهل للطالبين معرفة الخطأ من الصواب في كل فن من فنون الكلام.
وقد ألف بعد هذه الكتب كتبا أخرى لا تقل أهمية عن الأولى لها علاقة بالتصريف والإعراب والاشتقاق بالعربية وكذلك في السريانية والكلدانية.
ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام، تلك هي طريقته في التأليف، فقد بدأ بعلم الصرف، والمعروف أن علماء النحو القدماء كانوا ينحون غير هذا النحو.. وأغلب الظن أن هذه الطريقة قد أخذها عن الفرنسية واللاتينية، لأن هذه اللغات تعطي أهمية كبرى للتصريف والاشتقاق قبل غيرها من أبواب النحو. ولا غرابة في ذلك فالرجل تثقف أول ما تثقف في اللاتينية والفرنسية، ودرس كل ما يتعلق بهاتين اللغتين، فحاول أن يدخل بعضا من أساليب الدراسة اللغوية إلى اللغة العربية.
مؤلفاته اللغوية في الفرنسية والسريانية:
لم تقتصر مؤلفات يوسف داود على العربية فقط وإنما تعدتها إلى لغات أخرى كان أهمها الفرنسية والسريانية. وكان القصد من هذه التآليف تيسير دراستها للمتكلمين بالعربية، فأقدم على تأليف كتاب في نحو اللغة الفرنسية، طبع سنة 1865 باللغتين العربية والفرنسية.
والكتاب يحتوي على مقدمتين الأولى بالفرنسية والاخرى بالعربية.. وقد قسمه إلى اثنتي عشر بابا، وفي كل باب عدد من الفصول المناسبة. وذكر في مقدمة الكتاب طريقته التي اتبعها حيث قال: «فاعتنيت كل الاعتناء بأن يكون شرح الأبواب النحوية التي أودعتها رسالتي هذه مأخوذ على أسلوب النحو المعهود في اللغة العربية تسهيلا لمن يكون مطلعا عليه ليفهم الفرق بين اللغتين ويتجنب الغلط الذي يقع فيه كثيرون من العرب الذين تعلموا الفرنساوية على الطريقة التي يبسطها نحاتها».
ثم أقدم على تأليف كتاب في نحو اللغة السريانية بكلتي لهجتيها الشرقية والغربية، أسماه (اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية) طبع في الموصل سنة 1879، وقد أعيد طبعه بعد وفاته وكان قد نقحه وأضاف إليه خاتمة في علم العروض ونظم الشعر لدى السريان.
والكتاب يحوي أبوابا متعددة. وكتب التفاصيل والشروح بالعربية إذ إن غايته كما يبدو أن يفيد المتكلمين بالعربية ويطلعهم على نحو اللغة السريانية ومقارنته بنحو العربية.
ثم ألف كتاب (القصارى في حل ثلاث مسائل تاريخية) طبع في بيروت سنة 1887 يضم هذا الكتاب ثلاث مقالات هي:
1. مقالة في بيان اللغة التي تكلم بها يسوع المسيح وأمه ورسله.
2. مقالة في بيان اللغة التي كانت دارجة في بلاد الشام عند ظهور العربية.
3. مقالة في طقس البيعة الانطاكية القديم والجديد ولغته.
وقد أثبت في مقالته الثانية ببراهين وأدلة على أن لغة الشام بما فيها فلسطين كانت هي اللغة السريانية قبل دخول العربية، وهو بذلك يدحض رأي الصهيونية العالمية وما تدعيه من أن العبرانية هي اللغة الوحيدة التي كانت سائدة في فلسطين، وقد استمرت السريانية حتى الفتح العربي حينما بدأت اللغة العربية بالانتشار وأصبحت مع الأيام اللغة الدينية.
يوسف داود المؤرخ:
لقد بدأ يوسف داود جهوده التاريخية مترجما بادئ الأمر، فترجم كتابا مشهورا في التاريخ الكنسي، الفه لومون الفرنسي وسماه (مختصر تواريخ الكنيسة). طبع في الموصل سنة 1873. وقد سد هذا الكتاب فراغا كبيرا في تواريخ الكنيسة كانت مجهولة لدى الناس إذ لم تكن آنذاك مؤلفات بالمعنى الصحيح، وإنما كان الناس يتداولون الأخبار بالرواية عن السلف.
وقد نقله إلى العربية لينتفع به المتكلمون بها، وذكر أنه تقيد بنص المؤلف إلا في الأحوال التي رأى أنها لا تهم أهل المشرق. ثم ذكر أنه أضاف إلى الكتاب فوائد جمعها من تواريخ البلاد المشرقية وقد جعل تلك الاضافات بين قوسين لتتميز عن متن المؤلف الفرنسي، ووضع في نهاية الكتاب فهارس للاعلام على وفق الحروف الهجائية. وهذا لم يكن مألوفا في الكتب العربية القديمة.
أما في عام 1877 وبعد مضي أربع سنوات على صدور الكتاب الأول فأقدم على التأليف. فألف كتابا سماه (مختصر المختصر في تواريخ الكنيسة). وقد اعتمد يوسف داود في تأليف هذا الكتاب على طريقة جديدة، تلك هي طريقة السؤال والجواب مما يدل على أنه مؤلف خصيصا لطلبة المدارس.
يوسف داود أديبا ومحققا:
لقد دخل يوسف داود الميدان الأدبي بادئ الأمر جامعا ومحققا وناشرا، فقد أصدر سنة 1863، كتاب (تنزيه الألباب في حدائق الآداب) يشتمل على طرف من ألطف ما جاء في العربية نظما ونثرا، وذكر أنه عرض إلى الكثير من التشبيهات النحوية واللغوية والبيانية. وقد جعل له فهرسا لما حوى من معان أدبية وعلى نسق الحروف الهجائية. ويبدو أنه كان موفقا في اختياره وجمعه للتراث بحيث جاء مطابقا لغايته في تحبيب الأدب وفنونه إلى الناشئة، وان الكتابين قد درسا في مدرسة الدومنيكان فترة طويلة، وقد طبع كل منهما فيما بعد عدة طبعات.
ثم أقدم على تحقيق كتاب آخر مهم لابن عرب شاه المتوفى سنة 1450م، اسمه (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الندماء) والكتاب مرآة لحياة الملوك تنعكس أنوارها من الأمثال التي وردت على ألسنة الحيوانات كما في كتاب كليلة ودمنة. وقد أصلح منه ورتبه وحذف ما يمجه الذوق السليم وعلق عليه تعليقات مفيدة. وقد ورد ذكر هذا الكتاب في تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان بين مؤلفات ابن عرب شاه، وذكر أنه طبع في الموصل سنة 1869.
الخاتمة:
استطاع يوسف داود خلال حياته أن يخلف تركة علمية وأدبية ولغوية كبرى قدرها علماء الغرب، فضلا عن علماء الشرق.
قال عنه جرجي زيدان ـ وهو من معاصريه وكانت بينهما مراسلات أدبية ـ إنه «من كبار العلماء في اللغات والأدب والتاريخ، يعمل في خدمة العلم بحثا وتأليفا فضلا عن خدمة طائفته حتى زادت مؤلفاته على خمسين مؤلفا في لغات مختلفة وموضوعات مختلفة».
أما البطريك جرجس عبد يشوع الخياط، وكان من زملائه وأقرانه، فقد قال عنه: «أقول ولا أخاف المبالغة إن السيد داود كان سند العلوم الشرقية واللغات السامية والفنون الطقسية كافة، وقد عرف علماء أوربا ذلك وأقروا به في الأيام الأخيرة».
وكدليل آخر على منزلته العلمية دعوة المجمع الدولي العلمي الشرقي في لندن له لحضور جلساته، وقد وجه إليه وليم ستيرار سكرتير المجمع رسالة رسمية يدعوه لحضور المؤتمر ويخبره بانتخابه عضوا عاملا في المجمع الذي سيعقد سنة 1891م، إلا أن المنية عاجلته قبل انعقاده.

المصادر
ـــــ

(*)  دكتوراه في فلسفة التربية، معهد الابحاث والتنمية الحضارية
1. خلاصة في أصول النحو، مطبعة الدومنيكان، موصل، 1859، طبعة حجرية.
2. تاريخ آداب اللغة العربية، ج1. جرجي زيدان، بيروت 1967.
3. القلادة النفيسة في فقيد العلم والكنيسة، فيليب طرازي، بيروت، 1891.
4. أقليمس يوسف داود، رائد من رواد الفكر في العراق، دراسة تحليلية، بهنام فضيل عفاص، بغداد، 1985.