الحضارية «اعلام العراق»

 

 االخميس: 10/01/2008

 

أبو يوسف الكندي/ فيلسوف العرب

د. صائب عبد الحميد(*)

(خاص للمعهد)

أبو يوسف، يعقوب بن اسحاق بن الصباح بن عمران بن اسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي.
كان أبوه اسحاق بن الصلاح أميراً على الكوفة للمهدي والرشيد، وعمل جده الصلاح اعمالا ادارية للدولة العباسية. فهم أمراء كندة القبيلة العربية الكبيرة، التي استوطنت الكوفة لا سيما بعد الفتح الاسلامي، فكان مولده فيها، ثم انتقل إلى البصرة مدة حتى عرف بالبصري، ثم استقر ببغداد، وهنالك لمع نجمه في علوم شتى؛ الطب، والفلسفة، والرياضيات، والهندسة، والمنطق، والموسيقى، والفلك.
هو أول فيلسوف في الاسلام، واول فيلسوف عربي، لذلك سمي فيلسوف العرب(1).
قيل إنه ولد نحو سنة 185هـ، أيام ولاية أبيه على الكوفة، ولكن الراجح أنه ولد قبل ذلك، إذ كانت منزلته كعالم وفيلسوف كبيرة عند المأمون الذي تولى الخلافة بين سنتي 198هـ و 218هـ، فمن الراجح أنه كان خبيرا في العمر الذي يؤهله لهذه المرتبة العلمية العالية(2).
تزامنت نشأته إذن مع ثورة الترجمة العملاقة التي نهض بها العباسيون، وأنشأ لأجلها المأمون (بيت الحكمة) في بغداد وأغدق عليه الأموال لدعم هذا المشروع الكبير، فلم يمض حكم المأمون حتى كانت معظم كتب اليونان القديمة في علوم الرياضيات والطب والفلك والفلسفة قد ترجمت إلى العربية.
كان الكندي واحد من أعمدة (بيت الحكمة)، ألمّ بهذه الثروة الفكرية والعلمية التي نقلت إلى العربية بين يديه، وقد مارس بنفسه تعريب بعضها، لا سيما مؤلفات أرسطو وأفلاطون، درّس في بيت الحكمة معظم هذه العلوم، وكتب في معظمها، الرسائل والكتب التي بها أصبح أول فيلسوف عربي الأصل، بل هو أول من حاز على لقب فيلسوف الاسلام(3) ولأنه ظهر في عهد مبكر من عمر الفلسفة في العالم الإسلامي فهو أحد أبرز المؤسسين للفكر الفلسفي الإسلامي، في وقت ما زالت الدراسات العقلية لدى الاسلاميين في عهد التكوين. كان له الفضل في تأسيس بعضها بنحو خاص، كالعلوم الرياضية، والفلكية، فهو واحد من طلائع المسهمين في تكون الحضارة العربية في الإسلام. وافردت له مكتبة خاصة في البصرة سميت بالكندية.
يرى فرنسيس باكون أن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس.
بقي الكندي في قصر الخلافة أيام المأمون، والمعتصم، لكنه أقصي ايام المتوكل بسبب ميوله الاعتزالية(4)، ولم يكتف المتوكل بعزله بل عرضه للضرب، وصادر كتبه.
مؤلفاته
في كل فرع من فروع المعرفة ترك مؤلفات عدة،بين تأليف وشرح وترجمة، حتى قاربت كتبه الثلاثمئة وقيل زادت عليها، ومنها اجمالا :
الفلسفة: 22 كتاباً. النجوم: 19 كتاباً. الفلك: 16 كتاباً. الجدل: 17 رسالة. الحساب: 11 كتاباً ورسالة. الهندسة: 23 كتاباً. الطب: 12 مؤلفا. الطبيعيات: 12 مؤلفا. الموسيقى: 7 مؤلفات. النفس: 5 مؤلفات. المنطق: 9 مؤلفات.
ومن عناوين هذه المؤلفات: الهيات ارسطو، معرفة قوى الادوية المركبة، المد والجزر، علة اللون اللازوردي الذي يرى في الجو،علم المعادن وأنواع الجواهر والاشباه، تحاويل السنين، رسائل في التحذير من الكيمياء القديمة (تحويل المعدن إلى ذهب). احصى النديم معضم هذه الكتب وذكر غيره (256) رسالة في الحساب والهندسة والفلك، والهيئة والظواهر الحيوية، وتقويم البلدان، والطبيعة، والسياسة، والموسيقى، والطب، والفلسفة(5).
يقول أبو حيان التوحيدي: «له رسائل ومؤلفات في علوم شتى نفقت عند الناس نفاقاً عجيباً، وأقبلوا عليها اقبالاً مدهشاً»(6).
ابداعاته واهتماماته الخاصة :
كان متحمسا للفلسفة، وهو من اهم مؤسسيها، وكتب في الدفاع عنها رسالة يرد فيها على من وصفهم ب(أعداء الفلسفة الجامدين).
وكان يرى ان ليس بوسع انسان ان يكون فيلسوفاً حتى يكون عالما بالرياضيات. وحاول ان يبني علم الصحة والطب والموسيقى على نسب رياضية.

درس ظاهرة المد والجزر.. وبحث القوانين التي تحدد سرعة الاجسام الساقطة في الهواء.
وبحث ظاهرة الضوء في كتابه عن البصريات.
يفسر احيانا بعض مسائل ماوراء الطبيعة تفسيراً طبيعياً، لشده تضلعه وانغماسه في علوم الطبيعة.
فسر تكون الغمام بالابخرة المتصاعد بسبب حرارة الشمس التي تبخر الماء، والعناصر المائية والارضية. فترتفع هذه وتؤلف الغمام، حتى إذا صادف العوامل المبردة المكثفة للابخرة، هطلت مطراً(7).
وهو تفسير علمي طبيعي بحت، سبق فيه غيره، وهو كشف جبار قياسا إلى عصره.
كما فسر الرياح بتغيرات درجات الحرارة التي تتسبب في الانقباض والانبساط، التقلص والتمدد. يقول: «وكل جسم يبرد، انقبض واحتاج إلى مكان أصغر من مكانه قبل برده، وكل جسم حمي انبسط واحتاج إلى مكان اعظم من مكانه قبل حميه، فسال الهواء من جهة الموضع المنبسط الحار الذي يتسع بالحرارة إلى جهة الموضع المنقبض البارد الذي تقل مساحته بالبرودة»(8).
ويمكن ان يعتبر الكندي أول فيلسوف كانت فلسفته وخاصة في ما وراء الطبيعية تتخذ منحى دينيا وكان تفكيره مطبوعا بالطابع الإسلامي. وكانت محاولاته للتوفيق بين الدين والعقل احدى مظاهر هذا الاتجاه.
دافع عن التوحيد والعدل في رسائل كثيرة سخر بعضها للرد على الافكار المخالفة، تظهر فيها ميوله الاعتزالية، لاسيما انه كان قريبا من الخلفاء العباسيين الذين ناصروا الاعتزال بكل قوة.
وله رسائل عديدة في الرد على الزنادقة والملحدين.
عارض نظرية هندية برهمية تقوم على ان العقل وحده كاف لجميع المعارف، وانه لا حاجة للنبوة والأنبياء.. فوضع رسالة (في تثبيت الرسل) وكتاباً (في اثبات النبوة على سبيل أصحاب المنطق).
يصف الكندي علم الرسل عليهم السلام انه: « بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بحيلة الرياضيات والمنطق، ولا بزمان، بل مع ارادته جل وعلا، بتطهير أنفسهم وإثارتها للحق بتأييده وتسديده وإلهامه ورسالاته، فان هذا العلم خاص للرسل صلوات الله عليهم دون البشر...»(9).
ومع ان تأثره بأرسطو فاق تأثره بغيره من فلاسفة اليونان، الا انه ناقض أرسطو في مسائل كثيرة..
فقد ناقض ارسطو في «حدوث الاجسام» فهو يثبت: «حدوث العالم والحركات والزمان باثبات استحالة وجود جسم بالفعل لا نهاية له، مبرهنا حدوث العالم من حيث مساحته، وحركته، ومن حيث الزمان ومن حيث المكان، فيما يذهب أرسطو ومن تابعه من الفلاسفة إلى قدم العالم (10).
والزمن عنده أمر وهمي اعتباري، ليس له حقيقة أخرى وراء مدة وجود الجسم. وهو يقسم الازمان إلى ثلاثة اقسام:الآن، الماضي، المستقبل.
وان الأول (الآن) هو الذي يفرض لوصل الماضي بالمستقبل، وليس له بقاء لانه ينقضي قبل تفكيرنا.
وبالنتيجة فان (الآن) ليس زماناً، لاننا كلما نحاول إيجاد (آن) للاتصال بين الماضي والمستقبل، توجد حلقة أخرى.
وقد يفسر الزمان تفسيراً رياضيا تمشيا مع نزعته الطبيعية، فيقول: «فهو إذن ليس سوى العدد. وإذن فالزمان عادّ للحركة »(11).
وهو هنا مخالف لارسطو الذي يرى ازلية الزمان وأبديته.
ويرى الكندي ان النفس بسيطة، ذات شرف وكمال، عظيمة الشأن، جوهرها من جوهر الباري عزوجل، كقياس ضوء الشمس من الشمس.. ان هذه النفس منفردة عن الجسم ومباينة له، وإن جوهرها جوهر الهي روحاني (رسائل الكندي الفلسفية، رسالة في الجواهر الخمسة1 : 273).
وانها إذا فارقت البدن انكشفت لها جميع الحقائق وصارت في عالم (الديمومة) أو عالم (العقل) أو عالم (الحق) ويعضد آراءه هنا بآراء ارسطو وافلاطون وفيثاغورس. (م.ن 1 : 274-278).
ومع هذه المواهب لم يعرف الكندي شاعرا غير ان له شعر قليل منه قطعة شعرية في العزلة وغنى النفس ويذم في الدنيا ارتفاع اناس بغير أهلية، وغبن يلقاه اهل العلم، والنفوس الأبية.
من أبرز تلاميذه:
- أبو زيد أحمد بن سهل البلخي.
ـ أبو معشر جعفر بن محمد البلخي.
ومن طريف اخباره قصته مع أبي تمام الطائي حين قال ابو تمام في مدح المعتصم:
إقدام عمر في سماحة حاتم في حلم احنف في ذكاء إياس
فقال الكندي: انك مدحت الأمير وشبهته بأجلاف العرب، ولم تأت بجديد!!
ففكر أبو تمام هنيهة، ثم قال:
لا تعجبوا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الفدى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس
عندئذ قال الكندي لابن المعتصم: ان هذا لا يعيش كثيراً(12).
توفي الكندي بعد منتصف القرن الثالث من الهجرة،وقد وقع اختلاف في تاريخ وفاته بين 252، 260، 265هـ(13).

 

الهوامش:
ـــــ
(*) باحث من العراق، متخصص في فلسفة التاريخ.
(1) الفهرست للنديم :315، الاعلام للزركلي 8 : 195.
(2) أبو ريدة، مقدمة رسائل الكندي بتحقيقه، عبد الله النعمة، فلاسفة الشيعة : 658.
(3) قدري حافظ طوقان، تراث العربي العلمي: 139.
(4) رسائل الكندي: 6، تحقیق ابو ریدة.
(5) عيون الأنباء، ابن أبي اصيبعة الخزرجي2: 180.
(6) النديم،الفهرست: 315 – 322، عبد الله النعمة، فلاسفة الشيعة :667 – 671.
(7) التوحيدي، المقابسات: 85.
(8) رسائل الكندي 2 : 71-75.
(9) م.ن 2: 71.
(10) م.ن 1: 372.
(11) (رسائل الكندي 2 :34).
(12) معاهد التخصيص1 : 15.
(13) ابو ريدة، المصدر نفسه: 5-6.