|
السبت:
10/11/2007
أحمد بن واضح اليعقوبي
د.صائب عبد
الحميد(*)
(خاص للمعهد)
المؤرخ الكبير، الشهير
باليعقوبي، أحمدبن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح، اليعقوبي،
الكاتب العباسي(1).
كان جدّه واضح من موالي أبي جعفر المنصور، لذلك عرف بالعبّاسي، بالولاء،
وقد عمل الجدّ واضح حاكماً على أرمينية وأذربايجان من قبل أبي جعفر
المنصور، وعمل للمهدي العباسي على مصر، أو على بريد مصر، وقد عُرف عن جدهّ
واضح أنه ضحّى بحياته من أجل إنقاذ إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن
بن علي بن أبي طالب، الذي نجا من وقعة فخّ وفـّر إلى هناك، فكان ذلك سبباً
في قتله من قبل الهادي ابن المنصور، أو من قبل هارون الرشيد.
كانت ولادة اليعقوبي في بغداد، وبها نشأ، ثمّ رحل في مطلع شبابه إلى
أرمينية، وتنقــّل في بلدان كثيرة، فألــّف كتاب البلدان، وهو من الكتب
المتقدّمة في هذا الموضوع، وأطـّلع على ثقافات مختلفة بشكل مباشر، إذ كان
يجيد لغات متعدّدة كالفارسية والأرمنية والأذربايجانية، بعد العربية.
ويعدّ اليعقوبي من المؤرخين الكبار، ومن أول من صنـّف في التاريخ العالمي،
فجمع تاريخ الأمم إلى تاريخ الإسلام، كما يعتبر أوّل من صنـّف في تاريخ
الحضارات من خلال تركيزه الكبير على ثقافات الأمم وحركة العلوم المتنوعة
فيها، ذلك في الجزء الأول من تاريخه المعروف.
امتازت كتابته بالأسلوب العلمي والمنهج الواضح والمتين، وهو أقرب ما يكون
إلى المنهج الأكاديمي المعاصر.
أمّا كتابه الموسوم بـ«مشاكلة الناس لزمانهم» فهو كتاب سابق في بابه؛
إذعدّت آراؤه فيه بوادر للفكرة الفلسفية للتاريخ.
نال اليعقوبي إعجاب أهل المعرفة بالتاريخ والمؤرخين، وموقعاً متقدّماً
بين مؤرّخي الإسلام. وقد صنف مجموعة من المصنفات، كلها في التاريخ، إلا
واحداً في البلدان، وهي:
1. أسماء الأمم السالفة.
2. كتاب التاريخ: المعروف بـ «تاريخ اليعقوبي» وهو أحد أهمّ كتب التاريخ
المعتبرة، جمع فيه بين الدقة والاختصار، فأخرجه في مجلـّدين:
اختص الأول: بتاريخ الأنبياء والأمم السابقة، فامتاز عن غيره من الكتب
التي أرّخت لهذه المراحل بقلة الأساطير، بل التصريح بتعمّد تركها وعدم
العناية بها، لا سيّما الأساطير التي نسجت حهول ملوك فارس والهند
والرومان، فاكتفى بوصف ما نسجته التواريخ منها بأنه: «ممّا تدفعه العقول،
ويُجرى فيه مجرى اللعبات والهزل»(2)، وحدّد موقفه منها بقوله: «فتركناها
لأن مذهبنا حذف كلّ مستبشع»(3).
كما امتاز بعنايته الفائقة بالتاريخ الديني والثقافي والعلمي، أي تاريخ
الحضارات، حتى ليعدّ الجزء الأول من كتابه هذا أول كتاب في تاريخ
الحضارات يكتبه مؤرخ مسلم.
وكانت عمدته في تاريخ الأنبياء والأديان على الكتب السماوية بالدرجة
الأولى.
واختص المجلـّد الثاني: بمادة تاريخ الإسلام، معتمداً منهجه الأوّل في
الاختصار والدقة في اختيار الأخبار من مصادر عرّف بها في مقدّمته على هذا
الجزء.
ولقد ظهر اليعقوبي في كتابه هذا ـ بكلا جزئية ـ مؤرخاً رفيع المستوى، على
درجة متقدمة من الوعي التاريخي، والحسّ التاريخي، ولم يكن روائياً، أو
جمّاعة للروايات يكتفي بسرد الأخبار دون أن يكون له موقف علمي منها.
3- تاريخ الطاهريين.
4- تاريخ إفريقية.
5ـ فتوح المغرب.
6ـ مشاكلة الناس لزمانهم: الذي يعدّ كتاباً متقدّماً، يحتوي على بوادر
الفكرة الفلسفية للتاريخ.
وباستثناء «كتاب التاريخ»، وكتاب «مختصر البلدان»، و«كتاب مشاكلة الناس
لزمانهم» فإن كتبه الأخرى مفقودة.
في فلسفة التاريخ:
لدى اليعقوبي ظهرت بوادر أفكار فلسفية، لكنها بقيت في مهدها. وعلى وجه
الدقة ظهرت لليعقوبي فكرتان في هذا الموضوع، وكلاهما ليس لهما أثر في
كتابه الشهير في التاريخ، إنما وضعهما في أعمال أخرى له، وهاتان الفكرتان
هما:
1- «مشاكلة الناس لزمانهم»: والمراد بالزمان هنا هو السلطان من حيث
انعكاس سيرته وسياسته على المجتمع في عهده، وهكذا أطلق العرب لفظة «الزمان»
على السطان نفسه. نقل الطرطوشي أن زياداً سمع رجلاً يذم الزمان، فقال: لو
كان يدري ما الزمان لعاقبته، إن الزمان هو السلطان.
ونقل أيضاً أن معاوية سأل ابن الكوى أن يصف له الزمان، فقال ابن الكوى:
انت الزمان، إن تصلح يصلح، وإن تفسد يفسد(4).
وهذا هو المعنى الذي أراده اليعقوبي، إذ قال في كلامه: «فإن المسلمين في
كل عصر تبع للخلفية، يسلكون سبيله، ويذهبون ويعملون على قدر ما يرون منه،
ولا يخرجون عن أخلاقه وأفعاله وأقواله»(5).
وبهذا المعنى وضع عنوان رسالته، ثم خصصها لذكر نماذج من سير الخلفاء
والملوك وأخلاقهم، والتي صبغت ـ إلى حد كبير ـ طبائع مجتمعاتهم وتطلعاتها:
فعندما يغلب على السلطان الزهد وخشونة العيش، يقلـّده الولاة والكبار
والوجهاء، ليسري هذا الخلق في عموم المجتمع، كما كان عليه حال الأمة في
عهد أبي بكر وعمر(1). وإذا مال السلطان إلى جمع الثروة والأملاك والعناية
بالزخرف والزينة، تداول ذلك الولاة والكبراء والوجهاء وشاع بين الناس،
كما ظهر ذلك في عهد عثمان، ثم استشرى في عهد معاوية(6). وإذا غلب على
السلطان اللهو والطرب ظهر ذلك في أهل مملكته، وهذا ما ظهر بالفعل أيام
يزيد(7). وإذا اشتهر السلطان بالميل إلى العلوم والمعارف وإكرام العلماء،
كثر في زمانه التصنيف ومجالس المناظرات، وازدهرت الحركة العلمية، كالذي
شهدته الحضارة الإسلامية في عهد المأمون(8).
هذه الرؤية التي تمنح السلطان الدور الأساسي في حفظ الدولة، وتضع على
كاهله الوزرالأكبر في ضعفها وانحلالها أو خرابها وفسادها، هي التي قال
بها الماوردي بعد ذلك، معززاً بحكمة ينسبها إلى بعض البلغاء، كما وصفه،
تقول: «السلطان في نفسه إمام متبوع، وفي سيرته دين مشروع، فإن ظلم لم
يعدل أحد في حكم، وإن عدل لم يجسر أحد على ظلم»(9).
وأورد في المعنى نفسه
أبياتاً للشاعر العربي أبي بكر بن دريد:
|
الناس مثل زمانهم قد الحذاء على مثاله |
|
ورجال دهرك مثل دهرك في تقلــّبه وحاله |
|
وكذا إذا فسد الزمان جرى الفساد على رجاله(10) |
إلى الرؤية نفسها ذهب
الطرطوشي في الباب السابع عشر من كتابه، والذي استهله بقول ابن المقفع:
«الناس على دين ملوكهم إلا القليل، فإن يكن للبرّ والمروءة نفاق، فسيكسد
بذلك الفجور والدناة في آفاق الأرض» وأيده بالمثل السائر: «الناس على دين
الملك»(11).
لكنه ـ الطرطوشي ـ في موضع آخر مال إلى الرؤية المعاكسة التي تلقي
بالمسؤولية على الأمة نفسها، فعقد لذلك باباً تحت عنوان: «كما تكونوا
يولـّى عليكم» وبه فسّر قوله تعالى: (وكذلك نولـّي بعض الظالمين
بعض)(12).
وممن قال بهذا الرأي من فلاسفة أوروبا، فولتير، حيث جعل «نوع الحكم» أحد
العوامل الثلاثة التي تؤثر على فكر البشر(13).
وقد اعتبرت فكرة اليعقوبي هذه، في مشاكلة الناس لزمانهم، تمثل بوادر
الفكرة الفلسفية للتاريخ، وقد جاءت قريبة من الأفكار الحديثة، غير أنها
ظلـّت سطحية ولم تنفذ إلى الأعماق(14).
ب ـ أثر البيئة في طبائع المجتمعات: بشكل مقتضب تحدث اليعقوبي عن العامل
البيئي وأثره في خصائص المجتمعات واستعداداتها العقلية والبدنية، التي
تنعكس على قدراتها في البناء الحضاري. تحدث عن ذلك بوضوح وهو يصف مدينة
بغداد، فيقول: «وباعتدال الهواء، وطيب الثرى، وعذوبة الماء، حسنت أخلاق
أهلها، ونضرت وجوههم، وانفتقت أذهانهم حتى فـَظـُلوا الناس في العلم
والفهم والأدب والنظر والتمييز والتجارات والصناعات والمكاسب، والحذق بكل
مناظرة، وإحكام كل مهنة، وإتقان كل صناعة، فليس عالم أعلم من عالمهم، ولا
أروى من راويتهم، ولا أجدل من متكلمهم، ولا أعرب من نحويّهم، ولا أصح من
قارئهم، ولا أمهر من متطببهم، ولا أحذق من مغنيهم، ولا ألطف من صانعهم،
ولا أكتب من كاتبهم، ولا أبين من منطقيهم، ولا أعبد من عابدهم، ولا أفقه
من حاكمهم، ولا أخطب من خطيبهم، ولا أشعر من شاعرهم، ولا أفتك من ماجنهم»(15).
وحين يقارن بينها وبين أهلها من جهة، وبين المدن الأخرى وأهلها من جهة
أخرى، فهو يركز فقط على العامل البيئي وأثره، فهي «ليست كالشام، الوبيئة
الهواء، الضيقة المنازل، الحزنة الأرض، المتصلة الطواعين، الجافية
الأهل»، «ولا مثل كور الجبل الحزنة الخشنة المثلجة، دار الاكراد الغليظي
الأكباد. ولا كالتبت التي بفساد هوائها وغذائها تغيّرت ألوان أهلها،
وصغرت أبدانهم، وتجعّدت شعورهم»(16).
هذا الدور الذي يعطى للعامل البيئي ـ الجغرافي، في التاريخ، والذي عرف
عند اليونانيين قديماً، وقال به فلاسفة التاريخ في أوروبا الحديثة، منهم
هيجل (1831م)، والذي عده منتسكيو(1755م) العامل الأهم في حركة التاريخ،
سنجده بوضوح عند المسعودي (346هـ، 957م)، وعلى نحو آخر عند إخوان الصفا،
ثم نجده عند مسكويه (421هـ،1039م)، وأيضاً عند ابن خلدون (808هـ،1406م).
هكذا يجتمع لدى اليعقوبي عاملان لهما الأثر في طبائع الناس، والصبغة
العامة للمجتمع والحضارة: السلطان ذوالنفوذ والهيبة، الذي يصبغ سلوكه
وتوجهاته الطابع العام للمجتمع والحياة الاجتماعية، حتى يصبح مصدر
الالهام الأوّل في الثقافة العامة، في السلوك والتوجهات، وفي الفكر
والاهتمامات.
والعامل البيئي أيضاً، الذي يفرض تأثيراته، لا على الاشكال والاجسام فقط،
بل على الاستعدادات الذهنية أيضاً.
غير أن اليعقوبي ترك أفكاره، هذه عند هذا الحد، فلم يوحد بينها، ولم يبذل
جهداً في تعميقها وتطويرها. وحسبه أنـّه تلمس البدايات، وأسس للمحاولات.
وهذا هو شأن البدايات في ميادين العلوم الفلسفة، بل في عامة الفنون
والصناعات عادة.
توفـّي المؤرخ الكبير على الأرجح في أواخر سنة 292هـ، وقد كان حياً في
شوّال من هذه السنة نفسها، إذ كتب بخطـّه ملحقاً لكتابه «مختصر البلدان»
مؤرخاً لزوال الدولة الطولونية، جاء فيه: «لمّا كانت ليلة عيد الفطر من
سنة 292هـ تذكـّرت ما كان فيه آل طولون في مثل هذه الليلة».
الهوامش
ــــ
(*)
متخصص في
فلسفة التاريخ ـ العراق.
(1) معجم الأدباء 5 : 153/34، النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة
2 : 10/40، الذريعة3 : 296، الأعلام 1 : 95، اليعقوبي المؤرخ والجغرافي:
ياسين إبراهيم الجعفري، تاريخ اليعقوبي: صائب عبد الحميد، علم التاريخ
ومناهج المؤرخين.
(2) تاريخ اليعقوبي 1 : 158.
(3) تاريخ اليعقوبي 1: 159.
(4) سراج الملوك ، الباب السباع عشر: 194.
(5) اليعقوبي، مشاكلة الناس لزمانهم: 9، تحقيق وليم ملورد، دار الكتاب
الجديد، بيروت، 1980م.
(6) المصدر نفسه: 9-13.
(7) المصدر نفسه: 13-14، 16-18.
(8) المصدر نفسه: 18.
(9) المصدر نفسه: 28.
(10) الماوردي، أدب الدنيا والدين: 135و137.
(11) سراج الملوك: 194. وهو يعزز هذه الفكرة أيضاً في اليابان الأربعين
والثاني والاربعين.
(12) سراج الملوك: الباب الحادي والاربعين: 348.
(13) فولتير، حياته وآثاره الفلسفية: 82.
(14) ياسين إبراهيم علي الجعفري، اليعقوبي المؤرخ والجغرافي: 46، منشورات
وزارة الثقافة والاعلام، الجمهورية العراقية، 1980م.
(15) اليعقوبي، البلدان: 14، تحقيق محمد أمين ضناوي، منشورات محمد علي
بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ ـ 2002م.
(16) المصدر نفسه: 19-20.
|