|
السبت: 10/10/2007
جعفر
جلبي (ابو التمن) والزعامة السياسية
سليم هادي الشمري(*)
(خاص للمعهد)
زعيم سياسي من طراز خاص، ابتهجت به الزعامة السياسية،
ونهلت منه دروس الوطنية، وأقلعت اليه نفوس الحرية، المرونة واستقلال الرأي ميزته،
الصراحة واحترام الذات قوته، خلاص البلاد وراحة العباد غايته. علمته بغداد كيف
يعشقها، دربته ضفاف دجلة على السير في دروب الاستقلال. له ما لم يكن لغيره من حب
الناس واحترامهم. منه تعلمنا دروسا في الوحدة والتسامح والحوار والنضال.
قال عنه عبد الفتاح ابراهيم (لقد كان لجعفر جلبي اخلاقية متميزة جعلته محترما
ومحبوبا من قبل الجميع، فقد كان صادقا ووفيا مع اصدقائه بغض النظر عن طبقاتهم او
انتماءاتهم الدينية والمذهبية)(1). كما قيل عن شخصيته (انها تتجاوز مفهوم الزعيم
بكثير من الخصال اذ قد تسميه المصلح، وقد تسميه المبشر، وقد تسميه الرسالي. نعم هو
في كل هذه وتلك اشرأبت اليه الاعناق وصافحته وجوه الغد، وعلم الاجيال كيف تبتكر
حكمة الوطن وكيف تسن قوانين الحرية. كان فيصل الاول يقول له «كم يعجبني حوارك مع
التاريخ» بينما بيرسي كوكس يجمع الخصوم ويقول لهم «هل من طريق لازاحة ابي التمن من
الساحة» حتى الوثائق البريطانية الاخرى لم تستطع ان تطعن برجل مخيف كأبي التمن انما
عالجته بروح المناور «اعطوه الكرسي كي نحيده» ولم يحيد لأن في اعماقه نشأت صرخة
مدوية «أيها العراق انت الأغلى والاعظم والاشمل»)(2).
حياته
ولد محمد جعفرـ بن محمد حسنـ بن الحاج داوود ابو التمن في بغداد عام 1881 من عائلة
عريقة عربية مسلمة، تنحدر من قبيلة ربيعة. وهي عائلة معروفة في اوساط بغداد
الثقافية والسياسية والتجارية. سافر والده الى ايران على اثر خلافات عائلية، لذا
ترعرع جعفر في دار والده الحاج داوود، وهو تاجر معروف اشتهر بتجارة الحبوب لاسيما (الرز)
وقد كان يملك مستودعاً كبيراً للحبوب يعرف (بخان داوود) في سوق بغداد المركزي ـ قرب
سوق الصفافيرـ ، لذا لقب بأبي التمن. وقد كان يسكن محلة (ضبابيع الآل) على الضفة
الشرقية من نهر دجلة في بغداد.
نشأ ابو التمن في بيئة تعليمية غير جيدة، الا ان جده الحاج داوود اولى اهمية خاصة
بالتعليم وأسس المدرسة الجعفرية التي تخرج منها ابو التمن بعد ان درس فيها اللغة
العربية والفقه الاسلامي، حتى وصل مرحلة الاحتياط (وهي مرحلة علمية فقهية تتوسط بين
التقليد والاجتهاد). زد على ذلك ان للمجالس الثقافية والسياسية والاجتماعية التي
كان يرعاها الحاج داوود اثراً بالغاً في نشأه ابو التمن التعليمية. عمل جعفر
بالتجارة وجمع ثروة كبيرة من خلال تجارته بالحبوب والمواشي وتجارة السفن الشراعية،
وقد اصبح وجه اجتماعي كبير له سمعته الجيدة، اذ كسب حب الناس وودهم، اصبح داره
ملتقى ثقافي وديني وتجاري وسياسي ترتاده ابرز الشخصيات البغدادية المعروفة(3).
من غير الممكن فهم النشاطات السياسية لجعفر وعائلته خارج مضمون وسطهم الديني،
فعندما وطأت القوات البريطانية جنوب العراق في التاسع من تشرين الثاني عام 1914،
اصدر علماء النجف الاشرف فتاوى الجهاد الى المسلمين كافة يدعونهم الى القتال ضد
الدخلاء، ترك الحاج داوود عمله للالتحاق بالمجاهدين في جبهة القتال، وكانت عائلة
ابو التمن تعين المجاهدين بالمال، في الوقت الذي كان فيه جعفر مسؤولاً مباشراً على
العائلة. وقع الحاج داوود اسيراً عند قوات الاحتلال، ثم وضعوه تحت الاقامة الجبرية
في البصرة، حتى توفي عام 1917 ونقل جثمانه الى النجف الشرف، وأصبح جعفر المسؤول
المباشر على العائلة(4).
طوال مسيرته السياسية وقف ابو التمن بالضد من طموحات بريطانيا في العراق، الا انه
سلك سبلاً متنوعة في سبيل ذلك، إذ تراه مرة يحاورهم ويناقشهم ويعرض عليهم صداقة
متبادلة مبنية على المصالح المشتركة تمنح الشعب العراقي حقه في بناء دولة مدنية
ونهضة حضارية جديدة، فيما تراه مرة اخرى في ساحات القتال والمواجهة المباشرة اذا ما
تطلب الامر، وهو في هذه وتلك لا ينشد الا تحرير بلده من براثن الاستعمار. ولاجل ذلك
انتمى ابو التمن الى العديد من الجمعيات والمؤسسات الثقافية والاحزاب السياسية
واللجان والمجالس الاستشارية ومنها (عضو اللجنة التعليمية عام 1917 ـ عضو المجلس
البلدي لمدينة بغداد عام 1922 ـ عضو فعّال في حرس الاستقلال، والحزب الوطني، وحزب
الشعبية، وجماعة الاهالي ـ رئيسا لجمعية مكافحة الامية ـامينا عاما لغرفة تجارة
بغداد عام 1935)، هذا فضلا عن ترأسه لبعض الصحف المحلية واهمها جريدة (المبدأ)، كما
تسنم ابو التمن بعض المناصب السياسية الادارية اهمها (وزير التجارة عام 1922 ـ عضو
مجلس النواب العراقي عام 1928 ـ وزير المالية عام 1936).
ابو التمن رجل نزع الى الاعتدال وآمن بضرورة العمل من اجل احلال الوئام والمعايشة
بين جميع فئات الشعب العراقي، كما التزم بالمؤسسات البرلمانية لقناعته بانها الطريق
الامثل لتحقيق اهدافه الوطنية. الا ان تلك المؤسسات لم تكن كما كان يطمح ابو التمن،
إذ انها اسست على خطأ، كما لم يجدها مشابهة للمؤسسات البرلمانية الاوربية. وعلى
الرغم من ذلك التزم ابو التمن بتلك المؤسسات ودعا اليها حتى المراحل الاخيرة من
نضاله السياسي، اذ فقد ابو التمن ثقته بتلك المؤسسات التي كان شغلها الشاغل ارضاء
المندوب السامي البريطاني، لا تحقيق طموحات الشعب العراقي، الامر الذي جعل ابو
التمن يسلك سبلاً اخرى لم يكن يؤمن بها من قبل.
اعتزل ابو التمن السياسة مدة ثمان سنوات حتى وافاه الاجل عام 1945.
ابو التمن والاحتلال البريطاني
تأثرت مسيرة جعفر السياسية باصرار بريطانيا على ان يكون لها نفوذاً في العراق.
وبدأت تلك المسيرة حينما اخذ ابو التمن على عاتقه مسؤولية حث الناس وتنبيههم الى
ضرورة تقوية القدرة الادارية العراقية في مواجهة الادارة البريطانية. زد على ذلك
تحركات ابو التمن للتقريب بين الطوائف العراقية لنيل الاستقلال الوطني، الامر الذي
ازعج السلطات البريطانية اذ نعتته دائرة المباحث الجنائية cid بأنه خطر على
الجماهير، لذا امرت بأعتقاله غير انه سافر الى ايران عام 1919، لكن ابو التمن عاد
الى بغداد في نفس العام وانظم الى (حرس الاستقلال) وهي جمعية سرية اسسها عدد من
الوطنيين تنادي بالاستقلال التام لدولة عراقية تضم الولايات الثلاث (بغداد، البصرة،
الموصل) على ان يكون رئيس تلك الدولة ملكاً ومن ابناء الشريف حسين، كما ان الملكية
التي يريدونها برلمانية دستورية ديمقراطية. وقد انتخب ابو التمن رئيساً للجنة
التنفيذية في الجمعية (5).
زادت حدة الاحتدام والصراع بين البريطانيين والوطنيين العراقيين، بعد ان تأكد لدى
الشعب ان بريطانيا لن توفي بوعودها التي قطعتها للشعب العراقي، الامر الذي ادى الى
قيام ثورة في الفرات الاوسط عام 1920 وقد التحق بها جعفر الذي صدر بحقه امر القاء
القبض بعد ان ادى ابو التمن دوراً مهماً في نشاطات ثورة العشرين اذ عمل مستشاراً
لقادة الثورة، فضلاً عن إلقائه الخطب الحماسية المشجعة التي تحث الناس على المواجهة،
غير ان بريطانيا نجحت في اخماد الثورة مما حدا بابي التمن الى السفرللحجاز حيث
التقى الشريف حسين هناك، وبعد عودته الى العراق عارض ابو التمن الانتداب البريطاني
وطالب الملك فيصل بضرورة تشكيل المجلس الوطني الذي يحدد طبيعة العلاقة بين العراق
وبريطانيا (6).
ونتيجة للدور (الموفِق) الذي لعبه ابو التمن بين الاطراف السياسية المتنازعة، من
حكومة وعناصر وطنية وقيادات دينية، ورغبته في تنمية الشعور بالوطنية العراقية
لاسيما بعد الاعتداءات التكفيرية للاماكن المقدسة في العراق، ودور ابو التمن في
توحيد صفوف العراقيين لمواجهة تلك التحديات، اقول نتيجه كل ذلك قام الملك فيصل
بتعيين جعفر ابو التمن وزيراً للتجارة في ابريل 1920.
وقد اتبع جعفر سياسة معتدلة، اذ نجح في جمع الملك بالعلماء والوجهاء الوطنيين
والشخصيات الجماهيرية البارزة. وقد ادى ذلك الى احراج ملحوظ لانصار الملك والمندوب
السامي البريطاني، ذلك لان جعفر في الوقت الذي كان يعمل فيه لمساندة الملك وتوطيد
الدولة الجديدة، كان معروف من جهة اخرى بصلابته وعدم مساومته ازاء التدخل البريطاني
وتحمسه للاستقلال ونيل الحرية الكاملة. ونتيجة لمعارضة عدد كبير من الوطنيين
العراقيين للانتداب البريطاني، قررت بريطانيا تغيير الانتداب الى معاهدة ذات بنود
تعطي بريطانيا امتيازات وصلاحيات مشابهة للانتداب. لذا عارض ابو التمن هذه المعاهدة
ايضاً بنفس الشدة التي عارض بها الأنتداب، ولم تفلح الاجتماعات التي عقدها معه
المندوب السامي البريطاني ورئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب في تغيير وجهة نظره، الا
ان مجلس الوزراء صادق على هذه المعاهدة، مما حدا بابي التمن الى الاستقالة من
الحكومة في (26 / 6 / 1922) (7).
لم ينته رفض ابو التمن للمعاهدة باستقالته من الحكومة، بل تعداه الى تشكيل (الحزب
الوطني) وهو حزب معارض للانتداب والمعاهدة على حد سواء. وقد نجح ابو التمن في توحيد
جهود حزبه مع جهود حزب النهضة لغرض رص الصفوف، وتقوية المعارضة ضد السياسة
البريطانية، اذ شن هذان الحزبان حملات نقد عنيفة، ومعارضة شديدة للمعاهدة، وصلت الى
تظاهرات في القصر الملكي، الامر الذي اثار حفيظة المندوب السامي، فطلب من الملك
فيصل اعتقال ابرز شخصيات الحزبين المعارضين، الا ان الملك رفض طلبه، مما حدا به الى
اصدار عدة قرارات صارمة لمواجهة تلك المعارضة. منها اعتقال عدد كبيرمن رموز
المعارضة، واغلاق مقر الحزب الوطني، ونفي عدد كبير من الوطنيين العراقيين خارج
البلد. وقد القي القبض على ابي التمن في 26 / آب /1922 وتم نفيه الى جزيرة هنجام في
الخليج.
سعى عدد كبير من العراقيين الى اطلاق سراح ابو التمن ـمن رجال دين وشيوخ عشائر وبعض
الشخصيات الشعبية والثقافية ـ إذ لم ينفك الشاعر الكبير معروف عبد الغني الرصافي
يدافع عن حقوق ابو التمن واصحابه، من خلال القصائد الثورية التي تحرك مشاعر
الجماهير، غير آبه بتحذيرات المس بيل سكرتيرة المندوب السامي في العراق، زد على ذلك
ان حكومة النقيب قد استقالت في 17 / تشرين الثاني / 1922 بسبب المشكلات التي اثيرت
حول اجراء الانتخابات البرلمانية، وقد شكل عبد المحسن السعدون الحكومة الجديدة التي
اعلنت نيتها في إعادة المبعدين، بينما هنالك تردد واضح من الحكومة والاحتلال
البريطاني في اعادة ابو التمن الى العراق لاسيما ان جميع المبعدين قد وقّعوا على
تعهد بعدم ممارسه اي نشاط معارض للمعاهدة، غير ان ابو التمن رفض التوقيع على هذا
التعهد. وقد نجح الملك فيصل في اقناع المندوب السامي البريطاني بضرورة اطلاق سراح
ابو التمن، إذ قال له بأن لديه تخوفاً من ان يصبح ابو التمن (سعد زغلول العراق)،
وكان في نهاية الامر ان عاد ابو التمن الى بغداد في العاشر من مايس 1923، دون ان
تفرض عليه اية شروط.
كانت الفترة بين عامي (1924ـ 1928) فترة عزلة سياسية لجعفر إذ تجنب خلالها اي نشاط
سياسي فعّال، بسبب ما عاناه في هنجام، فضلا عن طبيعة المرحلة السياسية الحرجة التي
يمر بها البلد آنذاك، لذا كرس معظم اوقاته في ادارة اعماله التجارية. غير ان هذه
الغيبة عن الساحة السياسية كان لها اثر سلبي على طبيعة العمل السياسي، لانها تعني
غياب النشاط الفعّال المعارض لهيمنة المندوب السامي البريطاني على الحكومة ومقدّرات
الدولة، لذا لم يرق لعدد كبير من العراقيين إنزواء ابو التمن هذا، وعليه اتجهت
العديد من الصحف العراقية الوطنية الى مطالبه ابو التمن بمزاولة نشاطه السياسي،
ووصفوا ذلك بانه مسؤولية وطنية تلقى على عاتقه، هذا الى جانب البرقيات والرسائل
التي وصلته من الجماهير المناصرة له، فضلاً عن زيارة عدد كبير من السياسيين له
لمطالبته بالمشاركة في انتخابات المجلس النيابي التي كانت ستجري عن قريب، غير ان
ابو التمن رفض هذه الدعوة لاعتقاده أن بريطانيا لا تريد له ان يكون داخل مجلس
النوّاب، لمعارضته الشديدة للمعاهدة، لذا ستعمد الى تزوير نتائج الانتخابات. غير ان
الضغط الشعبي على ابي التمن اجبره على قبول المشاركة في الانتخابات. (8)
رشح أبو التمن عن مدينة الكاظمية، وعندما جرت الانتخابات في التاسع من آيار/1928
حصل ما كان يتوقعه جعفر، إذ خسر أبو التمن الانتخابات، فيما فاز اغلب مرشحي الحكومة،
الأمر الذي احدث ضجةً وامتعاضاً ملحوظين في الأوساط الشعبية، إذ انتفضت بعض الصحف
المحلية وأغلقت العديد من المحال التجارية لاسيما في مدينة الكاظمية، وحصلت تظاهرات
في بعض مناطق بغداد احتجاجاً على إبعاد جعفر بطرق منافية للأخلاق وقواعد
الديمقراطية. وكان الشاعر العراقي المعروف (الملا عبود الكرخي) قد أعلن إن خسارة
أبو التمن كانت بسبب تدخل مباشر من المفتش الإداري. فيما قدمت عرائض الشكوى إلى
الملك ورئيس الوزراء من قبل العديد من الساسة والرموز الوطنية. من جهة أخرى أعلن
رشيد عالي الكيلاني الذي فاز بمقعدين احدهما عن بغداد والآخر عن الكوت، اقول أعلن
عن استقالته عن مقعد بغداد ـ لاسيما ان الدستور ينص على الاحتفاظ بمقعد واحدـ وحث
الكيلاني المرشحين على انتخاب أبو التمن، وفاز أبو التمن بالمقعد النيابي في السادس
من حزيران عن مدينه بغداد بأغلبية ساحقة. وقد احتل ابو التمن في مجلس النواب مكانة
متميزة إذ لم يكن نائباً عادياً، بل هو من النشاط والحضور بمكان، إذ تجده مدافعاً
عن حقوق الشعب في الحرية والاستقلال والتعليم ومساهماً فاعلاً في مناقشة القضايا
الاقتصادية والمالية كميزانية الدولة وضريبة الكمارك وحل مشكلة البطالة وطبيعة
العلاقة مع الشركات الأجنبية الاستثمارية، فضلاً عن مطالبته بحرية الفكر وحرية
الصحافة وحق الفرد في التعبير عن ذاته وتطلعاته.(9)
ابو التمن والحكومات المتعاقبة
عاش ابو التمن بين عامي (1928، 1933) مرحلة سياسية مليئة بالانعطافات والتحولات
التي لها أثرها في التاريخ السياسي للعراق، إلا اننا لم نجده إلا رجلاً صلباً في
مواجهة تلك التحولات، تحدوه رغبة في تحقيق الاستقلال الوطني. ولأجل ذلك جاءت مواقف
ابو التمن معبرة عن أماني الشعب العراقي التوّاق إلى الحرية. لذا عانى ابو التمن
الامرّين من موقف بريطانيا المعا رض له، وسياسة الحكومات المتعاقبة الخاضعة لإرادة
بريطانيا، فضلاً عن عدم مساندة اغلب الساسة العراقيين لفعّاليات ابو التمن ونشاطاته
الزاخرة ببرقيات الاستنكار ومقالات الرفض والتظاهرات التي تصبو كلها إلى إجبار
بريطانيا على الإيفاء بوعودها التي قطعتها للشعب العراقي. وقد توالى فشل الحكومات
العراقية في تحقيق آمال وطموحات ابو التمن وبقية أنصار المعارضة، مثل حكومة عبد
المحسن السعدون التي عبرت عن فشلها بانتحار السعدون، الى جانب استقالة حكومة ناجي
السويدي وحكومة نوري السعيد وحكومة ناجي شو كت، وقد أدرك ابو التمن إن الحكومات
نجحت في إضعاف المعارضة من خلال إغراء رموزها بالمناصب الحكومية لاسيما (ياسين
الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني) إذ إنه لم يعِ انه يعمل مع عناصر سياسية ولاءها مقترن
بالمنصب والقرابة والعشائرية والقومية والطائفية، بدلا من المصلحة الوطنية، علماً
أن ابو التمن وفي سبيل مصلحة بلده رفض عروضاً قدمت له لتبوء مراكز حكومية مهمة،
فضلاً عن رفضه للدعوة التي قدمتها له قيادات عشائرية ودينية وسياسية شيعية لترأس
حزباً شيعياً كانوا ينوون تشكيله، لاعتقاده بان مثل هذه التوجهات ستضر بالوحدة
الوطنية العراقية، إلى جانب أنها ليست حلاً لمشاكل البلاد، بل هي إذا ما نجحت
فستؤدي بالبلاد الى الهاوية.وفي الأول من تشرين الثاني عام 1933 إعتزل ابو التمن
السياسة وتنحى عن منصبه كأمين عام للحزب الوطني وكقائد للمعارضة العراقية وهو يقول
:(اضطررت والألم يملأ قلبي أن اعتزل السياسة وأنا واثق بأن التطورات في نهضات الأمم
مثلنا قد علمتنا بأنها سوف تضطرنا إلى العودة متى حان الوقت للكفاح). (10)
إن غيبة ابو التمن لم تدم طويلاً لنفس الأسباب التي دعته للعودة إلى العمل السياسي
في السابق، فضلاً عن ذلك قامت جماعة الأهالي*بدعوة ابو التمن إلى رئاسة جمعية
مكافحة الأمية التي كانوا ينوون تشكيلها، وقد سميت هذه المجموعة بجماعة الأهالي
نسبة إلى إصدارهم جريدة الأهالي عام1932. وابرز شخصيات هذه الجماعة : عبد الفتاح
إبراهيم و عبد القادر إسماعيل و حسين جميل و محمد حديد وانظم إليهم فيما بعد كامل
الجاد رجي. وبإلحاح من عبد الفتاح ابراهيم قبل ابو التمن توليه منصب الأمين العام
لجمعية مكافحة الأمية، وهي جمعية ثقافية و فكرية تسعى إلى القضاء على الجهل و
التخلف وبث الوعي الثقافي بين أفراد المجتمع العراقي. لذا تمتع جماعة الأهالي
بشعبية واسعة بين الأوساط الثقافية و الفكرية، وقد كان جعفر يعلم أن هذه المجموعة
ستكون ناشطة سياسيا إلى جانب نشاطها الثقافي. وفي كانون الثاني عام 1934 قام جعفر
بمعية عبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل وكامل الجاد رجي، بتنظيم حزب سري هو
حزب (الشعبية) وقد اختير جعفر رئيسا له، وقام الحزب بإصدار جريدة «المبدأ» التي
ترأسها جعفر أيضا، وأصبحت هذه الجريدة المنبر المعبر عن آراء وتوجهات هذه الفئة
المثقفة من السياسيين، وقد اتهمت هذه الجريدة بالتطرف والشيوعية لأن الحكومة
والعناصر الداعية للقومية العربية قد شنت حملة دعائية ضد جعفر وجماعة الأهالي،
ووصفتهم بالمتعاطفين مع الشيوعيين والشعوبيين المعادين للعروبة، غير أن جعفر
وأصحابه نجحوا في نفي مثل هذه التهم بالرد عليها من خلال المقالات التي يكتبونها.
من جهةٍ أخرى واجه ابو التمن وأصحابه العديد من التحولات والتغيرات الحكومية
المتكررة، ومنها حكومة جميل المدفعي وحكومة علي جودت وصولاً إلى حكومة ياسين
الهاشمي. وقد كان لجعفر موقفاً معارضاً لسلوك حكومة ياسين الهاشمي ووزير داخليته
رشيد عالي الكيلاني، إذ قامت هذه الحكومة بشن حملة عسكرية ضد العشائر في الجنوب
والفرات الأوسط، بسبب موقفها المطالب باستقالة البرلمان وإقامة انتخابات جديدة ذات
أسس صحيحة وسليمة، كما عملت حكومة الهاشمي على إغلاق الصحف المنتقدة للحكومة لا
سيما جريدة (صوت الأهالي) وجريدة (المبدأ)، فضلاً عن اعتقال الرموز الوطنية
المعارضة لسياسة الدولة. هذه الأسباب وغيرها هي التي دعت ابو التمن وأصحابه إلى
تغيير وسائلهم في مواجهة تسلط حكومة ياسين الهاشمي(11).
اتفق حكمت سليمان، وهو عنصر فعّال في جماعة الأهالي، مع بكر صدقي وهو قائد فرقة في
الجيش العراقي، على الإطاحة بحكومة ياسين الهاشمي عن طريق انقلاب عسكري يقوم به
الجيش، وتوفر له جماعة الأهالي الغطاء السياسي والشعبي. قبل ابو التمن بالفكرة بعد
أن تأكد له أن الجيش سيقوم بالانقلاب سواء قبل أم لا، واجتمع جعفر ببعض قادة الجيش
وحددوا الخطوط العامة للانقلاب وتشكيل الحكومة الجديدة. دخل الجيش إلى بغداد في
مساء 29 من تشرين الأول ليسقط حكومة الهاشمي، وتم تشكيل الحكومة الجديدة مباشرة بعد
الانقلاب، وقد كانت برئاسة حكمت سليمان، وقد اختير ابو التمن وزيراً للمالية وصالح
جبر لوزارة العدل وناجي الأصيل للخارجية وكامل الجاد رجي للاقتصاد ويوسف عز الدين
للمعارف وعبد اللطيف نوري للدفاع، أما بكر صدقي فلم يتول أي منصب وزاري، وأحتفظ
بمنصب رئيس أركان الجيش. فيما رفض كل من عبد الفتاح إبراهيم وعبد القادر إسماعيل
الانقلاب لأنهما كانا ضد فكرة تدخل الجيش في السياسة. وقد قوبل هذا الانقلاب بفرحة
شعبية عارمة في العراق، كما أحتفا الشيوعيون والليبراليون بالحكومة الجديدة مرددين
شعارات مناوئة للهاشمي ورشيد عالي الكيلاني.
غير إن هذه الحكومة لاقت صعوبات جمة من أبرزها التدخل المباشر للجيش في عمل الحكومة،
فضلا عن اتهام القوميين لابي التمن وبعض جماعة الأهالي بالشيوعية، الأمر الذي أثار
غضب العديد من شيوخ العشائر على ابي التمن، واتهام بكر صدقي وحمت سليمان بعدم
الولاء للعروبة، لاسيما إن حكمت كان تركمانياً وبكر صدقي كان من القومية الكردية،
زد على ذلك إن رجال الحكومة السابقة شنّوا حملة دعائية واسعة ضد الحكومة الجديدة.
إلا إن ابو التمن لعب دوراً هاماً في رسم السياسة المالية والاقتصادية للدولة، إذ
اهتم بتوزيع الأراضي الزراعية، محاولةً منه في حل مشاكل الفلاحين، فضلاً عن بناء
القرى العصرية وإقامة الجمعيات التعاونية لتطوير الريف وتحرير الفلاحين من استغلال
مالكي الأراضي. وقد أعلن جعفر عن رغبته في تحسين المستوى ألمعاشي للعمال من
الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، عن طريق رفع دخلهم وتقليل ساعات عملهم. وقد
جوبهت توجهات ابو التمن هذه بجملة من الشائعات التي تصف ابو التمن بأنه شيوعي، وقد
رد جعفر على ذلك بقوله : (إذا كانت جهودنا باتجاه إصلاح البلاد ومساعدتنا الفقراء
من الناس وتطبيق العدالة أمورا شيوعية، فإنني اسأل الله العلي القدير أن يضعنا على
قدر المساواة مع الشيوعية)(12).
ونتيجة لتدخلات الجيش في إدارة شؤون الدولة، لم يجد ابو التمن وبعض الوزراء الآخرين
أي أمل في قدرة رئيس الوزراء على إيقاف التدخل السافر لبكر صدقي وأصحابه في إدارة
الحكومة، الأمر الذي قادهم في التاسع عشر من حزيران 1937 إلى تقديم استقالتهم من
الحكومة، وهم كل من (جعفر ابو التمن وكامل الجاد رجي ويوسف عز الدين وصالح جبر).
وقد كانت الفترة (من استقالة ابو التمن إلى حين وفاته) متميزة بالنشاط التجاري
الشخصي، فقد اشغل نفسه كلياً في توسيع تجارته للمنسوجات واستخراج زيوت الطبخ. وقد
انتخب ابو التمن رئيساً لغرفة تجارة بغداد عام 1935. استمر جعفر في الفترة الأخيرة
من حياته بالحوارات والمناقشات في جميع المجالات، إذ كان يستقبل وجهاء بغداد في يوم
الأربعاء من كل أسبوع، وقد كانت آراء ابو التمن المتفاعلة مع الحدث تلقَ ترحاباً
واحتراماً من قبل الجميع، وبقي رجلاً متفاعلاً مع الأحداث حتى توفي في 20 / 11/1945
اثر انفجار دموي في الدماغ، وقد كانت آخر كلماته انه كان آسفاً لأنه لم يعش ليرى
القوات البريطانية تغادر الأراضي العراقية. ولوفاته عم الحزن شوارع بغداد والعديد
من المدن العراقية الأخرى، وتكونت لجنة في بغداد من ممثلين عن الاتحادات العمالية
والمنظمات المهنية والأحزاب السياسية للقيام بحفل تأبيني يليق بمكانة ابو التمن
وتاريخه، وقد حدثت اجتماعات في المدارس والمعاهد والمنظمات وغرف التجارة للرثاء
والمواساة. دفن جعفر في النجف بمراسيم دفن مهيبة تدل على شعبيته الواسعة كقائد
سياسي وطني من طراز خاص، وقد رثاه مشاهير الشعراء المعاصرين، أشهرهم محمد مهدي
الجواهري الذي يقول في رثاء جعفر ابو التمن (13):
|
طالت ولو قصرت يد الاقدار |
|
لرمت سواك، عظمتَ من مختار |
|
من صفوة لو قيل:أيّ فذهم |
|
لم تعد شخصك أعين النظار
|
|
لكن ارادت ان تحوز لنفسها |
|
عين القلادة فازدرت بنثار |
|
وأرى المنايا بالذي تختاره |
|
للموت عاطلةً وذات سوار |
|
فطوتك في درج الخلود فعطرت |
|
بك سالف الاحقاب والآثار |
|
واستنزلتك لغربةٍ،ولأنت من |
|
علياك في لجبٍ من الانصا ر |
|
وتجاهلت ان البلاد بحاجةٍ |
|
لك حاجة الاعمى الى الإبصار |
الهوامش
ــــــ
(*) ماجستير فلسفة، مدرس الفلسفة في الجامعة المستنصرية، بغداد.
(1) في مقابلة مع عبد الفتاح إبراهيم عام 1979 / نقلاً عن خالد التميمي، محمد جعفر
ابو التمنـ دراسة في الزعامة السياسية العراقية، دار الوراّق للدراسات والنشر،
مطبعة الإخاء، ط1، دمشق، ص78.
(2) حميد المطبعي، تاجر يؤسس المدرسة الوطنية، جريدة الزمان الدولية، العدد
2645،التاريخ / 17/ 3/2007.
(3) سيف الدين عبد الجبار، رجال وأحداث، جريدة الزمان الدولية، العدد 1857، التاريخ
10 / 7 / 2004. ايضاً خالد التميمي، المصدر السابق، ص60ـ77.
(4) خالد التميمي، المصدر السابق، ص82ـ83.
(5) المصدر نفسه، ص90ـ111.
(6) المصدر نفسه، ص112ـ134.
(7) المصدر نفسه، ص138ـ152.
(8) علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج6،المكتبة الحيدرية، ط3،
إيران، 1976، ص192ـ195. أيضا خالد التميمي، المصدر السابق، ص162ـ217
(9) خالد التميمي، المصدر السابق، ص227ـ243.
(10) المصدر نفسه، ص244ـ332.
(11)خالد التميمي، المصدر السابق، ص334ـ381.
(12) المصدر نفسه ص382ـ420.
(13) محمد مهدي الجواهري، ديوان الجواهري، ج3، مطبعة الأديب البغدادية، بغداد،
1974، ص137. للاستزادة انظر المصدر نفسه، ص135ـ146.
|