الحضارية «أعلام العراق»

الثلاثاء 25/9/2007

 

 

الحارث بن أسد المحاسبي/165-243ﻫ
مؤسس مدرسة بغداد الصوفية

علاء جعفر حسين(*)
(خاص للمعهد)

في أوائل النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة على وجه التقريب، ولد الفقيه المتكلم الصوفي الحارث بن أسد المحاسبي في البصرة، ولعله في سنة 165ه‍[1]/781م، لقد أقبل المحاسبي في وقت مبكر من حياته على حلقات المحدثين، وهذا ما نراه واضحا في كتابه (فهم القرآن) كما يدل هذا الكتاب على أنه قصد بغداد في أيام شبابه[2] طلبا للعلم ورغبة في الاطلاع على مدرسة بغداد ونتاجها العلمي الوفير. ثم ذهب بعد ذلك إلى الكوفة[3]. وتذكر بعض المصادر أنه تتلمذ على الشافعي (150-204ﻫ) في رحلته الثانية إلى بغداد[4]. في هذه الأثناء تداول المحاسبي علوم اللغة والقرآن، وهذا ما يعكس أنه أدرك في وقت مبكر أن النزاع حول القرآن مركّز حول المسائل اللغوية، وكيفية فهم كلام العرب.
في هذه الفترة من حياته، احتدم الصراع الفكري ما بين المعتزلة والمحدثين والفقهاء حول مسألة (خلق القرآن)، والمحاسبي كواحد من الذين عاشوا في بيئة الفقهاء، انبرى للرد على المعتزلة في كتابه (فهم القرآن). بعد ذلك، قام بالاطلاع على آراء الصوفية الذين سبقوه من أمثال الحسن البصري (110ﻫ) وإبراهيم بن أدهم (162ﻫ) وداود الطائي (166ﻫ) والفضيل بن عياض (187ﻫ)، وعلى آراء معاصريه أمثال شقيق البلخي (195ﻫ)، ومعروف الكرخي (200ﻫ) وبشر الحافي (227ﻫ) وذي النون المصري (245ﻫ) والسري السقطي (251ﻫ) وقد تأثر بهم، وشابهت أقواله أقوالهم في كثير من النواحي. وهذا ما يدل عليه عرضه المفصل والدقيق لآراء هؤلاء جميعا في كل المسائل التي بحثها خصوصا في كتابيه (المكاسب والمسائل) و(الرعاية). وقد ولدت سعة الاطلاع هذه عند المحاسبي حاسة نقدية كان يأبى من خلالها قبول أي رأي بدون حجة، الأمر الذي أدى إلى عدم قبول المحدثين له في زمانه.
كان في تركه بيئات المحدثين والمتكلمين والفقهاء تطرفا بعض الشيء حتى كاد يقف في الضد منهم.
لذلك استقر به المقام مع الصوفية، بعد اجتيازه للأزمة النفسية التي مر بها وذكرها في مقدمة كتابه (الوصايا) إذ يقول:
«فقيض لي الرؤوف بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى، وأعلام الورع وإيثار الآخرة على الدنيا»[5]. وعلى الرغم من إعلان المحاسبي انتماءه إلى هذا الاتجاه، إلا أنه لم يخلُ من تحفظات تجاههم، وبالعكس، وهذا الموقف يحكمه عاملان:
أولهما: أنه لم ينس النص.
ثانيهما: أنه لم ينس العقل.
وهما أمران تجاهلهما الصوفية في تطورهم، وهذا ما يدل عليه قول الغزالي:
«والصوفية يذمون العقل والمعقول، ويقصدون بذلك المناظرة والمجادلة باعتبارها من أمور الكلام»[6]. وهذا ما يبرر تحفظات الصوفية تجاه المحاسبي التي تبدو واضحة في قول السري السقطي للجنيد: «عليك بأدبه ودع عنك تشقيقه للكلام»
[7]. لكن رغم ذلك، لم تثن هذه التحفظات المحاسبي عن القيام بدوره الإصلاحي الذي يتخذ من الشريعة والحقيقة منهجا لمعالجة مشاكل المجتمع.
مكانته العلمية
وصف أبو نعيم في الحلية ج10، ص73-74 المحاسبي بأنه:
«المشاهد المرقبي، والمساعد المصاحبي، كان لألوان الحقائق شاهدا ومراقبا، لآثار الرسول [ص] مساعدا ومصاحبا، وتصانيفه مدونة مسطورة، وأقواله مبوبة منشورة، وأحواله مصححة مشهورة، كان في علم الأصول راسخا وراجحا، ومن الخوض في الفصول جافيا وجانحا، وللمخالفين الزائفين قامعا وناطحا، وللمنيبين قابلا وناصحا».
وقال عنه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ج8، ص214:
«أدرى من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن، وله كتب كثيرة في الزهد، وفي أصول الديانات، والرد على المخالفين من المعتزلة وغيرهم، وكتابه في الدماء هو الذي عوّل عليه من بعده في شأن الدماء التي جرت بين الصحابة».
وقال القشيري في الرسالة، ص20:
«عديم النظير في زمانه علما وورعا ومعاملة وحالا».
وذهب السلمي في طبقاته، ص56، إلى أنه
«من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر وعلوم المعاملات والإشارات، وهو أستاذ أكثر البغداديين».
ووصفه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، ج/37، أنه:
«علم العارفين في زمانه، وأستاذ السائرين، الجامع بين علمي الظاهر والباطن».
وقال عنه الشعراني في الطبقات الكبرى، ج1/ص62:
«إنه من علماء مشايخ القوم بعلوم الظاهر، وعلوم الأصول، وعلوم المعاملات، عديم النظير في زمانه».
وقال عنه ابن خلدون في شفاء السائل/ ص27:
«إنه جمع فقه الباطن وفقه الظاهر وفقه الورع وعلم الآخرة»
.
والقائمة تطول.
إن الإشارة التي تستشف من هذه الأقوال، أن المحاسبي جمع بين التصوف والفقه والحديث والتفسير، وهذا أمر لا يتوفر لأحد إلا نادرا.
إن منزلة المحاسبي لا تقتصر على أنه جامع للعلم، حافظ له، عامل به فحسب، ولكنه في الحقيقة كان صاحب مدرسة متميزة يمكن وصفها بأنها مدرسة الكشف الدقيق عن علة الأمة الإسلامية التي كانت قد أصابتها ففرقت كلمتها ودفعت بها بعيدا عن فطرة الإسلام التي جاء بها الرسول الأعظم [ص].
المحاسبي- مواقف وآراء
عاش المحاسبي في زمن كانت هناك ثقافتان تتصارعان بعنف داخل النطاق الإسلامي.
الأولى كانت المعتزلة وروادها في بغداد والبصرة والكوفة الذين يجعلون من العقل منطلقا لفهم النص.
أما الثانية فهم اهل السنة بريادة الإمام أحمد بن حنبل، الذين يؤمنون بظاهر النص القرآني من دون تحكيم العقل(8).
وهذا باعتقادنا نزاع تقليدي بين الذين يقولون إن الدين نص يفسره العقل ويوضحه، والذين يقولون إن الدين نص تفسره أسباب النزول واللغة والرواية. يظن بعض الناس أنه لا يمكن أن يكون هناك طرف ثالث في هذه الخصومة، فالإنسان إما نصي وإما عقلي، ولا يحتمل الأمر ثالثا، ونشأ المحاسبي ليعلن هذا الحل الثالث، ويتمثل في موقفه من المعتزلة الذين رد عليهم في كتابه (فهم القرآن) كذلك موقفه من الفقهاء الذين ثاروا عليه، وكان لا بد أن يثوروا، فقد نهج في درسه نهجا آخر غير الطريق العادي التقليدي، فقد تحدث في الإخلاص والورع والزهد والخشوع الخالص لله. وتحدث في هيبة الله وعظمته ومحبته والأنس به والقرب منه مما أثار حفيظة الإمام أحمد بن حنبل، مما أدى بالتالي إلى قطيعة بينه وبين المحاسبي.
موقفه من المعتزلة
لقد هاجم المحاسبي في كتابه (فهم القرآن) المعتزلة هجوما عنيفا، انتقد فيه إيمانهم المطلق بالعقل، واستبداده المطلق بهم وبدينهم، حيث ذهب إلى أن العبودية الحقة العاقلة هي المنهج الصحيح للمعرفة وذلك على أساس من جناحي التقوى والعلم.
لقد اتهم المحاسبي المعتزلة بأنهم من أهل البدع وأهل الضلال، بل تجاوز هذا الاتهام المجرد إلى استعمال النصوص النقدية المطعمة بالفهم العقلي في ضرب المعتزلة المسيطرين على الجو الثقافي حتى ذلك الوقت.
والمحاسبي لا يكتفي بالرد عليهم من ناحية موضوعاتهم بل هو يتجاوز ذلك إلى تخطئتهم في مناهجهم، فيقول عن المعتزلة:
«إنها فرقة ضالة لا تفطن لضلالتها لاتساعها في الحجج، ومعرفتها بدقائق مذاهب الكلام وحسن العبارة بالرد على من خالفها، فهم عند أنفسهم من القائلين بالحق والرادين لكل ضلالة، لا أحد أعلم منهم بالله... ولا أولى به منهم، وكل الأمم ضالة سواهم، وأن الله عز وجل لا يعذب متعلمهم، بل لا ينجو أحد في زمانهم غيرهم»[8]. وقد أثيرت حفيظة المحاسبي من زعم المعتزلة أن الله ينسخ أخبار وصفاته، فقالوا: «إن الله يعذب القاتل والزاني وشارب الخمر وآكل مال اليتيم ظلما، ولم يستثن منهم أحدا، فزعمتم أنه جائز أن يغفر الله لبعض أهل الكبائر»[9]. ويصل الأمر إلى الصفات فتذهب المعتزلة إلى القول: «إن الله امتدح نفسه بأن الأبصار لا تدركه. ثم زعمتم أن هذه المدحة تبدل في الآخرة فتراه العيون، وهذا نسخ المدح لأنه امتدح بأن الأبصار لا تدركه ولم يستثن... فزعمتم أنها تدركه في الآخرة نظرا... ولو جاز أن يغفر الله لأهل الكبائر لجاز أن يغفر للكفار لأنه كذلك قال: إني أعذبهم»[10].
ويرى المحاسبي في ذلك أن المعتزلة قد أبعدوا في القياس، واتهمهم بالجهل بخطاب الله وتأويله، وقصورهم عن معرفة علوم القرآن، فأخبار الله ومدحه لا تنسخ، لكن من الأخبار ما هو عام وما هو خاص، وإن اتفق ظاهر تلاوتها في العموم فهو مختلف في معاني العموم والخصوص.
ويرى المحاسبي أن المعتزلة يمكن أن يلجأوا إلى ظواهر الآيات مع أنهم هم متطرفة المؤولة، فتتبعهم في ذلك وسد عليهم الطريق بحجج من كلامهم نفسه وإلزامهم عدة إلزامات، إذ إنهم يوجبون على الله عقاب الكفار وأصحاب المعاصي، كما يوجبون المغفرة لأصحاب الصغائر غير المصرين، وهذا الإيجاب يرى فيه المحاسبي خروجا على الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويرتب عليه عدة نتائج[11]، منها:
ـ امتناع الخوف والرجاء.
ـ امتناع العفو.
ـ امتناع شفاعة النبي [ص].
إن كل ما تقدم يبين موقف المحاسبي من المعتزلة إجمالا، وهذا ما أملاه عليه ضميره في التصدي لهذه الأفكار، فقد شعر أن طغيان العقل قد استشرى ولا بد من الوقوف أمام جموحه.
موقف الحنابلة من المحاسبي
تمثل موقف الحنابلة بموقف زعيمهم أحمد بن حنبل (ت 241ﻫ) من المحاسبي وتكاد قصته مع الأخير لا يخلو منها مصدر أو مرجع.
إذ كان الإمام أحمد بن حنبل شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفا من أن يجر ذلك إلى ما لا ينبغي. ولا شك أن السكوت عنه ما لم تدع إليه الحاجة أولى، والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة، وكان المحاسبي قد تكلم في شيء من مسائل الكلام، ولعل كتاب (فهم القرآن) دليل على ذلك. وقد قيل إن أحمد بن حنبل قد هجره لهذا السبب. وعلى الرغم من أن الصوفية يعتبرون أحمد بن حنبل أحد أئمتهم، إلا أنه كان لا يعجبه من الصوفي أن يتكلم في علم الكلام، أو أن يكثر من الشطحات الصوفية. ولقد كان بينه وبين المحاسبي صحبة، فلما سمعه تكلم في خلق القرآن، نصح بالبعد عنه. والحقيقة أن المحاسبي لم يقل بخلق القرآن، بل كان يعتبر ان كلام الله صفة لله في ذاته غير مخلوق، ولما كان القرآن كلام الله على الحقيقة وأنه ليس مخلوقا فيستتبع ذلك بالضرورة أن يكون القرآن عنده وغيره من أهل السنة غير مخلوق. ويذهب البعض الى أن سبب الخصومة هو كلام المحاسبي في علوم الصوفية التي يحتج لها بالآيات القرآنية والحديث. فقد قيل لأحمد بن حنبل:
«إن الحارث المحاسبي يتكلم في علوم الصوفية ويحتج لها بالآية والحديث. فهل لك أن تسمع كلامه من حيث لا يشعر»؟ حينئذ حضر ليلة معه إلى الصباح، ولم ينكر من أحواله ولا من أحوال أصحابه شيئا. فسئل عن ذلك فقال: «ألا إني رأيتهم لما أذن بالمغرب تقدم فصلى، ثم حضر الطعام فجعل يحدث أصحابه وهو يأكل، وهذا من السنة، فلما فرغو من الطعام، غسلوا أيديهم، جلس وجلس أصحابه بين يديه، وقال: من أراد منكم أن يسأل عن شيء فليسأل، فسألوه عن الرياء والاخلاص وعن مسائل كثيرة فأجاب عنها واستشهد بالآي والحديث، فلما مر جانب من الليل أمر الحارث قارئا يقرأ فقرأ فبكوا وصاحوا وانتحبوا، ثم سكت القارئ، فدعا الحارث بدعوات خفاف ثم قام إلى الصلاة، فلما أصبحوا اعترف أحمد بفضله قائلا: كنت أسمع من الصوفية خلاف هذا، استغفر الله العظيم»[12]. ويزيد السبكي أن أحمد بن حنبل قال لتلميذه: «مع هذا، فلا أرى لك صحبتهم ثم قام وخرج»[13]. وقد علق السبكي على هذه الحكاية، هو أن المتأمل لها بعين البصيرة يدرك أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم،، وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر ولكل رأي واجتهاد. غير أن ابن كثير كان موقفه مخالفا لموقف السبكي حيث يذهب إلى أن سبب كراهية الإمام لهذه الصحبة للحارث وأصحابه هو لكلامهم في التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، وكذلك التدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر[14]. ويذهب ابن حجر إلى أن الإمام «أحمد هجر الحارث المحاسبي مع أنه كان صديقا له»[15]. وفي رواية أخرى لابن حجر أنه نهى أصحابه عن صحبة الحارث مع أنه قال: ما سمعت في الحقائق مثل كلام هذا الرجل.
ويقول ابن الاثير:
«إن الإمام أحمد هجر الحارث بن أسد المحاسبي»[16]. وهذا ما أقره الذهبي في الميزان[17]. ويقول الخطيب البغدادي: «إن الإمام أحمد كان يصد الناس عنه»
[18].
من كل ما تقدم يمكن إرجاع الخلاف بينه وبين أحمد بن حنبل إلى ثلاث احتمالات:
الأول: لأنه تكلم في شيء من الكلام وصنف فيه. وعلى هذا قول الذهبي وابن الأثير والخطيب وابن الجوزي[19].
الثاني: لأنه صوفي وللإمام أحمد موقف عام من مناهج الصوفية وآرائهم. والى هذا يذهب ابن خلدون[20]، حيث يعلل هجر الإمام للمحاسبي هو اعتقاد ابن حنبل أنه لا يجوز أن يكون لدارس الشريعة شيخ يسلمه امره، فالأخذ ينبغي أن يكون من الكتاب والسنة.
الثالث: لأنه تكلم في الوساوس والخطرات، وربما أيدته قصة ابن حنبل مع الحارث حينما حضر مجلسه فقد تأثر بكلامه، لكنه لم يعتبر موقفه القائل بعدم تجاوز النص، وآثار السلف، وهذا ما ذهب إليه ابن كثير. ويبدو أن رغم تعدد روايات هذه القصة، إلا أن طابعها يكاد لا يفصح عن نفسه، فتارة يقال: إن الامام أحمد بن حنبل، هو الذي طلب أن يتخفى حتى يسمع، وتارة يقال أنه طلب إليه أن يتخفى فيسمع، وتارة يقال أنه وإن لم ينكر شيئا من أمر المحاسبي وصحبه، فإنه نصح بعدم صحبتهم، وربما يقال أنه استغفر الله لأنه أساء الظن بالصوفية..!
ومهما يكن من صدق هذه الاحتمالات أو كذبها، فقد أجمع المؤرخون على أن الإمام أحمد بن حنبل قد هجر المحاسبي، فاستخفى هذا الأخير حتى موته.
ويضاف إلى ذلك، أن الملاحظة الملفتة للنظر والتي تعبر تعبيرا واضحا عن كراهية ابن حنبل لمصاحبة المحاسبي، أن المشيعين لجنازة المحاسبي لم يتجاوزوا أربعة أشخاص، وذلك بعد أن هجره الإمام أحمد بن حنبل، وربما كان ذلك بسبب تأثر الرأي العام بهذه الخصومة، خاصة وأن هذا العصر اتسم بتقدير العلماء في حياتهم وبعد مماتهم.
بالإضافة إلى ما تقدم من موقف المحاسبي من المعتزلة، وموقف أحمد بن حنبل منه، فهناك مواقف أخرى للمحاسبي من كل التيارات التي كانت تموج في عصره، حتى الاتجاه الذي كان ينتمي إليه الصوفية.
فقد رفض المحاسبي دعاوى الحلول، كما رفض كل الدعاوى التي تتصادم مع النص والعقل. وفي هذا الخصوص يذكر السراج الطوسي أن أبا حمزة البغدادي (ت 289ﻫ) دخل دار حارث المحاسبي وكان للحارث دار حسن وثياب نظاف، وفي داره شاة مرغ، فصاح الشاة مرغيا فشهق أبو حمزة شهقته وقال: لبيك يا سيدي. قال: فغضب الحارث وعمد إلى سكين، فقال: إن لم تتب عن هذا الذي أنت فيه، أذبحك[21].
ومن هذا يتضح أن تجربة المحاسبي الصوفية هي تجربة واعية تتخذ من الشريعة والحقيقة منهجا للوصول إلى الله تعالى، وهو بهذه التجربة كان رائدا لمدرسة البغدادي الصوفية التي يعبر عنها بمدرسة الصحو، والتي أنجبت السقطي والجنيد والقشيري والغزالي والسلمي. وهناك مواقف أخرى لا يسع المقام لذكرها تتمثل في موقفه من الشيعة والحشوية والمرجئة والفقهاء[22]. قد جاءت مواقفه هذه من خلال ما توافر له من ثقافة واسعة عن علوم عصره. لذا جاءت تأسيسا لمن جاء من بعده في الرد على المعتزلة وغيرها من الفرق الكلامية والصوفية.


المصادر
ـــــــــــــ
(*)مدرس مساعد، قسم الفلسفة، كلية الآداب، الجامعة المستنصرية، بغداد.
[1] ينظر: الاصبهاني، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج10، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1400ﻫ-1980م، ص37 وما بعدها.
[2] ينظر: حسين القوتلي، مقدمة العقل وفهم القرآن، دار الفكر، بيروت، 1971، ص13.
[3] المصدر نفسه، ص15.
[4] البغدادي: أصول الدين، ص297. شكك ابن الصلاح في صحبة المحاسبي للشافعي، بتهذيب التهذيب، ج1، ص136.
[5] المحاسبي: الوصايا، تحقيق عبد القادر احمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987، ص62.
[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، دار إحياء الكتب العربية، ج1، 1957م، ص77.
[7] المصدر نفسه، ج1، ص37.
[8] المحاسبي، العقل وفهم القرآن، ص370.
[9] المصدر نفسه: ص371.
[10] المصدر نفسه: ص372.
[11] ينظر المصدر نفسه: ص372-390.
[12] الشعراني: الطبقات الكبرى، ج1، ص64.
[13] السبكي: طبقات الشافعية، ج2، ص39-40.
[14] ينظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج10، ص330.
[15] ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج2، ص135.
[16] ابن الاثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1965، ج7، ص33.
[17] ينظر: الذهبي، ميزان الاعتدال، ج1، ص199.
[18] تاريخ بغداد: ج8، ص214.
[19] تلبيس إبليس، ص198.
[20] شفاء السائل: ص64.
[21] أبو نصر السراج الطوسي: اللمع في التصوف، نشره د. عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، القاهرة، 1960م، ص495.
[22] ينظر: المحاسبي، فهم القرآن، ص333-369.