|
|
 |
الحضارية
«
أعلام العرق» |
|
علي الوردي
د. صائب عبدالحميد(*)
(خاص للمعهد)
المحور الأول / علي الوردي ـ ملامح الشخصية
عراقي، بغدادي، ولد في أسرة من الأسر الفقيرة التي تسكن بعض أزقة الكاظمية القديمة.
كان مولده عام اشتعال الأرض بنيران الحرب العالمية الأولى، عام 1913م، ووفاته أعوام
اشتعال أرض موطنه اثر حربين مدمرتين وتجويع مقصود وظلم وابتزاز كبير.
اضطره أهله بسبب الفقر إلى ترك المدرسة للعمل عطاراً عند أحد العطارين في محلته،
وبقي في هذه المهنة خمس سنين حتى أنعم الله عليه بالطرد منها، لأنه كان يكره
الزبائن بقدر حبه للمطالعة، كانت العاقبة أن: «طردني أستاذي شر طردة، أحمد الله على
هذه الطردة، فقد استطعت بعدها أن أتفرغ إلى كتبي الحبيبة إلى قلبي»(1).
أتم دراسته الجامعية في الجامعة الأمريكية ببيروت سنة 1943م بدرجة شرف، وسافر إلى
أمريكا فحصل على شهادة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة تكساس سنة 1948م،
والدكتوراه من الجامعة نفسها بدرجة شرف سنة 1950م. عاد في السنة ذاتها إلى العراق
فعين أستاذاً لعلم الاجتماع في كلية الآداب فأمضى فيها عشرين عاماً، منحته جامعة
بغداد بعدها لقب «أستاذ متمرّس»، ثم طلب الإحالة على التقاعد سنة 1970م، واعتزل
التدريس حتى وافاه الأجل سنة 1995م.
ابتدأ حياته الكتابية في العراق في الثلاثينيات أديباَ متأثراً بأسلوب أحمد حسن
الزيات، ثم أصدر بعد تخصصه مؤلفاته المعروفة في علم الاجتماع، وفي الأدب أيضاً، وهي
- إضافة إلى رسالتيه الجامعيتين - : (شخصية الفرد العراقي) سنة 1951م، (خوارق
اللاشعور)، (وعاظ السلاطين)، (مهزلة العقل البشري)، (أسطورة الأدب الرفيع)،
(الأحلام بين العلم والعقيدة)، (منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته)، (دراسة في
طبيعة المجتمع العراقي)، (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث)(2).
وأشار إلى كتب أخرى يعمل في بعضها، وينوي كتابة بعضها الآخر، فتحدث عن اشتغاله
بكتاب تحت عنوان «تاريخ الصراع الطائفي في العراق»(3)، وكتاب آخر«حول طبيعة البشر»
وصفه بأنه «كتاب العمر» الذي سيضع فيه حصيلة دراساته وتجاربه(4)، وذكر كتاباً آخر
اقترحه عليه بعض أصدقائه بعنوان «الضحك على الذقون» يروي فيه فنون الحكام والمترفين
في الضحك على الشعوب والبسطاء(5).
سر النجاح:
كأي باحث موضوعي يرى الوردي، أن النجاح الذي يحرزه المرء إنما هو نتاج ظروف وشروط
تضافرت في تحقيقه ، وهي ثلاثة شروط :
1- الموهبة.
2- الظروف المساعدة.
3- الصدف الحسنة(6).
وحتى على مستوى الشعوب كان يرى الرأي نفسه: «أن الشعوب جميعا ً هي نتاج ظروفها،
وليس هناك شعب أفضل من شعب آخر في طبيعته»(7). وفي هذا السياق يرى أن ثلاثة رجال
كان لهم الفضل في ما وصل إليه:
الأول: أستاذه العطار الذي طرده من دكانه، فانصرف إلى المطالعة والدرس.
الثاني: أنور باشا الذي زجّ تركيا في الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي أدى إلى
استقلال العراق من الحكم التركي، «ولولا وجود أنور باشا في تركيا لكنت اليوم عطاراً
في أحد أزقة الكاظمية، أو كاتب عرائض على أحسن تقدير».
الثالث: الملك فيصل الأول: الذي انفتح على الحضارة الحديثة، الأمر الذي مهد للوردي
وغيره أن يسافر من أجل الدراسات العليا والتخصصية(8).
الوردي بين المدح و الذم:
رغم شهرة الوردي على المستوى الشعبي والجامعي والعالمي فانه بقي سلساً يجتذبك
وتجتذبه عن رضا وقناعة، فلم تكن شهرته عليه وبالا ً كما حدث لبعض من نال الشهرة.
إن عشرات آلاف النسخ من كتبه كانت تنتشر في الأوساط العراقية والعربية، وتنفذ من
الأسواق كأسرع ما ينفذ كتاب، والعديد من كتبه قد ترجمه الغربيون إلى لغاتهم،
والعديد من الجامعات العربية قد استضافته خبيراً متمرساً في مناسبة أو أخرى، وكذا
بعض الجامعات العالمية.
صدرت آراء متنوعة في كتاباته تجسد أهميته مفكراً على المستوى العالمي؛ فالوردي عند
سلامة موسى :«كاتب شعبي من الطراز الفريد». وهو عند المستشرق النمساوي جورج كرتكوف
:«لا يكتب في المواضيع المطروقة فقط، بل يتحدث في دائرة معارف أبعد».
وهو عند البروفسور جاك بيرك: «كاتب يحلّق إلى العالمية ، بأسلوبه الذي يضرب في
المناطق الحساسة في المجتمع، كفولتير»(9).
أما في العراق فقد كتب في الرد على الوردي اثنا عشر كتاباً، غير عشرات المقالات
المنشورة في الصحف، ردّاً على كتبه ومقالاته، خمسة منها في الرد على «وعاظ
السلاطين» وحده!(10) وحتى على آرائه في الأدب والنحو صدرت ردود لاذعة، كالذي نشرته
«آفاق عربية» في شهر آب 1986م بعنوان «أوهام الدكتور علي الوردي في النحو
العربي»(11).
فكيف يفسر منشأ هذه الردود والشتائم؟ يقول الوردي: «إنني بشر كسائر الناس، أعيش في
قوقعتي الذاتية، ولكني مع ذلك كاتب اجتماعي سلكت طريق النقد الشديد لبعض المعتقدات
والعادات، وكنت أعرف منذ البداية أن الناس يتعصبون لمعتقداتهم الموروثة وعاداتهم،
وهم لا يحبون من ينقدها، ولابد أنهم يذمونه وينسبون إليه التهم الشنعاء»(12).
إنّ من يتابع كتب الوردي يجد هذا التفسير صادقاً إلى حد كبير، مستوعباً لحظ وافر من
الذم والنقد الذي صدر بحقه، شأنه في ذلك شأن أي كاتب اجتماعي بارز يتعرض لدراسة
طبائع الناس، والكشف عن خفايا النفوس، وعن الدوافع الدفينة، التي لا يرتضي الإنسان
كشفها، وشأن الناقد الذي يزيد على ذلك نقد العادات والتقاليد العرفية و العقيدية
لدى الناس.
لكن ثمة وجه آخر لتبرير بعض الانتقادات التي تلقاها الوردي، وهو الاختلاف في الرؤى
والمناهج، الذي لابد أن يظهر عنيفا ً إزاء آراء ذات أثر كبير وانتشار واسع، ولم يغب
هذا عن الوردي، فقد عرف أن في خصومه من تبنى المنطق الأرسطي ومناهج الفلسفة
القديمة، فيما يحارب هو الاتجاهين معاً بوضوح لا مداراة فيه، وفيهم من غلب عليه
التنظير، وقد أسماهم الوردي «الفارابيون» أو «الفاريون» الذين ينمقون النظريات
ويطرحونها دون أن يعبئوا بإمكان تطبيقها وتحققها، فيما كان هو رجلا ً ميدانياً،
يتعامل مع الناس، لاسيما الأوساط الشعبية، فيعرف ما هو واقعي مما هو نظري بحت(13).
مذهبه الفكري:
تجاذبت الوردي، ذا العقل النقدي الوقّاد، عدة نزعات.
في فترة شبابه كانت تستهويه أفكار سلامة موسى، لاسيما في ترويجه لنظرية داروين، مع
أنه ينتقد اضطراب سلامة موسى وجنوحه، وقد بقيت معه نظرية داروين إلى زمن متأخر، إذ
نشرت له جريدة اليرموك في 15 كانون الأول 1985م مقالاً بعنوان «كوكو والإنسان»،
كوكو تلك القردة التي احتضنتها عالمة النفس الأمريكية «باترسون» وأجرت عليها تجارب
عديدة حتى اشتهرت في أمريكا اشتهار نجوم السينما.
لكن الوردي يعود لينقض نظرية داروين بنتائج البحوث العلمية المتقدمة لينتهي إلى
قوله: «إن الإنسان خلق إنساناً منذ بداية أمره، وإن القرد خلق قرداً منذ بداية
أمره، وإذا كان قد حصل التطور عليهما فهو تطور بسيط يفسّر هذا الفرق الكبير جداً
بينهم»(14).
وكان يتحمس إلى «الاشتراكية الإسلامية» التي تمثلت في دعوة أبي ذر الغفاري، وهذا هو
الذي دعاه إلى تأليف تمثيلية عنه.. رأى حينها أن الإسلام (ثورة).. وأن محمداً هو
(الثائر الأعظم) وكذا تلميذه علي بن أبي طالب، لكنه انحاز من (الاشتراكية) إلى
(الديمقراطية) فرأى أن الإسلام ثورة من أجل الديمقراطية، لكنها ليست الديمقراطية
الرأسمالية، بل الديمقراطية التي تجاري الأسياد المترفين وتجعل الناس سواسية أمام
الله والقانون. لكنه يرى في مرحلة لاحقة أن الذي جعله مولعاً بدعوة أبي ذر هو حالة
الفقر والبؤس التي عاناها في صباه وبداية شبابه، فهو يشعر أن أبي ذر إنما كان يدافع
عنه وعن أمثاله من الفقراء والمحرومين. لكن ماذا بعد أن ولـّى حال الفقر والبؤس؟
يقول: «ولكني لم ابق متمسكاً بهذا النوع من الاشتراكية، أي اشتراكية أبي ذر، حيث
تركتها إلى اشتراكية أخرى هي «الاشتراكية الفابية» التي راجت في بريطانيا في بداية
هذا القرن ثم تبناها بعدئذ حزب العمال البريطاني.. إن اشتراكية أبي ذر لا تلائم هذه
الحضارة المعقدة التي نعيش فيها الآن فقد كان أبي ذر يعيش في زمان غير زماننا،
ولابد لنا من أن نطوّر مبادئنا تبعاً لتطور الزمن».
وهل بقيت معه هذه الاشتراكية؟ يقول: «إني في أيامي الأخيرة بدأت أترك الاشتراكية
الفابية تدريجياً». فما هو البديل الجديد؟ يقول: «لا أدري أين وصل بي المطاف
أخيراَ»(15).
بعد رحلة طويلة آمن الوردي «أن الإنسان ناقص بطبيعته، وهو غير قادر أن يخلق النظام
الكامل الذي يرضى عنه الناس جميعاَ»(16). ويجمل رحلته هذه من الشك إلى الإيمان
بقوله: «مرت بي ظروف فكرية تشبه التي مرّ بها الغزالي حسبما ذكرها في كتابه (المنقذ
من الضلال). فقد صرت في فترة من حياتي مشككاً، ثم عدت أخيراً إلى الإيمان، ولكنه
إيمان صوفي، يختلف عن الطقوسيات التقليدية التي نشأت عليها»(17).
المحور الثاني / الإشكاليات الاجتماعية
اخترنا هذا العنوان لا لأنه العنوان العلمي الأوفق بما أدرجنا تحته من فقرات، بل
لأنه العنوان الجامع للمواضيع التي سلط عليها سهام نقده، لتسهم في ترسيم منهجه
البحثي وإطاره الفكري.
ثلاثة مواضيع سندرجها في هذا المحور، هي على الترتيب الآتي:
1- إشكالية الإطار الفكري
2- إشكالية المنهج
3- وعاظ السلاطين
1 ـ إشكالية الإطار الفكري:
يرى الوردي أن العقل البشري متحيز في طبيعته، فثمة عوامل متعددة تؤثر في تفكير
الإنسان من حيث لا يدرى، منها: القيم والمعتقدات التي نشأ عليها، والمصلحة،
والأنوية، والعاطفة، والثقافة الشخصية، ودرجة الذكاء.. لتؤلف ثلاثة أنماط في القيود
وتحيط بالعقل: قيود نفسية، وقيود اجتماعية، وقيود حضارية(18). فإذا كان الإنسان
يتصور أنه حرّ في تفكيره فذلك لأنه لا يشعر بأن تلك العوامل أو بعضها قد وجهت
تفكيره أو أثرت فيه تأثيراً جاداً..
فهو لا يحس بوطأة الإطار الفكري إلا إذا انتقل إلى مجتمع جديد ولاحظ هناك أفكاراً
ومفاهيم مغايرة لمألوفاته السابقة، إنه يشعر عندئذ إنه كان مثقلاً بالقيود الفكرية،
وإنّ ذهنه بدأ ينفتح.. من هنا فكلما زاد الإنسان تجولاً في الآفاق واطلاعاً على
مختلف الأفكار والمذاهب انفرج عنه إطاره الفكري الذي نشأ فيه، وكلما كان الإنسان
أكثر انعزالاً كان أكثر تعصباً وأضيق ذهناً(19).
إنّ الأفذاذ النادرين من الناس، يستطيعون أن يدركوا ما ركب على عقولهم من
إطار(20).. إن العبقري هو الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يسمو عن ذلك الإطار،
ويحلّق في سماء الإبداع والاختراع(21).
الوردي ومدرسة التحليل النفسي: هكذا يتضح انتماء الوردي إلى المدرسة النفسية التي
ركزت على اللاشعور والتحليل النفسي وأثر ذلك في تفكير الفرد وسلوكه، والتي يعتبر
أهم أقطابها في أوروبا الحديثة: فرويد، وكارل يونج. وليست هي المدرسة النفسية
الوحيدة في البحث النفسي والاجتماعي، إذ هناك مدارس أخرى تتقاسم معها مساحة هذه
العلوم والمشتغلين فيها. فهناك - مثلاً- علم النفس البرجوازي الذي يبحث في الفرد
نفسه، دون البيئة، ويقابله علم النفس الماركسي الذي يرى أن الفرد ابن البيئة، وأن
إصلاح البيئة إصلاح للفرد، سواء كانت البيئة الداخلية أو الخارجية، دون أن تقول
باللاشعور والتحليل النفسي.
وهناك أيضاً المذهب السلوكي الذي يرفض الاستبطان والمفاهيم العقلية، ويختص بدراسة
الاستجابات الواقعية، أي التي يمكن ملاحظتها وتجربتها، ولا يقول باللاشعور كدافع من
دوافع السلوك، ومن أقطاب هذا المذهب: واطسون، وجوثري، وسكينر.
2 ـ إشكالية المنهج:
حاول الوردي أن يحصر مجمل معاركه مع خصومه في إطار المنهج، منهج التفكير، ومنهج
البحث. وهو تبرير منطقي لقضايا الاختلاف، فالاختلاف في المنهج يقود إلى اختلاف في
الرؤى واختلاف في النتائج أيضاً.
على نطاق مناهج التفكير: كان يرى المشكلة في طبيعة التفكير التقليدي الذي اعتمد
المنطق الأرسطي القديم في النظر والبرهان، ويمكن إجمال مناقشاته للمنطق الأرسطي
وطريقة التفكير المحكومة فيه في نقطتين أساسيتين هما: «الحقيقة المطلقة» و«وسلطة
الأهواء».
ويذهب الوردي مذهب بعض علماء الاجتماع في إرجاع هذا النوع من المنطق إلى ظروف نشأته
الأولى، فهو قد نشأ على يد الفلاسفة الأغريق وطبع بطابعهم، فقد كانوا في الغالب من
طبقة الأسياد أصحاب العبيد، ولاسيما أفلاطون وتلميذه أرسطو الذي تم على يده وضع هذا
المنطق.
كان أولئك أناساً لا يفهمون وقائع الدنيا كما يفهمها العبيد والعمال وأصحاب المهن
المختلفة، ما جعل تفكيرهم محصوراً في الأمور كما هي في نهايتها الثابتة، ومن هنا
رأينا الحقيقة عندهم لها كيانها القائم بذاته، فهي منفصلة عن شبكة الحياة، ومن
الممكن حصر النظر فيها دون اهتمام بما حولها من علاقات وعوامل مترابطة.
ثاني أبرز عيوب هذه المنطق انه أصبح مطية لأهل الأهواء، فكل من يريد أن يبرهن على
صحة مذهب أو رأي معين فليس عليه إلا أن يبحث عن مقدمة كبرى تصلح لاستنباط الرأي
منها، وليس من العسير عليه أن يعثر على تلك المقدمة من أقوال الحكماء، أو الأمثال
الشائعة، أو المأثورات الدينية أو غيرها، وهو عند ذلك يعدها بديهية لا يجوز الشك
فيها، ثم يشهرها في وجه خصومه سلاحاً قاطعاً وخصومه بدورهم لا يعجزون عن أن يفعلوا
مثل فعله(22).
وربما آمن أصحاب هذا المنطق أنفسهم بهذه الحقيقة، من خلال مقولتهم الشهيرة: «كل ما
ثبت في الجدول فبالجدول ينقض»(23).
وقد يحدث أحياناً أن يغيّر هذا المنطقي رأيه أو مذهبه، وإذا به يستخدم القياس
المنطقي لتأييد رأيه الجديد، وسبب ذلك ناتج من كون المقدمات التي يستخدمها المناطقة
في أقيستهم ميسورة المنال، يمكن الحصول عليها من مختلف الأنواع لتأييد أي رأي مهما
كان(24).
فالمشكلة الأساسية هي أنهم لم يعتمدوا مقدمات حقيقية موضوعية، بل أنهم آمنوا بآراء
وبحثوا لها عن مقدمات يستنبطون منها ما يؤيد آرائهم!
من هنا آمن الوردي بأن القياس المنطقي كان سبباً مهماً من أسباب تأخر العلم في
القرون الوسطى، وقد كان بوجه خاص من أهم العوامل المعرقلة لنمو علم الاجتماع،
فالباحث الاجتماعي غير قادر أن يخرج إلى الناس بما هم عليه في الواقع، إنه مضطر أن
يستنبط ويقيس، لا إن يبحث ويستقرئ(25).
البحث والاستقراء، ودراسة المجتمع ومعادلاته وعلاقاته كما هي في الواقع، هو المنهج
الذي اعتمده الوردي في سائر أبحاثه..
المنهج العلمي والحكم:
المنهج العلمي يقتضي الموضوعية التامة، وهذا شرط لا يستطيعه أي منحاز إلى مبدأ أو
فكرة مسبقة يدافع عنها ويتعصب لها. فحين يدور النزاع بين المؤمن والملحد حول
الغيبيات، فإن إنكار الملحد إياها لا يختلف في نظر العلم عن إثبات المؤمن، فأي
منهما لا يصلح أن يكون باحثاً محايداً في مثل هذه المواضيع. وليس هذا فقط.. أنهما
لا يصلحان للحكم في المجتمع أيضاً، بفعل الانحياز الذي ينطويان عليه. هذا بينما نجد
الحاكم المؤمن من الجهة الأخرى يقسو على من هم على غير دينه، وربما عدّهم حثالات لا
حق لهم في الحياة، وقد رأينا أمثلة لا تحصى على هذا في تاريخ الأمم على مختلف شيعها
وألوانها»(26). وهكذا يبدو أن الوردي يميل إلى الديمقراطية العلمانية، في المنهج
السياسي وإدارة المجتمع والدولة.
إن نفسية قدرة الديني وصلاحيته للحكم، لا يقدح في إيمانه، فهو من ناحية، لم يبتعد
في الكثير من آرائه عن المنهج القرآني، فهو يميل إليه، أو يحاكم إليه خصومه، أو
يستند عليه في استنباط مفهوم اجتماعي. فهو يحاكم الملحدين بالمنهج القرآني في بحث
الروح والغيبيات(27). وفي نحو هذا يرد على الأساطير الإسرائيلية التي تحصر الأنبياء
في بني إسرائيل وحدهم من خلال نصوص القرآن التي تشير إلى أن الله قد أرسل في كل أمة
من الأمم القديمة نذيراً(28).
وهو في إثبات سنـّة «التنازع الاجتماعي» يشهد بسبق القرآن لما توصل إليه البحث
الاجتماعي الحديث المعاصر، فبعد استعراضه لطائفة من نتائج البحث العلمي والتي تقر
طبيعة التنازع الاجتماعي وضرورتها في حركة الحياة والتاريخ، يقول: «يدعونا الإنصاف
هنا إن نذكر بأن هذه النظرية التي جاء بها اليوم علماء الاجتماع قد جاء بها القرآن
منذ زمن قديم، يقول القرآن في إحدى آياته: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ
نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)(29)
، وهناك آية أخرى ذات مغزى اجتماعي هام من هذه الناحية، ففيها يقول القرآن:
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا
فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)(30). وقد حار بعض
المفسرين في تفسير هذه الآية ولم يستطيعوا أن يفهموا كيف يهلك الله أهل القرية كلهم
بجريرة المترفين منهم.. والواقع إن هذه الآية واضحة في دلالاتها الاجتماعية، ولا
داعي للحيرة في تفسيرها، فالناس إذا سكتوا عن جرائم المترفين وخضعوا لأمرهم واتحدوا
على طاعتهم أصبحوا مستحقين للعقاب مثلهم(31).
أما في هجومه على وعاظ السلاطين فرجوعه إلى القرآن كثير، نقتبس منه هنا تعليقه على
الآية السابقة بقوله: «وهنا نجد القرآن يخالف وعاظ السلاطين في ما ذهبوا إليه من
وجوب الطاعة للسلطان ولو كان ظالماً، فطاعة الظالم في بذلتها ظلم، وهي تستحق العقاب
مثله، وقد قال النبي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن
تقول له إنك ظالم فقد تودّع منها»(32).
ولقد دافع بقوة وحرقة عن القرآن إزاء بعض المنتقدين، ووصفهم بالمغفلين، وفتح الآفاق
أمام مباحث اجتماعية عظيمة في القرآن الكريم(33).
المحور الثالث / الفرضيات الاجتماعية الثلاث عند الوردي
منذ أول دراساته الاجتماعية، والتي صدرت عام 1951م، حاول الوردي تفسير المجتمع
العراقي في ضوء فرضيتين؛ أحداهما: «ازدواج الشخصية»، والثانية: «صراع البداوة
والحضارة» ثم أضاف فرضية ثالثة هي فرضية «التناشز الاجتماعي».
وهو يرى أن هذه الفرضيات الثلاث مترابطة فيما بينها ترابطاً وثيقاً، وقد يصح
اعتبارها أوجهاً مختلفة لموضوع واحد، هو موضوع المجتمع العراقي في المرحلة الراهنة.
وخلاصة هذه الفرضيات، بحسب التسلسل المنطقي الذي يراه ، كما يأتي:
1 ـ صراع البداوة والحضارة:
إنّ الوطن العربي يشمل أعظم منطقة صحراوية في العالم، وهو يشمل إلى جانب ذلك بقاع
خصيبة وفيرة المياه، فالصحراء تنتج البداوة، بينما البقاع الخصيبة تنتج الحضارة،
وقد كانت في الواقع مهداً لأعرق الحضارات البشرية، ولهذا كان الوطن العربي ميداناً
للصراع بين البداوة والحضارة منذ بداية التاريخ.
ويتضح هذا الصراع بأجلى صوره في العراق، إن العراق، على حد تعبير توينبي، هو بلد
(هابيل وقابيل) فكان المجتمع العراقي عرضة لمد البداوة وجزرها على توالي العصور.
ويمكن القول إن أطول فترة سيطر فيها المد البدوي على العراق هي الفترة الأخيرة التي
بدأت منذ سقوط الدولة العباسية، أو قبل ذلك بقليل، ثم استمرت ما ينوف على الستة
قرون، انهارت فيها سلطة الدولة، واختل نظام الأمن، وتتابعت الفيضانات والأوبئة
والمجاعات، مما جعل الحضارة تذوي في العراق، وتستفحل القيم البدوية محلـّها.
يكفي لفهم تلك الفترة أنّ ثلاثة أرباع السكان فيها كانوا يخضعون للتنظيم العشائري،
وتسيطر عليهم قيم العصبية والغزو والثأر والدخالة والتسيار وغسل العار وما أشبه
ذلك.
أما الربع الباقي الذين يمثلون سكان المدن، فهم وان كانوا يختلفون عن العشائر في
بعض الأمور الظاهرية، كالمسكن الملبس وطرق كسب العيش، غير أنهم في أعماق نفوسهم لم
يكونوا يختلفون عن أولئك كثيراً، فطالماً تعصّب ابن المدينة لمحلته كما يتعصب الرجل
البدوي لعشيرته.. وحين ندرس شخصية صاحب الحرفة، المدني، نجده أقرب إلى قيم البداوة
منه إلى قيم الحضارة، فنزعة «الغزو» و «الفرهود» أقوى عنده من نزعة «العمل» و
«الإنتاج»، فهو يميل إلى أن يغلب الزبون بدلاً من أن يستميله ويرضيه على طريقة أهل
الحضارة(34). وهكذا تمددت أخلاق البداوة لتشكل واحدة من الخصائص العامة في طبيعة
المجتمع العراقي، وللوردي أمثلة كثيرة جداً على هذا.
2 ـ التناشر الاجتماعي:
إنّ تغييرات هائلة طرأت في العصر الحديث انعكست آثارها على الحياة الاجتماعية،
فأصبح التواصل بين العالم والحضارات المختلفة أمراً شائعاً وميسراً بعد أن كان
صعباً وربما متعذراً.
ويمكن أن نحدد نوعين من التغير: تغير بطيئ، وآخر سريع، فمن خصائص التغير البطيئ أن
المجتمع يمكن أن يتكيف معه بمرور الأيام، فلا يظهر فيه صراع عنيف أو تناقض بين
القديم والجديد.
أما التغير السريع كالذي حدث في العراق منذ الحرب العالمية الأولى نتيجة دخول وسائل
التقنية الحديثة.. فهو في الوقت الذي أفاد المجتمع كثيراً، وقفز به إلى الأمام من
الناحية المادية قفزة لا يستهان لها، قد أنتج مشاكل اجتماعية كبيرة، أهمها في نظر
الوردي: مشكلة «التناشز الاجتماعي».
«فمن طبيعة التغير السريع أنه لا يؤثر في جميع الكيان الاجتماعي على درجة واحدة،
فكثيراً ما يكون هناك جزءان مترابطان، ثم يحدث التغير في أحدهما دون أن يحدث في
الآخر، أو قد يحدث في أحدهما أسرع مما يحدث في الآخر، فيؤدي ذلك إلى صراع أو توتر
أو تناقض بينهما، وهذا هو المراد بالتناشز الاجتماعي»(35).
وللتناشز الاجتماعي في العراق نماذج متعددة، منها:
تناشز الحقوق والواجبات: كان الفرد ينتمي إلى القبيلة أو المحلة، يفديها بنفسه دون
أن يسأل لماذا، ويتوقع منها أن تقف إلى جانبه في الملمات، ويحترم أعرافها وعاداتها،
وعندما جاءت الحضارة الحديثة جلبت مفهوماً جديداً «هو الوطن» بدلاً من مفهوم
«العشيرة» أو «المحلة»، وصارت الحكومة بمؤسساتها قوانينها هي التي يجب أن يخضع لها
الفرد بدلاً من العرف العشائري القديم. وهنا منشأ أحد مظاهر التناشز الاجتماعي
فينا، فنحن حفظنا الحقوق التي لنا على الحكومة، فنتحمس لها ونخطب فيها، ولكن نسينا
أن الحكومة لها واجبات على الفرد يجب أن يقوم بها.
في العراق ظاهرة اجتماعية عامة نكاد نلاحظها في كل مكان، هي أن الفرد العراقي ميال
إلى انتقاد الحكومة، إنه يطالبها أن تكون مثل حكومة السويد، لكنه يسلك معها كما كان
أبوه يسلك تجاه الحكومة العثمانية، إنه حفظ الحقوق التي له على الحكومة كالمواطن
السويدي، لكنه لا يقوم مثله بالواجبات التي لها عليه(36).
تناشز المرأة والرجل: يسجل الوردي هنا شكلين لهذا النوع من التناشز- يدور الأول حول
الوضع التقليدي الحاكم على المرأة وطموحاتها الجديدة - ففي الوضع التقليدي لا يجوز
للمرأة أن تبدي رأيها علانية في أمر زواجها، فأهلها هم الذين يفاوضون في زواجها
ويساومون على مهرها، وليس لها إلا أن تقول «نعم» أما إذا امتنعت عن النطق بهذه
الكلمة فقد تتهم بأنها «عاشقة» وقد ينهال عليها ولي أمرها بالعصا، أو يذبحها
بالخنجر.. لكن المرأة الحديثة بعد أن تعلمت وتوظفت أصبحت لا ترضى لنفسها أن تكون
موضع مساومة لا إرادة لها فيها، فهي تريد أن يكون أمرها بيدها تختار لنفسها من
تشاء..
مشكلة هؤلاء أنهم تغيروا بمفاهيمهم العائلية تغيراً سريعاً، بينما جيل الآباء
والأمهات لم يزل محافظاً على المفاهيم القديمة، أو أنه لم يتغير إلا قليلاً.
وهناك شكل آخر من أشكال هذا التناشز يحدث في أعماق الفرد نفسه، فالفتى قد يندفع في
الغرام مع فتاة ويغريها بمعسول كلامه، حتى إذا استجابت له وأرادت الزواج به، انتفضت
التقاليد العائلية القديمة من أعماقه، وأخذ يبحث عن فتاة أخرى تلائم تلك التقاليد،
إنّ الفتي العراقي يمكن أن يوصف بأنه «جيمس ستيوارت» في ظاهره، و «حاج عليوي» في
باطنه(37)!
تناشز الدين والجيل الجديد: كان رجال الدين في العهد العثماني منسجمين مع الوضع
الاجتماعي لعامة الناس، فلا تناشز بينهم وبينه، وكان أكثر الناس يلجأون إلى رجال
الدين في حل مشكلاتهم العائلية والاجتماعية وغيرها، ولم يكن هناك أفضل وأقدر من
رجال الدين في حل تلك المشكلات، إذ هم كانوا يمثلون الطبقة المثقفة في ذلك العهد،
علاوة على كونهم يمثلون الدين وتعاليمه المقدسة.
وحين جاءت المدنية الحديثة، ونشأ جيل جديد عليها ظهرت فجوة واسعة في العقلية
والنظرة إلى الحياة بينهم وبين رجال الدين، ومن أهم أسباب هذه الفجوة:
أ- التزمت الشديد الذي أظهره رجال الدين في بداية الأمر تجاه ما جاءت به الحضارة
الحديثة من أفكار ونظم وأزياء؛ فقد حرّموا المدارس والوظائف، وحرّموا لبس القبعة،
وحرّموا قراءة الجريدة، وتعلم اللغات الأجنبية، والقول بكروية الأرض، والقول بأن
المطر بخار، ونحو ذلك.. فلم يكترث الجيل الجديد بهذه المواقف واندفع مع تيار
الحضارة الجارف، وحتى أبناء رجال الدين أنفسهم قد اندفعوا في هذا التيار.
ب- كان أهم ما يشغل رجال الدين هو التفريق بين الحلال والحرام، بين الطاهر والنجس،
وقد يستغرب القارىء حين يجد أن الطهارة تستغرق حيزاً كبيراً جداً من مجلدات الفقه
وأوقات الفقهاء، مع العلم أن هذا الموضوع لم يأت عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
فيه سوى أحاديث معدودة، أما المتعلمون من الجيل الجديد فلم يعودوا يحتاجون إلى مثل
هذه القضايا، ولم تعد تشغلهم أيضاً، أو ربما هم لا يسألون عنها، فقد جاء الاهتمام
بوجود الجراثيم وعدم وجودها ليغلب على الاهتمام بالنجاسة والطهارة.
ج- لا يزال رجال الدين يجرون في كتاباتهم وخطبهم على قواعد المنطق الأرسطي القديم،
وهو منطق يصلح للجدل، لكنه لا يصلح لاكتشاف الحقائق أو التثبت منها. أما الجيل
الجديد فلم يعد يقرأ مثل هذه الكتب لأنه مشغول بكتب اُخرى.
د- نشأت في العهد العثماني طقوس دينية ملائمة لعقول الناس آنذاك ومنسجمة مع قيمهم
الاجتماعية، وحين جاءت الحضارة الحديثة وتفتحت أذهان الناس على أشياء جديدة بقيت
تلك الطقوس على حالها، وربما نما البعض منها وتضخم، ووقف رجال الدين من هذا التضخم
«المخزي» - على حد تعبير الوردي - بين مؤيد ومتفرج. خلاصة القول: إن رجال الدين لم
يستطيعوا أن يجاروا التغير الفكري الذي حدث في العصر الحديث، ومن تغير منهم كان
تغيره بطيئاً بالمقارنة إلي التغير الهائل الذي حدث في عقلية الكثير من الناس(38).
ومما يؤكد قراءة الوردي هذه؛ أنه حتى مع ظهور رجال دين مصلحين، مواكبين لحركة
النهضة والمدنية الحديثة، فإنّ أفكارهم الجديدة لا تتجاوز عدد قليل من النخب، دون
أن تجد طريقاً إلى ثقافة الجمهور، بل على العكس فسرعان ما يتم تطويقها ومحاربتها أو
تهميشها على أيدي رجال دين تقليديين تتمتع رؤاهم التقليدية بقبول واسع واندفاع شديد
لدى القطاعات الشعبية العريضة.
يعود الوردي ليوجز مفهوم «التناشز الاجتماعي» بقوله: يجب أن لا ننسي أن الحضارة هي
عادات ونظم اجتماعية، قبل أن تكون أفكاراً ومحفوظات، فالفرد في البلاد الراقية
حضارياً ينشأ في حياته البيتية على عادات تلائم الحضارة التي يعيش فيها، فلهذا فهو
إذا كبر لا يجد فرقاً كبيراً بين حياته الأولى في طفولته وبين حياته الثانية في
كبره، أمّا الفرد عندنا فهو ينشأ في بيئة محلية مفعمة بقيم العصبية، حتى إذا كبر
تعلم أفكاراً مناقضة لتلك القيم، وهو بذلك قد يجد نفسه مضطراً أن يجاري هذه تارة
وتلك تارة أخرى(39).
3 ـ ازدواج الشخصيات:
ليس المراد بالازدواجية هنا مفهومها النفسي، بل المفهوم الاجتماعي، الذي يعني أن
يسلك الإنسان سلوكاً متناقضاً دون أن يشعر بهذا التناقض، أو دون أن يترف به، وهو
ينشأ عن وقوع الإنسان تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم أو المفاهيم، فهو يتأثر
بأحد النظامين تارة، وبالآخر تارة أخرى.
- ومن أمثلة ذلك: التناقض القائم بين التعاليم الدينية وبين القيم المحلية في العهد
العثماني، فقد يتأثر الفرد بالمواعظ الدينية البليغة، وقد يعظ بها غيره أيضاً، لكنه
يسير في حياته وفق القيم المحلية التي نشأ عليها والتي تناقض التعاليم الدينية كل
المناقضة، وهو يفعل ذلك دون أن يفطن إلى ما في سلوكه من ازدواج عجيب.
- أما الازدواج الحديث فقد أصبح منتشراً بين شتى فئات السكان، لاسيما المتعلمين
منهم، وربما صح القول إن كل متعلم أو شبه متعلم، يكاد لا يخلو من ازدواج في شخصيته
قليلاً أو كثيراً.
إن الذي يستمع إلى خطاباتنا ومقالاتنا يحسب إننا وصلنا في علاقاتنا الاجتماعية إلى
أرقى ما وصلت إليه الأمم المتقدمة قبلنا. ولكن هذا «الرقي» لا يعدوا طور الكلام في
الغالب، إذ لا تكاد تتغلغل في المجتمع حتى تجده لم يتغير في عاداته عما كان عليه في
الماضي إلا قليلاً.
وقد يستفحل هذا الازدواج عند بعض الذين يعملون في السياسية ويتزعمون الجماهير، فهم
يخطبون ويهتفون بمبادىء العدالة والمساواة وإعطاء كل ذي حق حقه، ولكنهم لا يكادون
يتولون مناصب الحكم حتى ينسوا ما هتفوا به، ويأخذون بمبدأ الوساطة لصالح أصحابهم
ورفاقهم.
مما يجدر ذكره في هذا الشأن أنّ الناس ليسوا كلهم على درجة واحدة في ازدواج
الشخصية، فمنهم من يشتد فيه الازدواج، ومنهم من يضعف فيهم، وبين هؤلاء وهؤلاء درجات
شتى.
والملاحظ في الحياة الاجتماعية بوجه عام انه كلما كان الفرد أكثر انتقاداً لغيره
كان الازدواج فيه أشد(40).
خاتمة في آراء اجتماعية
انتخبنا لخاتمة هذه الجولة جملة من الكلمات المهمة ذات الأبعاد الفكرية والاجتماعية
الكبيرة التي جعلها الوردي محاور لكثير من مباحثه ومواقفه:
1- «إن المصلح، أو النبي، قد يأتي بالفكرة البسيطة جداً، ولكنه يقلب بها وجه
العالم، فهو يأتي بها عملية تؤثر في حياة الناس وتدفعهم نحو الحركة الاجتماعية التي
تلعب دورها في صياغة التاريخ»(41).
2- «إن البشر لن يصلوا إلى الأهداف الاجتماعية التي ينشدونها، فهم سيظلون دائبين في
حركتهم نحو تلك الأهداف، وسر الحياة الاجتماعية كامن في هذه الحركة الدائبة، فلو أن
البشر وصلوا إلى ما ينشدون لوقفت الحياة بهم، ولفنيت الحضارة»(42).
3- «إن أي إنسان لا ينمو عقله إلا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له، ومن الظلم
أن نطالب إنساناً عاش بين البدائيين مثلاّ أن ينتج لنا فلسفة معقدة كفلسفة برجسون،
أو رياضيات عالية كرياضيات اينشتاين»(43).
4- «لا يستطيع الإنسان أن يستغل أخاه الإنسان من غير حجة براقة يستر بها استغلاله،
وهو بذلك يختلف عن الحيوان، فالحيوان يأكلك ولا يبالي، أما الإنسان فهو يأكلك ويدعي
أنه أكلك في سبيل الله أو سبيل الحق والحقيقة»(44).
5- «القرآن كتاب رباني عظيم، وهو سجل الثورة المحمدية، ولكن المترفين يستطيعون أن
يؤولوه ويفسروه كما يشتهون، فيخرجونه من طبيعته الأصلية، ويجعلونه بضاعة من بضائع
الموتى»(45).
6- «يبدو أن رجال الدين يريدون أن يحتكروا النبي وحدهم، كأنهم يعتبرونه نبيهم
الخاص، فهم لا يرضون أن يذكره أحد إلا بالنعوت التي يرددها المرتلون في حفلات
المولد النبوي، وما دروا أن هذه النعوت تسيء إلى منزلة هذا النبي العظيم الذي هو في
الواقع أعظم رجل في التاريخ.. هذه هي عقيدتي في محمد، لست أنكرها أو أحيد
عنها»(46).
7- «قال النبي محمد: (كاد الفقر أن يكون كفراً) ومن الواضح أن مفهوم الكفر في حديث
النبي لا يختلف اختلافاً جوهرياًً عن مفهوم الجريمة في عرف علم الاجتماع الحديث،
فكلاهما خروج عن المألوف على وجه من الوجوه، فالفقير الذي يموت جوعاً لا نتوقع منه
أن يترنم بقصائد أبي العتاهية في مدح الزهد، أو ينشد النشيد الوطني الذي يقول:
إلى الحرب إلى الحرب *** هلـّموا يا بني العرب(47).
أخيراً.. كان الوردي، باختصار، واحداً من القلائل الذين استطاعوا تشكيل معالم عصر
كامل، في الزمان والمكان الذي يعيشون، داعياً - من الرواد - إلى المنهج الجديد،
الموضوعي، في البحث والنظر، رافضاً التحيز والعصبية بكل أشكالها، مخالفاً لأنظمة
الحكم الايديولوجية، داعياً إلى الحرية والديمقراطية القائمة على المساواة والعدالة
الاجتماعية.
الهوامش:
ــــــــــــــ
(*) مختص في فلسفة التاريخ ـ العراق.
(1) حميد المطبعي. علي الوردي يدافع عن نفسه : 13.
(2) م . ن : 198.
(3) ( ) دراسة في طبيعة المجتمع العراقي : 370.
(4) الوردي يدافع عن تفسه : 66.
(5) علي الوردي، مهزلة العقل البشري : 285.
(6) علي الوردي يدافع عن نفسه : 171 – 170.
(7) م . ن :26.
(8) م . ن : 38، 52، 172، 173.
(9) حميد المطبعي / مصدر سابق: 20.
(10) مهزلة العقل البشري: 4.
(11) المطبعي: مصدر السابق 7- 8.
(12) م . ن: 25.
(13) مهزلة العقل البشري: 5- 10 وغيرها، منطق ابن خلدون 27- 29، د. معن خليل عمر،
رواد علم الاجتماع في العراق: 50.
(14) المطبعي، المصدر السابق: 194- 195.
(15) م . ن: 193، مهزلة العقل البشري: 172.
(16) م . ن: 193.
(17) م . ن: 180.
(18) خوارق اللاشعور : 47 ، 58.
(19) مهزلة العقل البشري: 43، خوارق اللاشعور: 40، 45، 48، 73.منطق ابن خلدون: 33.
(20) م . ن: 48.
(21) م . ن: 72.
(22) منطق ابن خلدون: 33.
(23) خوارق اللاشعور: 84.
(24) م . ن: 33، مهزلة العقل البشري: 142- 146.
(25) منطق ابن خلدون: 35.
(26) خوارق اللاشعور: 177، هامش 2.
(27) م . ن: 28.
(28) مهزلة العقل البشري: 153.
(29) سبأ: 34.
(30) الاسراء: 16.
(31) مهزلة العقل البشري: 124- 125، وانظر منه أيضاً: 191- 192، 194، 249، 257-
258.
(32) م . ن: 125.
(33) خوارق اللاشعور: 128- 129.
(34) لمحات اجتماعية: 297- 299.
(35) م . ن: 288- 289.
(36) م . ن: 289- 290.
(37) م . ن: 292- 294.
(38) م . ن: 294- 296.
(39) م . ن: 299- 300.
(40) م . ن: 300- 304.
(41) مهزلة العقل البشري: 70.
(42) م . ن: 73.
(43) م . ن: 128.
(44) م . ن: 267- 268.
(45) م . ن: 171.
(46) م . ن: 290.
(47) خوارق اللاشعور: 235.
|
|
|