الحضارية « أعلام العرق»

 

سامي سعيد الاحمد

حميد المطبعي(*)

سامي سعيد الاحمد 1930- 2006 اعاد الاعتبار إلى تاريخ العراق القديم واثبت انسانيته بأدلة نظرية وكتب, هي النظريات بعينها، بدون مغالاة او بدون تعصب او تشنج قومي، ثم اثبت بقوانين استدلالية ان تاريخنا هو ابن الحيوية التاريخية، تتصل اوائله بأواخره بحركة تتناغم مع انسان التاريخ: وهو العراقي الذي انتج التاريخ, ليس له فقط بل لشعوب وأمم تشترك وأياه بالحاسة الانسانية اممية الجذر.. أممية العطاء، وكان في كل كتاب (من كتبه العشرين) يقدم لنا نظرية في التحليل او في الاستنتاج يكشف بها عن اصالة انسان وادي الرافدين واصالة منجزه الحضاري، وفي سنوات 1963- 1967 عند مباشرته التدريس في الجامعات الامريكية سمي من قبل صديقه المؤرخ العالمي (توينبي) بالمفكر المجتهد لان الاحمد برهن ان التاريخ ليس تحليلا فقط او جمعا لوثائق او بحثا منهجيا ليس كل هذا، بل التاريخ عملية اكتشاف دائم الايقاع يقيم الدليل على خطأ قاتل وقع فيه مؤرخون سابقون في مقطع تاريخي معين، وباقامته هذا الدليل يعلن المؤرخ المكتشف الاحمد او غيره صوابية الصحيح.. ولقد ولد التاريخ العراقي بين يديه كأنه برهة تصحح نفسها بنفسها او كأنه حقبة تحرر نفسها بارادة المؤرخ القدير البليغ المجتهد.
ملامح شخصيته:
وملامح شخصيته هي تماما ملامح المؤرخ النبيل فانه يستمع اليك بتؤدة كقاض في ساحة القضاء، وربما هو كذلك يستمع إلى كل وجهات النظر بتؤدة في ندوة او مؤتمر، وفي النهاية يقدم وجهة نظره بتؤدة ايضا، بعيداً عن المماحكة، بعيداً عن التبجح والانوية المنفلتة، بل هو قريب إلى المجادلين الذين يجادلونه او الذين يتقصدون ايقاف تدفقه ولم يسمع عنه انه فرض رأياً أو تحدى رأياً.. الا حين تداس هيبة التاريخ اذ ذاك ينتفض بلسان الحجة بالحجة فهو هنا منذ كان في ربيعه الاول، مثال المحبة في عيون اصدقائه او في عيون خصومه، لكنه سريع الهرب من عواطف كاذبة، ومن اصحاب الالسنة المزدوجة، ومع كل ذلك لايضمر حقداً علي أحد ولايستبطن ثأراً في ليل، ولايلعن الدنيا، وهو ذو نفس طويل في محاسبة الاخرين، وبنفس اطول في مراجعة اخطائه، ويعد التراجع عن الخطأ ليس فضيلة فقط بل رحمة لنفس تخطيء الهدف، ولذلك لاتجد لديه خصماً لانه لايقع تحت طائلة الانفعال او التشفي ، انما يحول الظلم الذي يقع عليه إلى بكاء صامت في نياطه انه يبكي بصمت وبكاؤه حار حد السخونة، اوحد انك لاتعرف هل هو يبكي فعلاً ام ينتحب ام يتلاعن مع ذاته الداخلية، ومنذ تشكل في ان يكون مؤرخاً تجنب المشاكسة او الجدل العقيم، فاذا هب جدل كالصخب انسحب من الساحة أبطأ من السلحفاة وكان هذا هو عنوان حبه للناس أجمعين بنية أصفي من الفجر، وهو كتوم بلا خوف لكن خوفه على درجات ، وهو حليم على درجات ايضا والصبر فيه عادة امام اناس غامضين او نصوص غامضة ونفسه كريمة عالية الشمم، ومرة سألته: هل انت مثالي؟ فابتسم ابتسامة مثالية، وسألته لما رأيته حزيناً: هل الحزن فيك وراثة ؟ قال: هو حزن المؤرخين وهل لحزن المؤرخين لون، قال: لا أجيب فهو سر مهني..!
أبعاد أهميته وشهرته:
وبمدة قياسية انتشرت سمعته في الاوساط العلمية والاكاديمية وخلال قراءتنا لتاريخه وجدنا ان ثمة أسبابا معينة أدت إلى شهرته ومنها:
1- كتب أطروحته للدكتوراه في بداية ستينات القرن الماضي باسلوب مستحدث وبنتائج مستحدثة عن جنوبي العراق على عهد الملك الاشوري (بانيبال) وهي النتائج التي لم يرد لها ذكر عند مؤرخين عرب او اجانب على كثرتهم، وقد نوهت بنتائجه المكتشفة الصحف الامريكية، وعرضت عليه دار نشر (موتون) طبع الرسالة على حسابها الخاص، وهي دار نشر اوربية معروفة تعمل في هولندة وباريس ومركزها في (لاهاي) وهذه الدار لاتنشر الا الرسائل العلمية المبدعة، والاحمد يؤمئذ لايعرف عن النشر اي شيء لانه حديث عهد به فاستشار احد اساتذته (وصديقه في ما بعد) العلامة المشهور غوستاف فون كرونبام بشأن النشر والطبع، فأخبره استاذه هذا: (اسرع ياسامي وانشر رسالتك في هذه الدار) وقال له ايضا: (لان ذلك تكريم واعتراف بعظم النتائج التي توصلت اليها في اطروحتك) وفرح الاحمد برأي استاذه وارسل إلى الدار عقد الطبع، وصدر الكتاب، وهكذا هي بداية تأليفه نال عليه تزكية دار نشر عالمية وتزكية عالم كبير هو احد اساتذته (غوستاف فون) الذي عرف في مراحل سابقة بمؤلفاته ذائعة الصيت ككتابه (حضارة الاسلام) و (الاسلام الحديث) وكان عندما شجع الاحمد علي طبع كتابه فانه كان يمنحه شهادة عالمية لها وزنها في نظر دور النشر العالمية..!
2- وبعد تخرجه في امريكا 1962 مباشرة منح درجة استاذ مساعد وهي اعلى من الدرجة التي يعين بها حامل الدكتوراه في اول تخرجه وكانت هذه الدرجة سببا في تعيينه في (جامعة دنفر) بولاية كولورادو في امريكا، وتلك ظاهرة اكاديمية لم يسبق لها الا القلة، من ذوي السمعة العلمية العالية، وقد أخبره رئيس قسم التاريخ في جامعة دنفر بان توصيات جامعته التي تخرج فيها في (مشيغن) كانت مدهشة مما جعلنا نتشرف في عرض المنصب عليك.
3- ودرس في الجامعة الامريكية بما يقارب خمس سنوات، استقطب بها عقول الطلبة من مختلف الاجناس، ثم ألقي محاضراته في تاريخ منوع، ونشر ابحاثه بين مدة واخري في الصحف الامريكية فازداد الجدل بشان ارائه وافكاره (لانها ذات طبيعة جدلية) حتي بات يستشار، او في موضع الاستشارة فكان يستشار في برامج تلفزيونية ولاسيما في قضايا الشرق الاوسط والادني وفي تاريخ اليونان والرومان.. وهي الموضوعات التي تثير الجدل وتحتاج إلى عقلية موسوعية.
4- ولما تبين لاساتذة الجامعة الامريكيين ان للاحمد جدلية فكرية او جدلية رأي، اخذوا يدعونه إلى الندوات العلمية الخاصة بهم، ومنها ندوة صديقه البروفسور جوزيف كوربيل رئيس قسم العلاقات الدولية بجامعة دنفر وكان قبل ذلك رئيس مجلس الامن الدولي، وقد قام يعرف الاحمد على شخصيات دولية منهم ظفر الله خان احد وزراء خارجية باكستان، وقد اعجب ظفر الله بالاحمد مؤلفا وبخاصة بكتابه (الاسلام نظريا وعمليا) واعجب به مرة اخري عندما اكتشف في الاحمد داعية للموضوعية او الوسطية العلمية، وهناك ندوة تردد عليها الاحمد كثيرا وهي ندوة شارل ميكود وهو استاذ فرنسي تمكنت جامعة دنفر ان تظفر به استاذا في قسم العلاقات الدولية، وكم كان الاحمد يطمح ان يؤسس الاكاديميون العراقيون مثل تلك الندوات لتطوير الافكار والنظريات ولترسيم اجواء الحرية في الجامعة العراقية!
5- وكانت صحف امريكية تتساءل: من هذا العراقي الذي يفجر اسئلة كبيرة وكأنه في برلمان؟ وجاءت اليه احدي المجلات الشهيرة تجري معه الحوار حول معضلات السياسة في الشرق الاوسط ونشر الحوار تحت مانشيت كبير: (مؤرخ عراقي كبير يدرس التاريخ القديم في جامعة امريكية) وقدمت للحوار بما يليق ومكانة المؤرخ العالمي وإلى جانب المقدمة نشرت صورته وهو يكتب على السبورة..!
6- وعندما لمع اسمه في الصحافة الامريكية صارت ترد اليه اسئلة واستفسارات من جميع انحاء الولايات المتحدة وهي تسأله عن قضايا فكرية وسياسية ذات صلة بالاكاديمية ويجيب ويرد عليها مسروراً، واخذ البريد يحمل اليه طلبات من صحف للكتابة فيها ومنها على سبيل المثال طلب المجلة الجغرافية الوطنية بان يكتب لها، (وهو تشريف علمي كبير لايعطي الا لكبار العلماء في العالم)، واستجاب وكتب لهذه المجلة موضوعين نشرا في كتاب المجلة السنوي، وكان كثير من الباحثين يستشيرونه في تقويم بحوثهم وبعضهم كان يرسل اليه بحوثه ليعطي الرأي بسلامتها العلمية قبل ان تلقي في المؤتمرات وبعث اليه المؤرخ العالمي الكبير (ارنولد توينبي) يطلب منه كتابة موضوعين مهمين عن (الشبك) و(الازيدية) وهو يقول في رسالته: (بان الاحمد هو الشخص الذي اعتقد بقدرته في الكتابة العلمية عن هذا الموضوع المعقد) واستجاب واصدر الكتب بحسب منهجه..! وتعود علاقة المؤرخ البريطاني بالاحمد إلى سنة 1955 يوم كان الاحمد يستمع إلى محاضراته بجامعة شيكاغو، ثم تطورت هذه العلاقة سنة 1964 حين جمعتهما جامعة دنفر بقسم التاريخ كتدريسيين، وعندما قرأ الاحمد افكار توينبي في كتابه عن فلسفة التاريخ بمجلداته الضخمة اعجب به ولاسيما في نظريته (التحدي والاستجابة) وكان يناقشه ويتبادل معه افكار التاريخ، وكان توينبي ايضا قد اعجب بالاحمد (مجتهداً في علمية التاريخ) وكانا يتراسلان في رسائل متكافئة من الاحترام والمنزلة وكان يدعو بعضهما بعضا إلى بيته، ويطلع احدهما الاخر على اسرار والغاز التاريخ، وعندما سافر توينبي إلى بلده دعا بعض اصدقائه من كتاب التاريخ إلى مائدة عشاء في بيته وكان الاحمد وزوجته في مشهد المائدة، وفي نهاية العشاء وقف الجميع وصار يقدم كل منهم نكتة للمؤرخ البريطاني (لانه عرف بحبه للنكات) ولما جاء دور الاحمد ذكر النكتة التالية: المعروف ان دافيد بن غوريون رئيس وزراء اسرائيل يقف كل يوم في الصباح ساعة كاملة على رأسه ورجلاه إلى الاعلى تستندان على الجدار، ولما سئل بن غوريون عن سبب ذلك اجاب: (حتي أرى السياسة الامريكية في الشرق الاوسط بوضعها الصحيح)، فضحك توينبي كثيرا مستلذا بها..! كان توينبي يردد علي الاحمد دائماً (التجربة التجربة في كتابة التاريخ) والاحمد يسترشد به دائماً وقال له توينبي (عليك بزيارة افغانستان ومواقعها التاريخية من الشمال إلى الجنوب) ونصحه بزيارة الهند ففيها عجائب التاريخ الانساني، كما شجعه على دراسة الازيدية ومعتقداتهم ورغب كتابة مقدمة لكتاب الاحمد في الازيدية لكنه مرض، وكتب المقدمة بدلا عنه المؤرخ العالمي (هنري فيلد) بصفته أرخ للازيدية وزار مناطقهم في شمالي العراق.
وهنري فيلد هو ذلك الاثاري المؤرخ الشهير الذي عرفناه في كتب الاثار بانه من طلائع من نقب في موقع (كيش) قرب الحلة 1923 وله خمسة مجلدات عن اجناس العراق البشرية وهو ذو امكانيات مالية بالغة الثراء وينتمي إلى عائلة فيلد الامريكية الرأسمالية، وقد توثقت علاقته بالاحمد منذ عام 1963 وكان يملك دار نشر عالمية مشهورة في الولايات المتحدة، وطبعت للاحمد بعض كتبه ولاسيما كتابه عن الازيدية 1965.. الذي اثار جدلا في المجلات الامريكية..!
مؤتمرات التاريخ:
لانه منح لقب (مؤرخ عالمي) في عدة وثائق جامعية عالمية دعي إلى مؤتمرات عالمية وهي تبحث في شؤون تاريخية عالمية ومنها:
1- شارك في مؤتمر التاريخ المنعقد في (دنفر كولورادو) سنة 1964، وكان المؤتمر برعاية مؤسسة (داك همر شولد) العلمية بالاشتراك مع جامعة دنفر الامريكية، وتظهر لنا بطاقة الدعوة اسماء خيرة علماء التاريخ ومن القارات كافة، وكان موضوع المؤتمر : (مناقشة زعماء دول افريقيا النامية في مهمات التطور التاريخي التنموي). ورأى المؤرخون الامريكيون في الاحمد (اثناء بحثه وقراءته) صوتاً جديداً في (معني التطور التاريخي وفلسفته) وكيف يقام هذا التطور لشعوب نامية.. وبعد مدة تلقى الاحمد دعوة اخرى لحضور مؤتمر تاريخي عقد في المدينة نفسها (دنفر) وترأس احدي لجانه (لجنة مناقشة الامور المتعلقة بالوطن العربي والعالم الاسلامي) وفيه ايضا ادى دورا كبيرا في ايصال هموم الانسان العربي إلى مؤرخين كبار في عرف الاكاديمية الامريكية كانوا يتلقون حركة التطور الحضاري العربي عن طريق الرحالة الاجانب او عن طريق كتابات المستشرقين الذين طالما خلطوا الافكار التاريخية بعقائدهم الدينية.. وعندما انهي الاحمد جدالاته وتوضيحاته عانقه كبار المؤرخين الامريكيين من امثال البروفسور هرولد دنام وكنيون وألين بريك.. وفي اعوام 1966- 1973 وصلته دعوات كثيرة من رابطة دراسات الشرق الاوسط لشمال امريكا لحضور مؤتمراتها السنوية والفصلية لكن ملفته لم تكشف لنا حضوره إلى اي منها اما بسبب انشغاله بالتدريس او بسبب مرض ألم به ومن ذلك انه رفض حضور مؤتمر تاريخي كبير سنة 1972 كانت قد دعت اليه جامعة (هارفرد بامريكا) وقد ذكر له المسؤولون عن اقامة هذا المؤتمر انهم دعوا اليه كبار علماء التاريخ في العالم، كما اكدوا في الوجه الثاني لبطاقة الدعوة بانهم لم يدعوا اي مؤرخ من اسرائيل لاغراء الاحمد ورفاقه من المؤرخين العرب بالحضور. ودعي إلى مؤتمر دراسات شرق الجزيرة العربية الذي عقد في الدوحة سنة 1976 وكتب للمؤتمر بحثاً تحت عنوان (الخليج العربي في النصوص الاشورية المتاخرة) وقد ألقي نيابة عنه، ونجد في ملفه ايضا دعوات اخري لمؤتمرات عقدت في عدد من البلدان العربية وكلها تخاطبه بلقب العلامة او بلقب المؤرخ والمفكر الكبير.
ولاعتبارات كثيرة في لقبه منح عدة عضويات في النوادي والجمعيات التاريخية، ومن ذلك : جمعية اساتذة الجامعات الامريكية 1965، وجمعية دراسات الشرق الاوسط لامريكا الشمالية 1966 وهي ذات امتداد عالمي، جمعية (فاي الفاثينا) الامريكية التي تمنح عضويتها إلى كبار المؤرخين في العالم،[معهد شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقا، اتحاد المؤرخين العرب 1974، اتحاد المؤرخين والآثاريين العراقيين 1975 – 1983] وإلى جمعيات اخري في الهند وباكستان ودول اوربية [عاد الدكتور الأحمد الى العراق عام 1967، وعمل استاذاً في كلية الاداب بجامعة بغداد، ومنها تنسب الى كليتي التربية والشريعة في مكة المكرمة، وهناك مسح تاريخ مكة بكل دقة، ثم عاد للعمل في قسم التاريخ بجامعة بغداد، ونشر مقالات في دوريات الثقافة والاعلام باللغة الانجليزية، احيل على التقاعد في نهاية التسعينات، وانتخبه قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة مستشاراً].
أن يكون المؤرخ مؤرخاً:
في سياق نظريته في التاريخ دعا إلى ان يكون المؤرخ مؤرخاً اذا هو التزم بشروط هي اعراف لدى الجامعات العلمية الكبري في العالم وفي هذه الشروط تتم للمؤرخ الاهلية في توريخ وكتابة التاريخ، وهي:
1- لابد لمؤرخ التاريخ ان يتقن ثلاث لغات اساسية وهي الانكليزية والفرنسية والالمانية، ولاعذر لمن لايلتزم بذلك ولاي سبب، وهنا يضرب الاحمد مثلا على ذلك.. فالذي يدرس تاريخ روسيا عليه ان يعرف اللغة الروسية إلى جانب تلك اللغات الثلاث، ومن يدرس تاريخ العراق الحديث عليه ان يضيف لغة اخرى كالتركية إلى اللغات الاوربية الثلاث، ومن يدرس تاريخ اسبانيا الحديث عليه ان يعرف اللغة الاسبانية إلى جانب اللغات الثلاث وهكذا تتنوع المصادر في هذه اللغات وهي المصادر التي يعول عليها في كتابة التاريخ القومي لكل الشعوب.
2- وان لم تتوفر هذه المصادر بالقرب من المؤرخ ، فانه سيقع في ورطة علمية، سيقع فريسة انطباعاته الذاتية، وسيضطر إلى مراجعة مصادر أقل شأناً في العلم ، فضلا على ذلك فان المصادر الاساسية تهيء للمؤرخ مناخاً مناسباً للاجتهاد وتنمي فيه قدرة الاستنتاج والاستنباط.
3- رصانة التدريب على الاختصاص ، والمثل على ذلك : الطريقة المتبعة في قسم الاثار، اذ يقوم طلاب مرحلة الماجستير بسبر احد المواقع الاثارية في الوطن ودراسة نتائج التنقيب مما يؤهلهم في ان يكون ابحاثهم على غاية من العلم والاختصاص.
الاجتهاد في مؤلفاته:
وتميز مؤلفاته بثلاث مزايا حيوية:
1- ابتعاده عن المزاجية بجعل فكرة الاجتهاد المعيار الحقيقي لاي بحث يكتبه، واجتهاده ليس ذاتياً بل اجتهاد علمي (الاستدلال والاستنباط) ويضفى على ذلك خيالاً انسانياً.
2- الحيرة والطرافة والابتكار، وفي ذلك يبتعد عن التقليد قدامى او محدثين، وغايته الاساس من
وراء ذلك ان تكون كتابته هي المصدر في ما بعد.
3- ان يشبه كتابته بالحياة، تيار لاينقطع، فهو لايعد التاريخ مجرد رأي، إنما هو فعل يعاش فيحاول ان يقرب القديم إلى الجيل الجديد، بجعل التاريخ صيرورة تضغط على الزمن لتحويله إلى تاريخ.
وفي كل ذلك أصدر الكتب التالية:
1- الاسلام نظرياً وعملياً: طبعه سنة 1965 على نفقة دار نشر امريكية ويسرد فيه نواحي عدة في الدين الاسلامي احب الغربيون معرفتها، وقد خالف فيه المدارس الغربية في النظر إلى رسالة النبي الرسول، وقد اعترض عليه المتعصبون من المسلمين الذين توقعوا ان يكون الكتاب (دعائيا) وكتب عنه كبار الباحثين الامريكيين : (دراسة اسلامية مختصرة ولكنها شاملة عميقة).
2- جنوب العراق زمن الملك آشور بانيبال: وطبعته شركة الموتون العالمية سنة 1968 وكتبت عنه عروض في دوريات عالمية.
3- الاسس التاريخية للعقيدة اليهودية: طبع سنة 1969 وفيه اضافات تاريخية جديدة على تاريخ اليهود والتوراة والتلمود.
4- الاصول الاولى لافكار الشر والشيطان: طبع سنة 1970.
5- الاله زووس: وطبعه سنة 1970.
6- الازيدية: وهو جزءان طبع سنة 1971 وفيه اسرار جديدة عن هذه الطائفة المظلومة.
7- السومريون وتراثهم الحضاري: صدر عام 1975 وفيه عالج مختلف النظريات عن اصل السومريين ومعالم حضارتهم.
8- العراق القديم حتى عصر الاكدي 1978.
9- أسماء العراق.
10- قصة الطوفان.
11- كتاب تاريخ الفلسطين القديم 1979.
12- كتاب اللغات الجزرية 1980.
13- كتاب ملحمة كلكامش 1984 بترجمته هو.
14- حضارات الوطن العربي كخليفة للمدينة اليونانية.
15- تاريخ الخليج العربي.
16- المدخل الى تاريخ العالم القديم.
وكتب أخرى، غير عشرات المقالات والأبحاث باللغتين العربية والإنجليزية.
وقد أسهم ايضا في تحرير العديد من الموسوعات الحضارية، وكأن التاريخ فيه خزين او فيض لاينضب، وكان منذ صغره مولعاً بتخزين هذا الفيض في اعماقه، ومولعاً بتخصصه في جذوره الاولي، وبقي حتي وفاته يعتقد بان التاريخ علم على غاية من الاهمية، وهو من اهم العوامل في تنمية الشعور الانتمائي والوطني، وكان يؤمن اشد الايمان بان المؤرخ يجب ان يكون رائده الحق، وان يتماشي مع اخر الحقائق العلمية وان يربط اسباب الاحداث التي يدرسها بنتائجها، ويعلل الوقائع بما يوسع المدارك وينمي الفكر الحر، واهم اعتقاداته في التاريخ انه في تقدم وتراجع، ولهذا صار من واجبه دراسة الماضي بكل مايحويه ويتضمنه من نقاط قوة وضعف، وعندئذ فقط يمكن رؤية الحقيقة التاريخية بعمقها وشمولها الكلي.
بيئته الأولى:
وكان قدره ان يولد في بيئة تنمي فيه بذور التاريخ ويعشق الاثر وأطياف الاثر، ولد في (الحلة) وآفاق الحلة كلها رموز ترمز إلى التاريخ البعيد القريب، وهو منذ بواكيره الاولي تنقل في هذه الرموز واستنشق اريجها العذب، وكان والده تاجرا وملاكا ولم يكن خريج جامعة او اديبا، لكنه احب التاريخ بالفطرة وكان من حظ ابنه سامي ان وجد في مكتبة ابيه المجلات المصرية: المقتطف والمصور والحرب العظمى وعصر السلطان عبد الحميد، وإلى جانب هذه المجلات التي تضج برائحة التاريخ رأى كتباً تسرد التاريخ امثال العقد الفريد باجزائه الاربعة ومقدمة ابن خلدون، فراح (وبوصية ايضا من والده) يلتهم الكتب والمجلات في اوقات فراغه وهو على مقاعد المرحلة الابتدائية وعندما تنبه إلى عشقه للتاريخ شيئا فشيئا اشترى اعدادا من مجلة (الحرب العظمى) التي أصدرها عمر ابو النصر، ومرة وهو في الصف الاول في متوسطة الحلة اصطحبه والده لزيارة المتحف العراقي وقال لوالده في احدي قاعاته : (ماقيمة هذه الاحجار؟) فأجابه: (هذه لاتقدر بثمن) ثم اضاف : (هذه كتب هي اوجه لتاريخنا) بل كان والده يعلمه شيئا ينطق صمتا وينظر بصمت ايضا..!
وأسرته ايضا صفحة من التاريخ فهو ينتسب إلى قبيلة بني مسلم العربية التي تقطن الان على ضفاف نهر الفرات ومنه فرع الهندية ضمن ناحية الكفل في محافظة بابل، وقبيلة بني مسلم تفرعت من قبيلة بني عقيل، ومركزها الموصل، وقد اشتهرت باسم جدها شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران بن المقلد بن المسيب بن رافع العقيلي.. ولما غلب كربوتا السلجوقي سنة 489 هـ جدهم علي بن شرف الدولة أجبره على ترك الموصل فقصد سيف الدولة صدقة بن فريد الاسدي أمير الحلة وقتذاك سنة 1095 م الذي اكرم وفادته واقطعه اراضي بمنطقة الكفل وظل احفاده يعيشون عليها حتي الساعة.
أكمل الابتدائية والثانوية والاعدادية في الحلة 1948 ، وانتسب إلى دار المعلمين العالية وتخرج فيها سنة 1952 ومارس التدريس الثانوي لمدة ثلاث سنوات ثم رحل إلى امريكا في بعثة علمية سنة 1955 وحصل على الماجستير في التاريخ من جامعة شيكاغو 1957 وعلى الدكتوراه من جامعة مشيغن 1962.. وقد انتقل خلال دراسته للدكتوراه من جامعة شيكاغو إلى جامعة مشيغن وهو الامر الذي أفاد منه فائدة علمية كبيرة اذ بلغ عدد الاساتذة الكبار الذين تتلمذ عليهم 36 استاذا في مختلف فروع المعرفة التاريخية: في اثار العالم القديم واللغات الاكدية والسومرية واللاتينية واليونانية واللغات الحديثة الفرنسية والالمانية، وبعد تخرجه عين استاذاً في جامعة دنفر بامريكا 4 سنوات, وفي عام 1967 عاد إلى بلده وعين في جامعة بغداد, ليواصل نشاطه العلمي المميز حتى وافاه الاجل, وانطفأت عيناه، وكل عين ملونة بلؤلؤ التاريخ العراقي، وكل خلية في جسده الشريف كالبوصلة تحركت لترسم لنا امجاد السيرة العراقية في الشمال حيث الجبل الاشم، وفي الجنوب حيث كبرياء بابل..! والموت حق ياصاحب الكتاب الخالد.

(*) كاتب من العراق.
المصدر: جريدة (الزمان) - العدد 2362 - 29 /3/2006