|
|
 |
الحضارية
«
أعلام العرق» |
|
جلال الدين الحنفي البغدادي
(ذاكرة بغداد)
د. صائب عبدالحميد(*)
شيخ بغداد وعاشقها..
فقيه ذو لون مميّز، جمع إلى الفقه، جمع المختص الخبير: علوم الفقه، والعروض، وتميز
على نحو خاص بالتاريخ المحلي وعلوم المقام العراقي، حتى امتزج اسمه بهما، وكما
امتزج بجامع الخلفاء، أقدم جوامع بغداد وأجملها عمارةً، لعمره الطويل الذي قضاه فيه
معلماً وإماماً وخطيباً، بل حتى حارساً وخادماً، لفرط عشقه لهذا الجامع التاريخي
العريق، كعشقه الكبير لبغداد التي عاشت في دمه وليس في عقله فقط.
في سن مبكرة، في العشرين من عمره، وتحديداً في عام 1933م، لقــّبه اللغوي الكبير
الأب انستاس ماري الكرملي، بالشيخ العلاّمة.
وُلد جلال الدين في بغداد، عام 1914م، في أسرة عراقية بغدادية، وتوفى فيها في
الخامس من آذار 2006م. عاش فترة قصيرة من طفولته في البصرة، بحكم عمل والده، ثم عاد
إلى بغداد، وتعلم القرآن طفلا ً في كتاتيبها، ثم أنهى المدرسة الابتدائية فيها عام
1930م، والتحق بكلية الإمام الأعظم، التي تغيّر اسمها إلى (دار العلوم) ثم أعيد إلى
اسمه الأول أخيراً.
عمل خطيباً لأول مرة عام 1935م في جامع المرادية، في الميدان، مقابل وزارة الدفاع،
التحق بعدها بالأزهر الشريف بمصر لمواصلة دراسة العلوم الشرعية، ليعود من هناك
ملتزماً جامع الخلفاء. وفي عام 1966م أوفدته الحكومة العراقية إلى الصين، لتدريس
اللغة العربية في معهد اللغات الأجنبية بشنغهاي، ومكث هناك ثلاثة أعوام، أتقن
خلالها اللغة الصينية أحسن إتقان، وكتب مسودات لقاموس (عربي – صيني) لم يُسبق إليه،
لكن أتلفته مياه البحر في طريق عودته إلى العراق.
مارس تدريس علم التجويد والقراءات في معهد الفنون الموسيقية في بغداد، لعدّة دورات.
أجرى في علم العروض تصميمات كثيرة، نشرها في كتاب.
قدّم برامج دينيّة وثقافية وتاريخية في راديو وتلفزيون بغداد. أثرى الصحف العراقية
بعشرات المقالات ذات الطابع الخاص ولاسيّما في ما يخص تاريخ بغداد، وثقافتها
الشعبية، والمقام العراقي، فإذا كان ابن حزم الأندلسي هو أوّل فقيه يكتب عن الحب
وأطواره في (طوق الحمامة) فإنّ الشيخ جلال الدين الحنفي، هو أوّل فقيه يولي المقام
العراقي والثقافة الشعبية أعلى درجات الاهتمام حتى صار الإمام الذي يذعن له الجميع
فيها.
كتب الحنفي العديد من المؤلفات في علوم الإسلام وغيرها، منها:
1- التشريع الإسلامي - تاريخه وفلسفته، 1940م.
2- معاني القرآن، 1941م.
3- الرصافي في أوجهِ وحضيضه (صدر الجزء الأول منه وتوقف عن إصدار الثاني).
4- آيات من سورة النساء، 1951م.
5- ثلاث سنوات في جوار الميتم الإسلامي، 1955م.
6- صحة المجتمع، 1955م.
7- الروابط الاجتماعية في الإسلام، 1956م.
8- الحديث من وراء المكرفون، 1960م.
9- المرأة في القرآن الكريم، 1960م.
10- قصائدي في الزعيم، 1960م (مجموعة قصائد نضمها في مدح عبدالكريم قاسم).
11- الأمثال البغدادية، 1964م.
12- المغنّون البغداديون والمقام العراقي، 1964م.
13- معجم الألفاظ البغدادية (صدر فيه جزءان، وأوصى بطباعة الثالث في قصاصاته
المحفوظة في خزانات مكتبته).
14- رمضانيات، 1988م.
15- مقدمة في الموسيقى العربية، 1989م.
16- شخصيّة الرسول الأعظم قرآنياً، 1997م.
17- تعليم صناعة الشعر.
و كتب أخرى عديدة، فهو إذن فقيه لون مدينته وتراثها، المدينة التي صنعته، وعاش لها.
وإذا كان بيننا من يرى في عنايته الخاصّة بالموسيقى والمقام ما لا يناسب الفقيه،
الإمام والخطيب، فإنّ للشيخ رأيه المغاير الذي لا يعدم الاستناد حتى إلى آراء فقهاء
كبار، فالإمام أبو حامد الغزالي يقول بحليّة السماع (سماع الأغاني التي تصاحبها
آلات الموسيقى) مادام لا يشغلك عن عبادة ربـّك، ولا يدعو إلى المجون والفجور؛ لأنّ
الغزالي يرى الغناء والموسيقى ما هما إلا محاكاة لعندلة العنادل وهديل الحمائم
وزقزقة العصافير، وهذه من صنعة الله جلّ وعلا، بل يرى الغزالي أكثر من ذلك، أن
السماع من طبيعة الإنسان السوي، فمن لم يرقه السماع فهو مختل المزاج، ولا يجدي معه
العلاج.
وللشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ت1954م) وهو من أشهر مراجع النجف في القرن العشرين،
رأيٌ مماثل، فهو يرى أنّ الغناء سواء رافقته آلات الطرب أم لا، مباح، ما لم يستخف
السامع إلى حدٍّ يخرج معه عن الكمال. مع ذلك فقد دفع الشيخ ثمن هذا الاهتمام بالطرد
من الأوقاف ومن جامع المرادية، ما فتح باباً للخصومة بينه وبين رئيس دائرة الأوقاف
حينها العلاّمة الكبير محمد بهجة الأثري.
وربما يؤخذ ـ من ناحية أخرى ـ على الشيخ الحنفي، أنّه تقلـّد أكثر من وسامٍ من
أوسمة «الاستحقاق العالي» التي كان صدام حسين يمنحها شخصيّات وضعها في قائمة «أصدقاء
الرئيس»! غير أنّ الإنصاف يقتضي إعذاره فيها، فهي واحدة من أساليب صدّام التي طوّق
بها العديد من الشخصيّات الحرة، والكل يعلم أنّه ليس هناك فسحة للاختيار في قبولها
أو ردّها، غاية ما في الأمر أنّ من هؤلاء من أغرته هذه الأوسمة وانزلق كما يريد له
السلطان، ولم يكن جلال الدين الحنفي من هؤلاء قط.
سجيّتان في شخصيّة الحنفي تبدوان متناقضتين؛ حدّة وصلابة، في مجال تخصصه، لا يقبل
فيها الاختلاف والتغيير، شأنه شأن الكثير من المختصّين الذين يتفانون في التداخل مع
مادة التخصص، كما في موقفه المتصلـّب إزاء محمد القبانجي في محاولة إحداث تغييرات
في بعض أطوار المقام العراقي، وفي إصراره على نتائج بحوثه حول أسماء بعض الأحياء
العراقية، التي يختلف فيها مع باحثين آخرين. غير أنّ هذه الحدّة تتجاوز هذا الإطار
في قضيّةٍ تبدو مبدأيّه، أو فكرية، حين يشن هجوماً على الرصافي حول أفكاره التي
طرحها في كتابه «رسائل التعليقات» عام 1944م. حتى بلغ أن ذهب الشيخ الحنفي إلى
النجف، لاستحصال فتوى في علمائها في تكفير الرصافي.
إذا كان في هذا الموقف ما يشي بتطرّف في موقفه، فإنّه ينطوي على معنىً مغاير تماماً،
يأخذ بنا إلى سجيّته الثانية المغايرة.. فهو هنا يقصد النجف لاستحصال موقف مناهض
لشخصيّة سنيّة، حنفيّة أيضاً.. ما يعني أنّه ليس في صدره مساحة لنزعة طائفية تجعل
الحنفي أقرب إليه من الجعفري.. وسوف تتأكد هذه الروح المنفتحة في آخر ما يتركه
الشيخ جلال الدين من أثره، في وصيّته حيث كتب: «.. واُوصي أن يصلي عليّ تلميذي
الشيخ عدنان الربيعي مسبلاً». هذا في وقت تتصاعد فيه جذوة الطائفية في العراق مع
دوران عقرب الساعة.. إنّها إدانة بليغة لهؤلاء المتصارعين من الفريقين، بدوافع
طائفية.. وهي في الوقت نفسه رسالة مفتوحة تنتظر موقفاً مماثلا ً من رجل دين شيعي
يتعالى على هذه النزعة حتى في مصاديق ملموسة.
الانفتاح في شخصيّة الحنفي يغطي سائر جوانب حياته حتى أصبح طابعه المميّز. فعندما
كان في الصين كانت زوجته موظفة في السفارة العراقية في بكين، زوجته إذن متعلـّمة،
على قدر مناسب من التعليم.. في وقت ما زال لرجال الدين مواقف صعبة إزاء عمل المرأة،
بل حتى إزاء حقها في طلب العلم.وعندما أقدم على طباعة كتابه «الأمثال البغدادية»
طلب إلى الشيخ محمد رضا الشبيبي كتابة تقديم للكتاب، مجسِّداً روح التفاهم والعلاقة
الأكيدة مع شخصيّة علمية من مذهب آخر.. ويعتز الحنفي بعلاقته الخاصّة مع المفكر
اليساري المعروف هادي العلوي، وربما تبادلا الأحاديث طويلاً باللغة الصينية،
فالعلوي كان أيضاً معلـِّماً للعربية في بكين.
وفي وقت مبكـّرٍ من عمره يلتقي الشيخ اللغوي الكبير الأب انستاس الكرملي، وله علاقة
معروفة مع الباحث اليهودي العراقي الشهير مير بصري (توفي في السنة نفسها التي توفي
فيها الشيخ الحنفي 2006م). وأكثر دلالة من ذلك تعايشه مع الأمثال الشعبية البغدادية
بمصادرها المتعددة، وعلى المقام العراقي والموسيقى.. كل هذا الانفتاح منسجم تماماً
مع البيئة الخاصّة التي كان يعيشها بشكل يومي، مع موقع جامع الخلفاء، الذي تقابله
على الجانب الآخر من الشارع واحدة من أقدم كنائس بغداد، وعلى مقربة منه يقع جامع
الخلاني الشهير من جوامع الشيعة، وأسواق شعبية تاريخية يتجوّل فيها متتبعاً ليس
العادات والتقاليد البغدادية، والأمثال الشعبية الدارجة فقط، بل حتى الألفاظ
البغدادية الخاصّة، في أطوارها المختلفة، فيجمع قصاصات كثيرة في الألفاظ البغدادية
البذيئة ليجعلها جزءاً ثالثاً في كتابه «معجم الألفاظ البغدادية» وله ساعات لا
يفارقها في شارع المتنبي الذي امتزج بهوية بغداد، وفي مقهى الشابندر العتيد في هذا
الشارع، حيث يلتقي اصدقاءه من رجال الفكر والأدب والموسيقى.. وأصل ذلك حتى آخر
أيامه.
عاش حياة الزهّاد، معدوداً في فقراء بغداد.. لم يسع إلى مجدٍ شخصي أو صدارة.. لم
يمتلك سيارةً شخصيّة، يخرج من جامعه مشياً نحو ثلاثين دقيقة ليصل (باب المعظم)
ليستقل سيارة النقل العام إلى مدينة الشعب حيث يقيم. إذا كانت نشاطاته متعددة
الاتجاهات قد منحته ألقاباً شتـّى، فإن «ذاكرة بغداد» يبقى لقبه و عنوانه المميّز
الذي يتسالم عليه الجميع ولا ينافسه فيه أحد.
الهامش:
ـــــــــــــ
(*) متخصص في فلسفة التاريخ ـ العراق.
|
|
|