الحضارية « أعلام العرق»
 

 

عبد الرحمن البزاز

سليم الشمري(*)

(خاص للمعهد)

بارع في السياسة والاقتصاد، فذ في الإدارة وفن المباحثات، عراقي وابن بغداد، له بصماته في تاريخ العراق السياسي الحديث.
البزاز: هو عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن حسن بن حمادي المعاضيدي، من مواليد بغداد، منطقة الكرخ في العشرين من شباط عام 1913، تفتحت عيناه على الحياة فيها، أكمل الدراسة الابتدائية عام 1928 والدراسة الثانوية عام 1932، وكان مستواه العلمي عاليا جدا، مما أهله إلى القبول في كلية الحقوق التي تخرج منها عام 1935، وقد كان البزاز متأثرا بأستاذه ساطع الحصري، الذي أعجب به ورعاه ورشحه إلى الدراسة في لندن، جامعة لندن كلية الملك (The King's College)، وأسس هناك (رابطة الطلاب العرب) وأصبح أميناً عاماً لها عام 1938. حصل البزاز على شهادة (L. L. B) وهي شهادة معادلة للدبلوم العالي. وعاد إلى العراق عام 1939.
منذ عام 1940 حتى عام 1959، تسنم البزاز عدة مناصب في الدولة العراقية، منها: مدونا قانونيا في وزارة العدلية، وحاكم بداءة بغداد غير المحدودة، وحاكم بداءة بغداد الأقدم، وقد تم انتدابه إلى هيئة الأمم المتحدة في نيويورك للأمور القانونية، وعين مديرا لمعهد الدراسات العربية العالي، ووكيلا لكلية التجارة والاقتصاد، وعميدا لكلية الحقوق، وحاكما في محكمة التمييز.
اعتقل البزاز بعد حركة الشواف في الموصل في الثامن من آذار عام 1959، وأطلق سراحه في آب 1959، عمل بعدها عميدا لمعهد الدراسات العربية العالي، خلفاً للدكتور طه حسين، وأستاذا في كلية الحقوق، جامعة عين شمس.
وبعد حركة الثامن من شباط عام 1963، عيّن سفيرا للعراق في القاهرة لمدة ستة أشهر، ثم سفيرا للعراق في لندن حتى عام 1965، اختير سكرتيرا عاما لمنظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك)، ورئيسا لمجلس المحافظين في نفس الفترة(1).
تسنم البزاز منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية والنفط وكالة، في السادس من أيلول عام 1965 حتى الحادي والعشرين من أيلول من العام نفسه، إذ أصبح رئيسا للوزراء، وفي نسيان 1966 تسنم البزاز منصب رئاسة الجمهورية نيابة بعد مصرع الرئيس عبد السلام محمد عارف.
كلفه الرئيس الجديد عبد الرحمن عارف بتشكيل الحكومة الجديدة، واستمر في منصبه رئيسا للوزراء حتى استقالته في السادس من آب عام 1966.
توفي البزاز في الثامن والعشرين من حزيران عام 1973.
ترك البزاز العديد من الأعمال الفكرية بين كتب ومقالات وأبحاث أهمها: (الدولة الموحَّدة والدولة الاتحادية) ــ (العراق من الاحتلال حتى الاستقلال) ــ (القومية العربية، حقيقتها، أهدافها، وسائلها) ــ (الموجز في تاريخ القانون) ــ (بحوث في القومية العربية) ــ (صفحات من الأمس القريب) ــ (مبادئ أصول القانون) ــ (مذكرات في أحكام الأراضي في العراق) ــ (مع الشعب) ــ (من روح الإسلام)  ــ (من وحي العروبة) ــ (نظرات في التربية والاجتماع والقومية) ــ (هذه قوميتنا)(2).
البزاز ودوره الفكري:
ــ شكل مبدأ (الحق والحرية) الإطار الفكري لدى البزاز في نضاله الفكري والسياسي، فهو يرى ان (الحق والحرية) هما اللذان يفسران كل حركة تغييرية ونهضة شعبية، وفي نطاق تكوينه النفسي يرى أنه «ثمة دافع داخلي آخر لسلوكي ــ والنص له ــ هذا، هو الحرص الشديد على الحق والحرية، الحق؛ الذي هو رائد القاضي الأول، والحرية؛ هي مطلب المعلم الأساسي» يقول: «لقد بقيت روح القاضي المعلم، أو المعلم القاضي، تلازمني طوال حياتي، لا أثناء الدرس وميدان القضاء.. وقد بقيت نحواً من عشرين عاماً قاضياً أو مدرساً، وقاضياً ومدرساً، فصرت أرى أن الحق يجب أن يقال، لا في المحكمة أثناء النظر في القضايا فحسب، بل وفي كل قضية تعرض علي في الحياة وفي أي عمل أقوم به.. والحرية التي أؤمن بها وأتعشقها انتقلت معي من محيط الدراسة إلى أجواء الحياة ذاتها، فحين تتعرض الحرية لخطر أساسي أشعر أنني مطالب بأن أقوم بقسطي، بغض النظر عن النتائج المتوقعة، ولقد كنت في حماسي للحق وحرصي على الحرية اردد كثيراً قول الشاعر العربي أبو ماضي:
إني لأغضب للكريم ينوشُهُ مَن دُونه، وألوم من لم يغضبِ
فلقد غضبت لكل فرد كريم، ولكل شعب كريم، ولكل مطلب كريم، ولمت من لم يغضب، وأغضبت بسلوكي هذا الحاكمين في كل العهود وتعرضت بسببه لسخطهم ونقمتهم، ولكن أرحت بذلك ضميري، وشعرت بأنني أديت واجبي، وسلكت سبيل الحق والحرية»(3).
بفضل هذا الدافع كانت له علائق وثيقة واحترام كبير لشخصيات ثورية ناضلت في سبيل الحق والحرية، يرى البزاز في مقدمتهم الشيخ محمد جواد الجزائري (1881 ـ 1959) باعتباره في نظر البزاز أول زعيم روحي وضع مقدمات الثورة العراقية الكبرى عام 1920، ودعا إلى إنشاء دولة عراقية، وكذا أخوه الشيخ عبد الكريم الجزائري (1872 ــ 1762)(4).
ــ شرع البزاز منذ بداية مسيرته الأكاديمية، بدراسة الواقع العربي دراسة تحليلية للوقوف على علاّت المجتمع العربي وتشخيصها، فضلا عن طرح ركائز النهضة المتمثلة بالعروبة والإسلام كحل لمعضلات الشعب العربي. وقد كتب البزاز العديد من البحوث والمقالات، التي تتحدث عن أهمية القومية في حياة الشعوب، لا سيما الشعب العربي، وطبيعة العلاقة بينه وبين الإسلام، مؤكدا عدم معاداة التراث الإسلامي للقومية العربية، ومقررا الإسلام كأحد العناصر الأساسية للقومية العربية.
ــ لاحظ البزاز صعوبة التوفيق بين العروبة والإسلام في الوسط الثقافي العربي، إذ غالى البعض بالعروبة مهمشا التراث الإسلامي، فيما ذهب الآخر إلى الروح الإسلامية متنكرا للقومية العربية، وقد أطلق البزاز على هذه الحالة (بالعقيدة المستعصية)، الأمر الذي قاد البزاز إلى طرح البديل التوفيقي الذي يجمع الإسلام بالقومية العربية في رؤية واحدة. إذ ذهب البزاز إلى أن القومية عقيدة اجتماعية وسياسية واقتصادية، مبعثها شعور العرب بمقوماتهم الأساسية، لا سيما التراث الإسلامي، وتهدف إلى تحرير وطنهم من مختلف أنواع الاستغلال الداخلي والخارجي، وحكم بلادهم بأنفسهم، وتحقيق العدل الاجتماعي واستثمار خيراتهم بأيديهم، مؤكدا على أهمية الاعتزاز بالصفحات الناصعة من تاريخ العرب فضلا عن اللغة العربية التي هي روح العروبة.
ــ ومن آرائه أن الاشتراكية هي الأيدلوجية الاقتصادية المناسبة للعرب، كونها تحقق التعاون التام بين ابناء المجتمع، وتقف وسطا بين الفردية المطلقة التي أفضت إلى قيام الرأسمالية، وبين تهميش دور الفرد في المجتمع كما هو الحال عند الشيوعية القائمة على نظرة حتمية للصراع الطبقي بين أبناء المجتمع الواحد. إن اشتراكية البزاز تسعى إلى تحقيق عدالة اجتماعية، وتحول دون الاستغلال والتحكم الطبقي، وتؤمن بالملكية الفردية، شريطة أن لا تتحول إلى رأسمالية ضخمة متحكمة ومستعبدة للكادحين والعمال(5).
من جهة أخرى فان اشتراكية البزاز حرة الاختيار، فهي توفيقية، تأخذ ما تراه مناسبا من الاشتراكيات الأخرى، كاشتراكية الشيوعية أو اشتراكية المذهب الجماعي، دون أن تتعصب أو تلزم نفسها بأطر معينة. إنها طليقة لغرض تحقيق العدالة الاجتماعية.
ــ ومن نتاج البزاز الفكري رأيه في (العدالة والإصلاح)، إذ يرى البزاز أن العدل هو أن تعفو عن خطأ البشر وزلاتهم، وأن تتحرى قصد المشرّع لا القانون، والنية لا الفعل الظاهر، والكل لا الجزء، وأن تذكر الإحسان لا السوء، والخير الذي أصبت لا الفعل الذي فعلت، وأن تتحمل الأذى وترغب في فض الخلافات بالسلم لا بالعنف، وهو في الأخير تفضيل الحكم على القضاء، لأن المحكّم يتجه إلى ما هو عادل(6)، في حين يتقيد القاضي بما هو قانوني.
ــ كما أكد البزاز على ضرورة إصلاح المؤسسة الجامعية قبل إصلاح أي شيء آخر، كونها الركيزة الأساسية لإعداد رجال الدولة والإصلاح السياسي والاقتصادي والقانوني. كما طالب بإحداث ثورة في قانون العقوبات البغدادي الذي وضع في ظروف سيئة تزامنت مع الاحتلال الانجليزي للعراق، إذ لم يراع هذا القانون طبيعة المجتمع العراقي وعاداته وتقاليده. فضلا عن دعوته لإصلاح قانون الأحوال الشخصية وأحكام الأراضي والقانون الإداري.
ــ وللبزاز آراء في التربية والمجتمع. إذ كتب جملة من المقالات التي تناولت هذا الموضوع، مشخصا المشكلات التي يعانيها الجيل، ومن بينها (التدني الخلقي، والفردية، ومقالة السوء، والقلق، والانتهازية، وضعف الثقافة). إذ يعزو البزاز مشكلة التدني الخلقي بين أبناء الأمة إلى جملة من الأمور منها الفقر والجهل والحروب والنكبات التي أصابت المجتمع العربي، الأمر الذي أدى إلى هذه النتيجة المؤلمة، التي توشك أن تقود إلى الانهيار التام. وينتقد البزاز الفردية، فهي نقيض التعاون، وظاهرة بدائية لا تصلح لأمة ترمي إلى النهوض والتقدم الحضاري، كونها من أسباب التأخر الاقتصادي.
ــ وقد تعاطى البزاز مع الواقع الثقافي العراقي، فاستشف ضعف مستواه العام، الأمر الذي جعله يؤكد على ضرورة توسيع ثقافتنا وانفتاحها على الثقافات الأخرى، لا سيما الثقافة الغربية، لغرض الاستفادة من تجربتهم العلمية في إحياء التراث العربي الإسلامي، فضلا عن تنمية روح الابتكار عند المثقف العراقي وتغذية عناصر الأصالة والإبداع(7).
البزاز ودوره السياسي:
البزاز أحد الشخصيات السياسية العراقية المهمة، لإسهاماته السياسية أثر في واقع العراق السياسي، ابتدأ تاريخه السياسي طالباً جامعياً ناشطاً من أجل قضايا الوطن، وانتهى به رئيسا لوزراء العراق ورئيسا للجمهورية أيضا.
شارك البزاز في ثورة 1941ــ التي قادها رشيد عالي الگيلاني ضد النظام الملكي والاستعمار البريطاني ـ وقد كان آنذاك أستاذا في كلية الحقوق، الأمر الذي أدى إلى فصله من وظيفته، ومطاردته من قبل الحكومة الملكية العراقية، حتى صدور العفو عنه في العام نفسه. غير إن الحكومة أصدرت قرارا بإلقاء القبض عليه من جديد، وقد تم إلقاء القبض عليه ونقل إلى معتقل الفاو، ثم معتقل العمارة، حتى أفرج عنه في حزيران 1945.
وانطلاقا من فكره القومي والتحرري، نشط البزاز في مساندة مصر، بعد تأميم قناة السويس، وقيام العدوان الثلاثي، وعلى أثر ذلك تعرض البزاز إلى مختلف أنواع الإساءة، إذ القي القبض عليه وتمت إحالته إلى المحكمة، بتهمة التقصير في أداء واجبه الرسمي، إلا أنه اعفي عنه لبراءته من التهمة، فأمر الملك بإبقاء البزاز تحت الإقامة الجبرية مدة سنة. وبعد ذلك شن البزاز حملة نقد عنيفة ضد حكومة نوري السعيد موضحا تقصيرها في أداء واجبها، لاسيما الواجب القومي العربي.
وبعد قيام ثورة 14 تموز ضد الحكم الملكي، وقيام الحكم الجمهوري، وقف البزاز أيضا موقفا ناقدا وناقما من الوضع الجديد، لأن حكومة عبد الكريم قاسم لم تول اهتماما بقضايا الأمة، بل إنها كانت إلى الشيوعيين أقرب منها إلى القوميين، الأمر الذي أثار نقمة البزاز، الذي واجه الحكومة في كتاباته وخطاباته، حتى قدم استقالته من عضوية محكمة تمييز العراق، وذهب إلى القاهرة ليزاول نشاطه القومي هناك، لا سيما إن علاقة طيبة تجمع البزاز بالرئيس جمال عبد الناصر.
اختير البزاز عضواً في الوفد العراقي المشارك في مباحثات الوحدة الثلاثية بين العراق ومصر وسوريا، وذلك بعد انقلاب الثامن من شباط، وقد كان البزاز تواقا إلى تحقيق مثل هذه الوحدة، فوجد في المباحثات فرصة لطرح آرائه القومية، التي لقيت أعجابا من قبل الحاضرين لا سيما جمال عبد الناصر.
عين البزاز سفيرا للعراق في لندن، وقد كان له دور بارز في توطيد العلاقة مع بريطانيا، وفي تفعيل القضية الفلسطينية عند الغرب، وقد حقق نجاحات عدة في هذا الصدد. كما تميز البزاز عندما عين أمينا عاما لمنظمة (الاوبيك)، ورئيسا لمجلس المحافظين في الأول من مايس 1964، إذا استطاع القضاء على الخلافات القائمة بين شركات (الاوبيك) من خلال تكثيف الاجتماعات واللقاءات، وتحديد المشتركات فيما بينهم(8).
تسنم البزاز في السادس من أيلول 1965، منصب نائب رئيس الوزراء، ومنصب وزير الخارجية بالوكالة، ومنصب وزير النفط بالوكالة في وزارة عارف عبد الرزاق، ثم كلف الرئيس عبد السلام عارف البزاز بتشكيل حكومة جديدة، بعد فشل محاولة الانقلاب التي قادها عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء، الذي هرب إلى مصر. وبذلك أصبحت حكومة البزاز أول حكومة مدنية تتولى هذا المنصب، منذ القضاء على الحكم الملكي في العراق.
ومحاولة الانقلاب التي قادها عارف عبد الرزاق وترت العلاقة بين بغداد والقاهرة، فعبد السلام كان يتهم عبد الناصر بالتدبير لهذه الحركة، هنا كانت براعة البزاز هي التي أعادت العلاقات إلى وضعها الطبيعي، يكتب أمين هويدي في مذكراته ـ وقد كان آنذاك سفير مصر في العراق ـ يكتب عن لقائه الأول برئيس الوزراء الجديد، البزاز ويشهد في ذلك اللقاء اتصالاً هاتفياً بين البزاز وعارف، يصف فيه البزاز قائلاً: «إنه كان يعطي على التلفون درساً في الديمقراطية للرئيس عارف»(9).
حققت حكومة البزاز جملة من الانجازات وعلى مختلف المستويات، لاسيما المستوى الاقتصادي والسياسي، إذ انخفضت ظاهرة البطالة، وازدادت المعامل والائتمانات، فضلا عن فسح المجال للقطاع الخاص، للإسهام في الأنشطة الاقتصادية.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فقد نبه البزاز إلى ضرورة حل القضية الكردية بالطرق السلمية، بما فيه مصلحة الوطن، وقد وضع في ذلك برنامجاً متكاملاً، اعتمده أحمد حسن البكر لاحقاً تحت عنوان (مشروع الحكم الذاتي) رغم موقفهم العدائي من البزاز الذي انتهى باغتياله(10).
وفي 1967 زار النجف والتقى المرجع السيد محسن الحكيم، وفي حينها ذكر له السيد محسن الحكيم أنه هو الذي طالب بإطلاق سراحه حين كان معتقلاً في عهد عبد الكريم قاسم(11). أما على المستوى السياسي الخارجي، فقد حاول البزاز تحسين العلاقة العراقية الإيرانية، وحل المشاكل بين البلدين الجارين، كما دعى إلى زيادة أواصر الأخوة مع الدول الإسلامية، لاسيما إيران وتركيا.
لقي الرئيس عبد السلام عارف حتفه في نيسان عام 1966، في حادث تحطم طائرته المروحية، قرب شط العرب، وعلى اثر ذلك انيطت مسؤولية رئاسة الجمهورية، لرئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، وفقا للدستور العراقي المؤقت، حتى انتخاب رئيس للجمهورية. بعد ذلك طرح البزاز مشروعا يقضي بإلغاء منصب رئيس الجمهورية، واستحداث مجلس للرئاسة، يظم ثلاثة أعضاء، ممثلا عن الشيعة، وممثلا عن السنة، وممثلا عن الأكراد، وقد كان هدف البزاز من وراء هذا المشروع ، وضع حد للمشكلات الداخلية، بما يضمن حق الجميع في حكم بلدهم. غير إن هذا المشروع قوبل بمعارضة شديدة، من قبل العسكريين، إذ رفضوه رفضا قاطعا. وفي السادس عشر من نيسان عام 1966 ، عقدت جلسة مجلس الوزراء، لانتخاب رئيساً للجمهورية، وقد رشح البزاز نفسه إلى هذا المنصب، إلى جانب كل من الفريق عبد الرحمن عارف، والعميد الركن عبد العزيز العقيلي، جرت الانتخابات وحصل البزاز على (14)صوتا، وحصل عبد الرحمن عارف على (13) صوتا، أما العقيلي فلم يحصل إلا على صوته. ووفقا للدستور المؤقت تقرر إعادة التصويت بين الاثنين (البزاز وعارف)، إلا أن البزاز تنازل لعبد الرحمن عارف، كونه يدرك إدراكا واعيا، أن الوضع السياسي العسكري في العراق، لا يتحمل أن يكون رئيس الجمهورية من المدنيين. وعلى اثر ذلك كلف الرئيس عارف البزاز تشكيل الحكومة الجديدة. وشكل البزاز حكومته الجديدة، التي كان ابرز انجازاتها تحقيق مطالب الكرد، واحترام حقوقهم القومية.
وفي السادس من آب 1966 قدم البزاز استقالته رسميا، دون أن تكون هنالك أسباب معلنة للاستقالة، غير أن البعض يرى أن السبب هو خلاف بين البزاز والرئيس عارف، نتيجة تحديد موعد إصدار قانون الانتخابات ، إذ طلب الرئيس التريث في ذلك، وتبعه التجميد ثم التوقف. ويعتقد البعض الآخر، إن سبب الاستقالة هو معاداة القادة العسكريين له، بسبب توجهه المدني في حكم الدولة.
استمر البزاز في نشاطه السياسي بعد خروجه من الوزارة، وبدأ ينتقد الحكومات العسكرية لفشلها في عودة الأوضاع الدستورية الطبيعية إلى العراق(12).
بعد عودة حزب البعث إلى الحكم في 1968 كان ينظر إلى البزاز كواحد من الرموز التي تهدد بقاء السلطة، فاعتقل عام 1969 بتهمة قيادة منظمة سرية تسعى للإطاحة بالحكومة، وبقي سجيناً في (قصر النهاية) أسوأ السجون سمعة في العراق، تحت تعذيب شديد، فقد على أثره بصره، وعندما كان وشيكاً أن يموت بفعل التعذيب، أطلق سراحه ليموت في بيته بعد أيام قليلة، في 28 ــ 6 ــ 1973.(13)
بقي البزاز يحظى باحترام طلائع المثقفين العراقيين وعموم السياسيين يراه بعضهم (ليبرالياً) ويراه آخرون (قومياً وإسلامياً)، وتقديراً لهذا الموقع وانطلاقاً منه أنشأ مجموعة من المثقفين العراقيين أوائل عام 2004 مركزاً باسم (مركز البزاز للثقافة والرأي).
وفي عام 2006 صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب (عبد الرحمن البزاز أول رئيس وزراء مدني في العراق الجمهوري) من تأليف سيف الدين الدوري، تالياً لكتب ودراسات سبقته، تناولت سيرة البزاز الشاملة، أو بعض أنشطته السياسية والفكرية.

الهوامش
ـــــــــــ
(*) مدرس الفلسفة في الجامعة المستنصرية، بغداد.
(1)المشهداني، جعفر عباس-المشهداني، محمد كريم عبد الرحمن البزاز و دوره الفكري والسياسي في العراق، مكتبة اليقظة العربية للطباعة و النشر والتوزيع، ط1، بغداد، 2002، ص21-28.
(2)المصدر نفسه، ص29-31.
(3) البزاز، عبد الرحمن، صفحات من الأمس القريب، ص45.
(4) الدوري، سيف الدين عبد الجبار، عبد الرحمن البزاز أول رئيس وزراء مدني في العراق الجمهورية، الحلقة الأولى ـ جريدة الزمان ـ بغداد ـ العدد 1564، في 23ـ 7ـ 2003.
(5)البزاز_عبد الرحمن، بحوث في القومية العربية، جامعة الدول العربية، ط1، القاهرة، 1962، ص67-68.
(6) كان في المحاكم العراقية آنذاك إلى جانب القاضي، (محكم) يمارس دوره في فض النزاعات عن طريق الإصلاح ورد المظالم، قبل القاضي.
(7)المشهداني، مصدر سابق، ص38-76.
(8)المصدر نفسه، ص92-145.
(9) د.سيار الجميل، العراق وعبد الناصر في مذكرات أمين هويدي، الحلقة التاسعة، جريدة الزمان، العدد 1543 في 29 ـ 6 ـ 2003.
(10) حبيب تومي /الأستاذ مسعود البرزاني وإستراتيجية إقامة الدولة الكردية 31 ـ ualdaya.net.
(11) الحلو، عامر، الملوك والرؤساء الذين زاروا النجف الأشرف، مكتبة الروضة الحيدرية، النجف الأشرف.
(12)المشهداني، مصدر سابق، 153-245.
(13) الدوري، سيف الدين عبد الجبار، مصدر سابق.