|
|
 |
الحضارية
«
أعلام العرق» |
|
25/7/2007م
أ. د نعمه
محمد ابراهيم(*)
(خاص للمعهد)
فيلسوف العراقين. . هبة الله بن علي بن ملكا، أبو
البركات، البلدي. . نسبة الى مدينة بلد العراقية، مسقط رأسه.
واحد من كبار الفلاسفة المعدودين، قال عنه البعض أنه نال رتبة أرسطوا. . ولبراعته
في الفلسفة لقب بـ (أوحد الزمان).
ولد سنة 454هـ، 1067م. وتوفي ببغداد سنة 547هـ، 1135م. وقيل عاش تسعين سنة شمسية،
وهناك من قال انه توفي بمهذان في اليمن عن نحو ثمانين سنة.
كان إضافة الى الفلسفة طبيباً شهيراً من كبار علماء الطب، فلكياً كبيراً، كان
يهودياً، وأسلم في آخر عمره، له مكانة مميزة عند المستنجد بالله العباسي.
له مؤلفات عديدة في الفلسفة والطب والفلك، أشهرها:
ـ المعتبر، وهو كتابه الاساس في الفلسفة، في ثلاثة مجلدات(1).
ـ رسالة في العقل وماهيته.
ـ اختصار التشريح من كلام جالينوس، في الطب.
ـ رسالة في صفة ترياق برشعثا (وهو دواء هندي)، في الطب.
ـ مقالة في سبب ظهور الكواكب ليلاً واختفائها نهاراً.
كتب عنه مؤرخو الحكمة والطب، إضافة الى اصحاب التراجم والمعاجم المختصة(2).
فلسفته:
لابي البركات آراء فلسفية قد يكون في بعضها متفرداً، وفي بعضها الآخر مجدداً في
براهينه واستدلالاته ونقده، ننتخب هنا نماذج محدودة كافية للتعريف بآفاق فلسفته
وبعض نظرياته الفلسفية:
1 ـ أكد أبو البركات في طبيعياته أن كل جسم يتألف من حقيقتين هما: الصورة والمادة،
وأكد بأن كلا من هاتين الحقيقتين إذا أخذت على حدة هي غير الجسم، وإن كان الجسم
موجودا بهما ويستمد حقيقته منهما، وعند ذلك وضح أن المادة من جهة ما، هي ليست ذات
ولكنها قابلة للصورة فقط، والسبب في هذا القول عزمه على نفي التسلسل الذي لا ينقص،
فإن وضعنا المادة ذات صورة لزم أن تكون منقسمة على مادة وصورة، ويمر هذا الأمر إلى
غير نهاية، وهذا عند أبي البركات محال(3).
ولكن أبا البركات في آخر المطاف اعتقد بوجود مادة أولى خلقها الله سبحانه وتعالى،
وهذه النتيجة لازمة بالضرورة لكي نتخلص من الوقوع في الدور. وكذلك أشار إلى أن
الصورة يمكن أن تنفصل عن المادة، وأن المادة يمكن أن تتقبل صور أخرى غير صورتها
التي كانت تتصف بها، ولهذا أثبت أن الصورة في الجسم ليست منحازة بالفعل عن المادة،
وليست المادة أيضا منحازة بالفعل عن الصورة، ولكن كلا من المادة والصورة في الجسم
المؤتلف منها منحاز عن الآخر بالقوة، ولولا ذلك كانت الأجسام تقبل الكون والفساد،
وبهذا الرأي أكد أبا البركات في فلسفته الطبيعية بأن الكون والفساد يحدث للصورة لا
للمادة، واختلف عن المتكلمين فيما بعد عندما أكدوا نظرية (الجوهر الفرد) بعد .
ويمكننا أن نشير بايجاز إلى المبدأ الثالث الذي يحدث بالعرض وهو العدم(4).
2 ـ يرى أبو البركات أن الهيولى التي تتكون منها الاجسام، هي المنبع الأساس لها،
وهي التي تتغير عن طريق تقبلها الصور المختلفة.
3 ـ الموضوع والهيولى عند أبي بركات قائم على أساس أن الموضوع اعتبر فيه المحل
بقياس مجرد الحال كالجسم للبياض؛أي أن الجسم بالقياس إلى البياض يكون موضوعا، وإذا
اعتبر فيه المحل بقياس ذي الحال فيدخل في المحل المقيس إليه، وهذا يسمى هيولى،
والذي يتم بالنمو والزيادة يسمى مادة خصوصا إذا تزايد بالتدريج مثل النبتة عندما
تسقى ماءً، وكذلك البدن عندما يتغذى. أي أن الحنطة تكون هيولى للدقيق والدقيق
للعجين، والعجين للخبز، والخبز هيولى ومادة لأخلاط بدن الإنسان. والاختلاط هيولى
ومادة للأعضاء وللأرواح، والأعضاء والأرواح للبدن. إذن الهيولى تكون قريبة وبعيدة،
واولى وأخيرة. فإذا اعتبرت الأذهان بطريق التحليل وجدت الأحوال تتبدل على الأجسام،
وما لا يتبدل في الجسم بعينه فنظيرة ومثله يتبدل في غيره. فان السوا وان يزل عن
القار فقد يزول شعر الإنسان ويستبدل به البياض(5).
4 ـ الجسم يفرق ذهنيا إلى معنى الجسم، والى معنى الهيولى.
فمعنى جسميته: هي كثافته التي بها يمانع الخارق له والنافذ فيه.
ومعنى هيولانيته: هي قبوله للانفعال من الفاعل الذي يصوره بالصورة. ولهذا فان
الهيولى الاولى بمجرد معناها هي التي لا كثافة لها ولا ممانعة فيها. وبهذه النتيجة
يمكن القول بأن الهيولى الأولى غير جسم، وانها لا مقدار لها، والمقدار هنا غير
الإضافي، وهنا يمكن سلب معنى المقدارية عنها، القابلة للانقسام الفرضي والوجودي.
5 ـ الصورة عرض في الهيولى إلا انها اصل ومتبوع، لا عرض أخر في الهيولى بوجودها،
وترتفع بارتفاعها. فمن جهة اصليتها وكون الشيء بها هو، تسمى صورة(6). وتكون بالنسبة
للشيء خاصة أو خاصية، ومن جهة تكون قوة عندما تصدر عنها الافعال الخاصة.
وإن الصورة سميت صورة من جهة التصور الذهني، التي بحسبها تكون التسمية لنا نسمي من
حيث نعرف، ونعني من حيث نسمي، فالشيء ما هو في صورنا وما نعنيه وفي وجوده، بفاعله
وماديته وغايته، فإذا قالوا أن الصورة مقومة، عنوا بذلك أنها مقومة للمركب بمادته
وصورته وأعراضه الخاصة به، أي من حيث هو ما هو كالحرارة في النار التي بها توجد
نارا، وبهذا تصبح جسما حارا لطيفا حقيقيا، فالصورة أم الأعراض ومستتبعها في
المادة(7).
يعني ما تقدم أن ابا البركات فصل بين المادة والصورة الموجودة في الهيولى تكون عرضا
لأن وجودها في موضع هو الهيولى(8).
وهذه الآراء مخالفة لمذهب أرسطو وعامة المشائيين الذين أكدوا دورهم بأن الصورة جوهر
بالفعل، والهيولى جوهر بالقوة والجسم الحاصل بينهما كذلك جوهر قائم بذاته، ,يعني
هذا أن الهيولى لا يمكن أن تتجرد من الصورة، ولا تكون قائمة بنفسها بأي حال من
الأحوال، وعندما توجد بالفعل فإن وجودها يكون بالصورة(9).
انواع العلل عند أبي البركات:
أـ العلة العنصرية أو المادية: العلة العنصرية هي التي يكون منها الشيء كالخشب
للسرير، والنحاس للتمثال. وفيلسوفنا كان يسمى العلة المادية بالقابل، وهذه التسمية
كانت عند أبي نصر الفارابي(10).
والقابل هو الذي يكون فيه ومنه الشيء، وهذه العلة تكون بالطبع كالبذر للنبات، أو
تكون بالروية والارادة كالخشب والباب. وتكون قريبة وبعيدة، مثال ذلك الحنطة تكون
مادة للدقيق، والدقيق للخبز، والخبز للكيلوس، والكيلوس للكيموس.
وتكون مشتركة للعلل وهي الأولى، وخاصة لبعض الموجودات وهي القريبة(11). وهذه العلة
كما وضحت تكون جزءا من قوام الشيء، وتكون بالقوة مستعدة للاستكمال، ولا يمكن أن
تنفصل عن العلل الاخرى، مثل الفاعلية والصورية والغاية، ولا تكتمل إلا من خلال بقية
العلل.
ب ـ العلة الصورية: وهذه العلة لم تكن واضحة تمام الوضوح في فلسفة أبي البركات،
لأنه لا يخصص لها فصلا مستقلا في بحثه ولكن يتطرق إلى هذه العلة من خلال شرحه
المفصل للصورة والمادة أي عن طريق الصورة التي يتصف بها الجسم. وقال موضحا ذلك:
«أما الحاصل الزائل، وما يشبهه كالنور في المصباح، والكوكب، يسمى صورة.
أي هي التي بها يكون الشيء بالفعل، والصورة هي إحدى المبادئ المقولة بالقياس إلى
المركب منها، ومن المادة على انه جزء توجه بالفصل حاصلا موجودا"(12). فان وجود
المادة كالخشب للسرير لا يوجد وجود السرير بالفعل، بل بالقوة. وصورة السريرية توجب
وجودها وحصولها بالفعل. ويتضح من هذا أن العلة الصورية هي جزء من قوام الشيء، وشرط
أساس لظهوره إلى الاعيان، وهذا رأي ارسطو(13).
يعني أن العلة الصورية تفيد المادة الشكل والمقدار. وذلك بعد أن تعطيه حقيقة في
الوجود، لأن بها الشيء هو ما هو، كإنسانية الإنسان وفروسية الفرس(14).
جـ ـ العلة الفاعلية: وهذه العلة عند أبي البركات تعد أهم العلل، وذلك لغاية في
اثبات العلة الفاعلية الأولى لجميع الموجودات، وهذا المبدأ الأول (الله سبحانه
تعالى)، فان فلسفة أبي البركات الميتافيزيقية تعد برمتها كشفا لاثبات هذه العلة،
ولهذا السبب يكون البحث فيها من اشرف الأشياء عنده. وتطرق من خلال هذه العلة إلى
البحث في ممكن الوجود، وواجب الوجود، كذلك نقده لنظرية الفيض الفارابية وتحليله
لأراء الفلاسفة والمتكلمين، مع نقده لهم بعد المقارنة لجميع آرائهم، وكشف الحق منها
ورفض الباطل. وهذه عادته في كل موضوع.
والسبب الفاعلي هو السبب الحقيقي الضروري الذي لا بدّ منه لكل معلول، كالنار للحرق،
والنجار للسرير. أي علة لايجاد الشيء، ولهذا فان الفاعل هو السبب الحقيقي لوجود
الشيء. يعني هذا أن الموجدات ثلاثة أصناف هي:
1ـ ذوات حاصلة في الوجود، ووجودها حاصل لذواتها.
2ـ أفعال تصدر من تلك الذوات، وتوجد في المفعولات والمعلولات لوجودها لا يحصل لها
في ذواتها، بل يوجد الفاعل ويحصل في المفعول وبه.
3ـ صفات هي حالات في الذوات الموجودة.
توضيح ذلك: الإنسان يكتب فيكون القلم هو اداة ووسيلة للكتابة، ولكن القلم لا يتحرك
بذاته بل بواسطة الفاعل الذي هو الإنسان أي أن الشيء لا يمكن اتمامه وخروجه وطروحه
من القوة إلى الفعل إلا بالعلة الفاعلية، وكذلك الخشب لصناعة الكرسي لا يتم وجوده
بالفعل إلا بوجود النجار الذي يتم الفعل على يده(15).
وأيضا فيلسوفنا أبو البركات اعتقد بأن الحركة علة الحدث، والحادث معلول علة، من جهة
حصوله. وكل ذلك يتم بالفاعل، الذي يختار لغاية معينة، فإن ذلك يحركه لغاية له(16).
د. العلة الغائية:عندما أشار أبو البركات إلى العلة الفاعلية واعتبرها حقيقة
الموجودات، فان هذه العلة لا تكتمل إلا بدراسة العلة الغائية. والعلة الغائية عند
فيلسوفنا خاتمة العلل كأرسطو وابن سينا وعامة الفلاسفة كالفارابي وأبن رشد، وفخر
الدين الرازي(17).
وابو البركات يتناول هذه العلة في أكثر من نقطة في طبيعياته وإلهياته من كتابه
(المعتبر). ولا نخطئ حينما نقول بان دراسته لهذه العلة تتداخل مع العلم الالهي
تداخلا كبيرا، ولهذا السبب يصعب الفصل بينهما، ودراسته لهذه العلة تدخل في إطارين:
الأول: بحثه لهذه العلة كعلة من علل الموجودات.
الثاني: بحثه في غائية الموجودات الطبيعية مع نظريته في مسألة الاتفاق والبخت.
والغاية عنده هي التي من أجلها وجد الشيء، وفعل الفاعل الصورة في الهيولى. إذن فما
من أجله يكون الشيء لا بدّ أن يكون علة في إعطاء الشيء صورة معينة(18).
والمثال على ذلك هو: عن طريق الغاية المعقولة عند النجار حصلت الصورة الموجودة
بالسرير، وبالصورة الموجودة بالسرير حصلت الغاية المعقولة عند النجار، فهي إذن علة
فاعلية الفاعل، والفاعل علة وجودها(19).
ويتضح من خلال ما تقدم بأن الفاعل سبب للغاية، والغاية سبب للفاعل، إذ الفاعل يفعل
من أجل الغاية، وهذه الغاية تكون سببا لحركته إلى تحقيق الغاية التي يسعى من أجلها.
وهذا رأي ابن سينا بعينه(20).
أيضا أكد أبو البركات بأن الغاية التي تحصل من فعل الفاعل تكون على ضربين، وذلك
انها اما أن تكون صورة وأثرا في منفعل قابل، أو لا تكون. واذا لم تكن صورة ولا أثرا
في منفعل، فهي إذن تكون في الفاعل لا محالة، لأنها إن لم تكن في أحدهما كانت جوهرا
قائما بنفسه، وهذا محال.
إن الحادث، بعد ما لم يكن، يكون حدوثه في القابل لحدوثه، وهو الهيولى، أو المادة لا
محالة. مثل صورة الإنسان ووجودها في مادته. فان حصولها فيها غاية للقوة الفاعلة،
وكذلك الاكتنان في البيت غاية للباني. لذا تكون للغاية نسب مختلفة إلى أمور كثيرة
هي قبلها في الحصول بالفعل والوجود، لأن لها نسبة إلى الفاعل، ونسبة إلى القابل وهو
بالقوة، ونسبة إلى القابل وهو بالفعل، ونسبة إلى الحركة. ولهذا فان بقياسها إلى
الفاعل غاية، وبقياسها إلى الحركة نهاية أي انها تنتهي عنده، وهذا بالقوة خير، لأنه
مستكمل، والشر إذن حسب رأي فيلسوفنا يكون ناقصا.
وكل هذا يعني أن العلة الفاعلية هي المبدأ الأول للحركة، والعلة الغائية مبدأ قصد
الحركة وتناهيها عند صدور الفعل(21).
وابو البركات أبطل اللاتناهي في هذه العلة، وقال أما تناهي العلل الغائية فيصبح
علمه بالبيان الذي ذكر في تناهي العلل الفاعلية من جهة التقدم بالذات الذي للعلة
على المعلول. ويكون بهذا البيان أوضح. فان الغاية في الذهن، وغاية الغاية قبل
الغاية، والذهن أولى بان لا يحصر ولا يحصر ما لا يتناهى في الغاية التمامية، وهي
التي يكون الشيء من أجلها. فاذا كانت غاية أولى كان من اجلها كل شيء ولم تكن هي من
اجل شيء، فإذا كان وراء الغاية غاية كانت الأولى لأجل الثانية، وما هو لأجل غيره
فليس بغاية قصوى، وقد فرضت غاية قصوى، وهذا خلف. وبشكل أوضح فأن الفاعل ليست علة
لصيرورة الغاية، ولا لجوهر الغاية نفسها، بل علة لوجود جوهر الغاية في الأعيان.
وأبو البركات بهذا اثبت بأن الفاعل الأول هو المبدأ الأول، وهو الغاية القصوى الذي
هو واجب الوجود(22).
وفي هذه العبارة نستنتج كذلك، بأن العلل المتصاعدة في فلسفة أبي البركات يتصل بعضها
ببعض إلى أن نصل عنده إلى علة لا علة لها، وهي علة جميع العلل(23).
الإلهيات في فلسفة أبي البركات:
أكد أبو البركات في فلسفته الإلهية أن الله واجب الوجود بذاته، وهو علة كل شيء،
كامل منزه، وأنه السبب الأول المبدع المحرك لجميع الموجودات، وبذلك يكون الوجود
الإلهي هو الوجود الأول الموجب، وكل وجود سواه هو وجود اعتباري سلبي بالنسبة له،
وبهذا الوجود الواجب الثابت يرتبط مبدأ السببية والغاية في الوجود.
وأنه تعالى يشرف على الوجود ويؤثر فيه بنشاط صفاته التي هي عين ذاته، وبهذا يتحدد
مبدأ الوجود، وتتخذ أيضا غايته.
وأن الله تعالى يدرك سائر الموجودات من حيث لا يحتجب عنه منها شيء,ولا يضيق وسعه عن
إدراك كل شيء كما لم تضق قدرته عن إيجادها بأسرها. وإدراكه لها على الوجه الذي لا
يلزم منه حلول المدرك في المدرك على ما قال به أصحاب الحلول.
والله في فلسفة أبي البركات نور الوجود ومنوره، سواء أكان ذلك النور باطنيا أم
ظاهريا، فالنور الظاهر هو القوة التي من خلالها تدرك الأشياء، والنور الباطني هو
الإدراك الذي به ندرك وجودها ومن ثمة ندرك وجود مبدعها ومبدعنا. وهذا النور
بناحيتيه الإدراكية والحسية هو مجرد نشاط لتلك الصفات والخصائص الإلهية، والله هو
خير وهو نور الأنوار، فهو أحق بأن يرى ولسنا أحق بأن نراه، لبعد نوعنا في مقام
منظره ومداه، فهو الظاهر الخفي.
أما ظهوره فبذاته وصفاته، وجوده الواجب بذاته، وما وجب عنه في سائر مخلوقاته، وأما
خفاؤه فعند من ضعف بصره الذاتي عن إدراكه، مثل ضعف عين الخفاش عند ضوء النهار يخفى
عليها لكونه أظهر فيعجزها ويبهرها(24).
ومعرفة الله من قبل الإنسان تكون عن طريق المعرفة الاستدلالية العرضية، لا من مثل
المعرفة الذاتية، لأنا عرفناه تعالى من جهة المبادئ والعلل، ووجوب تناهيها في
البداية الوجودية، والنهاية النظرية الله مبدأ أول وعلة أولى، ومن جهة الوجود
الواجب والممكن، ما لزم في النظر من وجود واجب الوجود بذاته، وتقدم وجوده على وجود
كل ممكن الوجود، فكانت المعرفة الأولى بالمعلولات، والثانية بالوجود الذي هو واجب
بغيره، ومن غيره لا بذاته، ولا بذاتياته. والله تعالى يحيط بكل شيء علما، وليس بجسم
ولا قوامه في جسم.
وأثبت البغدادي وجود الله جل شأنه عن طريق الأدلة الآتية:
1ـ دليل العلة والمعلول.
2ـ الدليل العلمي.
3ـ دليل الحكمة العلية أو النظام.
صفات الله في فلسفة أبي البركات:
أ ـ الوحدانية: يعد مبدأ الوحدانية موضع اهتمام كل الفلاسفة المسلمين، ويقدم أبو
البركات لإثبات ذلك دليله الذي يقول فيه:«إن المبدأ الأول قد صحّ أنه الموجود الأول
الواجب بذاته هو المبدأ الأول، ويكون واحد لأنه إن كان في الوجود مبادئ أُوَل أكثر
من واحدة واجبة الوجود بذاتها فهي تشترك في وجوب الوجود بالذات»(25)، وهذا مرفوض
عند أبي البركات لأنه يؤدي إلى الشرك.
ب ـ إنه لا صفة له، فإن الصفة شريك في الموضوع، فهذه صفات الأضداد وتلك صفات
الأنداد فلا ند له ولا ضد، وهو واحد أحد لا شريك له.
جـ ـ وهو بسيط لا تركيب فيه، وذلك لو تركب من جزئين فأكثر لوجب أن تكون الأجزاء
متغايرة في نفسها ومغايرة له، وهذا لا يجوز عقلا.
الهوامش
ـــــــــــــ
(*) رئيس قسم الفلسفة في كلية الاداب، جامعة الكوفة،
(1) البيهقي، ظهير الدين، تتمة صوان الحكمة:150.
(2) من مصادر ترجمته: سير اعلام النبلاء: 30/ 419، تاريخ حكماء الاسلام: 343، أخبار
العلماء باخبار الحكماء: 224، تتمة صوان الحكمة، للبيهقي: 150، عيون الانباء في
طبقات الاطباء: 374، تاريخ مختصر الدول لابن العربي: 364، كشف الظنون: 1731، هدية
العارفين12/ ص505ـ506، طبقات الاطباء:1/ 278، وفيات الاعيان: 2/ 193، الاعلام:
8/74.
(3) وهذا المبحث كان مصدر خلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في الفلسفة الإسلامية،
الفلاسفة المسلمون جميعا أكدوا أن لا وجود حقيقي بدون صورة، لأن المادة أو الهيولى
لا وجود لها بذاتها، أي من دون صورة، أما المتكلمون فقد انتهى بهم الأمر إلى قولين،
وافق أحدهما قول الفلاسفة، وانتهى الثاني الى «نظرية الخلق المتجدد» التي تعني أن
الصورة أو الاعراض تفنى في كل لحظة.
انظر:حسام الدين الآلوسي، حوار بين الفلاسفة والمتكلمين:44.
(4) ابو البركات كبقية الفلاسفة اعتقد بان الهيولى والصورة مبدءان أساسيان للأجسام
وهذا رأي افلاطون وارسطو وأخذ به الفلاسفة المسلمون مع اختلاف في بعض التصورات،
والمتكلمون اعتقدوا بأن الجوهر والعرض مبدءان أساسيان للأجسام، واختلفوا فيما بينهم
من حيث تأكيد قسم منهم على نظرية (الجوهر الفرد) مثلا الاشاعرة الذين ذهبوا إلى أن
الجسم عبارة عن مجموع جزئين ولهذا الاجسام تكون من جواهر فردة وأعراض، والأعراض لا
يمكن أن تبقى زمانين، واعتقدوا بأن الأجسام تتكون من أجزاء متجانسة ومتماثلة
والاختلاف بينها يكون في الصورة، وتبعهم بعض المعتزلة كذلك الرازي. وأما قسم منهم
رفض نظرية الجوهر الفرد وأكد بأن مبدأ الجسم هو الجسمية: (طول، وعرض، وعمق)، انظر:
الجرجاني: المواقف: 2/352؛ والأشعري في مقالات الإسلاميين، 20/5/7، بينيس، مذهب
الذرة عند المسلمين: ترجمة عبد الهادي ابو ريدة، ص10.
أما ضرار بن عمر الذي يعتبر مؤسس مدرسة «الخلق المتجدد»، فإنه يعتقد بأن مبادئ
الأجسام هي الأعراض فقط، وان الأجسام لا يمكن أن تنفك عنها أو عن أضدادها مثل
الحياة والموت والحركة والسكون. . الخ. كما اكد بان الأعراض لا تبقى زمانين: انظر:
مذهب الذرة، ص5.
(5) المعتبر في الحكمة: 2/11، ص5ـ15.
(6) المعتبر في الحكمة6/122؛ الدكتور عبد الرحمن بدوي، المثل العقلية الافلاطونية
مطبوعات المعهد الفرنسي، ص9.
(7) انظر: المعتبر في الحكمة:2/122.
(8) يقول الفارابي:((إنّ الصورة تشبه الأعراض إذا كان قوام الصور في موضوع وقوام
الأعراض أيضا في موضوع)). رسائل الفارابي كتاب السياسة المدنية، طبعة حيدآباد
الدكن:10. (9) انظر: أرسطو، علم الطبيعة، تحقيق: بارتلمي، تعريب: أحمد لطفي السيد،
ك1، ب10:121؛ قطب الدين الرازي، شرح حكمة الاشراق:252؛ الدكتور حسام الدين الالوسي،
حوار بين الفلاسفة والمتكلمين:45.
(10) الفارابي، فصول متنوعة، تحقيق: فوزي متري نجار، ص52.
(11) المعتبر في الحكمة: 2/8؛ الفارابي، الثمرة المرضية في بعض الرسالات الفارابية،
ص78.
(12) المعتبر في الحكمة: 2/16.
(13) Aristotle: letphgsics, 1072b. p. 872.
(14) المعتبر في الحكمة: 20/9ف15.
(15) المعتبر في الحكمة: 3/100ف10؛ ابن سينا، الشفاء: الفن الأول من السماع
الطبيعي، ص21. Aristotle: physics, III 202a, P 256
(16) المعتبر في الحكمة: 3/173ف20.
(17) انظر: رسائل الكندي الفلسفية: 1/218ـ219؛ الفارابي، في الفصول المرئي، تحقيق:
دفلوب، ص126؛ ابن سينا، في مؤلفه الشفاء، الإلهيات، ص258؛ فخر الدين الرازي،
المباحث المشرقية: 1/458؛ ابن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، ص29؛ السيد الجرجاني،
التعريفات، ص135؛ ابن باجة، تيسير شيخ الأرض، ص23ـ24.
(18) المعتبر في الحكمة: 2/17ف2؛الشفاء الفن الأول من السماع الطبيعي،
ص53والالهيات، ص257.
(19) انظر:م. ن: 2/18ف5 و:3/111.
(20) انظر: الدكتور عاطف العراقي، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، ص165ـ166.
(21) انظر: الدكتور عاطف العراقي، الفلسفة الطبيعية عند ابن سينا، ص166.
(22) المعتبر في الحكمة: 3/120ف5ـ20.
(23) المعتبر في الحكمة: 3/106ف10؛ رسائل الكندي: 2/62؛ ابن سينا: النجاة، طبعة حيد
آباد الدكن، ص223؛ ابن رشد، تلخيص ما بعد الطبيعة، ص16؛ الرازي، المباحث:
1/469ـ470.
(24) المعتبر في الحكمة:3/128.
(25) م. ن:3/60.
|
|
|