|
الدكتور
ياسين خليل (1934-1986)
د. قاسم
جمعة(*)
(خاص للمعهد)
العالم،والأستاذ الجامعي، والوزير... رجل ذو باع
طويل في مجالات عدة، يصعب إحصاؤها، فتراه مرة يكتب في المنطق والفلسفة، وتراه مرة
أخرى يكتب في مجالات السياسة والتنمية، والتربية والتعليم. وأحيانا يتفحص دور
المنظر الإيديولوجي للقومية من جهة، والفكر الابستيمولوجي في نشر الوعي العلمي من
جهة أخرى، وهو ما ندعوه قضاء معرفيا، استطاع أن يجمع ببراعة وحس خلاق بين أقطاب هذا
القضاء، وراح يصارع حالة الضعف التي سببها المرض له منذ فترة مبكرة من حياته،
بتحصيل العلم والنهل من منابعه المختلفة. واختار محطة طالما تجنبها الآخرون، ونقصد
بها المنطق ومجالات المعرفة العلمية.
إنه المفكر العراقي ياسين خليل، الذي ولد في بغداد عام 1934 وتتلمذ في مدارسها وكان
مولعا بالمطالعة والقراءة، وقد أصيب في مطلع شبابه بمرض القلب حتى إنه ترك الدراسة
لمدة سنة قبل دخوله إلى الجامعة، إلا أنه تغلب على هذا المرض وتجاوزه بالاطلاع
والتواصل العلمي. دخل إلى الوسط الجامعي عام 1953 وكان من الطلبة المميزين في قسم
الفلسفة- جامعة بغداد. تخرج في هذا القسم عام 1957 بدرجة امتياز، وحصل في العام
نفسه على منحة دراسية لتعلم المنطق والفلسفة في جامعة "مون يستر"، في ألمانيا،
وبعدها حصل على شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز من الجامعة نفسها، عاد إلى بغداد عام
1961، وعين أستاذا للفلسفة في جامعة بغداد، وبدأت حياته العلمية الزاخرة بالإبداع
والتواصل العلمي، إلا أن المرض لم يتركه يتمتع بنعمة الصحة، إذ بقي يلازمه حتى
أواخر حياته. فلقد وافاه الأجل بعد أن اشتد عليه المرض في اليوم الثالث من شهر آيار
عام 1986.
ياسين خليل ودوره الفكري:
يعد ياسين خليل من أبرز الشخصيات العلمية في مجال المنطق والفلسفة، لاسيما في الوسط
الثقافي العربي. إذ حاول هذا المفكر إبراز قيمة التيار المنطقي والعلمي في دراساته
الفلسفية والابستمولوجية والتراثية، وتبني أهم مقولاته، ونشر الوعي العلمي والثقافة
العلمية في الساحة الأكاديمية من جهة والأوساط الثقافية والمؤسسات العلمية من جهة
أخرى. ولقد استطاع ياسين خليل أن يبلور برؤية نقدية عميقة اتجاها فلسفيا، من خلال
التوفيق بين التيار الاصطلاحي أو المذهب الإجرائي من جانب، والاتجاه الصوري المنطقي
من جانب آخر، الأمر الذي حاول إبرازه في كتابه «منطق المعرفة العلمية»، وكتاب «منطق
البحث العلمي»، الذين هما جزأي نظرية العلم لديه، ومشروعه العلمي في تحقيق الوعي
بأهمية المنطق الصورية والتطبيقية في كافة العلوم. إذ يقول هو: «كان الاتجاه يسير
نحو الربط بين الصورية والاصطلاحية في إطار واحد، مؤكدين من هذه الزاوية كذلك أهمية
الطريقة الاستدلالية الافتراضية في البحث الفيزياوي، والطريقة الاستدلالية أو
البديهية في جميع ضروب المعرفة الرياضية والمنطقية والتجريبي»(1).
ومن أهم الجوانب الأساسية في تفكيره الابستمولوجي، هي محاولاته المتكررة نشر مفهوم
الفلسفة العلمية، أو جعل الفلسفة ذات وظيفة ابستمولوجية محددة. ومفهومه للفلسفة هو
قريب من مفهوم الوضعية المنطقية لها، إذ يقول: «إن الفلسفة في مفهومنا تتحول إلى
نظرية العلم على أساس أن نظرية العلم تمثل البناء المنطقي والفلسفي للمعرفة والبحث
العلمي ووحدة العلوم، إذ ليس المقصود بالفلسفة الميتافيزيقا وغيرها من موضوعات
الدراسة الغيبية والأدبية، بل المعرفة العلمية والمنطق والأسس العامة لوحدة العلوم»(2).
ومن هنا نفهم الأثر العميق الذي تركته الوضعية المنطقية وروادها أمثال (كارناب)
و(رسل) فضلا عن فتجنشتاين على فهمه للفلسفة وطبيعتها، مع الأخذ بنظر الاعتبار النقد
الذي يوجهه ياسين خليل للوضعية المنطقية، لاسيما في نقده لمبدأ التحقق ورؤيته
الوضعية.
فالفلسفة هي نظرية العلم بمفهوم الدكتور ياسين خليل، والتي لها مادة أو موضوع خاص
ومحدد تهتم به، وطريقة وأسلوب بحث معين وغاية تسعى إليها(3). فالمادة هي العلوم
جميعها، والمرجع المتبع هو التحليل المنطقي. أما الغاية فهي تحقيق وحدة العلوم
جميعا. فالموضوع الذي تهتم به النظرية العلمية لدى ياسين خليل هو العلوم بأنواعها
المختلفة من علوم طبيعية وبرهانيه وإنسانية. أما الطريقة التي يسعى في اعتمادها
للكشف عن تلك المادة أو الموضوع قيد البحث
-أي العلوم- فهي الطريقة التحليلية والتركيبية والطريقة البديهية. وتسعى كلا
الرؤيتين المنهجيتين؛ التحليلية والتركيبية، والبديهية، إلى غايات متقاربة من كشف
الشروط المنطقية والمفاهيم العلمية والصورية المعتمدة في كل العلوم ومعرفة شروط
وقواعد العلوم الصورية والتجريبية(4).
أما الغاية التي تهدف إليها نظرية العلم فهي «تحقيق وحدة العلوم باعتبارها الهدف
الذي كانت الفلسفة وما تزال تحاول تحقيقه عن طريق الدراسات المنطقية والتجريبية»(5).
أي أنها تعكس صورة موحدة للعلوم تجاه الطبيعة والظواهر المدروسة، الأمر الذي يذكرنا
بالآمال التي كان يعلقها اوجست كونت على الابستمولوجيا والعلوم الوضعية من تحقيق
وحدة العلوم، وكذلك آرنست ماخ في مسألة الاقتصاد في الفكر وتحقيق وحدة العلوم،
ورواد الفكر الوضعي وأهم فلاسفة الابستمولوجيا باشلار ولالاند وغيرهم. فضلا عن ذلك
الأثر العميق الذي تركه كارل بوبر على تفكير ياسين خليل حول النظرية العلمية،
لاسيما في نقده للاستقراء وقصوره المنطقي ونقد كل من بيكون وجون ستيوارت مل ورؤيتهم
الاستقرائية القاصرة عن استيعاب الاستدلال والبعد المنطقي الصوري في توجيه العملية
الاستقرائية. وكذلك الأثر الذي تركه انشتاين في فهم النظرية العلمية عند ياسين خليل
في استيعاب الطريقة الاستدلالية الافتراضية في الفيزياء وفهم الكون ودور الرياضيات
والاستنباط في فهم النظرية العلمية.
فالمفهوم الذي أراد تقريره ياسين خليل في كتاباته وبحوثه حول الفلسفة هو أنها
الفلسفة العلمية ونظرية العلم بصورتها التحليلية حول العلوم.
فهي نظرية المعرفة العلمية كما ينص هو قائلا: «إن نظرية العلم هي النظرية المنطقية
العامة للعلوم وبعبارة أخرى إنها منطق العلوم بمعنى واسع على أساس أن النظرية
تتناول منطق البحث العلمي ووحدة العلوم»(6).
وهذا المفهوم الذي أخذ يركز عليه في كتبه الفلسفية والمنطقية لاسيما في كتابه منطق
المعرفة العلمية ومنطق البحث العلمي فضلا عن إبراز قيمة الجوانب الاستدلالية
والصورية المنطقية في العلوم البرهانية التجريبية. ولا يعني قولنا بذلك الأثر الذي
تركته الوضعية المنطقية على فلسفته ومفهومه للابستمولوجيا ونظريته المعرفة العلمية
أنه سار على منوالها متعبا خطاها حذو النعل بالنعل، بل أنه انتقد الوضعية المنطقية
لاسيما في مبدأ التحقق المشهور لديهم، والذي ينص على أن كل المفاهيم والقضايا لا بد
من التحقق منها تجريبيا، وتكون قابلة للاختبار تجريبيا والتي لا تصمد أمام هذا
المبدأ التجريبي التحقيقي فهي ميتافيزيقا وزائفة وخالية من المعنى.
ويستند الدكتور ياسين خليل في هذا النقد على مبدأ التكذيب عند كارل بوبر إذ ينتقد
مبدأ التحقق قائلا: «إن للتعميم التجريبي القائل إن جميع القضايا التي لا تستطيع
التثبت منها تجريبيا –عدا الرياضيات والمنطق- هي قضايا ميتافيزيقية، أخطاراً كبيرة
في نطاق العلوم، لأنه يؤدي بنا إلى إلغاء عدد كبير من الفرضيات التي لم يستطع العلم
التثبت منها تجريبيا، بينما هي ضرورية جدا في البحث العلمي»(7).
بالإضافة إلى رأيه النقدي والذي ينص على أن هنالك الكثير من الأفكار والفرضيات التي
لا تستند على أساس تجريبي لاستحالة هذا الأمر وصعوبة ذلك التحقق، إذ تعد تلك
الأفكار والفرضيات المذكورة من العوامل التي ساعدت على تقدم وتطور العلوم، مثلا
فكرة الإيمان بأن هنالك نظاما في الكون وسيطرة الجانب الرياضي عليه فضلا عن
بساطته(8).
وهذا الرأي النقدي الموجه ضد الوضعية المنطقية يأتي من بين جملة التأثيرات التي
تركها الفيلسوف النمساوي كارل بوبر. فضلا عن تمييزه بين الأفكار والذي يستند على
الأساس الوظيفي لها، لا على أساس طبيعتها، أي كونها علمية أو ميتافيزيقية. فهو
يقترح آلية للتمييز بينها على أساس براجماتي وظيفي، إذ يقول: «فضلت استخدام وظائف
الأفكار من دون التقيد بطبيعة الأفكار، وهل هي ميتافيزيقية أو علمية، لأن المقياس
عندي هو جدارة الفكرة وضرورتها في البحث العلمي»(9).
فمعيار الأفكار لديه لا يتبنى المفهوم الوضعي المنطقي وآلياتها، بل يرتكز معياره
على الجانب الوظيفي، أو ما يمكن تسميته بالطابع البرجماتي للعلم.
وعموما فمفهومه للفلسفة يكاد ينحصر في إطار كونها فلسفة علمية، تجعل من مسألة
الاستفادة من الانجازات العلمية المحور المركزي والأساس النظري، في مختلف الميادين،
كالمنطق والرياضيات والفيزياء وبقية النظريات العلمية، الأمر الذي يذكرنا بمفهوم
الفلسفة لدى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار الذي جعل من الفلسفة ذات هم واحد، هو
الارتكاز على ما أنجزته العلوم، وإبراز القيم العلمية والنظريات الجديدة وإحداث
قطيعة ابستمولوجية مع النظريات التقليدية، وإنجاز نمط علمي جديد.
وللحديث عن ياسين خليل المنظـّر في المجال الفكري ومحاولاته العملية في دراسة
الجانب العلمي في التراث العربي الإسلامي، مداخل عدة، لا يسعنا في هذه المعالجة
السريعة استيعابها بشكل كامل، إلا أن ذلك لا يقف حائلا أمام إطلالة سريعة على
المحاور الأساسية التي كانت تشغله وتدفعه نحو البحث والتنظير، لاسيما في مجال تعزيز
مكانة اللغة العربية والفكر العربي، وضرورة إبراز قيمة التراث العربي والاستناد
عليه في بلورة مشروع نهضوي ينافس التيارات المتصارعة في الساحة الثقافية العالمية
من جهة، والمحلية من جهة أخرى، إذ نراه يلح على أهمية المزاوجة بين البعد الاشتراكي
الإنساني والبعد القومي في مواجهة التيارات الفكرية من ماركسية وغيرها، والتي
ينتقدها بشدة.
ومما يدلل على اعتزازه بتراثه العربي العلمي، أنه كتب مؤلفات وبحوث عميقة ودقيقة
تحدوه رغبة إلى تعزيز الإنسان العربي بثقافته وتراثه العربي والقيم الحضارية
للإسلام، حتى إنه كان في معرض نقده للتيارات الفكرية يصرح بصورة واضحة أن التراث
العربي الإسلامي يمتلك خزينا معرفيا، يستطيع الإنسان العربي أن يواجه من خلاله كل
التحديات وعوائق النهوض(10).
سيرته العلمية والإدارية ومناصبه السياسية:
صاحبت ياسين خليل عناوين كثيرة مثلت نشاطاته الاجتماعية والثقافية والإدارية
والسياسية، منها:
ـ رئيس رابطة الطلبة العرب في جامعة مون ستر في ألمانيا، أيام دراسته الجامعية
هناك.
ـ رئيس تحرير جريدة الثورة العربية، 1965، أيام عبد السلام عارف.
ـ رئيس لجنة المؤتمر السياسي الافرو=آسيوي في باندونج عام 1965.
ـ وزير رعاية الشباب، 1966-1968، أيام عبد الرحمن عارف.
ـ رئيس مركز إحياء التراث العلمي العربي 1977 و1982.
ـ رئيس قسم الفلسفة في كلية الآداب، جامعة بغداد لمرات عدة
ـ معاون العميد في كلية الآداب، جامعة بغداد.
ـ رئيس هيئة البحوث الاجتماعية في مؤسسة البحث العلمي.
نشاطه التعليمي:
ـ عمل استاذاً جامعياً في جامعة بغداد.
ـ أشراف على العديد من الرسائل الأكاديمية والبحوث العلمية، ومن رسائل الماجستير
التي أشرف عليها.
ـ درس في ليبيا من عام 1969 وحتى عام 1971.
كتاباته ومؤلفاته:
ـ كتب بحوثا عديدة في الحقول العلمية والصحف العراقية في مجالات المعرفة والمنطق
والفلسفة والتنمية والسياسة ومجالات التعليم وتطوير المناهج والبحث حول التراث.
ـ كتب فصلا في موسوعة حضارة العراق في الجزء الثامن وتحت عنوان (العلوم الصرفة)،
1985.
ـ أما مؤلفاته العديدة فيمكن تصنيفها بحسب أبوابها، كالآتي:
أولاً: كتبه المنطقية:
1ـ مبادئ عامة في التحليل التركيبي للغة باللغة الألمانية، 1961.
2ـ نظرية أرسطو المنطقية، 1964.
3ـ مقدمة في علم المنطق، 1979.
4ـ نظرية القياس المنطقية، 1981.
ثانياً: كتبه الفلسفية:
1ـ مقدمة في الفلسفة المعاصرة، 1970.
2ـ منطق المعرفة العلمية، 1971.
3ـ منطق البحث العلمي، 1974.
ثالثاً: كتبه التراثية:
1ـ التراث العلمي العربي، 1979.
2ـ الطب والصيدلة عند العرب، 1979.
3ـ العلوم الطبيعية عند العرب، 1980
رابعاً: كتبه السياسية:
1ـ الشباب والتيارات الفكرية، 1963.
2ـ القومية والاشتراكية، 1964.
3ـ المفاهيم القومية والاشتراكية، 1965.
4ـ الايدولوجيا العربية، 1966.
الهوامش
ـــــــ
(*)استاذ الفلسفة في الجامعة المستنصرية، بغداد.
(1) ياسين خليل، منطق البحث العلمي.ب ط،ص5
(2) ياسين خليل، منطق المعرفة العلمية،ب ط،ص9.
(3) المصدر نفسه، ص37.
(4) المصدر نفسه، ص34.
(5) المصدر نفسه، ص38.
(6) المصدر نفسه، ص38.
(7) مشهد سعدي العلاف، الدكتور ياسين خليل- سيرته وفلسفته وأعماله العلمية، ب ط،
بغداد 1988، ص83-85.
(8) المصدر نفسه، ص177.
(9) المصدر نفسه، ص110.
(10) للاستزادة، العلاف، ص 29-30. راجع أيضا ص287-331.
|