|
د. عدي
محسن الهاشمي(*)
(خاص للمعهد)
إن أقدم وجود لليهود في العراق يعود إلى القرن
الثامن قبل الميلاد في الفترة التي كان الحكم فيها للدولة الآشورية، وقد أخذت
أعدادهم بالازدياد بشكل كبير في العصر البابلي الحديث على أثر الحملة التي قادها
نبوخذ نصر الثاني سنة 598 ق.م على فلسطين وقضائه على مملكة يهوذا حيث نقل معه إلى
بابل آلافاً من اليهود أسكنهم في جوار القرى والمدن البابلية، مما ساعدهم على
التجمع والاستمرار في ممارسة طقوسهم الدينية وتقاليدهم وتكوين مجتمع خاص بهم لتأمين
سيطرتهم وبناء نفوذهم في المجتمع، واستطاعت الجالية اليهودية في بابل أن تنشئ بيتا
ماليا كبيرا كانت له فروع في بلدان العالم القديم(1).
إن هذا التوجه التجاري حث عليه حاخامات اليهود كما ورد في التوراة والتلموذ، بتقادم
السنين أصبح اليهود أقلية مهمة في العراق وتولوا مناصب خطيرة في أجهزة الدولة حتى
أصبح لهم إبان العصر العباسي مستوطنة في بغداد ظلت مزدهرة حتى سقوط بغداد على يد
المغول سنة 1258م(2).
وقد قدر عدد اليهود في العراق في القرن التاسع عشر بحوالي 2500 أسرة يهودية، كانت
غالبيتهم تعمل في التجارة والأعمال المصرفية، في حين بلغ عددهم في عام 1920 (87488)
يهوديا موزعين على أنحاء البلاد(3).
فكانت أسرة ساسون حسقيل إحدى تلك الأسر اليهودية، كانت أسرة ميسورة الحال، تربى
ساسون في كنفها والذي ولد في 17 آذار 1860م في بغداد وأكمل دراسته في الاستانة, إذ
درس الحقوق هناك فضلا عن اهتمامه بالعلوم المصرفية التي كان متقنا جزءا منها كون
أسرته كانت تعمل في ذلك العمل(4). أخذت تلك الأسر اليهودية بالتقرب من الدولة
العثمانية من أجل الحصول على مراكز مرموقة في الدولة. وبطبيعة الحال فإن أسرة ساسون
حسقيل كانت واحدة من تلك الأسر بالفعل فقد حصل ذلك بعد إعلان الحكم الدستوري عام
1876م. فعين مناحيم دانيال ممثلا عن بغداد، ومن ثم انتخب ساسون حسقيل مستشارا
لوزارة التجارة العثمانية وعضوا في جمعية الاتحاد والترقي(5).
فضلا عن ذلك فقد كان لساسون دور كبير في مجال التعليم في العراق في هذه الفترة لا
سيما على صعيد الطائفة اليهودية، إذ ساهم في إنشاء العديد من المدارس اليهودية في
العراق أمثال مدرسة راحيل شمعون عام 1909م، فضلا عن مدرسة يهودية في الموصل وأخرى
في البصرة وكذلك في خانقين، وكلها فروع لمدارس الاليانس التي كانت قد تأسست في
بغداد عام 1846م، إذ كان الهدف من تلك المدارس تهيئة اليهودي تعليميا وثقافيا
ودينيا(6).
الا أن حب ساسون حسقيل للاعمال المصرفية والمحاسبة كان هو السائد في نشاطه، الأمر
الذي أدى به إلى أن يصبح رئيس المصارفة في بغداد في نهاية عام 1919م، ويعد ذلك
المنصب بمثابة محافظ البنك المركزي اليوم(7).
وعند تشكيل الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني أصبح ساسون وزيرا للمالية،
فعد أول وزير للمالية في العراق بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة. فعمل ساسون على
تنظيم ميزانية البلد بشكل مميز، كما اعتمد نظاما عصريا في تنظيم الضرائب وهيكلتها
بصورة منظمة ودقيقة(8).
وعلى الصعيد السياسي العراقي كان ساسون من بين الأعضاء الذين شاركوا في مؤتمر
القاهرة في آذار 1921م الذي خصص لمباحثات قيام المملكة العراقية وترشيح فيصل بن
الحسين ملكا على العراق. اتسم سلوك ساسون بالوطنية وحب بلده العراق عندما دخل في
جدال مع ونستون تشرشل وزير المستعمرات آنذاك عند اختيار فيصل بن الحسين ملكا للعراق،
الأمر الذي دفع بساسون أن يطلب من ونستون تشرشل اختيار شخص عراقي للعرش كونه أعرف
بالشأن العراقي فضلا عن أن فيصل من الحجاز الذي يعد بلدا بدويا بالنسبة للعراق حسب
ما تقول النظرية. إلا ان تشرشل أجابه قائلا: صحيح هذا يا ساسون أفندي، ولكن لا تنس
بأن كورتراليس ذاهب مع فيصل وهو من الشمال.
أي بمعنى أن كورتواليس الذي عد كاتم أسرار الملك فيصل ومرافقه الشخصي ومن ثم أصبح
مستشارا لوزارة الداخلية وبعدها سفيرا لبريطانيا في العراق سوف يكون صاحب القرار
الأخير وأنه هو الذي يدير الأمور ويسيرها كما تتطلب المصلحة البريطانية، وبالفعل
فقد عد كورتواليس آنذاك ملك العراق غير المتوج.
فنلاحظ من خلال ذلك حرص ساسون حسقيل على بلده وإيمانه بلزوم اختيار ملك عراقي قادر
على تحقيق متطلبات الشعب، والدخول في نقاش مع تشرشل دون غيره من اعضاء الوفد
العراقي. وبعد تنصيب فيصل ملكا على العراق في 23 آب 1921، تقلد ساسون منصب وزير
المالية أيضا، والذي أبدع بعمله بشكل كبير لخبرته بالأمور المالية والمحاسبة فضلا
عن حرصه على ثروة بلده والتعامل معها بشكل صادق ونزيه، ونظرا للجهد الكبير الذي
قدمه ولتنظيمه مالية العراق، قلده الملك جورج الخامس، ملك بريطانيا وسام B.D. في
عام 1923 باعتبار أن بريطانيا وصية على العراق. وأصبح يدعى بالسير حسقيل(9).
ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن أسرة ساسون حسقيل أصبح لها شأن كبير في العراق نظرا
للجهود الكبيرة التي بذلها ساسون في تنظيم ميزانية العراق، حتى ارتبط اسم حسقيل بعد
ذلك بكل شيء مادي، وتجاوز ذلك الأمر حتى تحول اسم حسقيل كشخصية عامة إلى عنوان
في(10) ثلب اليهود بما يشار إليه بالبخل والجبن، وهذا ما ذكره الكاتب شاموئيل موريه
(شعوره بالألم والعتب جراء ذلك)(11).
أسندت لساسون مهمة أخرى، إذ فوضته الحكومة العراقية آنذاك لمفاوضة البريطانيين حول
امتياز شركة النفط العراقية-التركية [شركة بريطانية]، فأخذ ساسون ذلك الأمر بكل
جدية وأصر على ان يكون بيع النفط العراقي بالشلن الذهبي، وأكد على ذلك مرارا
وتكرارا، ودخل في خلاف مع اعضاء الوفد العراقي أيضا الذين أرادوا أن يكون البيع
بالعملة الورقية، وقد قدر العراقيون فيما بعد أهمية موقف ساسون في تلك المفاوضات
والذي أفاد الميزانية العراقية بشكل كبير فيما بعد(12).
فضلا عن ذلك فقد أقدم ساسون على عمل مهم يذكر له في أواخر حياته وساعد على وضع خطة
دقيقة من أجل إصدار عملة عراقية وطنية، وعمل جاهدا من أجل تحقيق ذلك يساعده يهودي
آخر هو إبراهيم كلير مدير عام المحاسبة المالية آنذاك، وبالفعل فقد تم ذلك عام
1932م وأصبحت النقود العراقية هي المتداولة بدلا من الروبية الهندية والليرة
التركية(13).
فكان ذلك أهم عمل قام به حسقيل في أواخر حياته التي انتهت في 31/آب/1932 عن عمر
يناهز (62) سنة، تاركا أعمالا كبيرة سجلت باسمه والتي اثبتت عراقيته ووطنيته
الصادقة، فكان خبر وفاته صدمة للعراقيين الذين تلقوه بحسرة وألم شديدين، ورثاه
الشاعر الكبير معروف الرصافي بقصيدة عصماء، مطلعها:(14)
ألا لا تقل قد مات ساسـون، بَل فقلْ
تغوّر من أفــق المكارم كوكبُ
فقدنا به شيخ البرلمان ينجلي
به ليلــه الداجي إذا قام يخطبُ
وهذا دليل على مدى حب الناس له، نظرا لما قدمه من خدمات جليلة لوطنه وشعبه.
قائمة المصادر
ــــــــــــــــــــ
(*) رئيس قسم التاريخ في كلية التربية، جامعة كربلاء.
(1) مير بصري، اعلام اليهود في العراق الحديث، لندن، 2006، ص20 ـ 24
(2) /www.najah-edu/arabic/articles/adel/123.htm
(3) ibid
(4) حازم المفتي، العراق بين عهدي ياسين الهاشمي- وبكر صدقي، بغداد، 1990، ص28-29.
(5) مير بصري، المصدر السابق، ص30.
(6) /www.sason.ha.htm/net
(7) /www.encyclopedialibral.htm/net
(8) هذه التفاصيل في: عدي محسن الهاشمي/ كينهان، كورنواليس ودوره السياسي في العراق
حتى عام 1945، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة بغداد، 2000.
(9) /www.encyclopedialibral.htm/net
(10) كاتب ومفكر يهودي من أصل عراقي يعمل الان استاذا للادب العربي في الجامعة
العبرية.
(11) /www.encyclopedialibral.htm/net
(12) Ibid
(13) Ibid
(14) مير بصري، االمصدر السابق ، ص 52.
|